جورجيا أوكَيف.. رسامة الورود والعالم الروحي

معرض استعادي كبير في العاصمة البريطانية لـ«أم الحداثة الأميركية»

لوحة من لوحات المعرض
لوحة من لوحات المعرض
TT

جورجيا أوكَيف.. رسامة الورود والعالم الروحي

لوحة من لوحات المعرض
لوحة من لوحات المعرض

نظّم مُتحف الـ«تيت مودرن» بلندن معرضًا استعاديًا كبيرًا للفنانة الأميركية جورجيا أوكيف التي وصفها النقّاد الفنيون بـ«أم الحداثة الأميركية». وسوف يستمر المعرض، الذي افتتح في 6 يوليو (تموز) الماضي، لغاية 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، يضم المعرض 115 عملاً فنيًا بأحجام مختلفة، إضافة إلى بعض التخطيطات الأولية، ودفاتر الاسكتشات، والصور الفوتوغرافية التي التقطها المصوران ألفريد ستغليتز وبول ستراند.
لم ينبثق هذا المعرض الاستعادي من فراغ وإنما جاء نتيجة مُلحّة لتقديم قراءات نقدية متعددة لتجربة فنية استمرت على مدى سبعة عقود لكنها خضعت، مع الأسف الشديد، لقراءة أحادية، كما ينبِّه هذا المعرض إلى استمرار هيمنة الرجل على المشهد الفني في القرن العشرين رغم بروز فنانات كبيرات من طراز جون ميتشيل، كادي نولاند، فريدا كاهلو، أغنس مارتن، يايوي كوساما وغيرهن من الفنانات اللواتي تباع لوحاتهن بأسعار فلكية. لا يمكن أن يؤخذ هذا المعرض بمعزل عن لوحتها المعنونة Jimson Weed أو «الوردة البيضاء»1932 التي بيعت في مزاد سوذبي بمبلغ 44.405.000 دولار عام 2014 لتصبح أغلى لوحة تباع لفنانة تشكيلية في العالم وسوف تكون هذه اللوحة مُحفّزًا لاجتذاب أكبر عدد ممكن من محبّي الفن التشكيلي.
لا يمكن الإحاطة بهذا الكم الكبير من الأعمال الفنية التي شغلت 13 صالة من متحف الفن الحديث خصوصا أنها تمثل كل المراحل التي مرّت بها الفنانة جورجيا أوكيف مذ قررت أن تصبح فنان تشكيلية في سن الثانية عشرة في بلدة صن بيريري حتى وفاتها عن 98 عامًا في مدينة سانتا فيه، لذلك سنتوقف عند أبرز المحطات الفنية في حياتها.
لعبت المصادفة دورًا مهمًا في حياة جورجيا فقد أرسلت عام 1916 عددًا من رسوماتها إلى أنيتا بوليتزر، صديقتها أيام الدراسة، التي بعثتها بدورها إلى المصور الفوتوغرافي المشهور ألفريد ستيغليتز الذي أعجب بالرسوم وعرضها في صالته Fifth Avenue)291 (بنيويورك من دون أن يأخذ إذنًا منها لكنها ستوافق لاحقًا وتُبقي أعمالها معروضة قبل أن يُنظّم لها في السنة التالية معرضها الشخصي الأول).
يمكن القول إن جورجيا كانت فنانة تجريدية بامتياز وقد تعلمت هذا الأسلوب وأتقنته حينما كانت تدرّس الرسم في فرجينيا وتكساس، كما كانت ملوِّنة بارعة، وماهرة في استعمال الألوان المائية. تضم الصالة الأولى لقطات فوتوغرافية لجورجيا بعدستي ستيغليتز وستراند، كما تحتوي على عدد من الرسومات التجريدية المنفَّذة بقلم الفحم التي عُرضت في غاليري ستيغليتز من بينها «خطوط سوداء»، «تلّة زرقاء»، «شروق الشمس»، إضافة إلى تمثال «المرأة المكفّنة» الذي أنجزته بعد وفاة أمها، وثمة صورة فوتوغرافية توثق لوحاتها التي عُرضت في الغاليري ذاته عام 1916، أي قبل مائة سنة من هذا المعرض الاستعادي.
تتمحور لوحات الصالة الثانية على علاقة الرسم بالموسيقى وقد ساعدها أستاذها ألون بيمينت في التعرّف على كتاب «فن التناغم الروحي» لكاندنسكي، كما مهّدّ لها الطريق إلى معرفة كتاب «الإنشاء» لآرثر ويزلي داو الذي أثّر فيها كثيرًا وأخذت تردد لاحقًا «إن جوهر الإنشاء هو أن تؤثث المكان بطريقة جميلة». وهي ترى أن الإنشاء «التكوين» التجريدي يعكس موجات صوتية آخذين بنظر الاعتبار أن جورجيا كانت موسيقية ضليعة لكنها تخلّت عن الموسيقى لمصلحة الرسم. ثمة لوحات في هذه الصالة تهيمن عليها القراءة الفرويدية التي رسخّها ستيغليتز 1924 ولم تستطع التخلص من هذه القراءة الإيروسية التي عزّزها نقاد آخرون.
بعد زواجها ستيغليتز عام 1924 وانتقالها إلى نيويورك يمكن أن نتلمس مرحلة فنية جديدة في حياتها وهي انهماكها في رسم ناطحات السحاب على مدى أربع سنوات وكان الهدف منها هو تفادي الموضوعات الإيروسية ومن أبرز هذه الأعمال «ليل المدينة»، «شارع نيويورك مع القمر»، «نهر إيست» وغيرها من اللوحات التي تكشف عن التأثير المتبادل بينها وبين ستيغليتز.
انقطعت جورجيا مدة ثلاثين سنة لرسم الورود والحياة الجامدة وقدمت نماذج فنية لا تُجارى ومن بينها لوحتها الشهيرة «الوردة البيضاء» 1932 التي تبدو وكأنها مرسومة بعدسة مكبرة. تتفتح هذه الورود في الليل وتذبل في النهار وهي ذات عطر ناعم وقد رسمت هذه اللوحة حينما انتقلت إلى أبيكيّو في نيومكسيكو التي تمثل مرحلة ثالثة تجاوزت فيها عالم نيويورك المعقد حينما كانت ترسم لوحاتها بعين الطائر من الطابق الثلاثين.
يمكن اعتبار حياة جورجيا في نيومكسيكو مرحلة فنية جديدة بسبب المعطيات الجغرافية لهذه الولاية الأميركية من جهة، وبسبب اهتمام الفنانة بموضوعات مختلفة تجاوزت فيها الورود وناطحات السحاب لتكرِّس حياتها لرسم المناظر الطبيعية والعظام والجماجم من جهة أخرى ولعل لوحة «من البعيد، القريب» 1937 هي خير مثال لما نذهب إليه في تجسيد هذه المرحلة التي زاوجت فيها بين العظام والمناظر الطبيعية للمناطق الجبلية والصحراوية في نيومكسيو.
اكتشفت جورجيا مزرعة غوست عام 1934 وسكنت في بيت طيني سوف تشتريه عام 1940 وتقيم فيه بعد أن ترممه ليوفر لها إمكانية رسم الكثير من المناظر الطبيعية المذهلة لنهر «تشاما» و«الهضبة الصوانية» الذي كانت تراها من نافذة بيتها، وأشجار الصنوبر التي تنتشر في تلك المضارب الريفية.
لعبت رحلاتها الجوية دورًا مهمًا في إنجاز لوحات كثيرة للغيوم والتضاريس الأرضية التي كانت تشاهدها من علو شاهق ويكفي أن نشير هنا إلى لوحة «سماء فوق الغيوم» 1963 وسواهما من الأعمال الفنية المنفذّة من أبعاد منظورية مختلفة.
لم يلتفت النقاد كثيرًا إلى اهتمام الفنانة جورجيا أوكيف بالسكّان الأصليين Kachinas الذين يعيشون في القسم الجنوبي الغربي من أميركا، حيث حفرت أشكال الأرواح على الأخشاب، أو صوّرتها على الصلصال، أو نقشتها على الورق كما يفعل الهنود الحمر، فقد اهتمت بثقافتهم المحلية، وأبدت إعجابها بطقوسهم الحياتية، وقد أكدت غير مرة بأنّ رسمها لهذه الموضوعات هي طريقة ما لرسم البلد برمته.
تنوعت تقنيات جورجيا O'keeffe على مدى العقود السبعة المثمرة في حياتها لكنها ظلت تركزّ على المنحيين التجريدي والسوريالي. وقد قالت ذات مرة بأن «الرسم الموضوعي ليس رسمًا جيدًا ما لم يكن جيدًا بالمعنى التجريدي. لا تستطيع تلّة أو شجرة أن تصنع رسمًا جيدًا لمجرد أنها تلّة أو شجرة، إنها الخطوط والألوان التي نضعها معًا كي تقول شيئا». وفي السياق ذاته تنوعت الموضوعات التي جسّدتها جورجيا في أعمالها الفنية التي توزعت بين التجريد، والستيل لايف، والمناظر الطبيعية، والورود، والتكوينات السوريالية.
ولو دققنا في أعمالها جيدًا فسوف نكتشف الأفكار الروحية والثيمات الثيوصوفية كتلك التي نجدها عند كاندنيسكي وموندريان والفنانة السويدية هيلما إف كلينت.
نخلص إلى القول بأن جورجيا أوكيف تأثرت بالكثير من الفنانين والكتّاب والمصورين الفوتوغرافيين ولكن تظل موهبتها الأصلية، وتقنيتها الأولية، وطريقة رؤيتها الصافية في تجسيد الموضوعات التي تراها أول مرة هي الأس الإبداعي الذي وضعها في مقدمة الفنانين المُلهمين الذين تركوا بصمات قوية في ذاكرة المتلقين الأميركيين والأجانب على حد سواء.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».