أوباما: أميركا ليست منقسمة.. وقناص دالاس لا يمثل الأميركيين الأفارقة

قطع رحلته الأوروبية ويزور دالاس غدًا لمعالجة تداعيات الحادث * تواصل الاحتجاجات في عدد من الولايات ومخاوف من تزايد التوتر العرقي

جانب من المظاهرات الاحتجاجية ضد عنف الشرطة التي عمت أول من أمس {ماركت ستريت} في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرات الاحتجاجية ضد عنف الشرطة التي عمت أول من أمس {ماركت ستريت} في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

أوباما: أميركا ليست منقسمة.. وقناص دالاس لا يمثل الأميركيين الأفارقة

جانب من المظاهرات الاحتجاجية ضد عنف الشرطة التي عمت أول من أمس {ماركت ستريت} في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرات الاحتجاجية ضد عنف الشرطة التي عمت أول من أمس {ماركت ستريت} في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الأميركي باراك أوباما فكرة أن العنف الكبير الذي شهدته دالاس بولاية تكساس واندلاع احتجاجات في عدد آخر من الولايات هو إشارة إلى أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة انقسام وتوتر عنصري وفتنة. وشدد أوباما على أن مرتكب حادث إطلاق النار في دالاس لا يمثل الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية
وتحدث أوباما للمرة الثانية عقب أحداث دالاس الدامية وقال مساء أمس في مؤتمر صحافي استمر لمدة ساعة من العاصمة البولندية وارسو على هامش قمة حلف شمال الأطلسي: «أميركا ليست منقسمة كما يشير البعض، والأميركيون من جميع الأصول العرقية ومن جميع الخلفيات الثقافية يشعرون بالغضب من الهجمات غير المبررة ضد الشرطة، سواء كان ذلك في دالاس أم في أي مكان آخر».
وأضاف: «هذا يشمل المتظاهرين والمحتجين، وحتى أعضاء الأسرة الذين لديهم مخاوف خطيرة من سلوكيات الشرطة قالوا إن هذا الأمر غير مقبول، ولا يوجد انقسام في هذا الرأي».
وأشار أوباما إلى مقتل اثنين من الرجال السود في ولاية لويزيانا ومنيسوتا، وتلاها مباشرة أحداث دالاس ومقتل خمسة من رجال الشرطة وإصابة سبعة آخرين ومدنيين اثنين، وقال: «لقد كان هذا الأسبوع صعبا»، مشيرا إلى أن مرتكب إطلاق النار ضد رجال الشرطة في دالاس لا يمثل الأميركيين السود.
ودون إشارة إلى اسم مرتكب الحادث، أو ذكر أسماء الضباط الخمسة الذين لقوا مصرعهم، وصف أوباما مرتكب الحادث بأنه «شخص مجنون لا يمثل الأميركيين السود، مثله مثل الرجل الأبيض الذي قام بقتل مجموعة من السود في كنيسة بمدينة تشارلستون في ولاية ساوث كارولينا»، مشيرا إلى أنه أيضا لا يمثل البيض.
وأوضح أنه سيقوم بزيارة دالاس يوم الاثنين لتقديم العزاء والحداد مع مدينة دالاس المنكوبة، كما يعتزم عقد اجتماع في البيت الأبيض خلال الأسبوع المقبل مع ضباط الشرطة والمجتمع المدني والناشطين في مجال الحقوق المدنية لمناقشة الخطوات المقبلة، وأشار إلى أن التعاطف والتفاهم الذي أظهره الأميركيون في استجابتهم لإحداث الأيام الماضية بما في ذلك حادث قتل ضباط شرطة دالاس أعطته أملا يريد البناء عليه.
وقال أوباما «هناك حزن وغضب، وهناك التباس حول كيف تتحرك الولايات المتحدة إلى الأمام، وهناك وحدة في الاعتراف بأن هذه ليست الطريقة التي نريد أن تعمل بها مجتمعاتنا، وهذا ليس ما نريده كأميركيين، ويجب أن يكون هذا هو الأساس للمضي قدما بطريقة بناءة وإيجابية، ولا يمكننا السماح لتصرفات قلة من الناس أن توصمنا بصفة معينة».
وبدا الرئيس الأميركي حاسما في تأكيداته أنه سيواصل الحديث عن الحاجة إلى تشديد إجراءات امتلاك الأسلحة في الولايات المتحدة وقال: سأستمر في الحديث عن حقيقة أننا لا يمكن القضاء على جميع التوتر العرفي في بلدنا بين عشية وضحاها، ولن نكون قادرين على تحديد وملاحقة كل شخص مجنون أو مضطرب نفسيا قرر القيام بأضرار ضد الناس الأبرياء، لكننا يمكن أن نجعل من الصعب بالنسبة لهم القيام بذلك».
وأضاف: «إذا كنا مهتمين بسلامة ضباط الشرطة لدينا فإننا لا يمكن أن نضع جانبا قضية السلاح والتظاهر بأنه غير ذي صلة». وأشار أوباما إلى أن وجود الأسلحة يعرقل إجراءات الشرطة، مشيرا كذلك إلى أن كلا الرجلين الأسودين كانا يمتلكان سلاحا، وأن المحتجين في دالاس يحملون الأسلحة علنا، وهو أمر قانوني في ولاية تكساس، وقال أوباما «تخيل أنك ضابط شرطة وتحاول فرز من يطلق النار عليك وسط مجموعة من الناس الذين يمسكون البنادق والمدافع».
وأشار أوباما أن «سهولة الحصول على سلاح من العوامل المساعدة وليست العامل الوحيد، لكنها عامل مساهم سبب التوترات الأوسع نطاقا بين الشرطة والمجتمعات المحلية».
من جهة أخرى, قالت شرطة مدينة دالاس إنه تم ضبط مواد لصنع قنابل وأسلحة رشاشة وذخائر وأوراق تتعلق بخطط هجوم تكتيكية في منزل ميخا جونسون (25 عاما) بمدينة مسكيت، وهو القناص الذي قتل خمسة من ضباط الشرطة وأصاب آخرين في الأحداث الدامية مساء الخميس الماضي.
وأوضح رئيس الشرطة أن القناص جمع ترسانة شخصية من الأسلحة والمواد المستخدمة في تصنيع القنابل والسترات الواقية من الرصاص والبنادق والذخيرة، وأكد أن جونسون تصرف بمفرده ولم يكن ينتمي لأي جماعة أو منظمة.
وقال ديفيد براون رئيس شرطة دالاس إن جونسون أطلق النار من الطابق الثاني من مرآب سيارات ضد قوات الشرطة في دالاس في أعقاب مظاهرات سلمية في وسط المدنية احتجاجًا على مقتل اثنين من الأميركيين السود على يد الشرطة في ولايتي منسوتا ولويزيانا.
وقال القناص جونسون إنه كان يرغب في قتل رجال الشرطة وخصوصا رجال الشرطة البيض وإنه غاضب لمقتل السود في ولايتي منسوتا ولويزيانا.
واستمرت المواجهات بين قوات الشرطة والقناص ليل الخميس لمدة 45 دقيقة انتهت بإقدام الشرطة على تفجير عبوة ناسفة بالريموت كنترول لقتل القناص.
وأوضح رئيس شرطة دالاس أن القناص جونسون كان يرتدي درعا واقية ويملك سلاحًا أوتوماتيكيًا وجوالات متعددة من الذخائر، وأشار إلى أنه كان يتصرف بمفرده ولم يكن ينتمي إلى أي مجموعة.
وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن القناص جونسون خدم بالجيش الاحتياطي الأميركي لمدة ست سنوات وقضى ثمانية أشهر في أفغانستان ما بين عامي 2013 و2014 وكانت وحدته تتمركز في مدينة سيغوفيل شمال تكساس. وقد أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي باراك أوباما سيقطع زيارته القصيرة إلى أوروبا (والتي كان مقررا أن تستمر أربعة أيام حتى مساء الاثنين) وسيعود إلى واشنطن.
وكان الرئيس الأميركي يشارك في قمة حلف شمال الأطلسي في العاصمة البولندية وارسو. وكان من المقرر أن يزور إسبانيا للقاء الملك الإسباني فيليب السادس وزيارة مدينة روتا حيث تتمركز أربع مدمرات أميركية وقوات عسكرية أميركية.
وقال جوش آرنست المتحدث باسم البيت الأبيض إن أوباما سيعود إلى واشنطن مساء اليوم (الأحد) وسيتوجه إلى مدينة دالاس غدا (الاثنين) بناء على دعوة من رئيس بلدية دالاس مايك رولينجز وشدد أن الرئيس أوباما سيكرس وقته خلال الأسبوع المقبل لمعالجة القضايا العرقية ومقتل أميركيين سود وتداعيات أحداث مقتل خمسة من رجال الشرطة في دالاس.
وقال البيت الأبيض في بيان إن الرئيس أوباما سيقوم خلال هذا الأسبوع بمواصلة العمل لتوحيد الأميركيين معا، ومعالجة الفوارق العنصرية، ودعم ضباط الشرطة ومجتمعاتنا وإيجاد أرضية مشتركة لمناقشة الأفكار السياسية ومعالجة الفوارق العرقية المستمرة في نظام العدالة الجنائية لدينا».
من جهة أخرى، دعا جو بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى مساندة الشرطة والنظر إلى التفاوت في نظام العدالة الجنائية وقال: «عندما تم استهداف قوات الشرطة في دالاس كان ذلك جرحا في روح الأمة فالذين قتلوا وجرحوا كانوا يقومون بحماية سلامة الذين يحتجون سلميا ضد النظام العنصري في نظام العدالة الجنائية».
وأعرب بايدن عن تعاطفه مع المتظاهرين، وقال: «إنهم يتظاهرون ضد هذا النوع من الصور المروعة التي شاهدناها في سانت بول، وباتون روج، وفي أماكن أخرى وخسرنا بسببها الكثير من أرواح الأميركيين السود». ولم ينته الحادث المأساوي في دالاس بتلك النهاية الحزينة، فقد أعلنت السلطات في جورجيا وميسوري وتنيسي مقتل وإصابة ضباط شرطة في هجمات فردية، حيث أصيب ضابطان أحدهما في حالة حرجة، كما استمرت المظاهرات في عدة ولايات أميركية وخرج آلاف الأشخاص إلى الشوارع للتنديد بقتل الشرطة لاثنين من الرجال السود بالرصاص بعد يوم من قيام مسلح بقتل خمسة من ضباط الشرطة في مظاهرة مماثلة في دالاس.
وأغلق المتظاهرون الطرق في مدينة نيويورك وأتلانتا وفيلادلفيا مساء أول من أمس، وشاركت حشود واسعة في مدن هيوستن ونيواوليانز وديترويت وبالتيمور وفلادلفيا، وكان أكبر المظاهرات الاحتجاجية في مدينة أتلانتا.
وجرى التخطيط أيضًا لمظاهرات في سان فرانسيسكو وفينيكس. ولم تتحدث تقارير وسائل الإعلام المحلية عن وقوع أي اشتباكات أو إصابات خطيرة.
فيما قالت شرطة مكافحة الشغب في مدينة فينكس إنها استخدمت رذاذ الفلفل لتفريق حشد من المتظاهرين بعد أن رشقوا الشرطة بالحجارة، وهددوا بقطع أحد الطرق السريعة.
وفي روتسشتر بنيويورك، قال مايكل سمنيللي قائد الشرطة انه تم اعتقال 74 شخصا بعد قيامهم بعرقلة سير المرور في أحد الشوارع الرئيسية خلال التظاهرات.
وأظهر فيديو نشر على وسائل التواصل الاجتماعي آلافا يتظاهرون في أتلانتا، فيما بدت أكبر مظاهرة وردد المتظاهرون هتافات ولوحوا بلافتات تطالب بالعدالة. وأظهرت لقطات لمحطات تلفزيونية محلية حشدا هائلا في مواجهة عشرات من سيارات الشرطة التي تم إيقافها على طريق سريع محلي.
وقال قاسم ريد رئيس بلدية أتلانتا في تغريدة على حسابه بموقع «تويتر» إن المسيرة كانت سلمية إلى حد كبير على الرغم من اعتقال نحو عشرة أشخاص. وكان يوم الجمعة في اليوم الثاني للمظاهرات واسعة النطاق ضد استخدام الشرطة للقوة في أعقاب إطلاق النار الذي أدى إلى مقتل فيلاندو كاستيل، 32 عاما، قرب سانت بول بولاية مينيسوتا وألتون سترلينج ,37 عاما، في باتون روج بولاية لويزيانا.
وقتلت الشرطة كاستيل خلال توقف لحركة المرور في وقت متأخر يوم الأربعاء ونشرت صديقته لقطات فيديو حية على شبكة الإنترنت للمشهد الدموي.
وقتل سترلينج خلال مشاجرة أمام متجر مع اثنين من ضباط الشرطة البيض. وأثار فيديو للواقعة غضبا على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي باتون روج ردد المتظاهرون في وقت متأخر يوم الجمعة هتاف: «لا عدالة لا سلام... لا لعنصرية الشرطة». وحاولت شرطة مكافحة الشغب منع المتظاهرين من غلق طريق مزدحم. ونشرت رابطة الدفاع عن الأميركيين من أصل أفريقي رسالة تشجع على العنف ضد الشرطة ردا على حادثتي القتل للسود على يد رجال الشرطة في لويزيانا ومنيسوتا.
وفي المقابل حاول قادة حركة بلاك لايف ماتر «Black lives Matter» تحقيق توازن ما بين إدانة مقتل خمسة ضباط شركة دالاس وبين الضغط لتسليط الضوء على تكرر حوادث مقتل أميركيين سود على يد رجال الشرطة البيض، فيما قالت الشرطة في جميع أنحاء البلاد إنها ستكثف الدوريات الشرطية، وعبر بعض المحللين عن المخاوف من تزايد التوترات العرقية والعنصرية. وأثار الحادثان التوترات العرقية التي اندلعت مرارا في مختلف أنحاء البلاد عام 2014 في أعقاب مقتل مايكل براون وهو مراهق أسود غير مسلح على يد ضابط شرطة أبيض في فيرجسون بولاية ميزوري.
وتظاهر آلاف الناس سلميا في عدد من المدن الأميركية أول من أمس، من بينها أتلانتا (ولاية جورجيا)، وهيوستن (ولاية تكساس)، وسان فرانسيسكو (ولاية كاليفورنيا)، وأمام البيت الأبيض في واشنطن. وعكس مظاهرات سابقة كانت كلها سوداء تقريبا، وكانت ترفع شعار «بلاك لايفز ماتر» (حياة السود هامة)، كانت مظاهرات يوم الجمعة خليطا من سود وبيض وغيرهم. وكانت تدعو إلى حل المشكلات سلميا.
حسب تصريحات شرطة دالاس، قال جونسون، خلال مفاوضات الشرطة معه، قبل أن تقتله بمتفجرة إلكترونية، إنه يريد «قتل أميركيين بيض، وخصوصا شرطيين بيض».
وقال وزير الأمن الداخلي، جيه جونسون، إن الرجل «تصرف بمفرده». واستبعد، كما قال البيت الأبيض، وكما قالت شرطة دالاس «ارتباطه مع منظمة إرهابية»، على الأقل في المرحلة الراهنة من التحقيق.
في صفحة جونسون في «فيسبوك»، عثرت الشرطة على آراء عن تأييده لمنظمات تدافع عن السود. ويظهر جونسون في صور منشورة على الصفحة رافعا قبضته في الهواء، في إشارة ترمز إلى الصراع من أجل تحرر السود في أميركا. وقالت الشرطة إنها أغلقت الصفحة.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.