اضطرابات التواصل وصعوبات التعلم.. هل هناك علاقة سببية بينهما؟

التأخر في نمو مهارات اللغة والكلام يؤدي إلى مشاكل في الدراسة والتعليم

اضطرابات التواصل وصعوبات التعلم.. هل هناك علاقة سببية بينهما؟
TT

اضطرابات التواصل وصعوبات التعلم.. هل هناك علاقة سببية بينهما؟

اضطرابات التواصل وصعوبات التعلم.. هل هناك علاقة سببية بينهما؟

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن قرابة 3 ملايين طفل داخل الولايات المتحدة الأميركية وحدها، يتلقون دعما بصفتهم أطفالا يعانون من صعوبات التعلم، وأن 7 في المائة من الأطفال الذين يتلقون جلسات علاج لأمراض النطق واللغة والكلام في المدارس يتلقون دعما على المستوى الأكاديمي لصعوبات يواجهونها علي ذلك المستوي الأكاديمي.
التواصل والتعلّم
وهنا يبرز التساؤل: وما هي نمطية العلاقة بين اضطرابات التواصل وصعوبات التعلم؟
التقت «صحتك» بأحد المتخصصين في هذا المجال، الدكتور وائل عبد الخالق الدكروري استشاري علاج أمراض النطق واللغة (البورد الأميركي) رئيس قسم اضطرابات التواصل بعيادات العناية النفسية والباحث في اضطرابات اللغة عند الأطفال، وطرحنا عليه مجموعة من الأسئلة ذات العلاقة باضطرابات التواصل.
في البداية، أوضح د. الدكروري أن اضطرابات التواصل هي الصعوبات التي يواجهها الطفل في استقبال وإرسال ومعالجة وفهم الأفكار سواء على المستوى اللفظي أو غير لفظي، وأن اضطرابات التواصل هي من الاضطرابات الأكثر شيوعا عند أطفال مرحلة ما قبل المدرسة. وتظهر اضطرابات التواصل على مستويات السمع واللغة والكلام كما أن الطفل قد يعاني من صعوبات على مستوى واحد أو أكثر. وقد تكون مشكلات التواصل اضطرابا قائما بذاته أو نتيجة لاضطراب آخر مثل حالات التوحد أو محدودية الأداء الذهني أو ضعف السمع كما أن لها تأثيرات واسعة على مجالات عدة مثل التفاعل الاجتماعي والأداء الأكاديمي.
أما صعوبات التعلم فلها أوجه عدة تتقاطع مع المهارات التواصلية عند الأطفال فصعوبات التعلم هو مصطلح عام يشير إلى مجموعة متنوعة من الاضطرابات والتي تتمثل بصعوبات في الاكتساب والاستخدام والاستماع والكلام والقراءة والكتابة والربط ومعالجة المعلومات الحسابية.
وقد أثبتت البحوث العلمية التأثير الواضح لسلامة تطور ونمو المهارات بشكل عام بتطور مهارات التعلم والارتقاء الأكاديمي عند الأطفال. فلنتخيل سويا سيناريو لطفل في الصف الأول يعاني من تأخر في نمو مهارات اللغة والكلام لم يتم التعامل معه أو علاجه مثل أن تكون حصيلة المفردات أقل من المتوسط بمعنى أن كثيرا من الكلمات التي تقال لا يعرفها كما أنه قد لا يعرفها أو يفهمها كما أن قدرته على تسميتها كذلك ضعيفة بالإضافة لإمكانية مواجهة صعوبة في تميز الفروق بين أصوات مثل (ك وت)، (س وث) وعليه فهو ينطق كلمات مثل كتاب (تتاب) وكلب (تب).
وحول السؤال عن: كيف نتوقع أن يكون أداء طفل بهذا المستوى داخل الفصل الدراسي؟
أجاب د. وائل الدكروري، أن طفلا من هذا المستوى يتوقع منه معلمه عادة أن يعرف الحروف والأصوات ويميزها جيدا وأن تكون حصيلة مفرداته اللغوية كافية لاستخدام وإنتاج جمل أكثر تعقيدا تتناسب مع عمره مثل أقرانه داخل الفصل الدراسي. وعليه يجلس هذا الطفل وينظر حوله ليجد أن المعلومات المقدمة له صعبة جدا عليه بل وتزداد صعوبتها يوما بعد يوم، وعلى النحو التالي:
يبدأ المدرس في الاعتقاد أن هذا الطفل يعاني من مشكلة في الانتباه. والأقران يبدون في التعامل معه على أنه أقل منهم ذكاء. والأب والأم ينظران له على أنه مجرد طفل كسول. وفي هذا السيناريو يتضح أن العلاقة بين اضطرابات التواصل وصعوبات التعلم واضحة وقوية ومنطقية جدًا، وفيما يلي سيتم عرض للمؤشرات الأساسية لصعوبات التعلم عند الأطفال.
مؤشرات صعوبات التعلم
- عند أطفال ما قبل الدراسة:
* صعوبات النطق.
* صعوبات إيجاد الكلمات المناسبة (محدودية المفردات).
* صعوبات في الإنشاد.
* صعوبات في تعلم الحروف والأرقام والألوان والأشكال وأيام الأسبوع.
* صعوبة في اتباع وتنفيذ الأوامر أو تعلم الروتينيات.
* صعوبة في التحكم في الأقلام والألوان والمقصات أو التلوين داخل الخطوط المحددة.
* صعوبة في إغلاق الأزرار أو السحاب أو كيفية ربط الحذاء.
في عمر 5 - 9 سنوات
* صعوبة تعلم العلاقة بين الحروف والأصوات.
* صعوبة دمج الأصوات لتكوين كلمات.
* اضطراب نطق الكلمات الأساسية عند القراءة.
* استمرارية الأخطاء في التهجي وعمل أخطاء متكررة في القراءة.
* صعوبة تعلم أساسيات الحساب.
* صعوبة إخبار الوقت أو تعلم التسلسل وتذكره.
* البطء في تعلم المهارات الجديدة.
** دراسات وأبحاث
أثبتت البحوث العلمية الحديثة حقيقة أن اضطرابات اللغة هي أحد العناصر الأساسية في صعوبات التعلم. فالأطفال الذين يظهرون تأخرا في تطور نمو مهارات اللغة ينظر لهم البعض على أنه تأخر مؤقت سوف يجتازه مع مرور الوقت ولكن في واقع الأمر أظهرت الأبحاث التتبعية أن الأطفال في سن ما قبل الدراسة والذين يظهرون تأخرا في نمو مهارات اللغة والكلام «اليوم» سوف يكونون أطفالا يعانون من صعوبات التعلم «غدا» وهو ما تم اعتماده كنوع من المؤشرات المستقبلية لصعوبات التعلم والذي يتمثل في وجود تأخر في نمو مهارات النطق واللغة والكلام.
وعلى وجه التحديد، أجريت دراسة تتبعية عام 2009 لمجموعة من الأطفال بداية من عمر السنتين حتى وصولهم عمر 6 سنوات وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين تم تقييمهم على أنهم متأخرون بالنسبة لمهارات اللغة والكلام عند عمر السنتين عند إعادة تقييمهم بشكل منتظم على الرغم من كون بعضهم أصبح معدل لغتهم وكلامهم طبيعيا ببلوغهم عمر 4 سنوات إلا أنهم تأخروا في جاهزيتهم الأكاديمية في عمر 5 - 6 سنوات كما لوحظ وجود مشاكل على مستوى التفاعل الاجتماعي حتى مع تقدم مستواهم اللغوي وهو ما يعني وجود تلازم كبير في التأخر في نمو مهارات اللغة والكلام ومدى جاهزية الأطفال للتعلم.
وهنا تكمن الصعوبة للطفل الذي يعاني من تأخر نمو مهارات النطق واللغة والكلام في معاناته وعدم استيعابه للنظم الرمزية للغة علم مستوياتها المختلفة وهو ما يعني أن الأطفال الذين يعانون من هذا التأخر تتضاعف إمكانية مواجهتهم مشاكل على مستوى القراءة بأكثر من 5 أضعاف الأطفال الذين لم يعانوا من هذا التأخر في المراحل الأولى.
وهو ما ترجمته بعض النظم التعليمية في العالم مثل الولايات المتحدة الأمير كية وغيرها من دول أوروبا بعمل اختبارات مسحية وفحوص أولية للتأكد من جاهزية الطفل لعملية التعلم عن طريق فحص مهارات النطق واللغة والكلام قبل الالتحاق بالمدرسة أو الروضات وهو ما يجب تعميمه في مدارسنا بهدف التعرف علي الأطفال الذين يحتاجون لدعم متخصص.
إن العلاقة بين تأخر نمو مهارات اللغة والكلام وظهور صعوبات التعلم أو اضطرابات في السلوك الاجتماعي مؤكدة بشكل لا يدعو للشك حتى أن بعض الباحثين وصفها بعلاقة شرطية وعليه فأسلوب «انتظر ودعنا نرى» الذي يتبعه البعض سواء كانوا من المتخصصين أو أفراد الأسرة يجب أن يتوقف الآن لأنه يضيع فرصة ذهبية للتدخل المبكر كما أنه أسلوب سوف يدفع ثمنه الطفل والأسرة معا.



«الهيموفيليا»... من التشخيص المتأخر إلى آفاق العلاج الجيني

الهيموفيليا ابرز اضطرابات الدم الوراثية
الهيموفيليا ابرز اضطرابات الدم الوراثية
TT

«الهيموفيليا»... من التشخيص المتأخر إلى آفاق العلاج الجيني

الهيموفيليا ابرز اضطرابات الدم الوراثية
الهيموفيليا ابرز اضطرابات الدم الوراثية

قد يبدو الجرح الصغير أمراً عابراً في حياة معظم الناس، فما هي إلاّ لحظةُ ألمٍ قصيرة يعقبها شفاء سريع، لكن بالنسبة لآخرين قد يتحول إلى مشكلة معقدة تتجاوز ما تراه العين، ويكون بداية معاناة أطول مما نتخيل.

فهناك أمراض لا تُقاس شدتها بحجم الإصابة، مثل اضطرابات النزيف، بل تقاس بقدرة الجسم على إيقاف النزيف، أو عجزه عن ذلك.

وفي شهر أبريل (نيسان) من كل عام، تتجه أنظار العالم إلى هذه الفئة من الأمراض من خلال شهر التوعية باضطرابات النزيف، ويبلغ هذا الاهتمام ذروته في اليوم العالمي للهيموفيليا الذي يصادف السابع عشر من الشهر نفسه، ليحمل رسالة إنسانية وعلمية مفادها بأن ما لا يُرى من أمراض، قد يكون الأكثر تأثيراً في حياة المرضى.

الهيموفيليا

• اضطراب في تخثر الدم. تُعد الهيموفيليا (Hemophilia) أحد أبرز اضطرابات النزيف الوراثية، وتنجم عن نقص أو خلل في أحد عوامل تخثر الدم، غالباً العامل الثامن (Hemophilia A)، أو العامل التاسع (Hemophilia B)، ما يؤدي إلى صعوبة في تكوين الخثرة الدموية اللازمة لإيقاف النزيف.

وبحسب تقديرات الاتحاد العالمي للهيموفيليا (World Federation of Hemophilia)، يعيش مئات الآلاف حول العالم مع هذا المرض، حيث يُقدّر عدد المصابين بالهيموفيليا عالمياً بأكثر من 400 ألف شخص، إلا أن ما يقارب 75 في المائة منهم لا يحصلون على تشخيص، أو رعاية كافية، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل التي تفتقر إلى برامج الفحص المبكر.

ولا يقتصر النزيف في الهيموفيليا على الجروح الظاهرة، بل قد يحدث داخلياً فيما يُعرف بـ«النزيف الصامت»، خصوصاً داخل المفاصل، والعضلات، وهو ما يجعل المرض أكثر تعقيداً، وخطورة. فالنزيف المتكرر داخل المفاصل قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تلف دائم، وإعاقة حركية، وفقدان تدريجي للوظيفة، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الحياة.

• مؤشرات لا يجب تجاهلها. من أبرز ما يميز اضطرابات النزيف، وعلى رأسها الهيموفيليا، أنها قد تكون «صامتة» في بداياتها، فلا تُكتشف إلا بعد تكرار النزيف، أو ظهور المضاعفات. وتشير البيانات السريرية إلى أن نحو 30–50 في المائة من الحالات الشديدة يتم اكتشافها خلال السنة الأولى من الحياة، غالباً بعد ملاحظة كدمات غير مبررة، أو نزيف مطوّل بعد إجراءات بسيطة.

وقد تظهر العلامات الأولى في الطفولة على شكل:

- كدمات متكررة دون سبب واضح.

- نزيف مطوّل بعد الجروح البسيطة.

- نزيف بعد الإجراءات الطبية، أو خلع الأسنان.

- تورم، وألم في المفاصل نتيجة نزيف داخلي.

وهنا تبرز أهمية الوعي، ليس فقط لدى الأطباء، بل لدى الأسرة أيضاً، إذ إن التعرف المبكر على هذه المؤشرات قد يغيّر مسار حياة المريض، ويحد من مضاعفات المرض بشكل كبير.

• اضطرابات النزيف. إلى جانب الهيموفيليا، وهي الأكثر شهرة، فإن التقديرات الطبية تشير إلى أن ملايين الأشخاص عالمياً يعانون من أحد أشكال اضطرابات النزيف (Bleeding Disorders)، إلا أن نسبة كبيرة منهم لا تدرك ذلك، وهو ما يجعل شهر أبريل فرصة مهمة لتوسيع دائرة الوعي بهذه الحالات.

وتشمل اضطرابات النزيف مجموعة واسعة من الحالات، مثل:

- مرض فون ويلبراند (Von Willebrand Disease): وهو من أكثر اضطرابات النزيف شيوعاً، إذ يُقدّر أنه يصيب ما يصل إلى 1 في المائة من سكان العالم، إلا أن الحالات المشخصة سريرياً تمثل نسبة أقل بكثير، بسبب خفة الأعراض في العديد من الحالات.

- نقص الصفائح الدموية، أو خلل وظيفتها.

- اضطرابات عوامل التخثر الأخرى.

وتختلف هذه الحالات في شدتها، وأعراضها، إلا أنها تشترك في سمة أساسية هي صعوبة السيطرة على النزيف.

ويهدف شهر التوعية باضطرابات النزيف (أبريل) إلى تسليط الضوء على هذا الطيف الواسع من الأمراض، وتعزيز الفهم بأن النزيف غير الطبيعي ليس أمراً يجب تجاهله، بل علامة تستدعي التقييم الطبي.

• أعباء المرض. لا تتوقف آثار اضطرابات النزيف عند الجانب الجسدي، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية عميقة. فقد أظهرت دراسات جودة الحياة أن المرضى المصابين بالهيموفيليا الشديدة يعانون من انخفاض في مؤشرات النشاط البدني قد يصل إلى 40-60 في المائة مقارنة بأقرانهم الأصحاء، نتيجة الخوف من النزيف، أو الألم المزمن.

كما تشير بعض الدراسات إلى أن نحو 30 في المائة من المرضى يعانون من أعراض قلق أو اكتئاب مرتبطة بالمرض، خاصة في الحالات التي تتطلب علاجاً مستمراً، أو تعاني من مضاعفات مفصلية.

فالطفل المصاب قد يُحرم من بعض الأنشطة، وقد يعيش تحت مظلة من الحذر الزائد، بينما قد يشعر المراهق أو البالغ بقلق دائم من التعرض للإصابات. كما أن نقص الوعي المجتمعي قد يؤدي إلى سوء فهم الحالة، أو التقليل من خطورتها، أو حتى وصم المرضى بطريقة غير مباشرة.

وتشير دراسات جودة الحياة إلى أن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة غير مرئية، مثل اضطرابات النزيف، يواجهون تحديات نفسية لا تقل أهمية عن التحديات الجسدية، ما يؤكد أن الدعمين النفسي والاجتماعي جزء لا يتجزأ من الرعاية الصحية الشاملة.

رحلة العلاج

• أولاً: من العلاج عند الحاجة إلى الوقاية. شهدت السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في علاج اضطرابات النزيف، خاصة الهيموفيليا، حيث انتقل النهج العلاجي من التعامل مع النزيف بعد حدوثه إلى استراتيجيات وقائية متقدمة تهدف إلى منعه قبل وقوعه. فبعد أن كان العلاج يعتمد بشكل أساسي على إعطاء عوامل التخثر بشكل متكرر، ظهرت خيارات علاجية أكثر تطوراً أعادت تشكيل مسار المرض، وتحسين جودة حياة المرضى.

• ثانياً: من الوقاية إلى منع النزيف قبل حدوثه. يُعد العلاج الوقائي حجر الأساس في الإدارة الحديثة للهيموفيليا، إذ يعتمد على إعطاء عوامل التخثر بشكل منتظم لمنع النزيف قبل حدوثه. وقد أظهرت الدراسات أن هذا يساهم في تقليل معدل النزيف السنوي بنسبة تصل إلى 80–90 في المائة لدى المرضى المصابين بالحالات الشديدة مقارنة بالعلاج عند الحاجة فقط.

• ثالثاً: من العلاج الجيني إلى تحرير الجينات. يمثل العلاج الجيني أحد أهم التحولات الحديثة في علاج الهيموفيليا، حيث أظهرت التجارب السريرية أن بعض المرضى تمكنوا من تحقيق مستويات مستقرة من عامل التخثر، ما أدى إلى انخفاض كبير في معدلات النزيف، وفي بعض الحالات الاستغناء المؤقت عن العلاج التقليدي لعدة سنوات.

وفي هذا السياق، تشير تقارير الاتحاد العالمي للهيموفيليا (WFH) وإرشادات الاتحاد الدولي للتخثر والإرقاء (ISTH) إلى أن العلاج الوقائي، والعلاجات الحديثة، بما فيها العلاج الجيني، أسهمت بشكل كبير في خفض معدلات النزيف، وتحسين جودة الحياة لدى المرضى.

ومع التسارع الكبير في علوم الجينات، يتجه الأفق العلاجي نحو آفاق غير مسبوقة، حيث تبرز تقنيات التحرير الجيني، وعلى رأسها CRISPR - Cas9، كأحد أكثر الابتكارات الواعدة، إذ تتيح إمكانية تعديل الطفرة الجينية المسببة للمرض بشكل مباشر داخل الخلايا.

وقد أظهرت الدراسات الأولية نتائج مشجعة في استعادة إنتاج عوامل التخثر بدرجات متفاوتة، مما يعزز فرص الوصول إلى علاج طويل الأمد، وربما جذري، ويقربنا أكثر من مرحلة الانتقال من «إدارة المرض» إلى «إعادة تشكيله»... وربما، في الأفق القريب، إلى الشفاء الممكن.

• رابعاً: العوامل طويلة المفعول. تهدف إلى تقليل العبء العلاجي من خلال التطورات الحديثة، من أبرزها «العوامل طويلة المفعول» التي أسهمت في تقليل عدد الجرعات الدورية، حيث قد تنخفض وتيرة الحقن بنسبة تصل إلى 50 في المائة، أو أكثر في بعض الحالات، ما يعزز الالتزام بالعلاج، ويخفف العبء اليومي على المرضى.

• خامساً: علاجات غير معتمدة على العامل. إلى جانب ذلك، هناك آليات مبتكرة، حيث برزت علاجات غير معتمدة على العامل (Non - factor therapies)، وهي تعمل بآليات بديلة لتعزيز عملية التخثر، أسهمت في تبسيط أنظمة العلاج، وتقليل معدلات النزيف، خاصة لدى المرضى الذين يواجهون تحديات مع العلاجات التقليدية.

في السعودية: خطوات متقدمة

شهدت المملكة العربية السعودية تقدماً ملحوظاً في مجال تشخيص وعلاج الأمراض الوراثية، بما في ذلك اضطرابات النزيف، من خلال مراكز متخصصة، وبرامج صحية متقدمة.

كما أسهمت الجهود الوطنية في تعزيز الفحص المبكر، وتحسين الوصول إلى الخدمات العلاجية، وهو ما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في رفع جودة الحياة، وتعزيز الصحة العامة.

ومع ذلك، تبقى الحاجة قائمة لتعزيز الوعي المجتمعي، خاصة فيما يتعلق بالأعراض المبكرة، وأهمية المتابعة الطبية، ودعم المرضى نفسياً، واجتماعياً.

ختاماً، وفي ضوء ما تقدم، فإن اضطرابات النزيف، وعلى رأسها الهيموفيليا، لم تعد مجرد حالات طبية نادرة تُدار عند حدوث النزيف، بل أصبحت نموذجاً حياً لكيف يمكن للعلم أن يُعيد تشكيل مسار المرض بالكامل. فمن التشخيص المبكر، إلى العلاج الوقائي، وصولاً إلى العلاجات الجينية الواعدة، تتسارع الخطى نحو مستقبل أكثر أماناً وإنصافاً للمرضى.

غير أن هذا التقدم العلمي، على أهميته، لا يكتمل دون وعي مجتمعي يوازيه؛ فالكثير من الحالات لا تزال غير مُشخّصة، وكثير من المضاعفات يمكن تفاديها بخطوات بسيطة تبدأ بالانتباه إلى العلامات الأولى، وتنتهي بالحصول على الرعاية المناسبة في الوقت المناسب.

ورغم أن التقنيات الحديثة، بما فيها العلاجات الجينية، والتحرير الجيني، لا تزال في طور التقييم طويل المدى، فإنها تمثل تحولاً عميقاً في فهم المرض، وإدارته، وتنقل المرضى من مرحلة «التعايش مع النزيف» إلى أفق جديد عنوانه «السيطرة المستدامة»... وربما، في المستقبل القريب، «الشفاء الممكن».

إن الهيموفيليا لم تعد كما كانت... لم تعد حكماً دائماً بالنزيف، أو الإعاقة، بل حالة قابلة للإدارة، بل وربما، في المستقبل القريب، للتغيير الجذري. وبين ما تحقق من إنجازات، وما يلوح في الأفق من آمال، تبقى الرسالة الأهم واضحةً: المعرفة تنقذ، والتشخيص المبكر يحمي، والعلم يفتح أبواباً لم تكن ممكنة يوماً.

* استشاري طب المجتمع


الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين

الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين
TT

الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين

الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين

كشفت دراسة نفسية حديثة لباحثي من جامعة واسيدا في اليابان، وجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية، وجامعة سيول الوطنية في كوريا، عن احتمالية أن تتسبب الضغوط النفسية الناتجة عن حدوث كوارث عامة، مثل الزلازل والحروب والأحداث الضاغطة، في مشاكل عضوية تنعكس بالسلب على صحة الأم والجنين.

وصدرت الدراسة إلكترونياً في الأسبوع الأول من شهر مارس (آذار) من العام الحالي. ونظراً لأهميتها الكبيرة، سوف تنشر لاحقاً في المجلد 107 من مجلة «اقتصادات الصحة» the Journal of Health Economics، في مطلع شهر مايو (أيار) المقبل.

الضغوط النفسية على الأم

تنعكس الضغوط النفسية على الأم أثناء فترة حملها، عليها وعلى جنينها بشكل عضوي، لأن الجسم يفرز هرمونات معينة، تؤدي إلى حدوث كثير من المشاكل العضوية، حيث تكون الأم أكثر عُرضة للإصابة بمرض السكري، وارتفاع ضغط الدم، وزيادة احتمالية حدوث تسمم الحمل، بالإضافة إلى أن هرمونات التوتر تمر عبر المشيمة وتصل إلى الجنين. وهذه العوامل جميعها تزيد من خطر الولادة المبكرة، وانخفاض وزن المولود، وحدوث خلل في النمو العصبي.

من المعروف أن نمو الجنين يُعد مرحلة حاسمة لها آثار قد تستمر مدى الحياة. وترتبط الضغوط التي تتعرض لها الأم أثناء الحمل سواء الجسدية أو النفسية، مثل المخاوف المختلفة، ارتباطاً مباشراً بصحة الجنين، وهذه الضغوط في الأغلب تكون خاصة نتيجة لمشاكل نفسية تتعرض لها الأم، لذلك من الطبيعي أن تؤثر بالسلب على صحة الأم وجنينها.

ولكن هل يمكن أن تؤثر المشاكل النفسية العامة على كل أو معظم السيدات الحوامل، على الرغم من اختلاف ظروفهن النفسية؟ للإجابة عن هذا السؤال، قام الفريق البحثي بدراسة الآثار النفسية لكارثة طبيعية، أحدثت قلقاً واسع النطاق يتجاوز بكثير تأثيرها المادي المباشر، وهي حادثة محطة فوكوشيما Fukushima النووية في اليابان، التي وقعت في عام 2011، حيث قام الباحثون برصد آثار القلق على الأمهات، فيما يتعلق بتعرض أجنتهن للإشعاع النووي، بسبب الصدمة التي أحدثها الحادث في نفوس الناس، خصوصاً النساء الحوامل والأمهات الشابات، حتى في المناطق البعيدة عن أي خطر مادي.

فحص الفريق ثلاث مجموعات مواليد، شملت عدداً من الولادات يزيد على مليون ولادة، ضمت المجموعة الأولى (التعرض قبل الولادة) الأطفال الذين كانوا في الرحم أثناء الحادث ووُلدوا بعده، أما المجموعة الثانية (التعرض بعد الولادة) فضمت الأطفال الذين وُلدوا قبل الحادث، بينما ضمت المجموعة الثالثة (الضابطة) الأطفال الذين وُلدوا خلال الفترة نفسها التي وُلدت فيها مجموعة ما بعد الولادة ولكن في العام السابق (2010).

لرصد الحالة النفسية للأمهات، قام الباحثون بتطوير اختبار نفسي، مخصص لقياس القلق من الكوارث العامة، لمعرفة ما إذا كانت نتائج الولادة تتأثر بالسلب مع ازدياد حدة القلق، في المناطق الجغرافية التي تتعرض للكوارث الطبيعية من عدمه.

ولادات مبكرة وأقل وزناً

وجدت الدراسة أن الولادات المبكرة كانت أكثر شيوعاً بنسبة تصل إلى 18 في المائة، في مجموعة ما قبل الولادة مقارنة بمجموعتي ما بعد الولادة والمجموعة الضابطة، وكان متوسط وزن المواليد أقل بمقدار يصل إلى 26 غراماً، كما كانت معدلات انخفاض وزن المواليد بشكل واضح، وانخفاض وزن المواليد بشكل مفرط، أعلى بنسبة 50 في المائة و77 في المائة تقريباً على التوالي، مقارنة بالمجموعات الأخرى.

وقام الباحثون بتحليل الاختلافات في نسب الولادات المبكرة، ومعرفة هل تمت بسبب القلق من الإشعاع أم لأسباب أخرى، عن طريق البحث في السجلات عن نسب الولادة المبكرة، في المناطق الجغرافية المحيطة بمحطات الطاقة النووية، في الفترة نفسها من العام السابق لحدوث الكارثة، وأظهرت التحليلات أن القلق المرتبط بالإشعاع يُفسر حدوث ما يقرب من 80 في المائة من الاختلافات في نسب الولادات المبكرة.

أوضح الباحثون أيضاً، أن القلق من الإشعاع لعب دوراً مهماً، في زيادة معدلات انخفاض وزن المواليد عند الولادة، خصوصاً قلة الوزن بشكل مفرط، وقالوا إن السبب في حدوث النقص الشديد في الوزن ربما يكون بسبب الولادة المبكرة.

وأظهرت النتائج أن التأثيرات السلبية للقلق من الإشعاع على نتائج الولادة، كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية، فقد كان الأطفال الذين وُلدوا لأمهات حاصلات على شهادات جامعية أو لأسر تتمتع بدخل مادي جيد، هم الأقل تأثراً.

وقال العلماء إن السبب في ذلك ربما يكون لأن التعليم العالي يوفر سهولة الوصول إلى معلومات دقيقة حول مخاطر الإشعاع، وبالتالي يمكن تقييم المخاطر، وعدم الإحساس بالقلق المبالغ فيه. أما فيما يخص العامل الاقتصادي، فإن ارتفاع دخل الأسرة يُتيح الوصول إلى رعاية صحية أفضل، كما أنه يُعطي نوعاً من الطمأنينة للأم.

أكدت الدراسة أن الآثار النفسية غير المرئية للأزمات الكبرى الأخرى، ربما تكون هي السبب المباشر في زيادة المشاكل المتعلقة بصحة النساء الحوامل وأطفالهن، ويجب أن توضع في الحسبان أثناء التشخيص، خصوصاً في المناطق التي تعاني من وجود صراعات أو أثناء الأزمات الكبرى مثل جائحة «كوفيد - 19».

وأوصت الدراسة بضرورة توفير الدعم النفسي، والاستشارات الطبية للسيدات الحوامل أثناء الأزمات، خصوصاً في فترة الثلث الأخير من الحمل، لأنه يُعد فترة حرجة بشكل خاص، لأن أجهزة الجسم المختلفة في الجنين تكون في طريقها للاكتمال، وبالتالي يترك التوتر تأثيرات عميقة طويلة الأمد على الجنين.

*استشاري طب الأطفال


«وجه أوزمبيك» يتسبب بزيادة ملحوظة في عمليات تجميل

هناك زيادة ملحوظة في عمليات تجميل الوجه بسبب أحد الآثار الجانبية لحقن إنقاص الوزن (بيكسلز)
هناك زيادة ملحوظة في عمليات تجميل الوجه بسبب أحد الآثار الجانبية لحقن إنقاص الوزن (بيكسلز)
TT

«وجه أوزمبيك» يتسبب بزيادة ملحوظة في عمليات تجميل

هناك زيادة ملحوظة في عمليات تجميل الوجه بسبب أحد الآثار الجانبية لحقن إنقاص الوزن (بيكسلز)
هناك زيادة ملحوظة في عمليات تجميل الوجه بسبب أحد الآثار الجانبية لحقن إنقاص الوزن (بيكسلز)

رصد جراحون بريطانيون وجود زيادة ملحوظة في عمليات تجميل بسبب أحد الآثار الجانبية لحقن إنقاص الوزن، وهو ما يُعرف بـ«وجه أوزمبيك».

و«وجه أوزمبيك» هو مصطلح شائع يصف التغيرات الجمالية في ملامح الوجه الناتجة من فقدان الوزن السريع والمفاجئ عند استخدام إبر التنحيف مثل أوزمبيك، حيث يتم فقدان الدهون تحت الجلد في الوجه؛ ما يسبب ترهل الجلد وظهور تجاعيد أكثر، ويجعل الوجه «شاحباً» و«مُسنّ المظهر».

وحسب صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، فقد كشفت بيانات حديثة صادرة من الجمعية البريطانية لجراحي التجميل، عن أن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في عمليات تجميل الوجه، بما في ذلك شد الوجه وجراحة الجفون، بينما تشهد عمليات تكبير الثدي وشد البطن انخفاضاً.

وأشار الجراحون إلى أن أحد أسباب هذا الارتفاع هو ازدياد الوعي بالآثار الجانبية لأدوية إنقاص الوزن، بما في ذلك النحافة المفرطة أو مظهر الشيخوخة الذي قد ينتج من فقدان الوزن السريع عند استخدام هذه الأدوية.

حقنة «أوزمبيك» (أ.ب)

وأظهرت البيانات ارتفاع عمليات شد الوجه والرقبة بنسبة 11 في المائة، ورفع الحاجب بنسبة 27 في المائة، وزيادة عمليات الجفون بنسبة 8 في المائة، في حين تراجعت عمليات تكبير الثدي وعمليات شد البطن. وعلى الرغم من ذلك، ما زال تكبير الثدي يحتل المرتبة الأولى بـ4761 عملية، يليه تقليص الثدي بـ4673 عملية.

كما انخفضت عمليات «نقل الدهون إلى الأرداف» بنسبة 38 في المائة، في مؤشر على تراجع الإقبال على الأشكال المبالغ فيها للجسم لصالح مظهر أكثر طبيعية.

وقال الطبيب راغيف غروفر، الرئيس السابق للجمعية البريطانية لجراحي التجميل والمشرف على التقرير، إن «الوعي بالآثار الجانبية لأدوية فقدان الوزن مثل (وجه أوزمبيك) أصبح سبباً طبياً يدفع المرضى للبحث عن جراحات تجميل الوجه».

وقد حذّر الأطباء سابقاً من الآثار الجانبية غير المرغوب فيها لحقن إنقاص الوزن، مثل شيخوخة الوجه.

وفي حديث لصحيفة «الإندبندنت»، أوضح الدكتور سيباستيان بيغما، طبيب التجميل البريطاني، أن السرعة الهائلة لفقدان الوزن باستخدام هذه الحقن قد تُصعّب على الجلد الانكماش كما هو معتاد مع فقدان الوزن الذي يعتمد على النظام الغذائي والرياضة.

كما أن فقدان الوزن السريع قد يؤثر سلباً على مستويات الكولاجين، الذي يقول الدكتور بيغما إنه «يُعطي الجلد مرونته».

من جهته، يقول الدكتور نافين كافالي، استشاري جراحة التجميل في عيادة «ريل كلينيك»، إن البشرة تتصرف كبالون ينكمش أثناء فقدان الوزن السريع؛ ما يُسرّع من شيخوختها. ويضيف: «إذا تم تفريغ الهواء تدريجياً، فمن المحتمل أن يكون لديها الوقت الكافي للانكماش والعودة إلى حجمها الأصلي تقريباً».

ولفت إلى أنه، إذا فقد الشخص وزنه تدريجياً، فإن بشرته ومرونتها تستعيدان عافيتهما، ويمكن لبشرته أن تتجدد. أما إذا لم يحدث ذلك، فقد ينتهي الأمر بظهور ترهلات جلدية زائدة.