د. الحميدي: أتعجب من جرأة «أبو قتادة» المفتي الإلكتروني للغلو والتطرف

13 حلقة تكشف الحقائق والتحولات واستغلال التكفير من منطلقات نفسية ليصبح خطرا مُحدقا بالأمة الإسلامية جمعاء

د. الحميدي: أتعجب من جرأة «أبو قتادة» المفتي الإلكتروني للغلو والتطرف
TT

د. الحميدي: أتعجب من جرأة «أبو قتادة» المفتي الإلكتروني للغلو والتطرف

د. الحميدي: أتعجب من جرأة «أبو قتادة» المفتي الإلكتروني للغلو والتطرف

13 حلقة كانت سببا في تحول علاقة رجل دين سعودي، بعدد من رفاق الماضي ممن يوصفون بـ«المتشددين» دينيا، إلى علاقة الضد بالضد، أو بمعنى آخر الند بالند، بل كانت الملفات التي فتحها علانية أمام الملأ، في فضائية سعودية، تحوي خفايا خطيرة، كانت سببا، بشكل أو بآخر، في ظهور من يعرفون بـ«المغالين» دينيا، بل وربطهم بشكل واضح وصريح بما سماه استغلالا للتكفير من منطلقات نفسية، أصبح يراها خطرا محدقا بالأمة الإسلامية جمعاء.
الحلقة الأخيرة من سلسلة حلقات دامت شهورا، كانت الخاتمة بزوال الغمة من واقع ظلامي، إلى آخر مستنير، يكفله الالتزام بحدود الله، والتعامل مع ضوابط الشريعة بما يخدم الشريعة الإسلامية، ليس بما يخدم مصالح معينة، أو أجندات تحسب في صالح أطراف هنا أو هنا.

الوضوح مع النفس ومع الآخر، قاد أكاديميا سعوديا حاصلا على شهادة الدكتوراه في الفقه ويعمل أستاذا للعقيدة الإسلامية في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، إلى أن يرى أن «فكر المجتمع» أمانة في أعناق أهل العلم، وكل من له يد توجيه، وفي أعناق الخطباء، وفي أعناق المعلمين، وفي أعناق العلماء، لتحقيق الإرشاد، وليوجهوا المجتمع ليرتقي بثقافته، بما يتوافق مع النص الشرعي، للوصول إلى نصرة الأمة وقوتها.

وفصل الدكتور عبد العزيز الحميدي، أستاذ الفقه المساعد في جامعة أم القرى، في حيثيات فتوى خطيرة، سماها صاحبها «فتوى خطيرة عظيمة الشأن»، قائلا: «إن تلك الفتوى التي عنونها صاحبها بهذا العنوان الصارخ، ما وقفت، في ما أعرف، على رأي إمام من الأئمة الكبار، كتب عن فتواه هذا التبجيل العظيم، فتوى خطيرة عظيمة الشأن في حكم أئمة وخطباء ممن دخلوا في حكم السلطان، وهذا مسلك سلكه في التضخيم، لكن بصرف النظر عن هذا الأمر هو سلك منهجية معينة».

ووجه الحميدي أصابع اتهامه بشكل واضح وصريح إلى بعض ممن تجرأوا على الله من أهل الأهواء، والحديث هنا يدور عن الفتوى الخطيرة، التي بثها واحد يصنف نفسه عالما دينيا إلكترونيا يدعى عمر محمود عثمان أبو عمر، ويكنى «أبو قتادة»، الذي نصب نفسه مفتيا لتيارات الغلو والتطرف على الشبكة العنكبوتية، حين قام بإعادة شرح فتوى أئمة المالكية، في من ناصر «العبيديين» من العلماء، وأسقطها على علماء الأمة المعاصرين.

الحميدي دحض رسالة أبو قتادة وفتواه بتبيان أنه سلك منهجية معينة ليصل إلى النتيجة التي يريدها، وقدم النتيجة، ثم حمل عليها فتاوى علماء المغرب في حكم الدولة «العبيدية».

ويرى الشيخ الحميدي أن واضع الرسالة يحكم بالمروق من الإسلام والردة الصريحة على كل تجمعات ومجتمعات ودول المسلمين اليوم بحكوماتها وأئمتها، ومن ينضم تحت لوائها من خطباء مساجد وعلماء ومشايخ وفقهاء وقضاة، وهذا منهج – بحسب الحميدي - لم ينافس فيه واضع الرسالة إلا غلاة الخوارج (الأزارقة).

وتعجب الشيخ الحميدي من جرأة واضع الرسالة حين قال إن فتواه هذه «مؤيدة بالدليل الصريح الواضح من كتاب الله وسنة رسوله»، وكرر هذه العبارة أكثر من مرة، ولكن حينما تقلب ورقات هذه الفتوى، لا تجد لا آية ولا حديثا، وهذا من أغرب ما يمكن أن يتجرأ عليه أحد، طبقا لرؤية الأكاديمي السعودي. ويطل أستاذ العقيدة والباحث في الشريعة الإسلامية لعقود من الزمن، بعد ظهوره العلني في محطة فضائية سعودية كل يوم جمعة على مدى شهرين ماضيين، لتفنيد بعض الرؤى التي تستند إليها جماعات متطرفة، قال إنها تتخذ عددا من الدول العربية ملجأ لها، دون الإشارة بوضوح إلى أجندات تعمل وفقها الجماعات، لكنه لمح أكثر من مرة إلى أنها أخذت الدين بأدلته الشرعية من القرآن والسنة النبوية المطهرة «لتحقيق مصالحها الخاصة، لا من أجل الشريعة أو الدين الإسلامي».

الشيخ الحميدي يلاحظ أن صاحب الفتوى سلك منهجية معينة في هذه الرسالة الصغيرة ليصل إلى النتيجة التي يريدها، وقدم النتيجة، ثم حمّل عليها فتاوى علماء المغرب في حكم الدولة العبيدية، النتيجة التي قدمها أنه حكم، أو يريد أن يحكم، على كل تجمعات ومجتمعات ودول المسلمين اليوم بحكوماتها وأئمتها، ومن ينضم تحت لواء هذه الدول من خطباء مساجد وعلماء ومشايخ وفقهاء وقضاة وغيرهم، ممن هو تابع لهم من عامة الناس، بالمروق من الإسلام والردة الصريحة باعتبار أنه عنده الأمر مسلّم ومنتهي وأن هذه الحكومات مرتدة، مثل الدولة العبيدية.

ويرى الحميدي أن «عدم وجود أي دليل من القرآن أو السنة النبوية المطهرة، سبب لأن تشوب تلك الفتوى شوائب كثيرة، بل إن أغرب ما يلفت الانتباه، أنه استدل ببعض الفتاوى لبعض فقهاء وعلماء بلاد المغرب الإسلامي في القرن الرابع الهجري تقريبا، أيام حكم دولة مشهورة في التاريخ بـ(الدولة الفاطمية) ويسميها بعض العلماء (الدولة العبيدية)، التي حكمت بلاد المغرب كلها، وامتد حكمها إلى مصر وحكمتها فترة طويلة، قرابة 200 سنة، وهذا معروف في التاريخ، وتكلم العلماء عنها وعن عقائد هذه الدولة ومواقفها».

ويرى الأكاديمي السعودي أن «صاحب الفتوى، اضطر تحت ضغط وضعف الرسالة وضعف أدلتها، وهي قضية خطيرة عظيمة، أن يدعي الإجماع، وإذا كان الإمام أحمد، وهو الإمام الذي عاش في القرن الثالث الهجري، قد قال: (من ادعى الإجماع فقد كذب)، لعل الناس اختلفوا مع من نقل الإجماع في القرن الثالث، وهو إجماع الصحابة والتابعين، ويمكن حصره، فكيف ينقل إجماع الأمة كلها، المشرقي والمغربي، دون سبر؟! ومن خلال حيثيات القضية وما ذكر صاحب الرسالة أو الفتوى، يظهر أن صاحب الفتوى وجهها ليخرج شباب الأمة على كل الأمة، ليس فقط على حكامها، بل حتى على خطبائها، وأباح دماءهم كلهم بهذا التهور العظيم وهذه الجرأة، التي، كما قلت، ما سمعت أو ما قرأت من وصل إليها، إلا غلاة الخوارج الأولين كمن يسمون بـ(الأزارقة)، أتباع نافع بن الأزرق».

ويرى الشيخ عبد العزيز الحميدي أنه «عندما تعرض مثل هذه الرسائل فإن القصد منها توعية المجتمع وتحذيره، لأن ليس المعنى هذه الفتوى فقط، أو هذه الرسالة فقط، بل إن المجتمع كاد يمتلئ بكل من يدعي نصرة الإسلام والمسلمين ونصرة المجتمعات الإسلامية، ثم يأتي بمؤلفاته التي يستند فيها إما إلى حديث أو آية يفسرها وفق هواه، أو يستند فيها إلى أقوال رجال تحدثوا بها في أوقاتهم، وفي ظروف معينة، وأخذ يسوقها، وكأنها مثل النص الشرعي، تصلح لكل زمان ومكان، وهو ربما يريد أن يصل إلى نقاط، ربما تكون شخصية، وربما تكون بإيعاز من قوى خارجية، وربما تكون من هوى في نفسه وانتقام شخصي، دعني أعرض لك بعض النقاط التي جعلها من فوائد هذه الفتوى».

ويقول الحميدي إن «مسألة الفتاوى أو الحديث عن أمور شرعية، لا ينبغي لأحد، حتى لو كان من العلماء، أن يقطع فيها بمثل هذا القطع، النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى بريدة بن الحسيب - رضي الله عنه - وأرسله في غزو، وقال: (فإن حاصرت قوما أو حصنا للكفار فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك).

وخلت فتوى أبو قتادة من أي حيثيات تتطلبها الفتوى الشرعية، التي يجب أن تستند إليها في ما هو أقل من ذلك بكثير، كمسائل طلاق أو نكاح أو مبايعة أو نحو ذلك، لا كمسائل يلزم منها حكم ردة كل مجتمعات المسلمين - عياذا بالله - وإراقة دمائهم، سواء كان فيهم خطباء أو أئمة أو قضاة أو علماء أو أناسا عاديين، وهذا جنوح عظيم جدا وغلو، وأجزم بأن هذا ليس فقط خلفه رأي شخصي أو بحث نظري، حتى فهمه على غير صوابه، بل تقف خلفه محن عظيمة وربما ما هو أبعد من ذلك، فوراء الأكمة فعلا ما وراءها».

ويضيف الحميدي قائلا: «الحمد لله رب العالمين، نحن لنا رسالة عظيمة في هذه الحياة، وعلينا واجب عظيم، أكرمنا الله بدين عظيم، دين فيه من السمو والقيم وتهذيب النفوس والأخلاق وإسعاد البشر، كل البشر، بل كل الكائنات وكل المخلوقات، وإيصال الحقوق، والبناء الحقيقي لكل ما يؤدي إلى سعادة الناس في الدنيا ونجاتهم في الآخرة ضمّنه - سبحانه وتعالى - هذا الدين العظيم، ونحن ورثناه عن رسولنا - عليه الصلاة والسلام - أقصد نحن الأمة كلها، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه الكرام، ولو وعينا مثل هذا الواجب وهذا الهدف، ونظرنا إلى هذا العالم يمينا وشمالا الذي تنهشه الأمراض الأخلاقية ويفتقر إلى قيم كثيرة، لوجدنا لنا المجال للعمل الكثير والكبير في إرشاد الخلق كلهم إلى الحق بالعلم والبينة والخلق والنبل، الذي يجب عليه أن يكون المسلم، ولكن قطع علينا هذا الطريق بمثل هذه المظاهر التي تحدثنا عنها في مثل هذه الرسالة».

وسلط الشيخ الحميدي الضوء على تجربة شخصية له، سبق أن عاشها، وقال: «وأنا ربما أطرح مثالا بنفسي، فقد كان لي جهد بسيط متواضع في عمل الدعوة وتوجيه رسالة الإسلام، باعتبارها دراساتي في مقارنة الأديان ونحو ذلك، فانشغلت عن هذا الهدف الكبير الواسع ببعض مثل هذه القضايا، التي تأثرت بها أو بعضها فترة من الزمن، وتبنيت بعضها فترة من الزمن، مع شعوري بوحشة، وأقولها اعترافا بالواقع، شعور بوحشة واعتباط، وإن ما جمعته من دراسات وما جمعته من كتب أصبح شبه معطل، بل هو معطل عن الرسالة الحقيقية، وأرى في أقرب الناس إلي وفي مجتمعي وفي العالم كله، من أستطيع بتوفيق الله - عز وجل - أن أقدم له خيرا كثيرا، وهدى كثيرا، فمن فضل الله علي، استدركت ذلك على نفسي وعرفت خطرا وخطأ ما وقعت فيه لأننا نخسر خسارتين، لو تأملنا، وأجعلها هذه رسالة إلى الجميع، الخسارة الأولى تتمحور حول وقف مد إيصال الخير والدعوة للمسلمين أنفسهم، الذين هم في جهل كثير منهم وأصابتهم انحرافات كثيرة، ودخلت عليهم محدثات كثيرة، ولغير المسلمين عالم كامل ينتظر من المسلمين فعلا، ولو بدا لنا خلاف ذلك، فهم ينتظرون منا رسالة، وينتظرون منا دعوة، وينتظرون منا بينات، وينتظرون منا هدى، لأنهم يعيشون شكوى في نفوسهم، وإن أترفت حياتهم ومتعهم، فقد جعل الله سكون النفس في مضامين هذا الدين ومنعه من أي شيء آخر».

وأضاف في حديثه عن تجربته الخاصة وما تمخضت عنه من خسارة، حيث تبلورت الخسارة الثانية قائلا: «ننشغل بهذه القضايا عما هو أفضل، ذكر العالم ابن حزم - رحمه الله – أن هذه من شبهات إبليس ومن مداخله على الإنسان، وضرب مثلا بنفسه، فاشتغل في فترة من حياته ببعض الفنون والعلوم، التي أن طلع منها أو خرج منها فوائد، فهي يسيرة كبعض علوم المنطق وبعض القضايا الفلسفية الإغريقية القديمة البائدة دون أمور أهم، فكان أن ندم على ما أضاعه من وقت، وهذا لم يترتب على فعله إضرار بأحد، ولكن يقع الضرر على نفسه فنخسر من هاتين الجهتين، فأنا لا أريد حقيقة من كل طالب علم أو داعية، فضلا عن العلماء، فضلا عن الشباب الذين لا يزالون في طور التنشئة، وما زالوا في طور طلب العلم، أن يصلوا أو يقعوا في خطأ، فمثلا هذه الفائدة عن نفسي، كانت في وحشة داخل النفس، والشعور بأنني أخللت بواجب كبير علي، كان ينبغي أن أقوم به انشغالا بمثل هذه الأمور، لكن أزالها الله عني، لا أقول أزلتها، أزالها الله عني بقضيتين اثنتين، الأولى، هي أنني لدي قناعة بأن الإسلام حق وما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - هدى لا شر فيه ولا خطأ فيه، الخطأ فينا نحن في استيعابنا في فهمنا، وكما قال القائل: وكم من عائب قولا صحيحا/ وآفته من الفهم السقم».

وطالب الأكاديمي السعودي إعادة النظر في كثير من القضايا الشرعية، معتبرا أن السنة النبوية المطهرة تحوي جوابا لكل إشكال، وقال: «لا أنتظر أحدا يرسل لي أوراقا عبر الإنترنت من لندن، وكانت بداية هذا حديث وصية نبوية، ولكن ما أعطيناه حقه من التأمل النبي - صلى الله عليه وسلم – حيث قال خطيب على المنبر حديث حذيفة بن اليمان في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا)، ثم تأمل في الثلاثة المرضيات التي ترضي الله والثلاثة المسخوطات التي تسخطه علينا - والعياذ بالله - نسأل الله رضاه ونعوذ به من سخطه، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا (هذه قاعدة الملة الكبرى) وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم».

واستدل بما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في حق الوالدين مثلا، وحق الجيران، وانتقل من الأمر الأول، أي عبادته التي لا يقدم عليها شيء «إفراد الله بالعبادة»، إلى أن تناصحوا من ولاه الله أمركم، «وفي (من ولاه الله أمركم)، يقول القرطبي (تولية الأمر ترجع إلى اختيار الله اصطفاءه، وهي من الملك، يؤتي الله الملك من يشاء، ولا اقتراح للناس فيه، فعليهم أن يصبروا على ما قضى الله عليهم، وأن لا يخلوا بواجب المناصحة هذه، والثالثة، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، وأن لا تدعوا الناس إلا إلى الخير، في العلاقات مع الناس إن كان ولا بد من الاتصال فمجال الخير سواء بالتعليم أو بالدعوة أو التربية أو بإيصال أي نوع من الخير. ويسخط لكم ثلاثا: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال - وقفت عند كلمة (قيل وقال) هذه، فوجدت كلاما للقاضي العياض وكلاما للقرطبي - إنه الوشاية ونقل الوشاية، بل قال القرطبي بكل ما يخل بالثلاثة التي ذكرها في جانب المرضيات، فكل ما يخل بعبادة الله - سبحانه وتعالى - مرفوض قطعا، كل ما يخل بمناصحة من ولاه الله الأمر، لأن ضرره أكبر من القيل والقال. وكل ما يقال الآن، وينقل في الفتاوى في الإنترنت هو من باب القيل والقال، وكثرة السؤال الذي يدخل فيها البحث عن المشكلات والإشكالات ومحاولة استخراج ربما فتوى من هذا العالم أو كلمة من ذلك الداعية ثم تكبيرها وتهويلها وبناء شر كثير عليها، كما صنع صاحب هذه الرسالة، فإنه يضغط على كلام لفقهاء قبل 1000 سنة لظروف كان معينة، ليولد منها المؤاخذات المكفرة الخطيرة، والمصيبة لكل المجتمعات القائمة اليوم تدخل في كثرة السؤال ثم إضاعة المال».

وأسدى نصحا في نهاية المطاف لبعض من الدعاة، وقال: «أنا أسمع بعض الدعاة القائمين بعمل طيب، ولكن كثير من القضايا التي يناقشونها قضايا مكروه النقاش فيها، فقد توجد فيها أحكام معينة وجوانب معينة ليس هذا الوقت وقتها، بينما نريد سد الثغرة في وعي الشباب، حتى لا ينفذ إليهم مثل القيل والقال، ولكن الشباب فتحوا قلوبهم حقيقة وعقولهم للقيل والقال، وفتوى من هنا وكلمة من هناك، فوقعوا في أعظم الأخطاء التي ربما يغلق دونها باب العلاج بعد ذلك».

وذكّر الحميدي بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي قال فيه: «السعيد من وعظ بغيره»، فالشاب في عقله البسيط بما بدا له، وإنه مستوعب لمثل هذه القضايا وفي تحمله للقضية الشرعية والعلمية وأبعادها، مهما بدا له إنه يحتملها، لكنه حقيقة ما نظر إليها إلا من جزئها البسيط.

وكشف الشيخ الدكتور عبد العزيز الحميدي، أستاذ العقيدة (الموقوف حاليا)، عبر حلقة هي الأخيرة من برنامج «همومنا» التي بثها التلفزيون السعودي بعد صلاة الجمعة على مدى أكثر من 3 أشهر، كيف كانت نتائج إغلاق العقل والتفكير عليه شخصيا إبان سيره في الرحلة الضبابية السابقة، محذرا من مغبة ذلك الاتجاه، وكيف يجر صاحبه إلى الفتنة.

وأخذ الشيخ عبد العزيز الحميدي على عاتقه في الأسابيع الماضية تسديد عدة ضربات موجعة إلى تيارات متطرفة منتشرة في العالم العربي والإسلامي، خصوصا في بلاده السعودية، ونكث، وفضح عددا من الدوافع التي كان يعتنقها في مرحلة من عمره مضت بالتوافق مع تلك الفئات المتطرفة، واعتبر عودته وانكفاءه على تلك التيارات عودة «إلى جادة الصواب والحق، وابتعادا عن مزالق الضعف»، وبات يتعامل مع تلك المرحلة الماضية على اعتبار أنها «خداع وتدليس على الأمة»، تكتنفها دعوات لـ«تشتيت الأمة، بل تشظيها وتمزيق صفها».

عودة الحميدي إلى جادة الصواب، بالتأكيد لم ترُق لرفقاء الماضي، وكان ظهوره في إحدى الفضائيات السعودية على مدى أشهر، سببا بأن تتحول بعض أوكار الظلام على الشبكة العنكبوتية، التي يلجأ إليها كثير من أرباب الفكر المنحرف، لبث قناعات منحرفة عن الدين والأعراف، ولا تخدم إلا من يقتنع بآيديولوجيات معينة متطرفة، تنسب إلى الدين الإسلامي، وهي بعيدة كل البعد عن الإسلام وأعرافه.

وقسم رجل الدين السعودي، الحاصل على الدكتوراه في الفقه الإسلامي «الغلو» إلى فرعين، أشدهما خطرا، ما يستغل في التكفير من منطلقات نفسية خلقية، والفرع الثاني ما يحمل على أمر الله ورسوله، ويلبس بمقصود شرعي.

وظهر الشيخ الدكتور عبد العزيز الحميدي، الأستاذ المساعد في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى، مفندا ومنكفئا على بعض المغالين، ممن كان يرتبط بهم قبل تفكيره في التراجع عن أوجه كان يعتنقها من أوجه التطرف الديني، الذي يقود، في نهاية المطاف، إلى تحقيق تشرذم بين صفوف المسلمين.

وأبرز الحميدي في حلقات ماضية عددا من تعاملات بعض من الفئات المتشددة، مع بعض النصوص والأدلة الشرعية، ليس من أجل الشريعة المطهرة، بل يتم استغلالها وتوظفيها بما يتناسب ويتوافق مع آيديولوجيات، تسير لتحقيق أهداف بعض الفئات، التي أخذت الدين بأدلته الشرعية من القرآن والسنة لتحقيق مصالحها الخاصة، لا من أجل الشريعة أو الدين الإسلامي.



لماذا لا يختفي شعورك بالعطش؟ 6 أسباب صحية قد تكون خفية

الجفاف يعني أن الجسم لا يمتلك كمية كافية من الماء للقيام بوظائفه الحيوية (بيكسلز)
الجفاف يعني أن الجسم لا يمتلك كمية كافية من الماء للقيام بوظائفه الحيوية (بيكسلز)
TT

لماذا لا يختفي شعورك بالعطش؟ 6 أسباب صحية قد تكون خفية

الجفاف يعني أن الجسم لا يمتلك كمية كافية من الماء للقيام بوظائفه الحيوية (بيكسلز)
الجفاف يعني أن الجسم لا يمتلك كمية كافية من الماء للقيام بوظائفه الحيوية (بيكسلز)

يُعدّ العطش من الإشارات الحيوية التي يرسلها الجسم لتنبيهنا إلى حاجته إلى الماء، وهو عنصر أساسي يضمن استمرار العمليات الحيوية بكفاءة. وفي الظروف الطبيعية، يزداد الشعور بالعطش في الأجواء الحارة أو بعد ممارسة التمارين الرياضية المكثفة، حيث يفقد الجسم كميات أكبر من السوائل. لكن استمرار الإحساس بالعطش، حتى مع شرب الماء بانتظام، قد يكون مؤشراً على وجود مشكلة صحية تستدعي الانتباه.

وفيما يلي أبرز أسباب الشعور الدائم بالعطش، وفقاً لموقع «ويب ميد»:

1- الجفاف

يعني الجفاف أن الجسم لا يمتلك كمية كافية من الماء للقيام بوظائفه الحيوية، ويُعدّ العطش أبرز أعراضه. وقد يحدث الجفاف نتيجة عدة عوامل، مثل ممارسة الرياضة، أو الإسهال، أو القيء، أو التعرق المفرط. وإلى جانب الرغبة الشديدة في شرب الماء، قد تظهر أعراض أخرى، منها:

- بول داكن اللون

- قلة التبول

- جفاف الفم

- جفاف الجلد

- الشعور بالتعب أو الدوار

- الصداع

2- داء السكري

يُعدّ العطش الشديد الذي لا يرتوي، والمعروف طبياً باسم «العطاش المفرط»، من الأعراض الشائعة لداء السكري. فعند الإصابة بهذا المرض، لا ينتج الجسم كمية كافية من هرمون الأنسولين، أو لا يستخدمه بكفاءة، مما يؤدي إلى تراكم السكر (الجلوكوز) في الدم. ويؤدي وجود الجلوكوز في البول إلى سحب المزيد من الماء، مما يزيد من عدد مرات التبول، وبالتالي يفقد الجسم كميات إضافية من السوائل، ويزداد الشعور بالعطش لتعويض هذا النقص.

3- داء السكري الكاذب

على الرغم من تشابه الاسم فإن هذا المرض لا يرتبط بداء السكري. يحدث عندما لا ينتج الجسم كمية كافية من هرمون يساعد الكليتين على تنظيم توازن الماء. ويُعدّ العطش الشديد من أبرز أعراضه. وقد يصاحبه أيضاً:

- الجفاف

- كثرة التبول

4- جفاف الفم

قد يؤدي جفاف الفم إلى الشعور بعطش مستمر، وغالباً ما يكون سببه انخفاض إفراز اللعاب من الغدد اللعابية. وقد يحدث ذلك نتيجة تناول بعض الأدوية، أو الخضوع لعلاجات معينة مثل علاج السرطان، أو الإصابة بأمراض مثل متلازمة شوغرن، أو بسبب تلف الأعصاب في الرأس والرقبة، أو التدخين. وعندما يقل إفراز اللعاب، قد تظهر أعراض أخرى، مثل:

- رائحة الفم الكريهة

- تغيّر في حاسة التذوق

- تهيّج اللثة

- التصاق أحمر الشفاه بالأسنان

- لعاب كثيف ولزج

- صعوبة في المضغ

5- فقر الدم

يحدث فقر الدم عندما لا يحتوي الجسم على كمية كافية من خلايا الدم الحمراء السليمة. وقد يكون خلقياً أو مكتسباً، وله أسباب متعددة، مثل الأمراض، أو سوء التغذية، أو النزيف الحاد. وفي الحالات الخفيفة، قد لا يسبب العطش، لكن مع تفاقمه قد يشعر المصاب برغبة متزايدة في شرب الماء. وتشمل الأعراض الأخرى:

- الدوخة

- التعب والضعف

- شحوب أو إصفرار الجلد

- سرعة النبض

- التعرق

6- فرط كالسيوم الدم

يعني فرط كالسيوم الدم ارتفاع مستوى الكالسيوم في الدم عن المعدل الطبيعي. وقد ينجم عن أسباب عدة، مثل فرط نشاط الغدد جارات الدرقية، أو بعض الأمراض مثل السّل، أو بعض أنواع السرطان، مثل سرطان الرئة، وسرطان الثدي، وسرطان الكلى، والورم النخاعي المتعدد. وإلى جانب العطش، قد تظهر الأعراض التالية:

- كثرة التبول

- اضطرابات المعدة

- الغثيان والقيء

- الإمساك

- آلام العظام وضعف العضلات

- مشكلات ذهنية، مثل التشوش والإرهاق والاكتئاب

- مشكلات قلبية (نادرة)، مثل تسارع النبض أو اضطراب نظم القلب


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


أميركا والصين تتبادلان «الاستياء» قبل قمة ترمب وشي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء سابق جمعهما في كوريا الجنوبية خلال شهر أكتوبر الماضي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء سابق جمعهما في كوريا الجنوبية خلال شهر أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

أميركا والصين تتبادلان «الاستياء» قبل قمة ترمب وشي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء سابق جمعهما في كوريا الجنوبية خلال شهر أكتوبر الماضي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء سابق جمعهما في كوريا الجنوبية خلال شهر أكتوبر الماضي (رويترز)

عقد كبار المسؤولين الاقتصاديين الأميركيين والصينيين محادثات «صريحة» يوم الخميس قبيل اجتماع مُقرر عقده لاحقاً في مايو (أيار) الحالي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، حيث أعرب كلا الجانبين عن استيائهما من السياسات التجارية للطرف الآخر، وذلك حسب ما نقل عن وزارة الخزانة الأميركية ووسائل الإعلام الصينية الرسمية.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في منشور على موقع «إكس» إنه تحدث مع نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ لمناقشة زيارة ترمب إلى بكين، المقرر إجراؤها في الفترة من 14 إلى 15 مايو. وقال بيسنت: «كان اجتماعنا صريحاً وشاملاً، وأكدتُ أن اللوائح الصينية الاستفزازية الأخيرة المتعلقة بالتوسع خارج الحدود الإقليمية لها تأثير سلبي على سلاسل التوريد العالمية».

ويُعد تعليقه هذا بمثابة كسر لصمت إدارة ترمب شبه التام بشأن قواعد سلاسل التوريد الجديدة الصادرة عن بكين، والتي أثارت قلق الشركات الأميركية. ووصف محللون هذه القواعد بأنها تصعيد خطير قد يُقوّض بشكل كبير الجهود الأميركية الرامية إلى تقليل اعتماد سلاسل التوريد على الصين.

وتُمهد القواعد الصينية، التي طُبقت في الأسابيع الأخيرة، الطريق القانوني لمعاقبة الشركات الأجنبية التي تسعى إلى تحويل مصادرها من المعادن الحيوية وغيرها من السلع بعيداً عن الصين، وهو ما يسعى إليه بيسنت، والممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير، وإدارة ترمب. ولم يُقدّم بيسنت أي ردّ أميركي على اللائحة الجديدة، وقال إنه يتطلع إلى «قمة مثمرة بين الرئيسين ترمب وشي في بكين».

إجراءات تجارية «تقييدية»

وعلى الجانب الآخر، ذكرت قناة «سي سي تي في» التلفزيونية الصينية الرسمية أن نائب رئيس الوزراء هي ليفينغ أجرى «محادثات صريحة وعميقة وبنّاءة» مع بيسنت وغرير عبر مكالمة فيديو. وأعرب الجانب الصيني عن «قلقه البالغ إزاء الإجراءات التجارية التقييدية الأميركية الأخيرة ضد الصين»، لكن الجانبين اتفقا على تعزيز التوافق، وإدارة الخلافات، وتوطيد التعاون.

وكان آخر لقاء جمع الثلاثة في مارس (آذار) الماضي لإجراء محادثات تجارية مباشرة في باريس، تمهيداً لقمة ترمب-شي، حيث ناقشوا مشتريات الصين المحتملة من المنتجات الزراعية الأميركية، وإمكانية إنشاء هيئات مشتركة جديدة لإدارة قضايا التجارة والاستثمار بين أكبر اقتصادين في العالم.

وخلال تلك الاجتماعات، أعرب المسؤولون الصينيون أيضاً عن استيائهم من تحقيقات ترمب الجديدة في الرسوم الجمركية التي تستهدف الصين. لكن ترمب أرجأ زيارته إلى بكين بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقالت الصين إن المكالمة المرئية تهدف إلى «حل القضايا الاقتصادية والتجارية ذات الاهتمام المشترك بشكل مناسب، وتوسيع التعاون العملي»، في إشارة إلى أن قمة بكين تسير وفق الخطة الموضوعة.

وفي مكالمة منفصلة يوم الخميس، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن تايوان، التي تعتبرها الصين جزءاً من أراضيها، «أكبر نقطة خطر» في العلاقات الأميركية الصينية قبيل قمة ترمب-شي. وكان البلدان قد توصلا إلى هدنة تجارية هشة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عندما التقيا في بوسان بكوريا الجنوبية، بعد حرب تجارية متبادلة استمرت لأشهر، اندلعت بسبب ما يُسمى بتعريفات «يوم التحرير» التي فرضها ترمب، والقيود التي فرضتها الصين على صادرات العناصر الأرضية النادرة وغيرها من المعادن الحيوية التي تهيمن عليها. وألغت المحكمة العليا الأميركية الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها ترمب في فبراير (شباط) الماضي، ما دفع إدارة ترمب إلى فتح تحقيقات جديدة في الرسوم الجمركية لإعادة فرضها.

تحذيرات من قطاع الصناعة

ومع اقتراب قمة ترمب وشي، يحذر المشرعون الأميركيون ومجموعات الصناعة إدارة ترمب من منح الصين فرصاً استثمارية في قطاع السيارات الأميركي، بحجة أن ذلك سيؤدي إلى إضعاف صناعة محلية أساسية وخلق مخاطر على الأمن القومي من خلال جمع البيانات.

وحثت عشر مجموعات من قطاع صناعة الصلب كل من بيسنت وغرير وروبيو ووزير التجارة هوارد لوتنيك في رسالة يوم الخميس، على «ضمان القدرة التنافسية الأميركية من خلال عدم التنازل عن الوصول إلى سوق السيارات الأميركية للحزب الشيوعي الصيني».

وقبل القمة المرتقبة، ظلت العلاقات بين بكين وواشنطن هادئة إلى حد كبير على الرغم من تعقيدات الطاقة والجيوسياسية الناجمة عن الحرب على إيران. كما سعى الطرفان إلى تعزيز نفوذهما قبل اجتماع الزعيمين، حيث أصدرت الصين لوائح جديدة لسلاسل التوريد، بينما قيدت واشنطن شحنات الأدوات إلى إحدى كبرى شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية في الصين. وأفادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بأن الجانبين أعربا خلال مكالمة هاتفية يوم الخميس عن رغبتهما في «تعزيز التنمية الصحية والمستقرة والمستدامة للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والولايات المتحدة».