مقولة الدروس المُستقاة في الحرب

دبابات إسرائيلية على حدود قطاع غزة الاثنين (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية على حدود قطاع غزة الاثنين (أ.ف.ب)
TT

مقولة الدروس المُستقاة في الحرب

دبابات إسرائيلية على حدود قطاع غزة الاثنين (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية على حدود قطاع غزة الاثنين (أ.ف.ب)

الدروس المُستقاة، هي الدروس المستخلصة من التنفيذ العمليّ لاستراتيجيّة ما. والاستراتيجيّة، هي تحضير لسيناريو مستقبليّ، لكن في الحاضر، لتنفيذه في مرحلة لاحقة. وهي، أي الاستراتيجيّة، وهم (Illusion) كما يقول بعض الخبراء. هي خطّة مُتخيّلة. هي خطّة مستقبلية، ترتكز على تجارب الماضي، وما أُخذ منها من عبر ودروس، لكن في واقع ديناميكيّ يتغيّر باستمرار. تُحدّث الاستراتيجيّة نفسها عبر الداتا المتدفّقة على منظومتها من خارج بنيتها، إن كان من العدو مباشرة، أو من خلال المصادر العامة والمفتوحة. لكن التحديث لا يعني مُطلقا صواب ونجاح هذه الاستراتيجيّة. فالاختبار الفعليّ، هو دائماً في مسرح الحرب. هو الوحيد القادر على قياس نجاح هذه الاستراتيجيّة. هو القادر على اختبار عبقريّة القادة، وشجاعة المقاتل أمام أهمّ اختبار له، ألا وهو مواجهة الموت. ويقول الفيلسوف الألماني الكبير جورج فريدريك هيغل عن الموت: «إن مواجهة الموت هي تجربة أساسيّة في تحوّل الإنسان إلى إنسان، وفي انتقاله من كائن حيّ إلى كائن يُدرك ذاته».

لا تتجسّد الدروس المستقاة فعلاً إلا إذا أدخلت في البنى الفكريّة والتنفيذيّة للجيوش. وهنا تتظهّر المعضلة التالية: إذا أخذ الفريق (أ) الدروس المستقاة من حربه ضدّ الفريق (ب). وإذا فعل الفريق (ب) نفس الشيء كما الفريق (أ). ألا يعني هذا الأمر انتفاء أهميّة هذه الدروس؟ ألا يصبح الفريقان بعد إدخالهما لدروسهما المُستقاة في منظومتيهما العسكريّة وكأنهما بدآ من المربّع الأولّ والنقطة صفر؟ ألا يأخذنا هذا التساؤل إلى المفارقة التي تحدّث عنها أرسطو حول الوقت حين قال: «إذا كان الزمن يتكون أساساً من نوعين مختلفين من عدم الوجود (المستقبل - «ليس بعد، والماضي - «لم يعد»)، فماذا يمكن القول عن الحاضر اللحظيّ والمتلاشي»؟ وعليه كيف يتمّ التخطيط للمستقبل؟ فهل يمكن تذكّر الماضي كما هو، أم أنه أيضاً مُتخيّل حتى ولو تمّ تدوينه بالتفصيل من قبل المؤرّخين؟

مقاتلة حربية إسرائيلية في سماء جنوب لبنان الاثنين (أ.ف.ب)

يسأل الفيلسوف والمؤرّخ الأميركي ويل دورانت في كتابه: «دروس التاريخ»، هل حدّد الإنسان أنماطاً تاريخيّة ساعدته على سبر كنه المستقبل وفكّ ألغازه؟ في النهاية، والقول لدورانت، قد يكون التاريخ دون معنى وفائدة، وعلى أنه ذلك التكرار المُرهق للأخطاء في المستقبل. لذلك يسخر منّا التاريخ في كلّ مرّة نحاول حصر تدفّقه في أطر ومفاهيم نظريّة. وهو دائماً يتمرّد على كل تعميم نقوم به، ويخرق قواعدنا باستمرار.

يقول الكاتب الأميركيّ جوزيف ستيب إن أخذ الدروس المُستقاة من التاريخ يجب أن توضع تحت مجهر مبدأين أساسيّين هما: الظروف، واللامتوقّع، أو حالة طوارئ ممكنة الحصول (Context & Contingency). فلكلّ حدث معيّن ظروفه الخاصة، من الاجتماعيّة إلى الاقتصاديّة، مروراً بالسياسيّة، وغيرها من العوامل. إذن، كيف يمكن أخذ الدروس المستقاة من حرب ما حصلت في الماضي، وإسقاطها على حرب نُخطّط لها الآن في ظروف مختلفة؟ في هذا الإطار، يُعرّف المؤرّخ الأميركيّ جون لويس غاديس حالة اللامتوقّع، أو الطوارئ، (Contingency) على أنها تلك الظواهر التي لا تشكّل أنماطاً معيّنة.

أحداث اعتمدت فيها الأنماط التاريخيّة

عندما أراد الأميركيّون تغيير النظام في العراق، انكبّوا على دراسة الاستراتيجيّة التي اعتمدوها عند إعادة بناء اليابان وألمانيا، وذلك بعد هزيمتهما في الحرب العالميّة الثانية. نجح الأميركيّون في ألمانيا، واليابان. لكنهم فشلوا في العراق، فقط لأن الظروف مختلفة كلّيا. فإعادة بناء اليابان وألمانيا حصلت بعد الاستسلام. وبعد موافقة البلدين. كل هذه الظروف لم تكن متوفّرة في حالة العراق.

في الحرب الدائرة اليوم في غزّة، اعتمد الجيش الإسرائيليّ عقيدة قتالية كانت قد ارتكزت على تجربة حرب مع لبنان العام 2006، كما على كلّ نصف الحروب التي خاضها هذا الجيش ضد قطاع غزّة. فبعد الحرب، رسم رئيس الأركان آنذاك أفيف كوخافي عقيدة تحت مُسمّى «الاندفاعة»، (Momentum). بعد كوخافي، رسم رئيس الأركان الحالي هرتسي هاليفي عقيدة عسكريّة جديدة تحت مُسمّى (Maalot) بالعبريّة، أي الصعود. تعتمد هذه العقيدة على القتال الهجين (Hybrid). كل هذه العقائد العسكريّة ارتكزت على التجارب السابقة، وما أُخذ منها من دروس مستقاة للحرب المقبلة. نعايش الآن في قطاع غزّة كل ما أُعد له، إن كان من جهة الجيش الإسرائيليّ، أو من جهّة حركة «حماس» وغيرها من التنظيمات في القطاع. حتى الآن، فشلت كلّ الدروس التاريخيّة للفريقين، وانتقلت الحرب إلى حرب استنزاف بكل أبعادها.

نظرة على الصورة التكتيكية في حرب غزّة

في الحرب عادة، هناك ثلاثة مستويات هي: الاستراتيجيّ، العملانيّ، والتكتيكيّ. تُخاض الحرب عادة على كلّ المستويات، وفي نفس الوقت، حتى ولو تمّ فصلها عن بعضها البعض. لكن مع التقدّم التكنولوجي، بدأنا نلاحظ التماهي أكثر بين المستويات الثلاثة، إلى درجة أنه بدأ الحديث عن ضرورة توفّر ما يُسمّى بالعريف الاستراتيجيّ (Strategic Corporal) على المستوى التكتيكي. بكلام آخر، هذا العريف الذي يقاتل على هذا المستوى عليه أن يكون مثقفاً إلى درجة تجعله ملمّاً بكل المستويات ضمن المستوى الجيوسياسيّ.

في الختام، قد يمكن طرح الأسئلة التالية فيما يخصّ الدروس المستقاة مما يجري في غزّة. إن جوهر الحرب في غزّة هو تكتيكي بامتياز، لكن مع تداعيات إقليميّة، وجيوسياسيّة، وحتى على المستوى الدوليّ. في حرب غزّة كل فريق يُعلّم الآخر كيف عليه أن يقاتله، وذلك كلما طالت مدّة الحرب. قد يُطلق على هذه المرحلة ما يُسمّى بالتنافذ (Osmosis). ولأن الحرب في غزّة تكتيكية بامتياز، فهل عملية استنتاج الدروس المستقاة هي عملية آنية ظرفيّة تفرضها ديناميكيّة الحرب، وعليها يتم التأقلم الفوريّ؟ وهل يرى المقاتل الفرديّ الدروس المستقاة كما يراها قائده المباشر على المستوى العملاني، وكما يراها قائده الأعلى على المستوى الاستراتيجيّ؟ إذن، كيف يمكن الدمج بين كلّ هذه المستويات للتوصّل فعلاً إلى استنتاج الدروس المستقاة؟ أم أن كلّ هذه العملية هي فقط مثل النجم القطبي، الذي لا يمكن لمسه، لكنه على الأقلّ يدّلنا عن بُعد على اتجاه الشمال الجغرافيّ؟ فعلاً، إن الحرب كالحرباء (Chameleon) كما وصفها كلوزفيتز.


مقالات ذات صلة

سجال كلامي بين وزير دفاع إسرائيل ورئيس وزراء إسبانيا بسبب رفع لامين يامال لعلم فلسطين

المشرق العربي لامين يامال يرفع علم فلسطين (أ.ب)

سجال كلامي بين وزير دفاع إسرائيل ورئيس وزراء إسبانيا بسبب رفع لامين يامال لعلم فلسطين

توترت العلاقات بين إسرائيل وإسبانيا مجدداً على خلفية رفع لاعب فريق برشلونة الإسباني لامين يامال العلم الفلسطيني خلال الاحتفالات بفوز فريقه بلقب الدوري الإسباني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية معتقلون فلسطينيون داخل أحد السجون الإسرائيلية (وكالة الانباء والمعلومات الفلسطينية)

إسرائيل لمقاضاة «نيويورك تايمز» على خلفية تحقيق العنف الجنسي بحق معتقلين فلسطينيين

أوعز نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر بـ«الشروع في إقامة دعوى تشهير على صحيفة نيويورك تايمز»، بحسب بيان مشترك صادر عن مكتبيهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عباس أثناء خطابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)

عباس: «7 أكتوبر» دمّرنا وسنحافظ على «أوسلو»

انتقد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بشدة هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، معتبراً أنه تسبب في ذبح وتهجير وتدمير الفلسطينيين.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي عباس أثناء خطابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)

عباس في مؤتمر «فتح»: سنحافظ على «أوسلو»... و«7 أكتوبر» دمرنا

أكد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في افتتاح مؤتمر «فتح» الثامن تمسكه بالنهج السلمي وسط سلسلة من الحروب الدامية في المنطقة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فتى فلسطيني يقفز بعدما تم تركيب «وصلة ساق اصطناعية» له يقفز في أحد شوارع مدينة غزة الأربعاء (أ.ف.ب)

العصابات المسلحة تشرد 10 آلاف فلسطيني في غزة

أجبرت العصابات المسلحة المنتشرة في مناطق سيطرة القوات الإسرائيلية بقطاع غزة، أكثر من 10 آلاف فلسطيني من سكان مناطق شرق دير البلح، على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لماذا مُنع ترمب من استخدام هاتفه الجوال خلال زيارته إلى الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب)
TT

لماذا مُنع ترمب من استخدام هاتفه الجوال خلال زيارته إلى الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب)

في عالمٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، حتى بالنسبة لقادة الدول، قد يبدو التخلي عنها أمراً غير مألوف، بل ومعقّداً. غير أن متطلبات الأمن السيبراني تفرض أحياناً إجراءات استثنائية، خصوصاً خلال الزيارات الرسمية الحساسة. وهذا ما واجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة عُقدت في الصين، حيث اضطر إلى الابتعاد عن هاتفه الجوال، في خطوة تعكس حجم التحديات الأمنية والتقنية التي ترافق مثل هذه الزيارات.

وفقاً لصحيفة «نيويورك بوست»، لم يكن بإمكان ترمب استخدام هاتفه الشخصي أثناء وجوده في الصين، وهو ما شكّل أحد أبرز التحديات اللوجستية التي واجهها إلى جانب فريق البيت الأبيض على الأرض في بكين. وقد طُلب من الرئيس، كما هو الحال مع كثير من المسافرين إلى الصين، الامتناع عن استخدام أجهزته الشخصية، وذلك لحماية بياناته من احتمالات الاختراق أو التجسس الإلكتروني.

ويمثّل هذا الإجراء تحدياً خاصاً لترمب، المعروف بكثرة استخدامه لهاتفه المحمول، سواء للتواصل مع أصدقائه، أو للرد على مكالمات الصحافيين، أو لنشر تعليقاته وصوره الساخرة عبر منصاته الرقمية. وأكد أحد مسؤولي البيت الأبيض أن الرئيس لن يستخدم هاتفه الشخصي طوال فترة وجوده في الصين.

وخلال انعقاد القمة، فُرضت قيود على النشر عبر حساب ترمب على منصة «تروث سوشيال»، حيث يُرجّح أن بعض المنشورات تم نشرها من العاصمة واشنطن، إذ يعمل عدد من موظفي البيت الأبيض وفق توقيت بكين لتقديم الدعم اللوجستي عن بُعد.

ولم يقتصر هذا «العزل الرقمي» على الرئيس وحده، بل شمل أيضاً أعضاء فريقه، إذ استخدم موظفو الإدارة هواتف وعناوين بريد إلكتروني مؤقتة طوال مدة القمة، وذلك في إطار إجراءات مشددة تهدف إلى حماية المعلومات وضمان سير الزيارة بسلاسة.

وتُعد هذه الأجهزة المؤقتة بمثابة أجهزة «نظيفة»، حيث تُجرَّد من معظم التطبيقات والوظائف الأساسية، وتُصمَّم بحيث تحتوي على أقل قدر ممكن من البيانات، تحسباً لأي محاولة اختراق محتملة.

وفي السياق ذاته، تُحذر وزارة الخارجية الأميركية المواطنين الأميركيين المسافرين إلى الصين من أن الخصوصية على شبكات الاتصالات هناك غير مضمونة، مشيرة إلى أن كثيراً من المسافرين يفضّلون حمل أجهزة إلكترونية خالية من أي معلومات شخصية.

أما بالنسبة لموظفي البيت الأبيض، فقد جرى حفظ أجهزتهم الشخصية على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس ون» داخل حقائب خاصة تُعرف باسم «فاراداي»، وهي مصممة لحجب جميع الإشارات، بما في ذلك نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وشبكات الواي فاي، والبلوتوث، وتقنية تحديد الهوية بموجات الراديو (RFID)، ما يوفّر طبقة إضافية من الحماية للبيانات الحساسة ضد أي اختراق عن بُعد.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقل طائرة الرئاسة «إير فورس ون» قبل مغادرته مطار بكين (أ.ف.ب)

ويتمكن ترمب وفريقه من استعادة استخدام أجهزتهم فور عودتهم إلى الطائرة الرئاسية، التي تُعدّ، من الناحية القانونية والأمنية، أرضاً أميركية أينما وُجدت. كما تتمتع «إير فورس ون» بقدرات متقدمة لحماية المعلومات، إذ تعمل كمرفق معلومات حساسة مجزأة (SCIF) طائر، مزوّد بأنظمة متعددة لتأمين الاتصالات والبيانات.

وخلال هذه الزيارة، ناقش ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ عدداً من الملفات المعقدة على مدار يومين من الاجتماعات، من بينها الحرب الإيرانية، وقضية تايوان، إضافة إلى ملفات التجارة والتكنولوجيا، في ظل أجواء تتطلب أعلى درجات الحذر الأمني والتنظيمي.


خمس محطّات بارزة في قمّة شي وترمب

 ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)
ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)
TT

خمس محطّات بارزة في قمّة شي وترمب

 ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)
ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)

عقد الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الأميركي دونالد ترمب محادثات رفيعة المستوى في بكين، الخميس، تناولت حربَي إيران وأوكرانيا والتعاون الاقتصادي الثنائي.

لكن، بعيداً من الملفات المعقّدة المطروحة على جدول أعمال الزيارة، سجّلت خمس محطّات بارزة في اليوم الأول للقمّة الصينية الأميركية:

صداقة من طرف واحد؟

أغدق ترمب عبارات الثناء على شي مع بدء المحادثات في قاعة الشعب الكبرى، قائلاً: «إنه لشرف لي أن أكون صديقك»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وخاطبه مباشرة: «أنت وأنا نعرف بعضنا منذ زمن طويل... كانت بيننا علاقة رائعة، وتجاوزنا الخلافات عندما برزت وعملنا على حلّها»، وتابع: «كنت أتّصل بك وكنتَ تتصّل بي».

أمّا شي الذي وصف سابقاً علاقته مع ترمب بأنها «صداقة شخصية»، فتجنّب، الخميس، استخدام الوصف الآنف، واستعاض عنه بالقول إن على الجانبين «أن يكونا شريكَين لا خصمَين».

ويكثر شي من استخدام مصطلح «صداقة»، إذ يشيد بعلاقات «صداقة» مع دول عدّة، من بينها كوريا الشمالية وباكستان وفرنسا، ويطلق وصف «الصديق المقرّب» على نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

مصافحة لا عناق

في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في منتصف أبريل (نيسان)، توقّع ترمب أن يستقبله شي «بعناق كبير ودافئ».

شكّل هذا التعليق مثالاً على أسلوب ترمب الاستعراضي والمندفع على الساحة الدولية، في تناقض واضح مع حضور شي الهادئ والمتحفّظ.

وصباح الخميس، حصل الرئيس الأميركي على مصافحة رسمية بدلاً من العناق الذي توقعه، استمرت لأكثر من 10 ثوانٍ، وربّت ترمب على ذراع شي مرّتين خلالها.

«فخّ ثوسيديديس»

في خطاباته ولقاءاته مع القادة الأجانب، كثيراً ما يستشهد شي جينبينغ بحِكم أو أبيات شعرية صينية تاريخية.

لكنه اختار هذه المرة تشبيه العلاقات الصينية الأميركية بما يُعرف بـ«فخّ ثوسيديديس»، وهو مصطلح سياسي صاغه باحث أميركي استناداً إلى رواية المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس عن حرب البيلوبونيز. ويشير هذا المفهوم إلى ميل نحو الحرب عندما تهدّد قوّة صاعدة بإزاحة قوة مهيمنة.

وسأل شي: «هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز ما يُعرف بـ(فخ ثيوسيديدس) وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين القوتَين الكبريَين؟»، مضيفاً أن «التعاون يفيد الجانبين، بينما المواجهة تضرّ بهما». وقال إن الإجابة على هذا السؤال يجب أن يصيغها الرئيسان «بشكل مشترك».

وكان شي قال خلال لقائه سلف ترمب جو بايدن في عام 2024، إن «فخّ ثوسيديديس ليس قدراً تاريخياً محتوماً».

مشادات مع الصحافيين

تصاعدت التوترات على هامش القمّة بين وسائل إعلام أميركية مرافِقة، والطاقم الأمني والمسؤولين الصينيين.

وتدافع الصحافيون لالتقاط صور داخل قاعة الشعب الكبرى بينما كان ترمب وشي يهمّان بالجلوس، إلى درجة أن أحد الأشخاص أطلق عبارة نابية بشكل مسموع. أيضاً، أمكن سماع عناصر أمن صينيين وهم يطلبون من الصحافيين التراجع.

في وقت لاحق، وأثناء زيارة الرئيسين معبد السماء التاريخي، تأخّر دخول الصحافة الأميركية قرابة نصف ساعة بعدما رفض الأمن الصيني بداية السماح لأحد عناصر الخدمة السرية الأميركية الدخول بسلاحه.

كذلك، منع مسؤولون صينيون لاحقاً الموظفين والصحافيين الأميركيين من مغادرة المكان والانضمام إلى الموكب، قبل السماح لهم بالمغادرة. وفي لقطات مصوّرة، يُسمع أحد الأميركيين يقول للمسؤولين الصينيين «كنتم مضيفين سيئين للغاية».

فيض من الصور الساخرة

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي الصينية بمنشورات ساخرة احتفاء بالزيارة.

وتمحور جزء كبير منها حول «الخميس المجنون»، وهي حملة رائجة في الصين أطلقتها سلسلة مطاعم الوجبات السريعة الأميركية «كي إف سي» (KFC) وتقدّم حسوماً كل يوم خميس، فيما استخدم بعضهم الذكاء الاصطناعي لتوليد صور ساخرة لترمب وهو يستمتع بالدجاج المقلي.

وتصدّرت الوسوم المرتبطة بالزيارة منصات التواصل، إذ حصد أحدها 98 مليون مشاهدة على منصة «ويبو» (الموازية لمنصة «إكس») في الصين حتى بعد الظهر. وأعرب البعض عن أمله في أن «يقضي ترمب وقتاً ممتعاً» خلال زيارته.

وأبدى معلّقون حماسة تجاه وجود الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ، ومالك «تسلا» إيلون ماسك، ضمن الوفد التجاري الأميركي المرافق، إذ تجاوز وسم مرتبط بهما 52 مليون مشاهدة على «ويبو».

كما لفتت مقاطع مصوّرة لماسك وهو يصوّر بهاتفه أثناء وقوفه على درج قاعة الشعب الكبرى انتباه المستخدمين. وقال أحدهم: «لا يشبه هذا المشهد أي شيء قد تراه في أميركا». وعلّق آخر ساخراً: «يبدو كمن لم يرَ العالم من قبل».


نفاذ الديزل وزيت الوقود في كوبا وسط الحصار الأميركي

انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)
انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)
TT

نفاذ الديزل وزيت الوقود في كوبا وسط الحصار الأميركي

انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)
انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)

قال وزير الطاقة والمناجم في كوبا أمس الأربعاء إن مخزونات الديزل وزيت الوقود في البلاد نفدت تماما، في وقت تواجه فيه العاصمة هافانا أسوأ موجة انقطاعات متكررة للكهرباء منذ عقود، وذلك في ظل الحصار الأميركي الذي خنق إمدادات الوقود إلى الجزيرة.

وقال شاهد من رويترز إن احتجاجات متفرقة خرجت في عدة أحياء بالعاصمة حيث قام مئات السكان بقرع أواني الطهي احتجاجا على الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي على الرغم من وجود الشرطة بكثافة.

وقال وزير الطاقة فيسنتي دي لا أو عبر وسائل الإعلام الحكومية «ليس لدينا وقود (نفط) على الإطلاق، ولا ديزل على الإطلاق»، مضيفا أن الشبكة الوطنية في حالة «حرجة». وتابع قائلا «ليس لدينا احتياطيات».

وذكر الوزير أن انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير هذا الأسبوع والأسبوع الماضي في أنحاء هافانا، حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم، ما زاد من التوتر في مدينة منهكة بالفعل بسبب نقص الغذاء والوقود والأدوية. وأضاف أن الشبكة الوطنية تعمل بالكامل على النفط الخام المحلي والغاز الطبيعي والطاقة المتجددة.

وقال دي لا أو إن كوبا قامت بتركيب ألواح طاقة شمسية بقدرة 1300 ميغاوات على مدار العامين الماضيين، لكن جزءا كبيرا من هذه الطاقة يضيع بسبب عدم استقرار الشبكة وسط نقص الوقود، ما يقلل من الكفاءة والإنتاج.

وقال أكبر مسؤول في قطاع الطاقة في البلاد إن كوبا تواصل المفاوضات لاستيراد الوقود على الرغم من الحصار، لكنه أشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط والنقل العالمية في ظل الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران يزيد هذه الجهود تعقيدا. وقال الوزير «كوبا منفتحة على أي شخص يرغب في بيع الوقود لنا».

ولم ترسل المكسيك ولا فنزويلا، اللتان كانتا سابقا أكبر موردي النفط إلى كوبا، أي شحنات وقود إلى الجزيرة منذ أن أصدر دونالد ترمب أمرا تنفيذيا في يناير (كانون الثاني) 2026 يهدد بفرض رسوم جمركية على أي دولة ترسل الوقود إلى الدولة ذات الحكم الشيوعي.

ولم تسلم سوى ناقلة نفط واحدة كبيرة ترفع العلم الروسي النفط الخام إلى كوبا منذ ديسمبر (كانون الأول) ما منح الجزيرة بعض الدعم في أبريل (نيسان).

وتحدث انقطاعات الكهرباء في هافانا وخارجها في الوقت الذي يدخل فيه الحصار الأميركي على واردات الوقود إلى كوبا شهره الرابع ما يشل الخدمات العامة في أنحاء الجزيرة الكاريبية التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة تقريبا.

ووصفت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي الحصار الذي فرضه ترمب بأنه غير قانوني، قائلة إنه أعاق «حق الشعب الكوبي في التنمية، وقوض حقوقه في الغذاء والتعليم والصحة والمياه والصرف الصحي».