المعارضة السورية تطلق «خريطة طريق» للمرحلة الانتقالية من منصة لندن

اجتماع لوزراء خارجية «النواة الصلبة» في لندن لمباركة الوثيقة

صورة تجمع رئيس الائتلاف أنس العبدة والمنسق العام د. رياض حجاب وحسن عبد العظيم مع وزراء خارجية دول أصدقاء سوريا (صورة من موقع الائتلاف)
صورة تجمع رئيس الائتلاف أنس العبدة والمنسق العام د. رياض حجاب وحسن عبد العظيم مع وزراء خارجية دول أصدقاء سوريا (صورة من موقع الائتلاف)
TT

المعارضة السورية تطلق «خريطة طريق» للمرحلة الانتقالية من منصة لندن

صورة تجمع رئيس الائتلاف أنس العبدة والمنسق العام د. رياض حجاب وحسن عبد العظيم مع وزراء خارجية دول أصدقاء سوريا (صورة من موقع الائتلاف)
صورة تجمع رئيس الائتلاف أنس العبدة والمنسق العام د. رياض حجاب وحسن عبد العظيم مع وزراء خارجية دول أصدقاء سوريا (صورة من موقع الائتلاف)

في محاولة لوضع حد للصراع الدائر في سوريا منذ خمس سنوات، وافق التحالف الذي يضم خصوم رئيس النظام السوري بشار الأسد على خريطة طريق انتقالية لتحديد معالم حكومة انتقالية، من المفترض تشكيلها خلال ستة شهور من الآن. وجرى الكشف عن الخطة التفصيلية ومناقشة تفاصيلها في مؤتمر عقدته الحكومة البريطانية، ووعدت بحشد جهود دولية من أجله.
وصرح رياض حجاب، المنسق العام للهيئة العليا للتفاوض، بأنه يتحتم على بشار الأسد التخلي عن السلطة خلال الشهور الستة القادمة المفترض أن تبدأ فيها المرحلة الانتقالية.
وتتألف الخطة من ثلاث مراحل: أولاً مفاوضات لستة شهور بين ممثلي المعارضة والحكومة السورية وفق اتفاق جينيف 2012 أساسًا للمفاوضات. يتعهد الطرفان بفرض هدنة مؤقتة ورفع الحصار والسماح لكافة المساعدات الإنسانية، والإفراج عن المعتقلين.
ثم الفترة الانتقالية لعام ونصف، تبدأ منذ تاريخ تأسيس الحكومة الانتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، ورحيل الأسد وغيره من كبار المسؤولين المتهمين بارتكاب «جرائم شائنة». وسوف تجري صياغة دستور جديد خلال تلك الفترة، وسيؤسَّس لنظام سياسي ديمقراطي تعددي في البلاد.
وفي المرحلة الثالثة، سيجري الاتفاق على التعديلات الدستورية وفق حوار قومي، وانتخابات تجري تحت إشراف الأمم المتحدة.
وبحسب محللين، ربما تقدم خطة لندن، على الأقل، جزءًا من الغطاء السياسي الذي تحتاجه القوى المهتمة بالشأن السوري لتعديل أوجه السياسة الحالية. وقد تكون الخطة بمثابة ستار خلفي للمسرح، لإبرام اتفاق أميركي روسي جديد لوقف إطلاق النار في بعض المناطق التي تشهد معارك شرسة.
«باستثناء الأسد وحفنة من أقرب المحيطين، لم تستثنِ الخطة أحدًا»، وفق دبلوماسي بريطاني طلب عدم ذكر اسمه، مضيفا: «الخطة لا تهدف لإقصاء أي من القوى، حيث إن هناك وعيا بحاجة سوريا لدعم الجميع كي يعيشوا شعبا واحدا مرة أخرى». لكن في حال فشلت الخطة المقترحة، كما حدث في الخطط السابقة، فقد تشهد سوريا فترة أسوأ وأعنف من الصراع المسلح.
وشدد المؤتمر على «ألا يكون هناك أي دور لمجرمي الحرب وكل من أدين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في المرحلة الانتقالية». بيد أن المؤتمر لم يتطرق إلى المطالبة بتفكيك البنية الإدارية والعسكرية والأمنية للنظام الحالي.
وفي محاولة غير مباشرة لتهدئة المخاوف الروسية من أن رحيل الأسد قد يؤدي إلى انهيار الدولة والجيش السوري، كما حدث في العراق عام 2003، أوضحت المعارضة أنها لا تسعى «للثأر»، بل «للإصلاح وفق الإجماع الشعبي لإعادة الحياة إلى طبيعتها». وبحسب تصريح متحدث من المعارضة السورية: «لن يكون هناك انتقام. في الحقيقة، نحن نسعى لتشكيل لجان لا تهدف سوى الحقيقة وتحقيق المصالحة».
وبمقتضى الخطة، سوف تراجع لجان خاصة «الوضع الحالي» لبنية الجيش والشرطة السورية، بهدف إعادة تشكيلها وتدريب منتسبيها لتخدم الشعب وحكومته التي تشكلت منه، لا لحماية السلطة التي تعتمد على الولاءات الطائفية والآيديولوجية الضيقة.
وعلى الرغم من أن الاقتراحات بخصوص الخيارات الفيدرالية لم تثر في المؤتمر، فإن المؤتمر قد أوضح أنه فضل الحفاظ على كيان الدولة السورية المركزي الكبير، عن طريق سلسلة من المقترحات بهدف تعزيز الديمقراطية.
وتأمل كل من المعارضة السورية والحكومة البريطانية في أن تعزز الخطة التي تألفت من 12 نقطة، اتفاق العالم على طريقة وضع نهاية للتراجيديا السورية. وسوف تدعم بريطانيا الخطة من خلال مجلس الأمن الدولي بجهود خاصة لإقناع روسيا بالموافقة عليها. ومن المرجح أن تحظى الخطة بموافقة غالبية الدول العربية، وتحديدا السعودية التي اجتمع وزير خارجيتها عادل الجبير مع قادة المعارضة السورية في لندن أمس. وسوف تبذل جهود دبلوماسية أيضا من أجل إشراك قوى أخرى على صلة بالصراع في سوريا، منها إيران وتركيا، بحسب مصادر بريطانية.
وأوضح وزير الخارجية البريطاني الجديد بوريس جونسون، أنه يعتزم تكثيف الجهود البريطانية لإنهاء الصراع الدائر في سوريا، وقال إنه اطلع على الخطة الانتقالية خلال لقائه مع قادة المعارضة السورية أمس.
ومن المفترض أن تضم الحكومة المؤقتة «طيفا واسعا من القوى السياسية السورية»، وفق غسان إبراهيم، المعارض المستقل. ولن تشمل الحكومة الجديدة المعارضة فحسب، بل أيضا ستشمل ممثلين عن المجتمع المدني، وقادة بعض المنظمات غير الحكومية، وعناصر من الإدارة الحالية.
وبحسب مصادر بريطانية، سوف تمهد الحكومة السورية المؤقتة المقترحة لإجراء انتخابات عامة خلال 18 شهرا من تشكيلها، من دون محاولة فرض إرادتها السياسية على الشعب الذي مزقته الحرب. فالفكرة هي أن «ندعم التفكير العقلاني في مستقبل البلاد، ومساعدة جميع عناصر الشعب على التعبير عن رأيهم ودعم خياراتهم من دون خوف».
تناول المؤتمر أيضا الخطوط العريضة لخطط إعادة إعمار البنية السورية المحطمة، وإعادة الحياة لاقتصادها. وتقدر الدراسات حاجة سوريا من الاستثمارات بنحو تريليون دولار على مدار السنوات العشر القادمة، لمساعدة سوريا على الوقوف على قدميها مجددا.
وناقش المؤتمر أيضا أمر التواجد العسكري الأجنبي في سوريا، في إشارة إلى أن تعاون روسيا، وتركيا، وإيران، وحلف شمال الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة، أقوى من الغضب الذي يسببه تدخلهم المباشر وغير المباشر في حرب كلفت كثيرا من الأرواح.
اجتمع وزراء خارجية «النواة الصلبة» في مجموعة «أصدقاء سوريا» في لندن، أمس، لمباركة الوثيقة التي أقرتها «الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة، بحضور نحو عشرين دولة ومنظمة. ومن أبرز المشاركين في هذا الاجتماع وزراء خارجية «بريطانيا، وتركيا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، وإيطاليا، وفرنسا، والاتحاد الأوروبي»، على أن يلقي وزير الخارجية الأميركي جون كيري كلمة عبر دائرة فيديو مغلقة.
وفي مؤتمر صحافي جمع وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، ومنسق عام الهيئة العليا للتفاوض رياض حجاب، رحب جونسون برؤية المعارضة السورية للحل السياسي في سوريا، وعبر عن أمله في أن تتم دراسة خطة المعارضة السورية جديًا، مشددًا على ضرورة رحيل الأسد عن المشهد السياسي.
أما حجاب، فقال إن بريطانيا قدمت الدعم السياسي والإغاثي للسوريين، وأكد أن خطة المعارضة السورية تهدف للانتقال إلى مرحلة جديدة، وأن هيئة الحكم الانتقالي تقوم على المشاركة بين المعارضة والنظام. وتابع أن على روسيا والميليشيات القادمة من الخارج الرحيل عن سوريا. ولفت إلى أن «اتفاق وقف إطلاق النار خُرق أكثر من 8 آلاف مرة من قبل النظام وروسيا».
وكان منسق عام الهيئة العليا للتفاوض، قد شدد في الصباح، على أنه لا يمكن القبول ببقاء الأسد لا لستة أشهر، أو ليوم واحد، أو لدقيقة واحدة، خلال عملية الانتقال السياسي في سوريا.
وأكد على «أننا لا نطالب بحل المؤسسة العسكرية بسبب التجارب السابقة الفاشلة، ونقترح تشكيل مجلس عسكري مشترك خلال الانتقال السياسي في سوريا». وأشار إلى أن المعارضة السورية سترفض أي خطة أميركية روسية لا تتماشى مع رؤيتها. وأضاف أن الهيئة سترفض أي اتفاق تتوصل إليه روسيا والولايات المتحدة بشأن مصير سوريا إذا كان مختلفًا عن رؤيتها.
وكانت الهيئة العليا للمفاوضات قد أعلنت في الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي عن نيتها نشر خطة الانتقال السياسي في سوريا. هذا ما أعلنته ممثلة «مجموعة الرياض» هند قبوات، التي أكدت أنه إضافة إلى تشكيل هيئة «الحكم الانتقالي»، تتضمن الوثيقة تفاصيل مدة مرحلة الانتقال السياسي، وآليات ضمان تمثيل الأقليات في مؤسسات الدولة.
يشار إلى أن «النواة الصلبة» في «أصدقاء سوريا» تضم 11 دولة غربية وعربية وإقليمية، بما فيها «الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والسعودية، وقطر، وتركيا، والإمارات، والأردن، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي»، مقابل غياب مصر التي لم تعد تحضر هذه الاجتماعات. من جهة ثانية اعتبر وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، في تصريح لـ«بي بي سي» أن خطة المعارضة تشكل «خطوة إلى الأمام»، وتقدم «رؤية لسوريا: أي ما يجب أن تكون عليه سوريا عبر إشراك الجميع».
وعقد اجتماع جنيف - 1 في عام 2012 بغياب الأطراف السوريين، وصدر عنه بيان دعا إلى تشكيل هيئة انتقالية «تتمتع بكامل الصلاحيات»، في حين عقد مؤتمر وجولة مفاوضات جنيف - 2 في عام 2014، بحضور الأطراف السورية من دون أن يحقق أي نتائج.
وأطلقت في أواخر يناير (كانون الثاني) 2016 جولات جديدة من المفاوضات غير المباشرة، برعاية الأمم المتحدة في جنيف من دون أن تحقق أي نتائج أيضًا. لكن لم تتمكن من تحقيق أي تقدم؛ نتيجة للتباعد الكبير في وجهات النظر حيال المرحلة الانتقالية، ومصير الرئيس السوري بشار الأسد.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.