محافظ «المركزي» اليمني لـ «الشرق الأوسط»: حتى في عدن.. سنكون مستقلين عن الحكومة

رفض وصف «البنك» بـ«الانفصالي» : «نحن حكومة الجمهورية»

منصر القعيطي محافظ البنك المركزي اليمني لدى حواره مع «الشرق الأوسط» في الرياض أول من أمس (تصوير: إقبال محمد)
منصر القعيطي محافظ البنك المركزي اليمني لدى حواره مع «الشرق الأوسط» في الرياض أول من أمس (تصوير: إقبال محمد)
TT

محافظ «المركزي» اليمني لـ «الشرق الأوسط»: حتى في عدن.. سنكون مستقلين عن الحكومة

منصر القعيطي محافظ البنك المركزي اليمني لدى حواره مع «الشرق الأوسط» في الرياض أول من أمس (تصوير: إقبال محمد)
منصر القعيطي محافظ البنك المركزي اليمني لدى حواره مع «الشرق الأوسط» في الرياض أول من أمس (تصوير: إقبال محمد)

حدق منصر القعيطي، محافظ البنك المركزي اليمني، مستمعا إلى سؤال: «ماذا ستفعل فور وصولك إلى عدن؟»، فقال سريعا: «سأتوجه إلى مقر البنك المركزي». ثم كشف لـ«الشرق الأوسط» بصوت هادئ قائلا: «كان لا بد من تدارك الموقف.. تسلمت بنكا خاويا من المال، ودورة نقدية عاجزة عن الدوران، وقاعدة بيانات غير موجودة»، «لكننا سنحل مشكلة دفع الرواتب رغم احتفاظ الحوثيين بقاعدة البيانات، وذلك عبر البيانات المسجلة في فروع البنك المركزي بالمحافظات»، مؤكدا نيته تفعيل النظام الفيدرالي للبنك بعد التحرير، على غرار الطريقة الأميركية.
وبعد أسبوع واحد من تعيينه محافظا للبنك المركزي، قال القعيطي وهو يرتشف قهوته، إنه يحتاج إلى نهاية السنة الحالية، حتى يستطيع البنك «بشكل مبدئي»، تحقيق ما يصبو إليه، وتابع: «لا نريد أي أداء وحسب، بل الأداء السليم لوظائف البنك المركزي المنصوص عليها في القانون بصورة سليمة».
جرى التجهيز للحوار منذ 3 أشهر، إذا كان المحافظ قبل تعيينه، وزيرا للمالية. كانت هناك ضغوطات على المحافظ ليرد على تصريحات المحافظ السابق، لكنه فضل الصبر، فكان اللقاء في فندق موفمبيك الرياض، أول من أمس، وتعهد فيه المحافظ بأن البنك سيكون مستقلا في عدن، رافضا تسمية أطلقت على البنك بأنه «انفصالي»، وقال: «نحن نمثل الجمهورية اليمنية، ومسؤولون عن كل اليمنيين».
اتكأ القعيطي خلال 3 ساعات على 40 عاما من الركض الاقتصادي، و61 عاما من العمر، متحدثا عن المستقبل، والتداعيات، وخططه الإصلاحية للبناء.. فإلى التفاصيل:
يقول محافظ البنك المركزي اليمني إنه أمام مشكلتين: لا توجد في خزائن البنك أوراق نقدية «تمكنا من مد الاقتصاد بالسيولة التي تلزم، وهذه أولى مهام البنك المركزي». الثانية: أمامنا دورة نقدية معطلة، بمعنى أن قنوات التواصل في الدورة النقدية فقدت الثقة بالبنك المركزي، لأن الدورة كانت تعمل كالآتي: البنك يصدر النقود، يتم تداولها داخل الجهاز المصرفي وخارجه مع الجمهور، ويعود الفائض منه في الدورة هذه من الجمهور إلى الجهاز المصرفي، ثم يعود من جديد إلى البنك المركزي الذي يعيد ضخها في السوق، ولا يحتاج السحب من المخزون الجديد إلا في حال نشوء فجوة. أحيانا حتى الفائض يضاف إلى الجديد. هذه العملية برمتها تعطلت.

لماذا تأخر القرار؟
السؤال طرحه المحافظ، وأجاب عنه قائلا: الرئيس لماذا لم يتخذ هذا الإجراء من قبل؟ هذا بسبب مراعاته للقانون واحترامه، ولكن كيف؟ الإجابة تتمثل في أن فترة مجلس إدارة البنك المركزي وقتها لم تنته، وبالتالي يعتبر أي تدخل مساسا بالاستقلالية. الرئيس هادي فضل ترك البنك حتى يستنفد فترته القانونية ويعجز عن أداء وظائفه كليا ثم اتخذ القرار. خلال الفترة القانونية واستمراريتها لم يتخذ قرارا بشأن المحافظ ونائبه، وأيضا حتى العجز الجزئي الذي كان يحرم المناطق المحررة لم يتخذ الرئيس قرارا حوله. انتظر الاستحقاق القانوني، وهذا نوع من أهمية المراعاة الاستراتيجية لهذه المؤسسة، ومراعاة لاستقلالية البنك. ولكن عندما حال موعد الاستقلال القانوني، تم اتخاذ القرارات.
وزاد: «كان الاستحقاق القانوني يفرض على رئيس الجمهورية عدم ترك الفراغ، أي نهاية صلاحية مجلس الإدارة السابق للبنك المركزي، نسقنا مع السعودية والإمارات وكانتا على علم بذلك. وباركتا ذلك ضمن أسس معينة، وتشمل هذه الأسس دعمهما العملية هذه، وأعطيت فكرة النقل للمجموعة الرباعية أيضا».

الأولويات
وبسؤاله عن الأولويات، قال القعيطي: توفير أوراق نقدية إضافية، وإعادة الثقة للبنك، ولا بد من إنعاش الدورة النقدية للعودة إلى معدلاتها الطبيعية في الدوران.
ويضيف أن تقديرات النقد الموجودة في السوق، تبلغ 16 مليار دولار، «وتقديراتنا تقول إن 50 في المائة من هذا النقد تالف بكل فئاته».
وتمهيدا لسلامة أداء البنك، يقول القعيطي إن من أوائل مهامنا والتزاماتنا التي لا بد أن نفي بها في مجال مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال ومراقبة التحويلات داخل وخارج البلاد، تحديث أنظمة الدفع وتشجيع المؤسسات البنكية، وهي خطوة تنفيذ أيضا لمادة قانونية، إذ إن وظائف البنك المركزي تقول إنه يجب تبسيط وتطوير أنظمة الدفع وتشجيع المؤسسات البنكية والجمهور على ذلك، هذا ما نستهدفه في المستقبل.
ويقول المحافظ: أحرص بشدة على قراءة وتحليل وإيجاد حلول، لتمهيد الطريق لإنجاح قرارات رئيس الجمهورية في إعادة تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي وتعيين محافظ ونائب جديدين ونقل مقره وإدارة عملياته من عدن.. هذه العملية صعبة ومعقدة لأنها تشمل جانبا مؤسسيا وفنيا تقنيا إلى جانب تنظيم إداري، في ظروف قصيرة جدا، وكأننا سنستحدث مؤسسة مصرفية كانت عريقة وتحولت مع الزمن إلى فرع.
ويرى القعيطي أنه بصدد إحياء التقاليد المهنية التي أسست البنك المركزي، والبحث عمن يشغل مناصب مهمة في هذه المؤسسة: «ما زالوا موجودين.. يجب أن نستعين بخبراتهم السابقة الاستشارية»، وأفكر في كيفية التواصل مع الأجيال، واستقطاب الكوادر التي تشغل مجالات فنية مهمة جدا في البنك المركزي حاليا لتشغل المناصب المستحدثة في البنك المركزي بعدن.

قرار النقل
هناك أساسان استند إليهما قرار النقل وفقا لمحافظ المركزي اليمني الجديد. الأول استحقاق قانوني، يتمثل في انتهاء الفترة القانونية لصلاحيات مجلس إدارة البنك. يقول القعيطي: جرى الاتصال بأشقائنا في السعودية والإمارات، نطلب المشاورة والدعم أيضا. وشرحنا كل العوامل التي عجز خلالها المركزي عن الحفاظ على استقلاليته وحياديته. وبالتالي، كان التفكير مباشرة أخذنا إلى نقل المقر إلى عدن.
السبب الثاني. التراكمات والأخطاء القانونية التي أدت إلى استنفاد المركزي الاحتياطي المحلي، واستنفد الاحتياطيات الخارجية واستخدم إلى 15 أغسطس (آب) أقل من 700 مليون دولار، لقد استنفد الموارد التي تكونت على مدى سنوات طويلة في فترة قصيرة جدا. ومؤشرات التوقف عن الدفع بدأت في يوليو (تموز) 2016، ما قبله كان عجزا جزئيا، في تسييل الأوراق المالية، من أذون خزانة وسندات حكومية، وهي أوراق لها قيم مالية ولها شكل من أشكال استثمار البنوك والجمهور في أذون خزانة، وأيضا المؤسسات.. هذه ديون متراكمة على البنك المركزي ومستحقه بتواريخ معينة، وكان البنك جزئيا عاجزا عن الوفاء بها، وكان عاجزا توفير نقد محلي كاف.
في أغسطس توقف كليا حتى عن مرتبات موظفي الدولة. ولو انتظرنا قليلا لتوقفت كل أنظمة الدفع في الجمهورية، ومسار النظام المصرفي سيتحول إلى مسار معطل، وسينتج خروج عن المسار النظامي، وسيجري البحث عن بدائل أخرى للدفع، من ضمنها النقد الأجنبي. كانت العملة الوطنية ستفقد واحدة من أهم وظائفها الرئيسية كأداة دفع، وأيضا مع الأيام كمخزن قيمة. «بمعنى أن المواطنين مع الأيام سوف يخزنون القيم التي يملكونها من خلال وسائل أخرى بما في ذلك النقد الأجنبي». ترتفع نبرات صوت المحافظ: إذا، نحن أمام تعطيل دور وظائف النقود الوطنية، ولذلك، كان لا بد من تدارك الموقف.
كان بإمكان الحكومة اليمنية أن تقول هذا حصل ونحن غير مسؤولين عنه، لأن المركزي تحت هيمنة الحوثيين وهو لم يكن قادرا على استقلاليته بحكم هذه الهيمنة، وما حصل كان من دون إرادة الحكومة، وكل المساعي التي بذلت نحو تصحيح وضع البنك باءت بالفشل، ولم يستطع محافظ البنك المركزي أن يفي بالتزاماته تجاه الحكومة. كل هذه الأمور كان من الممكن أن تكون مبررا للتفرج وعدم عمل شيء، لا إعادة تشكيل ولا نقل مقره، وتركه يشهر إفلاسه. لكن هذا كان من الممكن أن يضر الاقتصاد اليمني كاملا ويضر بأحوال المعيشة، والحركة التجارية. فمن باب المسؤولية كان أمن الواجب أن نتخذ هذه الخطوة.

ما بعد القرار
«لم يعترض علينا حتى اللحظة أي مؤسسة أو دولة. التقينا المؤسسات المالية الدولية في نيويورك بحضور رئيس الجمهورية، لم تعترض المؤسسات المالية الدولية ولا سفراء الدول». ويقول القعيطي حول ردود الأفعال: غداة إعلان القرار، اجتمعت مع سفيري بريطانيا وأميركا، ولم نلق الاعتراض. كان حديثهما مرتكزا على استفسارات للتأكد من قدرتنا على تأمين خدماتنا، وظنا أننا سنحصر اهتماماتنا فقط على المحافظات المحررة، وهناك من يقول إن هذا بنك انفصالي.. نحن حكومة للجمهورية اليمنية، والبنك المركزي جزء من كيان الدولة. فاستقلال البنك لا يعني بالضرورة أنه يعمل في جزيرة عن الجمهورية اليمنية ويعمل ما يشاء.. البنك يعمل داخل اليمن في إطار القوانين، وهو مؤسسة من مؤسسات الدولة، وله صلاحيات. في المقابل له قانونه وهو كيان مستقل عن مؤسسات الدولة. وهذا هو مفهوم الاستقلالية.

اجتماعات نيويورك
عقدنا اجتماعا جيدا مع مديرة صندوق النقد الدولي كريستيان لاغارد، وقالوا إنهم مؤيدون للبنك في حال استطاع تأمين الطريق إلى القيام بوظائفه. ولم يعترض صندوق النقد ولا البنك الدولي على خطوتنا، ولا إسماعيل ولد الشيخ.
واجتمعت مع فريق ولد الشيخ الاقتصادي، وكانت الاجتماعات متركزة على موضوع المركزي، والكل لم يعترض، إذ كيف لأحد أن يعترض وللرئيس كامل الحق دستورا وقانونا أن يصدر قرار النقل. حتى قانونا،
التجربة الليبية
هناك خشية غربية من التجربة الليبية في وجود بنكين مركزيين. هل من الممكن أن يتكرر هذا السيناريو في اليمن؟ قال المحافظ: لا. المخاوف الغربية تتمثل في كيفية تمكين مقر البنك المركزي في عدن من تأمين الخدمات المصرفية لجميع محافظات الجمهورية. رغم أن المركزي في صنعاء رفض تقديم هذه الخدمات منذ أشهر وليس الآن. المحافظات المحررة حتى قبل أن تحرر وإلى الآن تعاني من أزمة سيولة، ولم يساعدنا المجتمع الدولي حول ذلك رغم أننا نعاني معاناة شديدة.
يضيف المحافظ «إن ليبيا وضعها مختلف تماما. لأن في اليمن حكومة شرعية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف به دوليا، ولا يوجد أي كيان آخر شرعي. الانقلاب لا يعترف به أحد في العالم، ولا أي دولة.. وبالتالي الوضع يعد مختلفا هنا».

أخطاء السياسة النقدية
قبل الاستمرار في الحديث عن التحديات والمستقبل، يجدر التوقف عند أسباب الفشل. أجرى المحافظ تحليلا مهنيا، رغم إمكانه ببساطة إلقاء اللوم على الانقلابيين وهيمنتهم، لكن أصر على تحليل ذلك قبل إلقاء اللائمة، فقال: ببساطة عجز البنك عن تأدية مهامه، وتوقف حتى عن دفع رواتب موظفي الدولة، لأنه ارتكب أخطاء في السياسة النقدية، وإدارة السيولة المحلية، وأحيانا كان يدرك أنه من الضروري أن يديرها بطريقة أفضل، لكن نتيجة سيطرة الحوثيين على مراكز الاحتفاظ بالسيولة المحلية وهيمنتهم على هذه المراكز في صنعاء والحديدة، أعاقت من دور البنك المركزي في الوفاء بالتزاماته تجاه كافة محافظات الجمهورية، وهذا أحد الأسباب التي سدت الطريق أمام البنك المركزي لمواصلة أداء مهامه من صنعاء والوفاء بالتزاماته بالجمهور.
رد المحافظ دفع بسؤال استنتاجي: هل هذه تبرئة للقائمين على البنك المركزي وقتها؟ اعتدل في جلسته وقال: «هي ليست تبرئة»، ثم أكمل: «نكن لقيادة البنك المركزي السابقة وخصوصا المحافظ السابق محمد بن همام كل التقدير والاحترام وجمعتنا زمالة قديمة، هو رجل مهني، وحاول من خلال مهنيته أن يخدم من موقعه بوطنية وإخلاص، لكن واقع الحال كان لا يساعده على أنه يدير هذه المسألة بكفاءة ونجاح تام لأسباب وجود مقر البنك المركزي الرئيسي في صنعاء».
وانبرى يقول: لا تنسوا أن محمد بن همام يقيم في صنعاء، وهو من أهالي صنعاء، ولديه ابنتان متزوجتان وتقيمان في صنعاء، ولا يخرج من صنعاء إلا بترخيص من الحوثيين، كان يحاول أن يحرص على تقديم خدماته بصبر. وتعهد لقيادة الدولة في سبتمبر (أيلول) 2015 بأداء بعض الأعمال التي من المفترض أن تحافظ على أداء جيد من الحيادية والاستقلالية للبنك المركزي، ونحن نعرف أنه تعهد بحسن نية، لتأدية مهامه في كامل الجمهورية. وأضاف قائلا: هناك الأوامر كانت تدار بين من عينهم الحوثيين والمندوبين الذين تسلموا الأموال، كانوا عناصر معينة مما تسمى اللجنة الثورية. وهذا وضع مخالف للقانون.

الهدنة الاقتصادية
قبل اجتماع الأردن الذي سماه المحافظ «اليتيم» لمجلس الإدارة السابق في عام 2016، التزم المحافظ بتأمين انعقاد اجتماعات البنك المركزي في الخارج، واقترح هو الأردن، كما التزم بطباعة نقود لأن جزءا منها كان تالفا، وهناك أزمة سيولة شديدة جدا في عدن وحضرموت، ولا ننسى أن عدن تغذي بالسيولة المناطق الجنوبية لحج وأبين والضالع وأحيانا حتى تعز، كمركز للاحتفاظ بالسيولة، وأيضا تعهد لحضرموت بأن يمدها بالسيولة..
اتفقنا في الاجتماع أن نغذي المركزي وخزائنه بجزء من هذه الأموال، كما تعهد بها المحافظ بمباشرة عملية طباعة أوراق نقدية إضافية سيورد جزءا إلى عدن، وهذا أقنع القيادة، بأنه لو تحقق مع سلامة أداء الجهاز المصرفي، من خلال صنعاء، أنه سيعيد ذلك، وقيل له إنهم سيعوقون المهمة.. ففشل في تأمين اجتماع أعضاء مجلس البنك المركزي في الخارج الذي اقترحه هو نفسه، فأنا كنت عضوا في مجلس الإدارة ولا أستطيع الحضور إلى صنعاء بالإضافة إلى آخرين.. لقد عجز عن تحقيق ما تحدث حوله.
كان ذلك في سبتمبر 2015، ولم يستطيع الوفاء بذلك، فأدخلنا وساطة خارجية وجلست أنا كوزير للمالية مع البعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ، وأيضا في لقاءاتي مع سفراء أميركا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي شرحت لهم هذا الموضوع، فكيف لمجلس إدارة بنك مركزي لا يعقد اجتماعات أن يفي بالتزاماته؟ وإذا انعقد في صنعاء فلا نعلم ماذا يدور داخله، وصنعاء تحت هيمنة الحوثيين.. بذلت الأطراف مساعي كبيرة جدا وبعد عدة أشهر من المراسلات مع المركزي استطعنا أن نعقد اجتماعنا ونلتقي في 30 يناير (كانون الثاني) 2016، وهو ما سمي مجازا الهدنة الاقتصادية، وكان أول اجتماع يلتئم فيه اجتماع لمجلس إدارة البنك المركزي اليمني منذ الانقلاب في 21 سبتمبر 2014، وحتى تم تشكيل المجلس الجديد.

نتائج مخيبة
بعد الاجتماع أدخل الانقلابيون تعديلات جوهرية على المحضر بعد شهر واحد من وصولهم إلى صنعاء. لقد مورست ضغوطات على المحافظ للتعديل، والأمر الجوهري الذي أقلقهم في صنعاء كان إقرار مهمة واحدة ذكرت في بندين مختلفين، وهي سلطة إدارة الصرف من حساب الحكومة في البنك المركزي، وهذا يعني الميزانية، أو كيفية إدارة ميزانية الدولة من الحساب رقم 1 في البنك المركزي فكل حكومة في العالم تدير الميزانية تودع فيه الإيرادات وتخرج منه المصروفات، سلطة الصرف من هذا الحساب تكون لوزير المالية، وأنا كنت حينها وزيرا للمالية، فهذا القرار الذي أقر في 22 فبراير (شباط) 2016 كتب في محضر الاجتماع، وأقرت إعادة أوامر الصرف إلى مكانها الصحيح والمصرحات المالية التي يتلقاها «المركزي» تصدر عن وزارة المالية.. عندما عادوا إلى صنعاء أحسوا بأن ذلك سيعطل المبالغ المالية التي كانت تصرف للحوثيين، الـ25 مليار ريال يمني، لأننا أوقفناها، فهي صرفيات غير قانونية ولم يصدر بشأنها تعليمات ولا أوامر صرف من مالك هذا الحساب وهي الحكومة، أو سلطة الصرف وهو وزير المالية.
هناك نقاط أخرى أكدنا عليها، مثل أن يزاول البنك المركزي نشاطاته في الخارج، وأن محافظ البنك يستطيع ممارسة مهامه في الداخل والخارج بحسب الظروف، ومن الأمور التي وردت في المحضر تحقيق استقلالية البنك المركزي وكيفية الحفاظ على هذه الاستقلالية، وثبتنا كل ذلك في المحضر وجرت تعديلات داخل المحضر، وطالبوا منا (وزير المالية ونائبه الذي يمثل الحكومة في مجلس إدارة الصندوق) الموافقة على هذه التعديلات ورفضنا ذلك، وتم إبلاغنا شفهيا واعترضنا على هذا كتابيا، ولدينا كل هذه الوثائق بتسلسلها التاريخي وسننشر ذلك في الوقت المناسب. كل المراسلات التي تمت مع المركزي السابق موجودة وسنعد ملفا متكاملا وسننشره.

استقلالية البنك
يقول المحافظ: سنحافظ على استقلالية البنك المركزي. هذه مهمة جدا استراتيجية، حتى تتحقق سلامة أدائه لوظائفه الرئيسية، الكامنة في الحفاظ على قيمة العملة، واستقرار الأسعار، واستخدام كل الأدوات الاقتصادية بما في ذلك إدارة السياسية النقدية لتحقيق الهدف الرئيسي، ثم هناك أدوات أخرى تتمثل في الرقابة والإشراف على أنشطة البنوك التجارية، ومختلف البنوك، وأيضا التعامل الخارجي وإدارة الاحتياطات الخارجية، والتعامل مع البنوك المراسلة في الخارج، ومهمة جوهرية محصورة جدا للبنوك المركزية وأساسية تاريخيا وهي طباعة وخزن وإصدار النقود، وإدارة السيولة الوطنية المسماة السيولة المحلية. التركيز الآن يتمثل في سؤال واحد: كيف يمكن إدارة هذه العملية.

قاعدة البيانات
أوضح محافظ المركزي اليمني أن قاعدة بيانات البنك موجودة في صنعاء، وقال: «نحن في اجتماع الأردن وقفنا عند هذا الأمر، وضمن التعهدات لمحافظ البنك التي لم يوف بها أن يعمل (نسخًا احتياطيًا)، لأنه لا يجوز على الإطلاق أن تحتفظ البنوك المركزية بقاعدة بيانات بمقرها الرئيسي، من دون أن تعمل نسخًا احتياطيًا».
وبين القعيطي أن النسخ عادة يكون في منطقة ما داخل البلاد، وأخرى خارجها. مضيفًا: «ربما يمكن الاستشهاد بنجاعة هذا الأمر بمثال الكويت، عندما غزا صدام حسين دولة الكويت، استطاع البنك المركزي الكويتي الوفاء بالتزاماته والعودة للقيام بمهامه بالاعتماد على النسخ الاحتياطي الموجود في لندن».
ولفت إلى أنه طوال السنوات الماضية لم يعمل أي نسخ احتياطي للبنك المركزي، عادًا ذلك «خطأ إداريا جوهريا»، مرجحًا أن النظام السياسي فرض عدم إتمام هذا النسخ.
وأشار محافظ المركزي اليمني إلى أن عدم الإقدام على النسخ الاحتياطي لقاعدة بيانات البنك خارج العاصمة صنعاء كان بمثابة سياسة، تم إتباعها منذ التسعينات، ليؤمن تبعية المناطق كلها للمركز.
وأضاف: «هذه مخاطرة كبيرة. وللأسف، فإن خوادم مقر البنك المركزي تقع على الشارع وستذهب قاعدة البيانات. لذلك قلنا لهم نحن في حالة حرب، ولا بد من وجود نسخ احتياطي، وهو لا يكلف شيئا، هي عملية نقل معلومات بسيطة تتطلب خادمًا واحدًا وربطه إلكترونيًا ليكون على اتصال دائم بالبنك، للتحديث أولاً بأول».
وأشار القعيطي إلى أن ما جرى الاتفاق عليه في الأردن أن نضع احتياطا في عدن وآخر في الخارج. هذه استمرار للسياسات القديمة من هيمنة المركز على الأطراف.
وأكد محافظ المركزي اليمني أن البنك سيفي بالالتزامات الواجبة عليه، بحسب البيانات الموجودة في كل فرع، مشددًا على أنه إذا كان لأي مؤسسات استحقاقات معينة، فيجب عليها إثباتها وثائقيًا، بما في ذلك المؤسسات المصرفية. وقال: «لن نتنكر لأي التزامات قائمة على الحكومة وعلى البنك المركزي في الداخل والخارج، لكن يجب إثبات المطالبات».

ترحيب بالكادر السابق
رحب القعيطي بالتعامل مع كادر البنك المركزي في كل مكان، وباستمرارهم في أداء أعمالهم، في المكان الذي يناسب كل موظف، متعهدا بأن يقدم البنك التسهيلات لكل من يريد ذلك.
وكشف أن البنك المركزي على اتصال بالمقر السابق في العاصمة صنعاء، إلى جانب جميع الفروع المنتشرة في بقية محافظات اليمن. وحول ما إذا أعلن مقر البنك في صنعاء عن اتصالاته بالمركزي الجديد في العاصمة المؤقتة عدن، قال: «لم يعلنوا ذلك. لأنهم خائفون. الكادر يشعر بالخوف، وكذلك العاملون في المؤسسات الأخرى وأبرزها البنوك».
كما كشف القعيطي أن آخر تعليمات صدرت للبنوك قبل ثلاثة أيام، تنفيذ توجيهات خطاب عبد الملك الحوثي بأن تتبرع بالمال. مضيفًا: «وصلتني معلومات مؤكدة تقول إنهم (الحوثيين) عقدوا اجتماعًا مع البنوك قبل أيام، وقالوا لهم: إن عليكم أن تفوا بالتزاماتكم، وتوردوا تبرعاتكم وإيداعاتكم للينك المركزي، وإلا فسنعرضكم لعقوبات. هذا التهديد الأخير الذي صدر للبنوك التجارية».

تهديدات وتحديات
رسم محافظ المركزي اليمني صورة حالكة السواد عن الأوضاع الراهنة للبنوك التجارية اليمنية، وكذلك فروع البنوك الأجنبية العاملة في اليمن، موضحًا أنها «تمر بظروف غاية في الخطورة، وعجزت جزئيًا عن الدفع بالعملة المحلية، بسبب تعطل الدورة النقدية، وعدم توفر أوراق نقدية كافية. كما أنها غير قادرة على توفير أموال للمودعين في حساباتهم داخلها». ملخصًا صورة الوضع المصرفي في اليمن بأنها «خطيرة وتهز الثقة».
ولفت إلى أن البنوك تواجه منذ عدة أشهر صعوبات بالغة في التعامل مع الجهات الخارجية، إذ إن معظم البنوك التجارية العالمية أقفلت حسابات البنوك اليمنية لديها. كما أن نوافذ التواصل مع العالم الخارجي في إنجاز المعاملات الدولية من الحوالات وتغطية الاعتمادات المستندية، وإدارة العلاقات مع البنوك الخارجية ضاقت جديًا.
وزاد بأن عمليات التسويات بالدولار واليورو تواجه صعوبات كبيرة في المعاملات الخارجية، فضلاً عن تراجع حسابات أرصدة البنوك بالنقد الأجنبي في حساباتها لدى المراسلين، وتكاد لا تغطي التزاماتها.
وقال محافظ المركزي اليمني تعليقًا على الوضع القائم حاليًا: «المرحلة دقيقة، والبنوك بحاجة إلى الانتشال من هذه الأوضاع، وحمايتها».
متعهدا بالعمل على إنقاذ البنوك من أزمتها الراهنة، «أنا حريص كمحافظ للمركزي على الحفاظ على هذه المؤسسات، لأنها مكسب كل الشعب والاقتصاد اليمني». وأضاف: «من أجل أن يتم التدفق النقدي والتجاري داخل الاقتصاد اليمني، والتدفق النقدي السلعي في المعاملات الخارجية يجب أن نؤمن طريقة سليمة وصحيحة لأداء هذه البنوك، نريد الحفاظ على مصالح الاقتصاد، وأن تستمر مصالح الشعب لا أن نؤثر عليها، وأن نحافظ على حد أدنى من معيشة السكان، وعلى التدفق السلعي والنقدي لاقتصاد الجمهورية، هذه مسؤوليتنا».
وأكد القعيطي أنه يهتم كثيرًا بتفهم ظروف البنوك اليمنية والمحافظة عليها، وحمايتها من تهديدات الحوثيين، والتفكير في إيجاد حلول لهذه المشكلات والتحديات. وعن الإجراءات الممكنة لحماية البنوك، قال محافظ المركزي اليمني: «أولاً سنجشع البنوك على الإيداع والسحب من المقر الرئيسي في عدن. سننصحهم بالحفاظ على كل ما يحفظ حقوقها لدى المركزي، وتستصدر ما يؤيد ذلك». ناصحًا البنوك بالحفاظ على علاقات جيدة مع البنك المركزي الجديد في عدن، ومؤكدًا أن الأبواب مفتوحة أمامها للتواصل مع المركزي، وأن الأيدي ممدودة للتعامل معها.
وشدد على أن إرادة البنك المركزي هي إرساء حسن المعاملة، ودوام التواصل مع البنوك التجارية، وشرح مشاكلها، وأيضًا إشعار العالم بما تتعرض له، ناصحًا البنوك بدورها بعدم الصمت على الظلم والاضطهاد والتهديد، مؤكدًا أن «أضعف وسائل الدفاع عن النفس هو اللسان».

دعوة إلى التواصل
نصح البنوك بسرعة التواصل مع البنك المركزي، لا سيما أنها على علم بكل طرق التواصل، وطرح مشكلاتهم أمامه سريعًا حتى يمكن إيجاد الحلول لها. وقال: «تواصلت بعض البنوك معي شخصيًا، إلى اللحظة».
وعن تفاصيل ما دار بينه وبين تلك البنوك، أوضح أن بعضها أراد أن يطمئن والبعض الآخر أراد التعرف على النهج القادم للبنك المركزي في عدن، بينما بادرت بنوك أخرى إلى شرح مشاكلها. وأضاف: «قيادات بنكية تواصلت معي، وبعضهم يقيم في الخارج، بعد أن هربوا من صنعاء، وآخرون ما زالوا في الداخل، وبعضهم يخشى من الهاتف ومراقبته، فجرى التواصل بوسائل أخرى». وأشار إلى أن الحوثيين فرضوا مندوبين على البنوك التجارية، كما أن الاجتماع الذي عقدوه معها قبل أيام طلبوا فيه تمويلهم، وسبقته تهديدات للبنوك من مغبة عدم تقديمها التمويل المطلوب.

الأمن في عدن
إحدى القضايا المثارة بعد نقل الحكومة الشرعية اليمنية البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، تمثلت في مستوى الأمن في عدن.
وفي هذا الشأن، أكد محافظ المركزي اليمني أن «المسألة الأمنية في عدن محكمة». متهمًا علي عبد الله صالح بالارتباط بالشبكات الإرهابية التي تشكلت في الفترة الماضية في مناطق جنوبية. وأضاف: «حتى انسحابات بعض الوحدات العسكرية من بعض المناطق في محافظات جنوبية كان مرتبًا لها في بعض المواقع. كان جيشه (صالح) النظامي ينسحب والتنظيمات الإرهابية تتقدم، حتى اقتحام المركزي في مدينة المكلا والاستيلاء على أمواله كان جزءا من هذه الترتيبات. فالخلايا الإرهابية متصلة مع استخبارات صالح».
وتساءل القعيطي: «لماذا استهداف البنك المركزي في عدن بعد قرار نقله وليس سابقا؟ فجر الخميس الماضي، أجهزة الأمن ألقت القبض على سيارة على مداخل كريتر، وتبين من التحقيقات أنهم متوجهون للمركزي حتى يفجروه».
وأشار إلى أن العمل يجري حاليًا لإعادة ترميم فرع البنك المركزي في المكلا، خصوصًا خزائنه، بعد أن حاولوا تفجيره، وتم إلقاء القبض على سيارة.
وعاد إلى التساؤل: «من المتضرر من نقل البنك المركزي، شبهة استهداف المركزي وكوادره موجهة للحوثيين وصالح، وهذا أكبر الدلائل على وجود علاقة بين التنظيمات الإرهابية والحوثيين وعلي صالح. نحن أمّنا البنك بقوة أمنية كافية بعد صدور القرار مباشرة في مقراتنا في عدن والمكلا، كمركزين رئيسيين، وكذلك في مختلف المحافظات».
وأضاف: «سنحافظ على استقلالية البنك المركزي. هذه مهمة جدا استراتيجية، حتى تتحقق سلامة أدائه لوظائفه الرئيسية، الكامنة في الحفاظ على قيمة العملة، واستقرار الأسعار، واستخدام كل الأدوات الاقتصادية بما في ذلك إدارة السياسية النقدية لتحقيق الهدف الرئيسي، ثم هناك أدوات أخرى تتمثل في الرقابة والإشراف على أنشطة البنوك التجارية، ومختلف البنوك، وأيضا التعامل الخارجي وإدارة الاحتياطات الخارجية، والتعامل مع البنوك المراسلة في الخارج، ومهمة جوهرية محصورة جدا للبنوك المركزية وأساسية تاريخيا وهي طباعة وخزن وإصدار النقود، وإدارة السيولة الوطنية المسماة السيولة المحلية. التركيز الآن يتمثل في سؤال واحد: كيف يمكن إدارة هذه العملية».

ماذا يقرأ؟
يقول القعيطي أقرأ هذه الأيام التشريعات المصرفية - المنظم للعمل المصرفي - في اليمن وتشمل القوانين واللوائح، مركز عليها حتى أضمن سلامة تنفيذ هذه التشريعات، واستشراف المستقبل، حتى إذا ما تطلب الأمر تحديث هذه التشريعات يجب أن تكون متسقة مع مسار التطوير والمستجدات. قراءاتي الاقتصادية متركزة على التواصل مع الذاكرة المؤسسية القديمة، مجالات الاقتصاد والنقود والبنوك المركزية.
استقلالية البنوك موضوع كبير كتبت فيه مجلدات كثيرة، وموضوع الاستقلالية هنا اختلف عبر الزمان، ما قبل الحرب العالمية الأولى ثم بعد الحرب العالمية الأولى، وأصبح حديثا واسع الانتشار بعد الحرب العالمية الثانية وألفت فيه كتب كثيرة، وما زال الكتاب يكتبون في ذلك، ومفهوم الاستقلال لا يزال يتطور ويتحدث، وهو يشغل بالي كثيرا.



إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من تداعيات قرار الجماعة الحوثية شطب آلاف الوكالات التجارية في مناطق سيطرتها، عادّاً الخطوة تصعيداً خطيراً يندرج ضمن ما وصفه بـ«تفكيك ممنهج» لما تبقى من القطاع الخاص، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تشهدها البلاد منذ سنوات.

وقال الإرياني في تصريح صحافي إن إقدام الجماعة على شطب السجل التجاري والتراخيص لأكثر من 4225 وكالة تجارية محلية ودولية دفعة واحدة، يمثل «مجزرة اقتصادية» تستهدف البنية التجارية، وتقوض ما تبقى من النشاط الاقتصادي المنظم. وأوضح أن هذه الإجراءات تشكل «ضربة مباشرة لآخر أعمدة السوق، وتفاقم من حدة الانهيار الاقتصادي» الذي تعانيه مناطق سيطرة الحوثيين.

وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي «ضمن مسار متواصل منذ انقلاب الجماعة، لإعادة تشكيل سوق الوكالات التجارية بما يخدم مصالحها، عبر إقصاء الوكلاء الشرعيين، وفتح المجال أمام كيانات تابعة لها للاستحواذ على التوكيلات الحصرية». وعدّ أن ما يجري يعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد، في امتداد لسياسات المصادرة وإعادة توزيع الموارد خارج الأطر القانونية.

وأضاف الإرياني أن الجماعة تعمل على ترسيخ نموذج «اقتصاد موازٍ» يقوم على «الاحتكار والجباية، ويعتمد على شبكات مغلقة تديرها عناصر موالية لها؛ مما يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص التقليدي، وإضعاف بيئة الأعمال». ولفت إلى أن هذه السياسات أسهمت في «إفلاس عدد كبير من التجار، وإغلاق شركات ومصانع، فضلاً عن تسارع وتيرة خروج رؤوس الأموال إلى الخارج».

وأكد أن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الإجراءات كانت قاسية، «حيث فقد عشرات الآلاف من العمال مصادر دخلهم، في ظل غياب أي شبكات أمان أو بدائل اقتصادية، الأمر الذي فاقم من مستويات الفقر والبطالة».

وجدد الوزير التأكيد على أن قرارات شطب الوكالات «تفتقر إلى أي أساس قانوني، وتمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد العمل التجاري»، داعياً رجال الأعمال والشركات المتضررة إلى نقل أنشطتهم إلى المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث تتوفر - وفق قوله - بيئة أكبر استقراراً وضمانات قانونية لممارسة الأعمال بعيداً من الضغوط والممارسات التعسفية.


جهود يمنية لتعزيز الاقتصاد والخدمات بإسناد دولي

جانب من اجتماع مجلس الوزراء اليمني في عدن (إعلام حكومي)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء اليمني في عدن (إعلام حكومي)
TT

جهود يمنية لتعزيز الاقتصاد والخدمات بإسناد دولي

جانب من اجتماع مجلس الوزراء اليمني في عدن (إعلام حكومي)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وسط سعي الحكومة اليمنية لتعزيز الاقتصاد وتحسين الخدمات والأمن بإسناد إقليمي ودولي، وصل المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إلى العاصمة المؤقتة عدن، في خطوة تؤكد استمرار انخراط الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية، تستند إلى التوافقات المحلية والدعم الدولي.

وتأتي هذه الزيارة بالتزامن مع تنامي المخاوف من انعكاسات التصعيد العسكري في المنطقة على الداخل اليمني، وبخاصة مع انخراط الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران، ما يضفي على التحرك الأممي أهمية إضافية في محاولة احتواء أي تداعيات محتملة.

وتعكس زيارة غروندبرغ إدراكاً دولياً متزايداً لضرورة الحفاظ على قنوات التواصل السياسي مفتوحة، ومنع انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التعقيد، إذ ينظر إلى هذا التحرك بوصفه جزءاً من جهوده لإعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وإحياء مسار التسوية السياسية الذي تعثر خلال الفترات الماضية.

المبعوث الأممي إلى اليمن لحظة وصوله إلى العاصمة المؤقتة عدن (إكس)

ويُتوقع أن تشمل لقاءات المبعوث الأممي مع المسؤولين الحكوميين وعدد من الفاعلين المحليين، بحث سبل تثبيت التهدئة، وتعزيز الإجراءات الاقتصادية والإنسانية، باعتبارها مدخلاً ضرورياً لأي تقدم سياسي مستدام. كما تسعى الأمم المتحدة إلى تنسيق أكبر مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان تكامل الجهود وتجنب ازدواجية المبادرات.

دعم إنساني وتنموي

بالتوازي مع التحرك السياسي، برزت تحركات يمنية مكثفة لتعزيز الدعم الإنساني والتنموي لليمن. ففي هذا الإطار، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، مع المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الدكتور عبد الله الربيعة، سبل تطوير التنسيق المشترك، بما يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها وفق الاحتياجات الفعلية.

وأكدت الزوبة أهمية الشراكة مع المركز، الذي يمثل أحد أبرز الداعمين الإنسانيين لليمن، حيث تشمل تدخلاته مجالات الغذاء والصحة والإغاثة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية.

وزيرة التخطيط اليمنية تلتقي المشرف العام على مركز الملك سلمان للأعمال الإنسانية (إعلام حكومي)

وفي السياق ذاته، ناقشت الوزيرة الزوبة مع السفيرة الفرنسية لدى اليمن، كاترين كورم كامون، فرص توسيع التعاون ليشمل مجالات جديدة؛ مثل التعليم وبناء القدرات المؤسسية والتمويل المناخي. وشدد الجانبان على أهمية مواءمة المشاريع الدولية مع أولويات الحكومة، وتعزيز دور المنظمات المحلية لضمان استدامة التدخلات.

وتعكس هذه اللقاءات توجهاً نحو الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مقاربات تنموية أكثر استدامة، تركز على بناء القدرات وتحسين الخدمات الأساسية، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه.

تنسيق دولي

تواصل العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، ترسيخ موقعها بوصفها مركزاً رئيسياً للتنسيق بين الحكومة اليمنية والشركاء الدوليين، حيث شهدت سلسلة لقاءات ركزت على تحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار.

وفي هذا الإطار، بحث وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، مع السفيرة البريطانية لدى اليمن، سبل توسيع التعاون لدعم المشاريع الخدمية والتنموية، مع التركيز على البنية التحتية والخدمات الأساسية. وأكد الجانبان أهمية تنسيق الجهود الدولية بما يعزز فاعلية التدخلات، ويحقق نتائج ملموسة للمواطنين.

كما جرى التأكيد على استمرار الدعم البريطاني لجهود الاستقرار في عدن، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المدينة، سواء على صعيد الخدمات أو الضغوط السكانية.

ويعكس هذا الحراك تركيزاً متزايداً على دعم السلطات المحلية، باعتبارها الجهة الأكثر قدرة على تحديد الاحتياجات الفعلية وتنفيذ البرامج التنموية على الأرض، وهو ما يتطلب تعزيز قدراتها المؤسسية وتوفير الموارد اللازمة.

الهجرة وضغط الخدمات

تشكل قضية الهجرة غير الشرعية أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات في عدن، مع تزايد أعداد المهاجرين القادمين من دول القرن الأفريقي، وما يرافق ذلك من ضغوط على الخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، ناقش وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والشرطة، اللواء محمد الأمير، مع وفد المنظمة الدولية للهجرة، سبل تعزيز التعاون في إدارة ملف الهجرة، بما يشمل إنشاء مراكز استقبال للمهاجرين، وبناء قاعدة بيانات متكاملة.

اجتماع يمني مع مسؤولي منظمة الهجرة الدولية (إعلام حكومي)

كما استعرضت السلطات المحلية في عدن، خلال لقاءات مع مسؤولي المنظمة، الأوضاع الإنسانية للمهاجرين في المخيمات، والصعوبات المرتبطة بإدارتها، خصوصاً في الجوانب الصحية والخدمية. وتم التأكيد على ضرورة تسريع برامج العودة الطوعية، وتوسيع نطاقها، بما يخفف من الأعباء على المدينة ويحسن أوضاع المهاجرين.

وأبدت المنظمة الدولية للهجرة استعدادها لتعزيز تدخلاتها، بما في ذلك تنفيذ مشاريع في قطاع التعليم وتأهيل المدارس، في خطوة تهدف إلى دعم المجتمعات المستضيفة إلى جانب المهاجرين.

جاهزية حكومية

على الصعيد الاقتصادي، كثفت الحكومة اليمنية من اجتماعاتها لتقييم الجاهزية لمواجهة أي تداعيات محتملة للتصعيد الإقليمي. وفي هذا الإطار، ترأس رئيس الوزراء شائع الزنداني، اجتماع لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، لمراجعة الأوضاع التموينية والنقدية والخدمية.

وأظهرت الإحاطات المقدمة خلال الاجتماع مؤشرات إيجابية نسبياً، حيث تم التأكيد على استقرار الأوضاع التموينية، واستمرار تدفق المشتقات النفطية، وانتظام حركة الطيران، إلى جانب توفر السلع الأساسية في الأسواق.

كما شددت الحكومة على تعزيز الرقابة على الأسواق، ومكافحة التهريب، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، خصوصاً في مجالات الكهرباء والوقود، في ظل التحديات القائمة.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أهمية رفع مستوى التنسيق بين الجهات المعنية، والاستجابة السريعة لأي مستجدات، بما يحافظ على الاستقرار الاقتصادي ويخفف من الأعباء على المواطنين.


حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended