محافظ «المركزي» اليمني لـ «الشرق الأوسط»: حتى في عدن.. سنكون مستقلين عن الحكومة

رفض وصف «البنك» بـ«الانفصالي» : «نحن حكومة الجمهورية»

منصر القعيطي محافظ البنك المركزي اليمني لدى حواره مع «الشرق الأوسط» في الرياض أول من أمس (تصوير: إقبال محمد)
منصر القعيطي محافظ البنك المركزي اليمني لدى حواره مع «الشرق الأوسط» في الرياض أول من أمس (تصوير: إقبال محمد)
TT

محافظ «المركزي» اليمني لـ «الشرق الأوسط»: حتى في عدن.. سنكون مستقلين عن الحكومة

منصر القعيطي محافظ البنك المركزي اليمني لدى حواره مع «الشرق الأوسط» في الرياض أول من أمس (تصوير: إقبال محمد)
منصر القعيطي محافظ البنك المركزي اليمني لدى حواره مع «الشرق الأوسط» في الرياض أول من أمس (تصوير: إقبال محمد)

حدق منصر القعيطي، محافظ البنك المركزي اليمني، مستمعا إلى سؤال: «ماذا ستفعل فور وصولك إلى عدن؟»، فقال سريعا: «سأتوجه إلى مقر البنك المركزي». ثم كشف لـ«الشرق الأوسط» بصوت هادئ قائلا: «كان لا بد من تدارك الموقف.. تسلمت بنكا خاويا من المال، ودورة نقدية عاجزة عن الدوران، وقاعدة بيانات غير موجودة»، «لكننا سنحل مشكلة دفع الرواتب رغم احتفاظ الحوثيين بقاعدة البيانات، وذلك عبر البيانات المسجلة في فروع البنك المركزي بالمحافظات»، مؤكدا نيته تفعيل النظام الفيدرالي للبنك بعد التحرير، على غرار الطريقة الأميركية.
وبعد أسبوع واحد من تعيينه محافظا للبنك المركزي، قال القعيطي وهو يرتشف قهوته، إنه يحتاج إلى نهاية السنة الحالية، حتى يستطيع البنك «بشكل مبدئي»، تحقيق ما يصبو إليه، وتابع: «لا نريد أي أداء وحسب، بل الأداء السليم لوظائف البنك المركزي المنصوص عليها في القانون بصورة سليمة».
جرى التجهيز للحوار منذ 3 أشهر، إذا كان المحافظ قبل تعيينه، وزيرا للمالية. كانت هناك ضغوطات على المحافظ ليرد على تصريحات المحافظ السابق، لكنه فضل الصبر، فكان اللقاء في فندق موفمبيك الرياض، أول من أمس، وتعهد فيه المحافظ بأن البنك سيكون مستقلا في عدن، رافضا تسمية أطلقت على البنك بأنه «انفصالي»، وقال: «نحن نمثل الجمهورية اليمنية، ومسؤولون عن كل اليمنيين».
اتكأ القعيطي خلال 3 ساعات على 40 عاما من الركض الاقتصادي، و61 عاما من العمر، متحدثا عن المستقبل، والتداعيات، وخططه الإصلاحية للبناء.. فإلى التفاصيل:
يقول محافظ البنك المركزي اليمني إنه أمام مشكلتين: لا توجد في خزائن البنك أوراق نقدية «تمكنا من مد الاقتصاد بالسيولة التي تلزم، وهذه أولى مهام البنك المركزي». الثانية: أمامنا دورة نقدية معطلة، بمعنى أن قنوات التواصل في الدورة النقدية فقدت الثقة بالبنك المركزي، لأن الدورة كانت تعمل كالآتي: البنك يصدر النقود، يتم تداولها داخل الجهاز المصرفي وخارجه مع الجمهور، ويعود الفائض منه في الدورة هذه من الجمهور إلى الجهاز المصرفي، ثم يعود من جديد إلى البنك المركزي الذي يعيد ضخها في السوق، ولا يحتاج السحب من المخزون الجديد إلا في حال نشوء فجوة. أحيانا حتى الفائض يضاف إلى الجديد. هذه العملية برمتها تعطلت.

لماذا تأخر القرار؟
السؤال طرحه المحافظ، وأجاب عنه قائلا: الرئيس لماذا لم يتخذ هذا الإجراء من قبل؟ هذا بسبب مراعاته للقانون واحترامه، ولكن كيف؟ الإجابة تتمثل في أن فترة مجلس إدارة البنك المركزي وقتها لم تنته، وبالتالي يعتبر أي تدخل مساسا بالاستقلالية. الرئيس هادي فضل ترك البنك حتى يستنفد فترته القانونية ويعجز عن أداء وظائفه كليا ثم اتخذ القرار. خلال الفترة القانونية واستمراريتها لم يتخذ قرارا بشأن المحافظ ونائبه، وأيضا حتى العجز الجزئي الذي كان يحرم المناطق المحررة لم يتخذ الرئيس قرارا حوله. انتظر الاستحقاق القانوني، وهذا نوع من أهمية المراعاة الاستراتيجية لهذه المؤسسة، ومراعاة لاستقلالية البنك. ولكن عندما حال موعد الاستقلال القانوني، تم اتخاذ القرارات.
وزاد: «كان الاستحقاق القانوني يفرض على رئيس الجمهورية عدم ترك الفراغ، أي نهاية صلاحية مجلس الإدارة السابق للبنك المركزي، نسقنا مع السعودية والإمارات وكانتا على علم بذلك. وباركتا ذلك ضمن أسس معينة، وتشمل هذه الأسس دعمهما العملية هذه، وأعطيت فكرة النقل للمجموعة الرباعية أيضا».

الأولويات
وبسؤاله عن الأولويات، قال القعيطي: توفير أوراق نقدية إضافية، وإعادة الثقة للبنك، ولا بد من إنعاش الدورة النقدية للعودة إلى معدلاتها الطبيعية في الدوران.
ويضيف أن تقديرات النقد الموجودة في السوق، تبلغ 16 مليار دولار، «وتقديراتنا تقول إن 50 في المائة من هذا النقد تالف بكل فئاته».
وتمهيدا لسلامة أداء البنك، يقول القعيطي إن من أوائل مهامنا والتزاماتنا التي لا بد أن نفي بها في مجال مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال ومراقبة التحويلات داخل وخارج البلاد، تحديث أنظمة الدفع وتشجيع المؤسسات البنكية، وهي خطوة تنفيذ أيضا لمادة قانونية، إذ إن وظائف البنك المركزي تقول إنه يجب تبسيط وتطوير أنظمة الدفع وتشجيع المؤسسات البنكية والجمهور على ذلك، هذا ما نستهدفه في المستقبل.
ويقول المحافظ: أحرص بشدة على قراءة وتحليل وإيجاد حلول، لتمهيد الطريق لإنجاح قرارات رئيس الجمهورية في إعادة تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي وتعيين محافظ ونائب جديدين ونقل مقره وإدارة عملياته من عدن.. هذه العملية صعبة ومعقدة لأنها تشمل جانبا مؤسسيا وفنيا تقنيا إلى جانب تنظيم إداري، في ظروف قصيرة جدا، وكأننا سنستحدث مؤسسة مصرفية كانت عريقة وتحولت مع الزمن إلى فرع.
ويرى القعيطي أنه بصدد إحياء التقاليد المهنية التي أسست البنك المركزي، والبحث عمن يشغل مناصب مهمة في هذه المؤسسة: «ما زالوا موجودين.. يجب أن نستعين بخبراتهم السابقة الاستشارية»، وأفكر في كيفية التواصل مع الأجيال، واستقطاب الكوادر التي تشغل مجالات فنية مهمة جدا في البنك المركزي حاليا لتشغل المناصب المستحدثة في البنك المركزي بعدن.

قرار النقل
هناك أساسان استند إليهما قرار النقل وفقا لمحافظ المركزي اليمني الجديد. الأول استحقاق قانوني، يتمثل في انتهاء الفترة القانونية لصلاحيات مجلس إدارة البنك. يقول القعيطي: جرى الاتصال بأشقائنا في السعودية والإمارات، نطلب المشاورة والدعم أيضا. وشرحنا كل العوامل التي عجز خلالها المركزي عن الحفاظ على استقلاليته وحياديته. وبالتالي، كان التفكير مباشرة أخذنا إلى نقل المقر إلى عدن.
السبب الثاني. التراكمات والأخطاء القانونية التي أدت إلى استنفاد المركزي الاحتياطي المحلي، واستنفد الاحتياطيات الخارجية واستخدم إلى 15 أغسطس (آب) أقل من 700 مليون دولار، لقد استنفد الموارد التي تكونت على مدى سنوات طويلة في فترة قصيرة جدا. ومؤشرات التوقف عن الدفع بدأت في يوليو (تموز) 2016، ما قبله كان عجزا جزئيا، في تسييل الأوراق المالية، من أذون خزانة وسندات حكومية، وهي أوراق لها قيم مالية ولها شكل من أشكال استثمار البنوك والجمهور في أذون خزانة، وأيضا المؤسسات.. هذه ديون متراكمة على البنك المركزي ومستحقه بتواريخ معينة، وكان البنك جزئيا عاجزا عن الوفاء بها، وكان عاجزا توفير نقد محلي كاف.
في أغسطس توقف كليا حتى عن مرتبات موظفي الدولة. ولو انتظرنا قليلا لتوقفت كل أنظمة الدفع في الجمهورية، ومسار النظام المصرفي سيتحول إلى مسار معطل، وسينتج خروج عن المسار النظامي، وسيجري البحث عن بدائل أخرى للدفع، من ضمنها النقد الأجنبي. كانت العملة الوطنية ستفقد واحدة من أهم وظائفها الرئيسية كأداة دفع، وأيضا مع الأيام كمخزن قيمة. «بمعنى أن المواطنين مع الأيام سوف يخزنون القيم التي يملكونها من خلال وسائل أخرى بما في ذلك النقد الأجنبي». ترتفع نبرات صوت المحافظ: إذا، نحن أمام تعطيل دور وظائف النقود الوطنية، ولذلك، كان لا بد من تدارك الموقف.
كان بإمكان الحكومة اليمنية أن تقول هذا حصل ونحن غير مسؤولين عنه، لأن المركزي تحت هيمنة الحوثيين وهو لم يكن قادرا على استقلاليته بحكم هذه الهيمنة، وما حصل كان من دون إرادة الحكومة، وكل المساعي التي بذلت نحو تصحيح وضع البنك باءت بالفشل، ولم يستطع محافظ البنك المركزي أن يفي بالتزاماته تجاه الحكومة. كل هذه الأمور كان من الممكن أن تكون مبررا للتفرج وعدم عمل شيء، لا إعادة تشكيل ولا نقل مقره، وتركه يشهر إفلاسه. لكن هذا كان من الممكن أن يضر الاقتصاد اليمني كاملا ويضر بأحوال المعيشة، والحركة التجارية. فمن باب المسؤولية كان أمن الواجب أن نتخذ هذه الخطوة.

ما بعد القرار
«لم يعترض علينا حتى اللحظة أي مؤسسة أو دولة. التقينا المؤسسات المالية الدولية في نيويورك بحضور رئيس الجمهورية، لم تعترض المؤسسات المالية الدولية ولا سفراء الدول». ويقول القعيطي حول ردود الأفعال: غداة إعلان القرار، اجتمعت مع سفيري بريطانيا وأميركا، ولم نلق الاعتراض. كان حديثهما مرتكزا على استفسارات للتأكد من قدرتنا على تأمين خدماتنا، وظنا أننا سنحصر اهتماماتنا فقط على المحافظات المحررة، وهناك من يقول إن هذا بنك انفصالي.. نحن حكومة للجمهورية اليمنية، والبنك المركزي جزء من كيان الدولة. فاستقلال البنك لا يعني بالضرورة أنه يعمل في جزيرة عن الجمهورية اليمنية ويعمل ما يشاء.. البنك يعمل داخل اليمن في إطار القوانين، وهو مؤسسة من مؤسسات الدولة، وله صلاحيات. في المقابل له قانونه وهو كيان مستقل عن مؤسسات الدولة. وهذا هو مفهوم الاستقلالية.

اجتماعات نيويورك
عقدنا اجتماعا جيدا مع مديرة صندوق النقد الدولي كريستيان لاغارد، وقالوا إنهم مؤيدون للبنك في حال استطاع تأمين الطريق إلى القيام بوظائفه. ولم يعترض صندوق النقد ولا البنك الدولي على خطوتنا، ولا إسماعيل ولد الشيخ.
واجتمعت مع فريق ولد الشيخ الاقتصادي، وكانت الاجتماعات متركزة على موضوع المركزي، والكل لم يعترض، إذ كيف لأحد أن يعترض وللرئيس كامل الحق دستورا وقانونا أن يصدر قرار النقل. حتى قانونا،
التجربة الليبية
هناك خشية غربية من التجربة الليبية في وجود بنكين مركزيين. هل من الممكن أن يتكرر هذا السيناريو في اليمن؟ قال المحافظ: لا. المخاوف الغربية تتمثل في كيفية تمكين مقر البنك المركزي في عدن من تأمين الخدمات المصرفية لجميع محافظات الجمهورية. رغم أن المركزي في صنعاء رفض تقديم هذه الخدمات منذ أشهر وليس الآن. المحافظات المحررة حتى قبل أن تحرر وإلى الآن تعاني من أزمة سيولة، ولم يساعدنا المجتمع الدولي حول ذلك رغم أننا نعاني معاناة شديدة.
يضيف المحافظ «إن ليبيا وضعها مختلف تماما. لأن في اليمن حكومة شرعية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف به دوليا، ولا يوجد أي كيان آخر شرعي. الانقلاب لا يعترف به أحد في العالم، ولا أي دولة.. وبالتالي الوضع يعد مختلفا هنا».

أخطاء السياسة النقدية
قبل الاستمرار في الحديث عن التحديات والمستقبل، يجدر التوقف عند أسباب الفشل. أجرى المحافظ تحليلا مهنيا، رغم إمكانه ببساطة إلقاء اللوم على الانقلابيين وهيمنتهم، لكن أصر على تحليل ذلك قبل إلقاء اللائمة، فقال: ببساطة عجز البنك عن تأدية مهامه، وتوقف حتى عن دفع رواتب موظفي الدولة، لأنه ارتكب أخطاء في السياسة النقدية، وإدارة السيولة المحلية، وأحيانا كان يدرك أنه من الضروري أن يديرها بطريقة أفضل، لكن نتيجة سيطرة الحوثيين على مراكز الاحتفاظ بالسيولة المحلية وهيمنتهم على هذه المراكز في صنعاء والحديدة، أعاقت من دور البنك المركزي في الوفاء بالتزاماته تجاه كافة محافظات الجمهورية، وهذا أحد الأسباب التي سدت الطريق أمام البنك المركزي لمواصلة أداء مهامه من صنعاء والوفاء بالتزاماته بالجمهور.
رد المحافظ دفع بسؤال استنتاجي: هل هذه تبرئة للقائمين على البنك المركزي وقتها؟ اعتدل في جلسته وقال: «هي ليست تبرئة»، ثم أكمل: «نكن لقيادة البنك المركزي السابقة وخصوصا المحافظ السابق محمد بن همام كل التقدير والاحترام وجمعتنا زمالة قديمة، هو رجل مهني، وحاول من خلال مهنيته أن يخدم من موقعه بوطنية وإخلاص، لكن واقع الحال كان لا يساعده على أنه يدير هذه المسألة بكفاءة ونجاح تام لأسباب وجود مقر البنك المركزي الرئيسي في صنعاء».
وانبرى يقول: لا تنسوا أن محمد بن همام يقيم في صنعاء، وهو من أهالي صنعاء، ولديه ابنتان متزوجتان وتقيمان في صنعاء، ولا يخرج من صنعاء إلا بترخيص من الحوثيين، كان يحاول أن يحرص على تقديم خدماته بصبر. وتعهد لقيادة الدولة في سبتمبر (أيلول) 2015 بأداء بعض الأعمال التي من المفترض أن تحافظ على أداء جيد من الحيادية والاستقلالية للبنك المركزي، ونحن نعرف أنه تعهد بحسن نية، لتأدية مهامه في كامل الجمهورية. وأضاف قائلا: هناك الأوامر كانت تدار بين من عينهم الحوثيين والمندوبين الذين تسلموا الأموال، كانوا عناصر معينة مما تسمى اللجنة الثورية. وهذا وضع مخالف للقانون.

الهدنة الاقتصادية
قبل اجتماع الأردن الذي سماه المحافظ «اليتيم» لمجلس الإدارة السابق في عام 2016، التزم المحافظ بتأمين انعقاد اجتماعات البنك المركزي في الخارج، واقترح هو الأردن، كما التزم بطباعة نقود لأن جزءا منها كان تالفا، وهناك أزمة سيولة شديدة جدا في عدن وحضرموت، ولا ننسى أن عدن تغذي بالسيولة المناطق الجنوبية لحج وأبين والضالع وأحيانا حتى تعز، كمركز للاحتفاظ بالسيولة، وأيضا تعهد لحضرموت بأن يمدها بالسيولة..
اتفقنا في الاجتماع أن نغذي المركزي وخزائنه بجزء من هذه الأموال، كما تعهد بها المحافظ بمباشرة عملية طباعة أوراق نقدية إضافية سيورد جزءا إلى عدن، وهذا أقنع القيادة، بأنه لو تحقق مع سلامة أداء الجهاز المصرفي، من خلال صنعاء، أنه سيعيد ذلك، وقيل له إنهم سيعوقون المهمة.. ففشل في تأمين اجتماع أعضاء مجلس البنك المركزي في الخارج الذي اقترحه هو نفسه، فأنا كنت عضوا في مجلس الإدارة ولا أستطيع الحضور إلى صنعاء بالإضافة إلى آخرين.. لقد عجز عن تحقيق ما تحدث حوله.
كان ذلك في سبتمبر 2015، ولم يستطيع الوفاء بذلك، فأدخلنا وساطة خارجية وجلست أنا كوزير للمالية مع البعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ، وأيضا في لقاءاتي مع سفراء أميركا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي شرحت لهم هذا الموضوع، فكيف لمجلس إدارة بنك مركزي لا يعقد اجتماعات أن يفي بالتزاماته؟ وإذا انعقد في صنعاء فلا نعلم ماذا يدور داخله، وصنعاء تحت هيمنة الحوثيين.. بذلت الأطراف مساعي كبيرة جدا وبعد عدة أشهر من المراسلات مع المركزي استطعنا أن نعقد اجتماعنا ونلتقي في 30 يناير (كانون الثاني) 2016، وهو ما سمي مجازا الهدنة الاقتصادية، وكان أول اجتماع يلتئم فيه اجتماع لمجلس إدارة البنك المركزي اليمني منذ الانقلاب في 21 سبتمبر 2014، وحتى تم تشكيل المجلس الجديد.

نتائج مخيبة
بعد الاجتماع أدخل الانقلابيون تعديلات جوهرية على المحضر بعد شهر واحد من وصولهم إلى صنعاء. لقد مورست ضغوطات على المحافظ للتعديل، والأمر الجوهري الذي أقلقهم في صنعاء كان إقرار مهمة واحدة ذكرت في بندين مختلفين، وهي سلطة إدارة الصرف من حساب الحكومة في البنك المركزي، وهذا يعني الميزانية، أو كيفية إدارة ميزانية الدولة من الحساب رقم 1 في البنك المركزي فكل حكومة في العالم تدير الميزانية تودع فيه الإيرادات وتخرج منه المصروفات، سلطة الصرف من هذا الحساب تكون لوزير المالية، وأنا كنت حينها وزيرا للمالية، فهذا القرار الذي أقر في 22 فبراير (شباط) 2016 كتب في محضر الاجتماع، وأقرت إعادة أوامر الصرف إلى مكانها الصحيح والمصرحات المالية التي يتلقاها «المركزي» تصدر عن وزارة المالية.. عندما عادوا إلى صنعاء أحسوا بأن ذلك سيعطل المبالغ المالية التي كانت تصرف للحوثيين، الـ25 مليار ريال يمني، لأننا أوقفناها، فهي صرفيات غير قانونية ولم يصدر بشأنها تعليمات ولا أوامر صرف من مالك هذا الحساب وهي الحكومة، أو سلطة الصرف وهو وزير المالية.
هناك نقاط أخرى أكدنا عليها، مثل أن يزاول البنك المركزي نشاطاته في الخارج، وأن محافظ البنك يستطيع ممارسة مهامه في الداخل والخارج بحسب الظروف، ومن الأمور التي وردت في المحضر تحقيق استقلالية البنك المركزي وكيفية الحفاظ على هذه الاستقلالية، وثبتنا كل ذلك في المحضر وجرت تعديلات داخل المحضر، وطالبوا منا (وزير المالية ونائبه الذي يمثل الحكومة في مجلس إدارة الصندوق) الموافقة على هذه التعديلات ورفضنا ذلك، وتم إبلاغنا شفهيا واعترضنا على هذا كتابيا، ولدينا كل هذه الوثائق بتسلسلها التاريخي وسننشر ذلك في الوقت المناسب. كل المراسلات التي تمت مع المركزي السابق موجودة وسنعد ملفا متكاملا وسننشره.

استقلالية البنك
يقول المحافظ: سنحافظ على استقلالية البنك المركزي. هذه مهمة جدا استراتيجية، حتى تتحقق سلامة أدائه لوظائفه الرئيسية، الكامنة في الحفاظ على قيمة العملة، واستقرار الأسعار، واستخدام كل الأدوات الاقتصادية بما في ذلك إدارة السياسية النقدية لتحقيق الهدف الرئيسي، ثم هناك أدوات أخرى تتمثل في الرقابة والإشراف على أنشطة البنوك التجارية، ومختلف البنوك، وأيضا التعامل الخارجي وإدارة الاحتياطات الخارجية، والتعامل مع البنوك المراسلة في الخارج، ومهمة جوهرية محصورة جدا للبنوك المركزية وأساسية تاريخيا وهي طباعة وخزن وإصدار النقود، وإدارة السيولة الوطنية المسماة السيولة المحلية. التركيز الآن يتمثل في سؤال واحد: كيف يمكن إدارة هذه العملية.

قاعدة البيانات
أوضح محافظ المركزي اليمني أن قاعدة بيانات البنك موجودة في صنعاء، وقال: «نحن في اجتماع الأردن وقفنا عند هذا الأمر، وضمن التعهدات لمحافظ البنك التي لم يوف بها أن يعمل (نسخًا احتياطيًا)، لأنه لا يجوز على الإطلاق أن تحتفظ البنوك المركزية بقاعدة بيانات بمقرها الرئيسي، من دون أن تعمل نسخًا احتياطيًا».
وبين القعيطي أن النسخ عادة يكون في منطقة ما داخل البلاد، وأخرى خارجها. مضيفًا: «ربما يمكن الاستشهاد بنجاعة هذا الأمر بمثال الكويت، عندما غزا صدام حسين دولة الكويت، استطاع البنك المركزي الكويتي الوفاء بالتزاماته والعودة للقيام بمهامه بالاعتماد على النسخ الاحتياطي الموجود في لندن».
ولفت إلى أنه طوال السنوات الماضية لم يعمل أي نسخ احتياطي للبنك المركزي، عادًا ذلك «خطأ إداريا جوهريا»، مرجحًا أن النظام السياسي فرض عدم إتمام هذا النسخ.
وأشار محافظ المركزي اليمني إلى أن عدم الإقدام على النسخ الاحتياطي لقاعدة بيانات البنك خارج العاصمة صنعاء كان بمثابة سياسة، تم إتباعها منذ التسعينات، ليؤمن تبعية المناطق كلها للمركز.
وأضاف: «هذه مخاطرة كبيرة. وللأسف، فإن خوادم مقر البنك المركزي تقع على الشارع وستذهب قاعدة البيانات. لذلك قلنا لهم نحن في حالة حرب، ولا بد من وجود نسخ احتياطي، وهو لا يكلف شيئا، هي عملية نقل معلومات بسيطة تتطلب خادمًا واحدًا وربطه إلكترونيًا ليكون على اتصال دائم بالبنك، للتحديث أولاً بأول».
وأشار القعيطي إلى أن ما جرى الاتفاق عليه في الأردن أن نضع احتياطا في عدن وآخر في الخارج. هذه استمرار للسياسات القديمة من هيمنة المركز على الأطراف.
وأكد محافظ المركزي اليمني أن البنك سيفي بالالتزامات الواجبة عليه، بحسب البيانات الموجودة في كل فرع، مشددًا على أنه إذا كان لأي مؤسسات استحقاقات معينة، فيجب عليها إثباتها وثائقيًا، بما في ذلك المؤسسات المصرفية. وقال: «لن نتنكر لأي التزامات قائمة على الحكومة وعلى البنك المركزي في الداخل والخارج، لكن يجب إثبات المطالبات».

ترحيب بالكادر السابق
رحب القعيطي بالتعامل مع كادر البنك المركزي في كل مكان، وباستمرارهم في أداء أعمالهم، في المكان الذي يناسب كل موظف، متعهدا بأن يقدم البنك التسهيلات لكل من يريد ذلك.
وكشف أن البنك المركزي على اتصال بالمقر السابق في العاصمة صنعاء، إلى جانب جميع الفروع المنتشرة في بقية محافظات اليمن. وحول ما إذا أعلن مقر البنك في صنعاء عن اتصالاته بالمركزي الجديد في العاصمة المؤقتة عدن، قال: «لم يعلنوا ذلك. لأنهم خائفون. الكادر يشعر بالخوف، وكذلك العاملون في المؤسسات الأخرى وأبرزها البنوك».
كما كشف القعيطي أن آخر تعليمات صدرت للبنوك قبل ثلاثة أيام، تنفيذ توجيهات خطاب عبد الملك الحوثي بأن تتبرع بالمال. مضيفًا: «وصلتني معلومات مؤكدة تقول إنهم (الحوثيين) عقدوا اجتماعًا مع البنوك قبل أيام، وقالوا لهم: إن عليكم أن تفوا بالتزاماتكم، وتوردوا تبرعاتكم وإيداعاتكم للينك المركزي، وإلا فسنعرضكم لعقوبات. هذا التهديد الأخير الذي صدر للبنوك التجارية».

تهديدات وتحديات
رسم محافظ المركزي اليمني صورة حالكة السواد عن الأوضاع الراهنة للبنوك التجارية اليمنية، وكذلك فروع البنوك الأجنبية العاملة في اليمن، موضحًا أنها «تمر بظروف غاية في الخطورة، وعجزت جزئيًا عن الدفع بالعملة المحلية، بسبب تعطل الدورة النقدية، وعدم توفر أوراق نقدية كافية. كما أنها غير قادرة على توفير أموال للمودعين في حساباتهم داخلها». ملخصًا صورة الوضع المصرفي في اليمن بأنها «خطيرة وتهز الثقة».
ولفت إلى أن البنوك تواجه منذ عدة أشهر صعوبات بالغة في التعامل مع الجهات الخارجية، إذ إن معظم البنوك التجارية العالمية أقفلت حسابات البنوك اليمنية لديها. كما أن نوافذ التواصل مع العالم الخارجي في إنجاز المعاملات الدولية من الحوالات وتغطية الاعتمادات المستندية، وإدارة العلاقات مع البنوك الخارجية ضاقت جديًا.
وزاد بأن عمليات التسويات بالدولار واليورو تواجه صعوبات كبيرة في المعاملات الخارجية، فضلاً عن تراجع حسابات أرصدة البنوك بالنقد الأجنبي في حساباتها لدى المراسلين، وتكاد لا تغطي التزاماتها.
وقال محافظ المركزي اليمني تعليقًا على الوضع القائم حاليًا: «المرحلة دقيقة، والبنوك بحاجة إلى الانتشال من هذه الأوضاع، وحمايتها».
متعهدا بالعمل على إنقاذ البنوك من أزمتها الراهنة، «أنا حريص كمحافظ للمركزي على الحفاظ على هذه المؤسسات، لأنها مكسب كل الشعب والاقتصاد اليمني». وأضاف: «من أجل أن يتم التدفق النقدي والتجاري داخل الاقتصاد اليمني، والتدفق النقدي السلعي في المعاملات الخارجية يجب أن نؤمن طريقة سليمة وصحيحة لأداء هذه البنوك، نريد الحفاظ على مصالح الاقتصاد، وأن تستمر مصالح الشعب لا أن نؤثر عليها، وأن نحافظ على حد أدنى من معيشة السكان، وعلى التدفق السلعي والنقدي لاقتصاد الجمهورية، هذه مسؤوليتنا».
وأكد القعيطي أنه يهتم كثيرًا بتفهم ظروف البنوك اليمنية والمحافظة عليها، وحمايتها من تهديدات الحوثيين، والتفكير في إيجاد حلول لهذه المشكلات والتحديات. وعن الإجراءات الممكنة لحماية البنوك، قال محافظ المركزي اليمني: «أولاً سنجشع البنوك على الإيداع والسحب من المقر الرئيسي في عدن. سننصحهم بالحفاظ على كل ما يحفظ حقوقها لدى المركزي، وتستصدر ما يؤيد ذلك». ناصحًا البنوك بالحفاظ على علاقات جيدة مع البنك المركزي الجديد في عدن، ومؤكدًا أن الأبواب مفتوحة أمامها للتواصل مع المركزي، وأن الأيدي ممدودة للتعامل معها.
وشدد على أن إرادة البنك المركزي هي إرساء حسن المعاملة، ودوام التواصل مع البنوك التجارية، وشرح مشاكلها، وأيضًا إشعار العالم بما تتعرض له، ناصحًا البنوك بدورها بعدم الصمت على الظلم والاضطهاد والتهديد، مؤكدًا أن «أضعف وسائل الدفاع عن النفس هو اللسان».

دعوة إلى التواصل
نصح البنوك بسرعة التواصل مع البنك المركزي، لا سيما أنها على علم بكل طرق التواصل، وطرح مشكلاتهم أمامه سريعًا حتى يمكن إيجاد الحلول لها. وقال: «تواصلت بعض البنوك معي شخصيًا، إلى اللحظة».
وعن تفاصيل ما دار بينه وبين تلك البنوك، أوضح أن بعضها أراد أن يطمئن والبعض الآخر أراد التعرف على النهج القادم للبنك المركزي في عدن، بينما بادرت بنوك أخرى إلى شرح مشاكلها. وأضاف: «قيادات بنكية تواصلت معي، وبعضهم يقيم في الخارج، بعد أن هربوا من صنعاء، وآخرون ما زالوا في الداخل، وبعضهم يخشى من الهاتف ومراقبته، فجرى التواصل بوسائل أخرى». وأشار إلى أن الحوثيين فرضوا مندوبين على البنوك التجارية، كما أن الاجتماع الذي عقدوه معها قبل أيام طلبوا فيه تمويلهم، وسبقته تهديدات للبنوك من مغبة عدم تقديمها التمويل المطلوب.

الأمن في عدن
إحدى القضايا المثارة بعد نقل الحكومة الشرعية اليمنية البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، تمثلت في مستوى الأمن في عدن.
وفي هذا الشأن، أكد محافظ المركزي اليمني أن «المسألة الأمنية في عدن محكمة». متهمًا علي عبد الله صالح بالارتباط بالشبكات الإرهابية التي تشكلت في الفترة الماضية في مناطق جنوبية. وأضاف: «حتى انسحابات بعض الوحدات العسكرية من بعض المناطق في محافظات جنوبية كان مرتبًا لها في بعض المواقع. كان جيشه (صالح) النظامي ينسحب والتنظيمات الإرهابية تتقدم، حتى اقتحام المركزي في مدينة المكلا والاستيلاء على أمواله كان جزءا من هذه الترتيبات. فالخلايا الإرهابية متصلة مع استخبارات صالح».
وتساءل القعيطي: «لماذا استهداف البنك المركزي في عدن بعد قرار نقله وليس سابقا؟ فجر الخميس الماضي، أجهزة الأمن ألقت القبض على سيارة على مداخل كريتر، وتبين من التحقيقات أنهم متوجهون للمركزي حتى يفجروه».
وأشار إلى أن العمل يجري حاليًا لإعادة ترميم فرع البنك المركزي في المكلا، خصوصًا خزائنه، بعد أن حاولوا تفجيره، وتم إلقاء القبض على سيارة.
وعاد إلى التساؤل: «من المتضرر من نقل البنك المركزي، شبهة استهداف المركزي وكوادره موجهة للحوثيين وصالح، وهذا أكبر الدلائل على وجود علاقة بين التنظيمات الإرهابية والحوثيين وعلي صالح. نحن أمّنا البنك بقوة أمنية كافية بعد صدور القرار مباشرة في مقراتنا في عدن والمكلا، كمركزين رئيسيين، وكذلك في مختلف المحافظات».
وأضاف: «سنحافظ على استقلالية البنك المركزي. هذه مهمة جدا استراتيجية، حتى تتحقق سلامة أدائه لوظائفه الرئيسية، الكامنة في الحفاظ على قيمة العملة، واستقرار الأسعار، واستخدام كل الأدوات الاقتصادية بما في ذلك إدارة السياسية النقدية لتحقيق الهدف الرئيسي، ثم هناك أدوات أخرى تتمثل في الرقابة والإشراف على أنشطة البنوك التجارية، ومختلف البنوك، وأيضا التعامل الخارجي وإدارة الاحتياطات الخارجية، والتعامل مع البنوك المراسلة في الخارج، ومهمة جوهرية محصورة جدا للبنوك المركزية وأساسية تاريخيا وهي طباعة وخزن وإصدار النقود، وإدارة السيولة الوطنية المسماة السيولة المحلية. التركيز الآن يتمثل في سؤال واحد: كيف يمكن إدارة هذه العملية».

ماذا يقرأ؟
يقول القعيطي أقرأ هذه الأيام التشريعات المصرفية - المنظم للعمل المصرفي - في اليمن وتشمل القوانين واللوائح، مركز عليها حتى أضمن سلامة تنفيذ هذه التشريعات، واستشراف المستقبل، حتى إذا ما تطلب الأمر تحديث هذه التشريعات يجب أن تكون متسقة مع مسار التطوير والمستجدات. قراءاتي الاقتصادية متركزة على التواصل مع الذاكرة المؤسسية القديمة، مجالات الاقتصاد والنقود والبنوك المركزية.
استقلالية البنوك موضوع كبير كتبت فيه مجلدات كثيرة، وموضوع الاستقلالية هنا اختلف عبر الزمان، ما قبل الحرب العالمية الأولى ثم بعد الحرب العالمية الأولى، وأصبح حديثا واسع الانتشار بعد الحرب العالمية الثانية وألفت فيه كتب كثيرة، وما زال الكتاب يكتبون في ذلك، ومفهوم الاستقلال لا يزال يتطور ويتحدث، وهو يشغل بالي كثيرا.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.