هل انتهت «أسطورة» سرقة الصين للوظائف الصناعية؟

الاتهامات لبكين أصبحت غير ذات معنى بعد تغيرات حادة بسوق العمل

عاملة أمام شركة «فوكسكون» التايوانية المعروفة بصناعة هاتف الآيفون في المصانع الصينية (أ.ف.ب)
عاملة أمام شركة «فوكسكون» التايوانية المعروفة بصناعة هاتف الآيفون في المصانع الصينية (أ.ف.ب)
TT

هل انتهت «أسطورة» سرقة الصين للوظائف الصناعية؟

عاملة أمام شركة «فوكسكون» التايوانية المعروفة بصناعة هاتف الآيفون في المصانع الصينية (أ.ف.ب)
عاملة أمام شركة «فوكسكون» التايوانية المعروفة بصناعة هاتف الآيفون في المصانع الصينية (أ.ف.ب)

زعم المرشح الرئاسي الأميركي دونالد ترامب، خلال حملته الانتخابية، أن الصين تسرق وظائف الصناعات التحويلية من الولايات المتحدة الأميركية.
وفي خطاب ألقاه أمام المؤتمر الوطني الجمهوري، الخميس، قال ترامب – المرشح الرسمي للحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة – إن «الصفقات التجارية الكارثية» قد أضرت كثيرا بوظائف الصناعات التحويلية في الولايات المتحدة. كما قال أيضًا إن الدعم الأميركي لتبني الصين للتجارة الحرة كان من قبيل الأخطاء الهائلة.
وعند نقطة ما، كانت حجة السيد ترامب لها ما يبررها. فلقد جذبت الصين، عبر السواد الأعظم لديها من العمالة التي تتلقى الأجور المنخفضة مقارنة بنظرائهم في الولايات المتحدة، المصنعين الساعين وراء التكاليف المنخفضة، وتعزيز الربحية، والمحافظة على انخفاض الأسعار. وبين عامي 1999 و2011، فقدت الولايات المتحدة 2 مليون وظيفة على الأقل بسبب الارتفاع الهائل في الواردات الصينية، وفقا لدراسة نشرت بهذا الشأن في «جورنال أوف لابور إكونموميكس» (صحيفة اقتصادات العمل).
وفي الصين اليوم، رغم ذلك، يواجه العمال مستقبلا أكثر اضطرابا مما يوحي به السيد ترامب، إذ إنهم يفقدون وظائفهم بسبب تباطؤ الاقتصاد المحلي، والتكاليف المرتفعة، والمنافسة الأجنبية المحتدمة، بما في ذلك من الولايات المتحدة.
يقول جيم ماكغريغور، رئيس عمليات الصين لدى مؤسسة «أبكو» الاستشارية العالمية: «إن المرشحين الرئاسيين يصرخون اليوم حول مشكلات الأمس، إذ إن التصنيع لأجل التصدير أصبح أكثر صعوبة في الصين عن ذي قبل».
لقد تغيرت سوق العمل في الصين بشكل كبير وحاد خلال السنوات الأخيرة.
ومع التوسع الذي شهده اقتصادها، فإن خلق فرص العمل في مختلف القطاعات، وخطوط التجميع، لم يعد جذابا كما كان قبل ذلك. ولقد دفع هذا الوضع بالمديرين إلى زيادة الأجور من أجل جذب المزيد من العمال. وفي نفس الوقت، فإن الحكومات المحلية في شنتزين، وهي المركز التجاري الساحلي المتاخم لهونغ كونغ، وغير ذلك من المراكز الصناعية، قد زادت من الحد الأدنى للأجور بغية تحسين رفاهية عائلات العمال، والضغط على الشركات من أجل إنتاج المزيد من المنتجات الغالية ذات القيمة العالية.
ودفع هذا المزيج بأجور عمال المصانع الصينية إلى مستويات مرتفعة، حيث يدور متوسط أجورهم الشهرية حول 424 دولارا، مسجلا زيادة بمقدار 29 في المائة عن السنوات الثلاث الماضية، وفق تقديرات منظمة التجارة الخارجية اليابانية. وتكاليف الأيدي العاملة في الصين الآن أعلى بكثير مما كان عليه الأمر في كثير من الاقتصادات الناشئة، حيث يحصل عمال المصانع في فيتنام على أقل من نصف الأجر الذي يحصل عليه عمال المصانع الصينية، في حين أن عمال المصانع في بنغلاديش يحصلون على أجور تساوي ربع ما يحصل عليه العمال في الصين.
وقد غير ارتفاع التكاليف بشكل ملحوظ من الوضع التنافسي الصيني، مقارنة بالولايات المتحدة.
ففي دراسة نشرت عام 2015، قالت مجموعة بوسطن الاستشارية إن تكاليف الصناعات التحويلية في منطقة الإنتاج لأجل التصدير الرئيسية الصينية كانت أقرب ما تكون من مثيلتها في الولايات المتحدة، بعد وضع الأجور، وإنتاجية العامل، وتكاليف الطاقة، وغيرها من العوامل في الحسبان.
ومن دون إغراءات المدخرات الكبيرة في التكاليف، تحاول كثير من الشركات الأميركية العودة إلى العمل في الوطن. وفي مسح منفصل أجري العام الماضي بواسطة مجموعة «بوسطن» الاستشارية حول الشركات المصنعة الأميركية الكبرى، فهناك 24 في المائة منهم يقولون إنهم كانوا يعملون وبنشاط على تحويل الإنتاج إلى الوطن من الصين، أو أنهم كانوا يخططون لاتخاذ هذه الخطوة خلال العامين المقبلين، ارتفاعا من نسبة 10 في المائة لنفس الشركات في عام 2012.
ويعلق هال سيركين، وهو شريك بارز في مجموعة «بوسطن» الاستشارية، قائلا: «إن ذلك يضفي معنى على الاقتصاد.. والولايات المتحدة في الوقت الراهن في وضع جيد للغاية».
ويعني ذلك المزيد من الوظائف بالنسبة لعمال المصانع الأميركية. وقال نصف المشاركين في مسح مجموعة بوسطن إنهم يتوقعون زيادة أعداد عمال المصانع الذين يوظفونهم في الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس المقبلة.

مليون فرصة عمل
وليست الولايات المتحدة فقط هي التي تستعيد الوظائف من الصين. فإن ارتفاع التكاليف يدفع كثيرا من الشركات في مختلف القطاعات إلى إعادة نقل الأعمال إلى مجموعة واسعة من البلدان أخرى. وفي مسح أخير أجرته الغرفة التجارية الأميركية في الصين، قال ربع المشاركين فيه إنهم إما نقلوا، أو يخططون لنقل، عملياتهم خارج الصين، في إشارة إلى ارتفاع التكاليف كأحد أهم الأسباب وراء ذلك. وبالنسبة للآخرين، يعمل ما يقرب من نصف المشاركين في المسح على نقل أعمالهم إلى دول نامية في آسيا، في حين أن 40 في المائة يحولون أعمالهم إلى الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك.
وكثير من المصانع المنتقلة كانت منتجاتها تجد طريقها إلى أرفف متاجر التجزئة في الولايات المتحدة.
وأغلقت شركة ستيلا الدولية، ومقرها في هونغ كونغ، وتصنع الأحذية لصالح علامات مايكل كورس وروك – بورت، وغيرها من العلامات التجارية الأخرى، أحد مصانعها في الصين، في فبراير (شباط) الماضي، وحولت بعضا من خطوط الإنتاج إلى مصانع أخرى في فيتنام وإندونيسيا. وتخطط شركة تال المصنعة للملابس لصالح بعض العلامات التجارية الأميركية، مثل دوكرز وبروكس براذرز، وهي من الشركات الأخرى التي تتخذ من هونغ كونغ مقرا لمصانعها، لإغلاق أحد المصانع في الصين خلال العام الحالي، ونقل الأعمال إلى مصانع جديدة في فيتنام وإثيوبيا.
وهناك شركات أخرى ذات حضور واسع في الصين قد لا تتجه إلى إغلاق مصانعها، ولكنها تستهدف استثمارات جديدة في أماكن أخرى.
وتخطط شركة فوكسكون في تايوان، المعروفة بصناعة هاتف الآيفون في المصانع الصينية، إلى بناء ما يصل إلى 12 مصنعا جديدا في الهند، مما يؤدي إلى خلق مليون فرصة عمل جديدة هناك. وهناك عملية رائدة في ولاية مهاراشترا الغربية الهندية سوف تبدأ في خط إنتاج الهواتف المحمولة اعتبارا من العام الحالي.

تنافسية شرسة
ورغم أن الصين لا تزال حتى الآن أكبر مصدر للملابس إلى الولايات المتحدة، فإنها تواجه منافسة متزايدة من المنافسين الأقل تكلفة في آسيا. وخلال العام الماضي، شهد نصيب السوق الصينية من صادرات الملابس إلى الولايات المتحدة انخفاضا ملحوظا، بينما زادت أرباح دول أخرى تعمل في نفس المجال، مثل فيتنام وبنغلاديش، وفقا لتقرير شهر مارس (آذار) الصادر عن مركز «فونغ» للتحليلات التجارية، وهو مؤسسة بحثية مقرها في هونغ كونغ متخصصة في قضايا سلسلة التوريد والإمداد.
ويقول جيمس زيمرمان، رئيس الغرفة التجارية الأميركية في الصين: «إنها ليست مثل الصين، من حيث كونها موقعا جذابا لوظائف التكاليف المنخفضة، فالصين تصعد سلم القيمة التجارية، مما يعني حدوث تعديل ما في الوقت القريب».
كما يواجه العمال الصينيون خطر فقدان الوظائف بسبب اقتصاد البلاد المتعثر، إذ انخفض معدل النمو إلى أدنى مستوياته في ربع قرن، مما يسبب الأضرار البالغة بكثير من الصناعات. والتصنيع التحويلي – الذي يمثل خُمس كل الوظائف الحضرية في الصين – قد تضرر على وجه خاص. ومن الناحية الرسمية، فإن سوق العمل بالصين تقاوم الانكماش الملحوظ، وبصورة مدهشة، حيث تعكس البيانات الحكومية أن معدلات البطالة في البلاد لا تتجاوز 4 في المائة فقط.

تضاعف معدلات البطالة
ويعتقد بعض من خبراء الاقتصاد، رغم ذلك، أن وضع التوظيف ليس ورديا كما تشير إلى ذلك الإحصاءات الرسمية، حيث يقدر التقرير الصادر في يونيو (حزيران)، بواسطة مؤسسة «فاثوم» الاستشارية، ومقرها في لندن، أن مستويات البطالة والعمالة الناقصة في الصين سوف تبلغ 12.9 في المائة خلال هذا العام – وهو ثلاثة أضعاف المستوى المسجل في عام 2012.
ويقول ليلاند ميلر، المدير التنفيذي لمؤسسة «بيغ بوك» الصينية الدولية، وهي من المؤسسات البحثية، إن سوق العمل تشهد نقطة انعطاف حاسمة في أواخر العام الماضي، مع المتاعب التي يعكسها الاقتصاد الضعيف، والتي بدأت في الظهور. وتعكس أرقامه الانخفاض الواضح في التوظيف خلال الربع الأخير من عام 2015، على الرغم من استقرار الأوضاع خلال الشهور الماضية، وقد يرجع السبب في ذلك إلى التحفيزات الحكومية الكبيرة، فإن السيد ميلر يعتقد أن تلك التحسينات ليست مستدامة.
وقد يواجه عمال المصانع الصينية، الذين يعانون بالفعل، المزيد من الأوقات العسيرة في الفترة المقبلة.
وترزح كثير من الشركات الصناعية تحت وطأة الطاقة الفائضة، وتسريح العمال قد يكون من الأمور التي لا مفر منها. وفي فبراير، قدر وزير الموارد البشرية والضمان الاجتماعي الصيني أن هناك 1.8 مليون عامل معرضين لفقدان وظائفهم في قطاعات الصلب والفحم في البلاد.
ويقول السيد ميلر أخيرا: «إذا كان هناك من لا يزال يدعي أن الصين لديها سوق عمل صحية وقوية، فليست لديهم بالتأكيد أي فكرة عن أي شيء يتحدثون».
*خدمة «نيويورك تايمز»



حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.


استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
TT

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية استقرار الديون الخارجية للصين، خلال العام الماضي، مع وصولها إلى نحو 2.33 تريليون دولار.

وأفادت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي في الصين، السبت، بأن هذا الرقم يقل بنحو 15.5 مليار دولار، أو 0.7 في المائة، مقارنة مع نهاية عام 2024، وفقاً للبيانات التي أوردتها وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).

وقال لي بين، نائب رئيس الهيئة والمتحدث باسمها، إن هيكل عملات الديون الخارجية للصين شهد تحسناً في عام 2025، بينما بقي هيكل الاستحقاق مستقراً على شكل أساسي.

وبنهاية عام 2025، شكَّلت الديون الخارجية غير المسددة المقومة باليوان الصيني 55.5 في المائة من الإجمالي، بزيادة 1.4 نقطة مئوية قياساً بنهاية 2024.

وبالنسبة لهيكل الاستحقاق، شكَّلت الديون المتوسطة والطويلة الأجل 43.5 في المائة من الإجمالي بنهاية 2025، بانخفاض قدره 0.6 نقطة مئوية عن نهاية 2024، حسبما أظهرت بيانات الهيئة.

وكشفت البيانات أيضاً أن نسبة الديون الخارجية غير المسددة للصين إلى إجمالي الناتج المحلي بنهاية العام الماضي بلغت 11.9 في المائة، في حين بلغت نسبة الديون الخارجية غير المسددة إلى عائدات التصدير 56.3 في المائة.

وأوضح نائب رئيس الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن هذه المؤشرات بقيت ضمن عتبات الأمان المعترف بها دولياً، مضيفاً أن مخاطر الديون الخارجية للصين يمكن السيطرة عليها بشكل عام.

على صعيد آخر، أوضحت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن قيمة التجارة الخارجية للصين من السلع والخدمات تجاوزت 3.93 تريليون يوان في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت الهيئة أن صادرات السلع والخدمات وصلت إلى نحو 2.15 تريليون يوان، بينما تجاوزت قيمة الواردات 1.79 تريليون يوان، ما أدى إلى فائض قدره 360.3 مليار يوان.

وفيما يتعلق بأعمال تجارة الخدمات الرئيسية؛ بلغت قيمة خدمات السفر 159.6 مليار يوان، بينما بلغت قيمة الخدمات التجارية الأخرى 128.5 مليار يوان، وبلغت قيمة خدمات النقل 103.3 مليار يوان، في حين بلغت قيمة خدمات الاتصالات والكومبيوتر والمعلومات 62.8 مليار يوان في الشهر الماضي، وفقاً للبيانات.

ومن حيث القيمة الدولارية؛ بلغت قيمة صادرات الصين من السلع والخدمات 309.2 مليار دولار خلال فبراير الماضي، بينما وصلت قيمة وارداتها إلى 257.3 مليار دولار، ما أدى إلى فائض قدره 51.9 مليار دولار، وفقاً للهيئة.


بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد مرور عام على حزمة القرارات التاريخية التي أصدرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 29 مارس (آذار) من عام 2025 لإعادة التوازن إلى سوق الرياض العقارية، بدأت ملامح خريطة طريق جديدة تترسخ في أزقة العاصمة ومخططاتها الشمالية. لغة الأرقام الصادرة عن البورصة العقارية لم تكن مجرد إحصاءات، بل إعلان صريح عن انحسار موجة المضاربات التي استنزفت السوق لسنوات، حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة، لتبدأ الرياض مرحلة «التصحيح الكبير» نحو نموذج عقاري مستدام يضع احتياجات المواطن والمطور الحقيقي في قلب المشهد.

وقد رسمت توجهات ولي العهد مساراً جديداً للسوق، عبر حزمة قرارات تنفيذية مفصلية، شملت فك الحظر عن ملايين الأمتار المربعة في شمال العاصمة، وتفعيل الرسوم على الأراضي الشاغرة لضمان تدفق المعروض السكني، جنباً إلى جنب مع تجميد زيادات الإيجارات وضبط العلاقة التعاقدية بين المؤجِّر والمستأجر. هذه الإجراءات ساهمت بشكل مباشر في استقرار تكاليف السكن والحد من القفزات السعرية غير المبررة التي شهدتها السنوات الماضية.

وانعكست آثار هذه الإصلاحات الهيكلية بوضوح في بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل؛ حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة. إذ استقرت تداولات السوق عند نحو 53 ألف صفقة بقيمة تجاوزت 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال)، مقارنة بنحو 48.3 مليار دولار (181 مليار ريال) في العام الذي سبق صدور القرارات. كما أظهرت البيانات تراجعاً في مساحات الصفقات الإجمالية لتسجِّل 153 ألف متر مربع، نزولاً من 228 ألف متر مربع، وهو ما يفسره الخبراء بانتقال السيولة من المضاربة في الأراضي الخام الكبيرة إلى مشروعات التطوير السكني المنظم.

إعادة تشكيل السوق العقارية

يرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية أعادت تشكيل السوق العقارية بمدينة الرياض، نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، وقادته نحو مراحل جديدة من التوازن والنضج والتوجه للاستقرار السعري وتوافق المنتجات العقارية مع الاحتياجات الفعلية للسوق، مضيفين أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وقال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أثر هذه القرارات أحدث ملامح تحول واضح في بنية السوق، مضيفاً أن التراجع المسجل في قيمة الصفقات لا يعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما يعكس انحسار المضاربات التي كانت تدفع الأسعار إلى مستويات لا ترتبط بالطلب السكني الحقيقي.

وأوضح أن قرارات التوازن العقاري، أسهمت في وضع مرجعية سعرية جديدة للأراضي السكنية، خصوصاً مع طرح الأراضي المدعومة بسعر يقارب 1500 ريال للمتر المربع، وهو ما أعاد ضبط التوقعات السعرية في عدد من الأحياء، وحدَّ من الارتفاعات غير المبررة التي شهدتها السوق في السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الأراضي الخام في شمال الرياض سجَّلت ما يشبه «السقوط الحر» في الأسعار، بحسب ما نشرته تقارير السوق العقارية، حيث تراجعت أسعار بعض المواقع بنسب لافتة بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة التي غذّتها المضاربات وتوقعات النمو السريع، مضيفاً إلى أنه يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه جزءاً من عملية تصحيح طبيعية تعيد تسعير الأراضي وفق معايير أكثر واقعية ترتبط بقيمة التطوير والطلب السكني الفعلي.

خريطة لمخططات الأراضي التي تم رصدها في الرياض (واس)

من المضاربة إلى التطوير العقاري

وأوضح الزهراني أنه خلال عام من قرارات التوازن العقاري، برزت عدة سمات مهمة، من أبرزها انتقال جزء من السيولة من المضاربة إلى التطوير العقاري، مع توجَّه أكبر نحو مشروعات التطوير المنظم بدلاً من تداول الأراضي الخام، كما برز المشتري السكني الحقيقي كمحرك رئيس للسوق بعد تراجع دور المستثمرين قصيري الأجل.

وأضاف أنه بدأت تظهر باكورة مشروعات البيع على الخريطة سواء في الوحدات السكنية أو الأراضي المطورة، وهو نموذج يُتوقع أن يتوسَّع خلال المرحلة المقبلة لما يوفره من حلول لزيادة المعروض السكني وخفض تكلفة التملُّك، كما تعيش السوق حالة ترقب للتنظيمات المرتقبة، وعلى رأسها رسوم العقارات الشاغرة التي يُنتظر أن تسهم في تشغيل الأصول غير المستغلة داخل المدن ورفع كفاءة استخدام المخزون العقاري.

وتوقع الزهراني أن تتجه السوق العقارية في الرياض في الفترة القادمة إلى مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، مع توسع متوقع في مشروعات البيع على الخريطة وزيادة المعروض داخل المدن نتيجة استمرار الإصلاحات التنظيمية، مرجحاً أن يقود ذلك إلى استقرار الأسعار وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

وأضاف أن ما تشهده السوق العقارية في الرياض اليوم لا يمثل حالة تباطؤ بقدر ما هو مرحلة إعادة تشكيل للسوق نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، بما يدعم مستهدفات التنمية العمرانية ويعزز جودة الحياة في العاصمة.

سلوك السوق

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن السوق العقارية بمدينة الرياض دخلت مرحلة مفصلية في دورتها الاقتصادية، فالتحولات التي شهدتها خلال هذا العام لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الأرقام المتعلقة بعدد الصفقات أو قيمتها، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل سلوك السوق وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

أضاف أنه خلال السنوات التي سبقت هذه القرارات، شهدت السوق العقارية في الرياض ارتفاعات متسارعة في الأسعار مدفوعة بعدة عوامل، من بينها زيادة الطلب والنمو العمراني المتسارع، إضافة إلى دخول فئات استثمارية متعددة إلى السوق. ومع مرور الوقت، أصبح من الضروري إعادة التوازن بما يضمن استدامة السوق ويحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.

وزاد بأن التراجع الذي شهدته الصفقات خلال العام الأخير يمكن اعتباره انعكاساً طبيعياً لمرحلة إعادة ضبط إيقاع السوق، ففي هذه المرحلة يميل المشترون إلى التريث وإعادة تقييم قراراتهم الاستثمارية، بينما يقوم المطورون والمالكون بمراجعة استراتيجيات التسعير والتسويق بما يتوافق مع المعطيات الجديدة.

وأشار الموسى إلى أن أبرز السمات التي ظهرت خلال هذه الفترة، تمثَّل في ارتفاع مستوى الوعي لدى المتعاملين في السوق، حيث أصبح القرار الشرائي أكثر ارتباطاً بعوامل القيمة والجدوى الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على توقُّعات ارتفاع الأسعار في المدى القصير، كما بدأت بعض الشركات العقارية في إعادة هيكلة نماذج البيع والتسويق، سواء من خلال تقديم خطط سداد أطول أو إعادة تصميم المنتجات العقارية بما يتناسب مع احتياجات السوق.

وأوضح أن هذه المرحلة أسهمت في تقليص حجم المضاربات العقارية التي كانت تؤثر في حركة الأسعار في بعض المناطق، وهو ما شجَّع في المقابل على توجه أكبر نحو التطوير الفعلي للأراضي وإدخالها في مشروعات تطويرية بدلاً من الاحتفاظ بها كأصول خام بانتظار ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن ما يحدث اليوم في السوق العقارية في الرياض لا يمثل حالة ركود بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تعيد صياغة قواعد السوق، بحيث تنتقل من سوق تقودها المضاربات السعرية إلى سوق أكثر نضجاً واستقراراً يعتمد على القيمة الحقيقية للأصول العقارية وكفاءة التطوير طويل الأجل، مما يجعل هذا التحول خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وختم متوقعاً أن تستمر السوق العقارية في الرياض خلال المرحلة المقبلة في مسار أكثر توازناً ونضجاً، حيث ستصبح المنافسة بين المشروعات العقارية مرتبطة بشكل أكبر بجودة المنتج العقاري وكفاءة التطوير ومدى توافقه مع احتياجات السوق الفعلية، مع استمرار المشروعات الكبرى التي تشهدها المدينة، مما سيبقي القطاع العقاري أحد أهم القطاعات الاقتصادية المحفزة للنمو.