«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

إيميلي لابارج تمزج السيرة الذاتية بالنقد والتحليل النفسي بالشعر

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مقالات ذات صلة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

كتب «الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة.

شرف الدين ماجدولين
كتب حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون بدر شاكر السياب

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008،

محمود الزيباوي

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»
TT

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

في العدد 718 (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول 2026) من مجلة «القافلة» السعودية التي تصدرها شركة «أرامكو»، يتأمل الدكتور عبد الله المطيري معنى السياحة بوصفها حالةً وجودية تتجاوز التنقل، والترفيه، مستكشفاً جذورها اللغوية، والفلسفية.

كما يتتبّع الكاتب محمود مبشر، نشأة صناعة الورق في سمرقند، مستعرضاً الجدل حول أصولها، وتطورها، وكيف أسهمت تحسينات الصُنّاع السمرقنديين في إنتاج الورق الذي أصبح ركيزةً لازدهار التأليف، والنسخ، وانتشار المعرفة في الحضارة الإسلامية.

الإرهاق الوظيفي

وتطرح قضية العدد مسألة «الإرهاق الوظيفي»؛ عن جذوره، وتداعياته، وطرق تشخيصه، وسبل الوقاية منه، والتعافي. كما يتتبّع فريق «القافلة» جذور المفهوم منذ ظهور «الوهن العصبي»، وصولاً إلى تبلور مصطلح (Burnout)، والاعتراف به من منظمة الصحة العالمية، مستعرضاً أسبابه النفسية، والاقتصادية، والمهنية. حيث يميّز هادي الدخيل بين ضغوط العمل الطبيعية والاستنزاف المزمن، ويتحدث عن العلامات الخفية للإرهاق، وتطوّرها التدريجي. ويناقش الدكتور أحمد الخلف آثار الإرهاق الوظيفي في الصحة النفسية، والجسدية، والحياة الشخصية، وسبل الوقاية، والتعافي. أما نايف الفهد، فإنه ينظر إلى المشكلة من زاوية المنظمات، مؤكداً ارتباطها بثقافة العمل، وأساليب الإدارة، وتوزيع الأعباء.

عالم التوحش الرقمي

في أدب وفنون، تناقش بثينة العيسى حال النشر في عالم التوحش الرقمي، وكيف أسهمت الفيديوهات القصيرة واقتصاد الانتباه في تراجع القراءة.

وتشير العيسى إلى دراسةٍ أميركية امتدت من 2003 حتى 2023، وجد فيها الباحثون أنَّ «القراءة من أجل المتعة» بين الشَّباب قد انخفضت بنسبة 40 في المائة خلال عشرين عاماً. وربطت هذه الدِّراسة بوضوحٍ بين تطوُّر البيئة الرقمية وتراجع القراءة.

وقالت: ليس من المبالغة القول إنَّ شركات التكنولوجيا قد نجحت في توجيه الضربة الأقسى للكتاب عبر التاريخ، ووحده المستقبل سيكشف إن كانت ضربةً قاصمة أم لا، وإن كان الكتاب قادراً على النَّجاة هذه المرة أم لا، وبأي شكلٍ؟ وما الثمن؟ لكن الضربة أسوأ من (...) إلقاء مخطوطات «بيت الحكمة» في نهرِ دجلة على يد المغول؛ إذ لم ينجح أيٌّ من هؤلاء في التسبّب في نكوصٍ قرائي بنسبة 40 في المائة، مهما أرادوا ذلك.

وتقول الكاتبة: الكتاب كائنٌ مشاغب، رعوي، ولا يمكن ضبطه، ينجو باستمرارٍ من المنع، والحرق، والغرق، ويتحالف مع الورّاقين من حفظة الذاكرة، ومع القراصنة، والمهرِّبين، والصعاليك إن اقتضى الأمر. تمتَّع الكتاب، عبر التاريخ، بمرونة قتالية مدهشة، وقد انتصر غالباً أمام الفاشية، لكنه اليوم يحاربُ خصماً مختلفاً تماماً، وفي معركةٍ مختلفة تماماً، وبأدواتٍ مختلفة تماماً، فهل سينجو؟ ومرَّة أخرى: بأي شكل؟ وما الثَّمن؟

وتضيف: هذا شيءٌ لم نتخيل أن نقوله في يومٍ من الأيام، لكننا لو خُيّرنا بين الرقابة الكلاسيكية والعيش في مناخ رقمي مملوء بالكتب التي لا يقرأها أحد، لاخترنا الرقابة في شكلها الأوَّل، الواضح، والصريح؛ لأن محاربتها أسهَل، ولأنها لا تخفي آثارها بهذه البراعة، ولا تجعل الواحد منّا يشعرُ بفشله الشخصي بسبب اعتلالٍ بُنيوي في المنظومة. ففي حين تستهدف الرقابة الكلاسيكية منع الكتب نفسها، تعمل المنصات الرقمية على تقويض قدرتنا على القراءة، من دون أن تضطر إلى منع كتابٍ واحد، أو شيطنته. وقد وجدت نبوءة راي برادبيري في روايته «451 فهرنهايت» فرصةً للتحقق أخيراً: «لست مضطراً إلى حرق الكتب لتدمير الثقافة، كل ما عليك فعله أن تُوقف الناس عن قراءتها».

وتقول العيسى: لقد نجح رأس المال الحر، في الشمال العالمي «المتحضّر»، في تحقيق ما لم تنجح الرقابة في تحقيقه قط. وتضيف: من الواضح أننا لا نعيش في عالم أورويل القائم على القمع الصريح، بل في عالم هكسلي الذي يرتكز على التخدير، والترفيه المتواصل، فما الذي حدث فعلاً؟ وأين نحن من نبوءة أورويل في رواية «1984»، بأن وسيلة التحكّم في الأفراد هي الألم، ونبوءة هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع» التي تصوّر المتعة وسيلةً للتحكّم في الأفراد؟ وبعبارة موجزة: خشي أورويل أن يدمِّرنا ما نكرهه، وخشي هكسلي أن يدمِّرنا ما نحبُّه.

آداب وفنون

وفي هذا العدد من «القافلة» يتتبّع بدر الدين عرودكي المسيرة الإبداعية للكاتبة الفرنسية نيللي آلار، من التمثيل، وكتابة السيناريو، إلى الرواية. وفي زاوية شعر نقرأ نصًّا للشاعرة جيهان عمر. ويناقش ياسر مدخلي إدارة المشاريع الإبداعية، والتحوّل الذي يشهده القطاع الثقافي السعودي من نشاط إبداعي إلى صناعة اقتصادية. ويستعرض خليل صويلح سيرة أبي خليل القباني، رائد المسرح العربي الحديث، ورحلته من دمشق إلى القاهرة، وشيكاغو. ويتتبّع يوسف الحربي تحوّل العمل الفني من منجز جمالي إلى أصلٍ استثماري، ودور المزادات والإعلام ورأس المال في صناعة قيمته السوقية. ويناقش حمادي كيروم محاولات اقتباس رواية «مدام بوفاري» سينمائياً، واختلاف رؤى جان رونوار وكلود شابرول وفنسنت مينيلي في نقل عالم فلوبير إلى الشاشة. ويتحدث الدكتور فراس طرابلسي عن تطوّر الموسيقى التصويرية من إضافة جمالية إلى شريكٍ أساسي في بناء السرد السينمائي، وصناعة المعنى. فيما يعرّفنا طاهر الزهراني على تجربة الفنانة السعودية زهرة الغامدي، التي تستلهم أعمالها التركيبية من الأرض، وذاكرة المكان، والطبيعة الجنوبية.

علوم وآفاق

وفي علوم، تناقش الدكتورة ندى الأحمدي تطوّر فهم الأحلام في أبحاث علم الأعصاب الحديثة، وإمكانات «هندسة الأحلام»، وحدودها الأخلاقية. ويتحدث علاء حليفي عن «المدن الإسفنجية»، بوصفها نموذجاً عمرانياً يتعايش مع دورة الماء، ويسهم في الحد من الفيضانات. ويتأمل محمد سناجلة تطورات الحوسبة العاطفية، وإمكان إنشاء «متحف للعواطف» يحفظ آثار المشاعر الإنسانية. فيما يتناول الدكتور فهد المرشدي الفيتامينات، ومصادرها، ومخاطر نقصها، أو الإفراط فيها، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن نمط الحياة الصحي. ويتناول محمد الصيعري رهان الحوسبة الكمّية، والتجربة السعودية في هذا المجال، مسلطاً الضوء على إطلاق أول حاسوب كمّي في المملكة، وأول منصة تجارية للحوسبة الكمّية في الشرق الأوسط.

وفي آفاق، يكتب عبد الله الضامن عن «فخ الغضب»، وكيف تستثمر المنصات الرقمية الانفعال والسخط لزيادة التفاعل، فيما يناقش الدكتور خالد حنفي أثر الخوارزميات في صعود الشعبويات الرقمية، وتشكيل الوعي، والسلوك، والهوية. وتتحدث مهى قمر الدين عن تحوّل الهدوء من حاجة إنسانية فطرية إلى سلعة وامتياز في عالم يزداد ضجيجاً. ويأخذنا هشام الحميد إلى كوبا، مستعرضاً ملامحها التاريخية، وعمارتها، وسياراتها الكلاسيكية، وثقافتها النابضة بالموسيقى، والفنون.

وفي «فكرة العدد»، تستعرض مهى قمر الدين تجربة اللوحات البنية على الطرق السريعة في فرنسا، وكيف تحوّلت من أدوات إرشادية إلى وسائط بصرية وثقافية تجمع بين التصميم، والفن، والسياحة، والسلامة المرورية.

ويتحدث ملف العدد عن «النسيان»، بوصفه وظيفةً بيولوجية ضرورية، لا مجرد خلل في الذاكرة. حيث يتناول الدكتور عبد الله العقيبي دور النسيان في التكيّف، واتخاذ القرار، والفرق بين النسيان الطبيعي والمرضي، كما يستعرض حضوره في الأدب، والفنون، والذاكرة الجمعية، ومحاولات الإنسان مقاومته بالكتابة، والتقنية، وصولاً إلى دوره في تشكيل التجربة الإنسانية، والهوية الفردية.


الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة.