فيروس «زيكا».. تطورات عالمية متلاحقة

علاقة غير واضحة في تسببه بظهور حالات صغر حجم الرأس

عرض توعية عن فيروس «زيكا» في مؤتمر صحافي بمدينة حيدر آباد الهندية (أ.ف.ب)
عرض توعية عن فيروس «زيكا» في مؤتمر صحافي بمدينة حيدر آباد الهندية (أ.ف.ب)
TT

فيروس «زيكا».. تطورات عالمية متلاحقة

عرض توعية عن فيروس «زيكا» في مؤتمر صحافي بمدينة حيدر آباد الهندية (أ.ف.ب)
عرض توعية عن فيروس «زيكا» في مؤتمر صحافي بمدينة حيدر آباد الهندية (أ.ف.ب)

«إن مستوى القلق مرتفع، وكذلك مستوى عدم اليقين، والأسئلة كثيرة، ومن الضروري أن نجد إجابات عن بعضها بسرعة، ولهذه الأسباب كافة قررت أن أعقد لجنة طوارئ بمقتضى اللوائح الصحية الدولية».. بهذه الكلمات عبرت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية عن الوضع الحالي لانتشار فيروس «زيكا» في بلدان القارة الأميركية، وذلك خلال دعوتها لعقد اجتماع لجنة الطوارئ في الأول من فبراير (شباط) الحالي.

غموض فيروس «زيكا»
والواقع أن التفشي الحالي لوباء «زيكا» أثار نوعًا من الهلع ويأتي مع كمية موازية من عدم المعرفة البشرية بسلوكيات هذا المرض الفيروسي لجهة نوعية المضاعفات التي يُمكن أن يتسبب بها ومدى حقيقة العلاقة بين الإصابة بهذا الفيروس وظهور حالات المواليد المُصابين بصغر حجم الرأس (Microcephaly)، وهو ما عبّرت منظمة الصحة العالمية عنه في بيان اجتماع لجنة الطوارئ في الأول من فبراير بقولها: «ثمة ضرورة لتحديد ما إذا كان هناك ارتباط من نوع السبب والنتيجة بين فيروس (زيكا) ومضاعفات مثل صغر الرأس ومتلازمة غيلان - باريه Guillain - Barré Syndrome GBS». وهو ما سيأتي توضيحه.
وتقول المنظمة في إصداراتها الحديثة هذا الشهر، إن: «فيروس (زيكا) هو فيروس مستجد Emerging Virus ينقله البعوض، وقد اكتُشف لأول مرة في أوغندا في عام 1947 في قرود الريص بواسطة شبكة الغابة لرصد الحمى الصفراء في غابة زيكا القريبة من العاصمة، ثم اكتُشف بعد ذلك لدى البشر في عام 1952 في أوغندا وجمهورية تنزانيا المتحدة. وقد سُجلت فاشيات فيروس (زيكا) في أفريقيا والأميركيتين وآسيا والمحيط الهادي».

انتقال الفيروس
وينتمي فيروس «زيكا» إلى جنس الفيروسات المُصَفِّرَة Flavivirus. وناقل المرض الفيروسي هذا هو نوع بعوض «الزاعجة» Aedes Mosquitoes، ولا سيما الزاعجة المصرية Aedes aegypti في المناطق المدارية، وهي البعوضة نفسها التي تنقل حمى الضنك Dengue Fever والشيكونغونيا Chikungunya Fever والحمى الصفراء Yellow Fever. وتسمية البعوض بالزاعج، أي الذي عادة ما يلسع في ساعات الصباح والمساء والليل، ولكن هناك حالة واحدة موثقة لانتقال الإصابة بفيروس «زيكا» عبر الاتصال الجنسي في الولايات المتحدة من رجل قدم من منطقة موبوءة إلى زوجته التي لم تغادر آنذاك الولايات المتحدة.
ولا يُعرف ما هو المستودع Reservoir لهذا الفيروس، أي ما هو الحيوان الذي يكمن فيه الفيروس ويلتقطه منه البعوض لينقله إلى البشر. كما أنه من غير الواضح ما هي فترة الحضانة Incubation Period، أي المدة الزمنية ما بين التعرض لقرص البعوض ونجاح الفيروس في الانتقال إلى جسم الإنسان وبدء ظهور الأعراض المرضية لفيروس زيكا على جسم المريض، ولكنها قد تمتد على الأرجح لبضعة أيام.

الأعراض والتشخيص
والواقع المُلاحظ أن أعراض الإصابة بفيروس «زيكا» تشبه أعراض العدوى بالفيروسات الأخرى المنقولة بالبعوض، وهي ما تشمل الحمى والطفح الجلدي والتهاب الملتحمة في بياض العين والألم العضلي وآلام المفاصل وتوعك الجسم والصداع، والملاحظ أيضًا أنه عادة ما تكون هذه الأعراض خفيفة وتستمر لمدة تتراوح ما بين يومين و7 أيام.
ويتم تشخيص إصابة المرضى بمرض فيروس «زيكا» بالاعتماد على الأعراض التي ظهرت عليهم وعلى تاريخهم الطبي الحديث، مثل ملاحظة حصول اللدغ من البعوض أو السفر إلى منطقة من المعروف أن فيروس «زيكا» موجود فيها، ويمكن أن يؤكد المختبر التشخيص بواسطة فحوصات الدم عبر طريقين، الأول: تفاعل البوليميراز المتسلسل PCR، والثاني: عزل الفيروسات من عينات الدم. وقد يصعب التشخيص عن طريق الاختبار المصلي Serology نظرًا لأن الفيروس قد يتفاعل تفاعلاً مشتركًا مع مجموعة الفيروسات المصفرة الأخرى مثل فيروسات حمى الضنك وغرب النيل والحمى الصفراء.
وعادة ما يكون مرض فيروس «زيكا» خفيفًا نسبيًا ولا يتطلب علاجًا محددًا، بمعنى أنه مرض متوسط الشدة لا يثير إلا قلقًا طبيًا قليلاً بالنسبة لتهديد سلامة حياة المُصاب به. ولذا تنحصر المعالجة الطبية بالنصيحة أنه ينبغي للأشخاص المصابين بفيروس «زيكا» أن يحصلوا على قسط كبير من الراحة، وأن يشربوا كميات كافية من السوائل، وأن يعالجوا الألم والحمى باستخدام الأدوية الشائعة. وفي حال تفاقم الأعراض يتعين عليهم التماس الرعاية والمشورة الطبيتين. ولا يوجد حاليًا لقاح مضاد لهذا المرض.

تاريخ انتشار الفيروس
وتذكر منظمة الصحة العالمية أن الإصابة بفيروس «زيكا» تحصل في المناطق المدارية التي يوجد فيها البعوض بكثافة، ومن المعروف أنه يدور في أفريقيا والأميركتين وجنوب آسيا وغرب المحيط الهادي، وتُضيف أن فيروس «زيكا» أكتشف لأول مرة في عام 1947 بأفريقيا، ولكن لسنوات طويلة لم تُكتشف إلا حالات بشرية متناثرة في أفريقيا وجنوب آسيا، وفي عام 2007 حدثت أول فاشية موثقة لمرض فيروس «زيكا» في جزيرة ياب بمنطقة المحيط الهادي ضمن ولايات ميكرونيزيا الموحدة. ومنذ عام 2013 تم التبليغ عن حالات وفاشيات فيروس «زيكا» في جزيرة بولينيزيا الفرنسية بغرب المحيط الهادي، وفي 2015 تم التبليغ عنه في البرازيل وكولومبيا بأميركا الجنوبية وفي كابو فيردي بأفريقيا.
ثم بعد ذلك، إلى يومنا هذا، أبلغ 23 بلدًا من بلدان الأميركتين عن حالات متفرقة من العدوى بفيروس «زيكا»، ما يشير إلى الانتشار الجغرافي السريع للفيروس. ونظرًا لاتساع البيئات التي يمكن أن يعيش فيها البعوض ويتكاثر بتسهيل من التوسع العمراني والعولمة أصبح من الممكن أن تحدث أوبئة حضرية كبرى لمرض فيروس «زيكا» على النطاق العالمي.
وتوجد ثمة سلالتان من فيروس «زيكا»، السلالة الأفريقية والسلالة الآسيوية، ونتائج التحليلات تشير إلى أن نوعية الفيروس المنتشر حاليًا في القارة الأميركية هو من السلالة الآسيوية التي انتشرت في جزر المحيط الهادي، أي انتقلت منها إلى أميركا وليس من أفريقيا.
ودون المبالغة في التقدير من قبل الناس حول دور منظمة الصحة العالمية في مكافحة الأوبئة، فإن المنظمة تقدم الدعم إلى البلدان من أجل مكافحة مرض فيروس «زيكا» من خلال ما يلي: تعزيز القدرة على الترصد، وبناء قدرة المختبرات على الكشف عن الفيروس، والعمل مع البلدان على التخلص من البعوض، وإعداد التوصيات بشأن الرعاية السريرية للأشخاص المصابين بعدوى فيروس «زيكا» ورصدهم، وتحديد مجالات البحث ذات الأولوية ودعمها في ما يتعلق بمرض فيروس «زيكا» ومضاعفاته المحتملة. ولذا فإن الجهود المحلية هي الأساس في المكافحة ولا توجد هيئات عالمية خارجية تقوم بهذا الدور نيابة عن الهيئات المحلية.
وتعترف منظمة الصحة العالمية بتدني المعرفة البشرية حول تأثيرات فيروس «زيكا» المرضية على البشر، وتقول إنه نظرًا لعدم تسجيل حدوث أي فاشيات كبيرة لفيروس «زيكا» قبل عام 2007 فإننا لا نعرف حاليًا إلا القليل عن مضاعفات هذا المرض.

مضاعفات عصبية
وأثناء أول فاشية لفيروس «زيكا» في الفترة 2013 - 2014 في جزيرة بولينيزيا الفرنسية، والتي تزامنت كذلك مع فاشية جارية أخرى لحمى الضنك فيها، أشارت السلطات الصحية الوطنية فيها إلى احتمال وجود مضاعفات عصبية ومناعية ذاتية لمرض فيروس «زيكا»، وتحديدًا أبلغت السلطات الصحية الوطنية هناك آنذاك عن زيادة غير عادية في الإصابة بمتلازمة غيلان – باريه. وتقول منظمة الصحة العالمية إنه يجري حاليًا الاضطلاع بدراسات استرجاعية لما تم التبليغ عنه في هذا الحدث، بما في ذلك الدور المحتمل لفيروس «زيكا» والعوامل الممكنة الأخرى.
كما لوحظت أيضًا زيادة في الإصابة بمتلازمة غيلان – باريه في عام 2015 في سياق أول فاشية لفيروس «زيكا» في البرازيل. وفي عام 2015 لاحظت أيضًا السلطات الصحية الوطنية في البرازيل زيادة في عدد المواليد المصابين بصغر الرأس بالتزامن مع إحدى فاشيات فيروس «زيكا». وقد وجدت الوكالات التي تعكف على تحري فاشيات فيروس «زيكا» مجموعة متنامية من البيِّنات التي تشير إلى الصلة بين فيروس زيكا وصغر الرأس Microcephaly. ومع ذلك، فيلزم إجراء المزيد من التحريات كي نفهم الصلة المحتملة بين صغر رأس المواليد وفيروس «زيكا»، كما يجري بحث الأسباب المحتملة الأخرى.
وإلى أن نتمكن من معرفة المزيد عن ذلك ينبغي للحوامل أو للنساء التي يخططن للحمل أن تولي عناية إضافية لحماية أنفسهن من لدغات البعوض، كما ينبغي للمرأة الحامل التي تشتبه في إصابتها بمرض فيروس «زيكا» أن تستشير طبيبها كي يرصد حالتها عن كثب أثناء الحمل.

صغر الرأس
وصغر الرأس بالتعريف الطبي هو اعتلال نادر الحدوث يكون فيه رأس المولود صغيرًا بشكل غير عادي. والسبب في ذلك هو شذوذ نمو دماغ المولود في الرحم أو أثناء الطفولة المبكرة، أي إن الأمر لا علاقة له بنمو وتكوين عظام الجمجمة بل بنمو الدماغ نفسه. وغالبًا ما يواجه المواليد والأطفال المصابين بصغر الرأس مشكلات في نمو الدماغ وهم يكبرون. ويمكن أن ينتج صغر الرأس عن مجموعة متنوعة من العوامل البيئية والجينية، مثل متلازمة داون، وتعرض الحامل لبعض أنواع من العقاقير أو تناول الحامل للكحول أو وصول أنواع من السموم الأخرى إلى الرحم، أو العدوى بالحصبة الألمانية أثناء الحمل.
وخلال «جلسة إحاطة» للمجلس التنفيذي بشأن الوضع في ما يتعلق بفيروس «زيكا»، تمت في جنيف بتاريخ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، أفادت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية بأن هناك صلة بين وصول الفيروس إلى بعض الأماكن وزيادة حادة في ولادة الأطفال برؤوس صغيرة بشكل غير عادي، وبالإصابة بمتلازمة غيلان – باريه في بعض الحالات. وقالت إنه «لم يتم بعد تحديد علاقة سببية بين العدوى بفيروس (زيكا) والتشوهات الولادية والمتلازمات العصبية، ولكنّ هناك شكا كبيرا في وجود هذه العلاقة السببية».
وسرعان ما أدت الصلات الممكنة، التي لم يشتبه فيها إلا مؤخرًا فقط، إلى تغيير مرتسم فيروس «زيكا»، من خطر متوسط الشدة إلى خطر مثير للجزع. وزيادة حدوث صغر الرأس أمر مقلق بوجه خاص، حيث إنه يثقل كاهل الأسر والمجتمعات المحلية بعبء مفجع.

مخاوف وبائية
وأضافت: «إن المنظمة يساورها بالغ القلق بشأن هذا الوضع السريع التطور لأربعة أسباب، ألا وهي:
* احتمال وجود صلة بين الإصابة بالتشوهات الولادية والمتلازمات العصبية.
* إمكانية الانتشار الدولي أكثر فأكثر نظرًا للتوزيع الجغرافي الواسع لنواقل البعوض.
* افتقار الناس إلى المناعة ضد هذا المرض في المناطق التي وصل إليها حديثًا.
* عدم وجود لقاحات وعلاجات محددة ووسائل تشخيص سريع.
وعلاوة على ذلك فإن من المتوقع أن تزيد الظروف المرتبطة بنمط مناخ النينيو هذا العام من أعداد البعوض في أماكن كثيرة. ويظل مستوى القلق مرتفعا وكذلك مستوى عدم اليقين، والأسئلة كثيرة ومن الضروري أن نجد إجابات عن بعضها بسرعة».
وعقد الاجتماع الأول للجنة الطوارئ في الأول من الشهر الحالي، وتمت فيه مناقشات مستفيضة، ولمدة أكثر من 3 ساعات، لجميع المعلومات المتوفرة عن علاقة صغر الرأس ومتلازمة غيلان - باريه بالإصابات بفيروس «زيكا»، وطالبت اللجنة باستمرار مراقبة حصول تلك المضاعفات مع تكثيف البحث في مسببات أخرى لهما لتحديد ما إذا كان هناك ارتباط السبب والنتيجة بين فيروس «زيكا» أو عوامل أخرى أو عوامل مشتركة وحصول تلك المضاعفات، أي صغر الرأس ومتلازمة غيلان - باريه، إضافة إلى أهمية اتخاذ تدابير صارمة للحد من العدوى بفيروس «زيكا»، لا سيما بين النساء الحوامل والنساء في سن الإنجاب.
وأوصت بضرورة إعطاء الأولوية لتطوير وسائل التشخيص الجديدة لعدوى فيروس «زيكا» لتسهيل إجراءات المراقبة والتحكم، وتعزيز الاتصالات بين البلدان حول خطر انتقال فيروس «زيكا» وضمان تطبيق مكافحة ناقلات الأمراض وتدابير الحماية الشخصية، وكذلك إيلاء الاهتمام لضمان سلامة النساء في سن الإنجاب والحوامل بشكل خاص حول ما يلزمهن معرفته من المعلومات للحد من خطر التعرض للفيروس وناقله، كما ينبغي على النساء الحوامل الذين تعرضوا لفيروس «زيكا» نصحهن بالمتابعة الطبية ومتابعة نتائج ولاداتهن.
وذكرت المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض واتقائها CDC أنه لا توجد في الولايات المتحدة حاليًا حالات لفيروس «زيكا» ثبت انتقالها محليًا، ولكن تم الإبلاغ عن حالات إصابات لعائدين من السفر من مناطق موبوءة، وتم الإبلاغ عن حالات انتقلت محليًا في مناطق بورتوريكو، وأنه مع التفشي الأخير فإنه من المرجح أن يرتفع عدد حالات الإصابة في الولايات المتحدة بين المسافرين والعائدين من السفر.
* استشارية في الباطنية



وظيفة تكرهها... هذا ما تفعله بجسمك

عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)
عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)
TT

وظيفة تكرهها... هذا ما تفعله بجسمك

عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)
عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)

يمرّ الجميع بأيام سيئة في العمل، لكن هناك إشارات ينبغي على الموظفين الانتباه لها قبل أن يتحوّل أسبوع سيئ في المكتب إلى ضغط مهني مزمن ومُنهك لا ينتهي، ويبدأ بتخريب صحتك.

عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة، وهي مشكلة تحتاج إلى أن يأخذها أرباب العمل والموظفون على محمل الجد. فقد وجد جيفري بفيفر، أستاذ السلوك التنظيمي في جامعة ستانفورد ومؤلف كتاب «الموت من أجل الراتب»، من خلال أبحاثه، أن سوء الإدارة في الشركات الأميركية مسؤول عما يصل إلى 8 في المائة من تكاليف الرعاية الصحية السنوية، ويرتبط بنحو 120 ألف حالة وفاة إضافية كل عام.

قد يعرف جسمك قبل أن تدرك ذلك تماماً أن وظيفتك هي السبب وراء أعراض التوتر التي تعانيها، فيبدأ بإرسال إشارات إنذار واضحة بأن الأمور ليست على ما يرام.

لا تستطيع النوم

تقول مونيك رينولدز، وهي إخصائية نفسية سريرية في ولاية ماريلاند، وتعمل في مركز القلق وتغيير السلوك: «في كثير من الأحيان، أول ما نسمعه من الناس هو الشكوى من ليالٍ بلا نوم». وتضيف: «يذكر الناس أنهم إمّا لا يستطيعون النوم لأن أفكارهم تتسابق، أو أنهم لا يستطيعون الاستمرار في النوم، فيستيقظون في منتصف الليل وهم يفكّرون في قائمة المهام».

بضع ليالٍ مضطربة ليست مشكلة كبيرة، لكن إذا تحوّل الأمر إلى نمط متكرر، فقد يكون ذلك علامة على أن ضغط العمل لديك أصبح ساماً.

وقالت رينولدز: «إذا كان الأمر مرتبطاً بالعمل بشكل متواصل، فهذه إشارة إلى أن هناك خللاً في التوازن».

تصاب بالصداع

تشدّ العضلات نفسها لحماية الجسم من الإصابة. وعندما ينظر الإنسان إلى مكان العمل على أنه منطقة خطر، تبقى عضلاته مشدودة باستمرار، وفقاً لجمعية علم النفس الأميركية. ويمكن أن يرتبط التوتّر المزمن في الرقبة والكتفين والرأس بالإصابة بالشقيقة (الصداع النصفي) وصداع التوتّر.

وتقول رينولدز: «الضغط النفسي يخلق أعراضاً جسدية، وهذا يظهر على شكل ألم».

تشعر بآلام في عضلاتك عموماً

عندما تكون وظيفتك سامة، قد تشعر وكأنك تقاتل نمراً مفترساً وأنت جالس إلى مكتبك. وتحت وطأة الشعور بالخطر، يغمر الدماغ الجسم بالأدرينالين وغيره من هرمونات التوتر.

وقالت رينولدز: «أجهزتنا العصبية في الوظائف السامة تكون في حالة تأهّب دائم. نحن نعيش في ترقّب مستمر، مستعدّين للردّ على مدير أو زميل مزعج في أي لحظة».

تتدهور صحتك النفسية

وأشارت رينولدز إلى أن زيادة التوتر يمكن أن تفاقم مشكلات الصحة النفسية القائمة. وقالت: «شخص قد يكون بطبعه كثير القلق، لكن في بيئة عمل شديدة السميّة، غالباً ما يتفاقم هذا القلق إلى حدّ يتجاوز العتبة السريرية».

إذا شعرتَ أن مديرك يتربّص بك دائماً، فإن صحتك النفسية تدفع الثمن. فقد ربط تحليل أُجري عام 2012 وشمل 279 دراسة بين الشعور بانعدام العدالة داخل المؤسسات وبين شكاوى صحية لدى الموظفين، مثل الإفراط في الأكل والاكتئاب.

وقال إخصائي علم نفس إي كيفن كيلواي إن المعاملة غير العادلة في العمل يمكن أن تسبّب مستويات مفرطة من التوتر.

وأضاف: «الظلم عامل ضغط سام بشكل خاص لأنه يضرب في صميم هويتنا. فعندما تُعاملني بغير عدل، فأنت تمسّ كرامتي كإنسان، وكأنك تقول إنني لا أستحق معاملة عادلة أو أن أُعامل مثل الآخرين».

تصاب بالمرض بشكل متكرر

إذا كنت تُصاب بنزلات البرد باستمرار، ففكّر في شعورك تجاه عملك. فهناك كمّ كبير من الأبحاث يبيّن أن التوتر المزمن يمكن أن يُضعف جهاز المناعة، ما يجعلك أكثر عرضة للإصابة بالأمراض.

تشعر بالإرهاق طوال الوقت

هذا هو الإعياء الحقيقي: تعب عميق يصل إلى العظام، لا يبدو أن قيلولة أو نوم عطلة نهاية الأسبوع قادران على علاجه.

ويشير كيلواي إلى أنه «لا توجد طريقة واحدة ثابتة يستجيب بها الأفراد لبيئة عمل سامة»، لكنه يوضح أن الإرهاق يقع ضمن مجموعة الأعراض الجسدية التي قد يشعر بها الموظفون.

تضطرب معدتك

عسر الهضم، والإمساك، والانتفاخ، كلها قد تكون مرتبطة بالتوتر، لأن الضغط النفسي يؤثر في طريقة عمل الجهاز الهضمي، ويمكن أيضاً أن يغيّر بكتيريا الأمعاء، وهو ما ينعكس بدوره على المزاج.

ويشرح كيلواي أن هذا هو السبب في أنك قد تشعر بآلام في المعدة عندما تكون منزعجاً، وهو أمر اختبره بنفسه خلال عمله في إحدى الوظائف السامة.

ويقول: «بعد نحو 6 أشهر، بدأت ألاحظ أنني كل يوم أحد بعد الظهر كنت أشعر بألم في معدتي. لم يكن العرض بحد ذاته هو ما لفت انتباهي، بل توقيته (تماماً عندما كنت أبدأ التفكير بما عليّ فعله صباح الاثنين)، وهذا ما نبهني إلى ارتباطه بالعمل». ويضيف: «اختفت كل الأعراض عندما تركت الوظيفة وانتقلت إلى عمل آخر».

تتغيّر شهيتك

ترتبط الشهية ارتباطاً وثيقاً بالدماغ. ففي حالات التوتر الحاد، تطلق استجابة «الكرّ أو الفرّ» الأدرينالين، ما يدفع الجسم إلى كبح الهضم والتركيز على النجاة من خطر متصوَّر، وفقاً لنشرة «هارفارد هيلث». أما في حالات التوتر المزمن، فتفرز الغدد الكظرية هرمون الكورتيزول ويتراكم في الجسم، وهو هرمون يمكن أن يزيد الشعور بالجوع. وعندما يكون عملك سبباً في ضيق نفسي طويل الأمد، قد تلجأ إلى الطعام كوسيلة للراحة والتعويض.


الأطعمة فائقة المعالجة... ما تأثيرها الحقيقي على الجسم؟

الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)
الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)
TT

الأطعمة فائقة المعالجة... ما تأثيرها الحقيقي على الجسم؟

الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)
الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)

اجتمع عدد من أبرز خبراء العالم في مجال الأطعمة فائقة المعالجة، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لمراجعة أحدث الأدلة حول التأثير العام لهذه الأطعمة على الصحة، وذلك لصالح المجلة الطبية المرموقة «ذا لانسيت».

وكانت النتائج صادمة؛ إذ خلصت إلى أن الأطعمة فائقة المعالجة تُلحق أضراراً تقريباً بكل جهاز من أجهزة الجسم. وبالنسبة إلى بريطانيا، حيث يستهلك الفرد في المتوسط 56 في المائة من سعراته الحرارية اليومية من هذه الأطعمة، جاءت هذه النتائج على نحو مقلق بشكل خاص.

وقال كريس فان توليكن، أستاذ في كلية لندن الجامعية ومؤلف كتاب «الناس والأطعمة فائقة المعالجة»: «بصورة عامة، أصبح سوء التغذية يتجاوز التدخين عالمياً بوصفه السبب الأول للوفاة المبكرة».

وأضاف: «في بريطانيا، يقوم نظامنا الغذائي الوطني أساساً على الأطعمة فائقة المعالجة، وعلى مدى عدة أجيال، جرى ابتكار أطباقنا الوطنية بهدف تحقيق الربح. وإذا فكرت في أصابع السمك، والفاصولياء المعلّبة، وحبوب الإفطار التي نتناولها جميعاً صباحاً، وخبز السوبرماركت، فهذه ليست أطعمة تقليدية صُنعت لتغذيتنا، بل هي منتجات صناعية بالكامل».

وعلى مستوى العالم، كلما تعمّق العلماء في البحث، اكتشفوا أكثر أن الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض.

ويقول أندرو تشان، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد: «لقد ارتبطت الأطعمة فائقة المعالجة بمجموعة واسعة من الأمراض المزمنة؛ فقد وُجد ارتباط بينها وبين السمنة والسكري وأمراض استقلابية أخرى، والتي تبدو بدورها عوامل خطر للإصابة بالسرطان. وإحدى الآليات المحتملة هي أن هذه الأطعمة قد تسهم في إحداث تغييرات استقلابية تشكّل عوامل مهيّئة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة».

ما الأعضاء الأكثر عرضة للتأثر بالأطعمة فائقة المعالجة؟

الكبد

في عام 2023، أجرى باحثون في جامعة ليفربول دراسة شملت أكثر من 60 ألف شخص، أظهرت أنه كلما زاد استهلاك الفرد للأطعمة فائقة المعالجة، ارتفع خطر إصابته بمرض الكبد الدهنية. وهذه حالة خطيرة ومتفاقمة، يؤدّي فيها التراكم التدريجي للدهون إلى تليّف الكبد وإضعاف وظائفه.

وسلّطت الدراسة الضوء على عامل خطر أقل شهرة، يتمثّل في وجود مواد كيميائية صناعية في عبوات الوجبات الجاهزة والوجبات الخفيفة وغيرها من الأطعمة فائقة المعالجة، وهي مواد تُربك الهرمونات في الجسم، وقد ارتبطت بتسريع تطوّر مرض الكبد الدهنية.

لكن السبب الرئيسي يبقى أن هذه الأطعمة تهيّئ الطريق تماماً لتراكم سريع وخطير للدهون في الكبد؛ فالجسم يمتلك آلية دقيقة جداً لتنظيم كمية السعرات الحرارية التي نستهلكها، غير أن الأطعمة فائقة المعالجة تُضلّل هذه المنظومة المعقّدة.

ويقول فان توليكن: «الأطعمة فائقة المعالجة طرية، عالية الكثافة الحرارية، مليئة بالنكهات والألوان، وتحتوي على نسب دقيقة جداً من الملح والسكر والدهون، وكلها مُصمَّمة بحيث يصبح من الصعب جداً التوقف عن الأكل». ويضيف: «افتح أي كيس مقرمش، أو تناول أي وجبة جاهزة، وستلاحظ كم أنها لا تشعرك بالشبع، وكم هو سهل أن تستهلك كماً هائلاً من السعرات الحرارية في وقت قصير».

عواقب هذا الإفراط في الاستهلاك بسيطة لكنها مدمّرة؛ إذ ينتهي بنا الأمر إلى تكوين دهون زائدة في الجسم. ويمكننا تخزين جزء من هذه الدهون في الخلايا الدهنية تحت الجلد، لكن بعد فترة يُجبر الجسم على البحث عن أماكن إضافية لتخزينها، ويكون الكبد من أوائل الأعضاء التي يلجأ إليها.

يقول الدكتور أليكس هيني، الزميل السريري الأكاديمي في أمراض السكري والغدد الصماء بجامعة ليفربول: «الأشخاص الذين يتناولون الأطعمة فائقة المعالجة يكونون أكثر عرضة لتناول كميات أكبر من الطعام مع مرور الوقت».

ويضيف: «والسبب في ذلك أنها تحتوي على نسب أعلى من الدهون والكربوهيدرات المكرّرة مقارنة بالبروتينات والألياف الصحية، ما يؤدّي في النهاية إلى هذا التخزين المفرط للدهون في الكبد».

الأمعاء

تلعب الأمعاء دوراً أساسياً في شبكة تنظيم الشهية في الجسم؛ إذ تؤثر في شعورنا بالجوع أو الشبع، غير أن قدرتها على ضبط الشهية ترتبط بما يُعرف بـ«مصفوفة الطعام» - أي البنية الفيزيائية والكيميائية المعقّدة للطعام الكامل.

ولأن الأطعمة فائقة المعالجة تُصنع عادةً من مكوّنات «مُهضّمة مسبقاً»، فإن الأمعاء لا تتلقى الإشارات الطبيعية التي تطوّرت للاستجابة لها، ما يدفعنا إلى الإفراط في الأكل واكتساب مزيد من الدهون في الكبد.

ويقول الدكتور هيني: «عندما تُدمَّر مصفوفة الطعام، يختلّ نظام الإشارات في ميكروبيوم الأمعاء». ويضيف: «ويزداد الأمر سوءاً؛ لأن كثيراً من الأطعمة فائقة المعالجة مليئة بالدهون والكربوهيدرات المكرّرة، مقارنة بالبروتينات والألياف الصحية».

بحسب ماتيلد توفييه، أستاذة في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والأبحاث الطبية وأحد معدّي تقرير مجلة «ذا لانسيت»، تتزايد المخاوف من أن الإفراط في استهلاك بعض المضافات الغذائية ضمن نظام غذائي غني بالأطعمة فائقة المعالجة - مثل المستحلبات والمحليات - يسبّب أضراراً موضعية داخل الأمعاء نفسها.

وتقول البروفسورة توفييه: «ترتبط الأطعمة فائقة المعالجة بزيادة خطر الإصابة بداء كرون، وهو أحد أمراض الأمعاء الالتهابية». وتشير إلى أن بعض الدراسات التي أُجريت على الحيوانات أظهرت أن التهاب الأمعاء قد يؤدي إلى تطوّر سرطان القولون، بينما تحاول دراسة كبرى جديدة تُعرف باسم «PROSPECT» حالياً التحقّق مما إذا كانت الأطعمة فائقة المعالجة تقف وراء الارتفاع المقلق في حالات سرطان الأمعاء لدى من هم دون الخمسين عاماً.

وبدأت بعض البيانات المبكرة تدعم هذه الفرضية بالفعل. ففي الشهر الماضي، نشر البروفسور تشان وزملاؤه دراسة وجدت أن النساء دون سن الخمسين اللواتي يستهلكن ما يصل إلى 10 حصص يومياً من الأطعمة فائقة المعالجة - مثل الوجبات الخفيفة، والوجبات الجاهزة، وحبوب الإفطار المعلّبة، أو المشروبات الغازية - يواجهن خطراً أعلى للإصابة بالزوائد اللحمية في الأمعاء، مقارنة بمن يكتفين بعدد محدود من الحصص (نحو 3.3 حصة يومياً).

الزوائد اللحمية هي نموّات غير طبيعية في بطانة الأمعاء تنشأ نتيجة تلف الخلايا، ويمكن أن تشكّل مرحلة تمهيدية للإصابة بالسرطان. ويقول البروفسور تشان: «نعلم أن الغالبية العظمى من سرطانات القولون والمستقيم تمرّ أولاً بمرحلة الزوائد اللحمية».

ورغم أن الباحثين لم يتمكّنوا بعد من تحديد المكوّنات الدقيقة في الأطعمة فائقة المعالجة التي تبدو مسؤولة عن تحفيز تكوّن هذه الزوائد، فإن البروفسور تشان يرجّح أن «جزءاً من الأمر قد يكون مرتبطاً بأنواع معيّنة من البكتيريا [التي تتغذّى على مكوّنات هذه الأطعمة]، كما قد يكون له علاقة أيضاً بنوع المستقلبات التي تنتجها هذه البكتيريا في الأمعاء، والتي تُضعف قدرة الأمعاء على إصلاح نفسها». وتشير بعض الدراسات على نماذج حيوانية أيضاً إلى أن بعض المواد المستحلبة قد يكون لها تأثير سلبي في صحة بطانة الأمعاء.

القلب

مع مرور الوقت، يمكن أن يؤدّي استهلاك كميات كبيرة من الأطعمة فائقة المعالجة إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية المختلفة، من السكتات الدماغية إلى أمراض القلب. وقد نجحت دراسة حديثة في الولايات المتحدة حتى في تحديد أن بعض هذه الأطعمة يبدو أكثر ضرراً على القلب والأوعية الدموية من غيرها، وكان أبرز المتهمين في ذلك المشروبات السكرية واللحوم المصنّعة.

وأظهرت أبحاث أُجريت على الحيوانات أيضاً أن بعض المضافات الشائعة في الأطعمة فائقة المعالجة، مثل الكبريتيت ومحسّن النكهة غلوتامات أحادي الصوديوم (MSG)، ارتبطت بتلف في أنسجة القلب وتصلّب الأوعية الدموية.

في المقابل، لم ترتبط بعض الأطعمة فائقة المعالجة مثل الخبز المعلّب، وحبوب الإفطار، والوجبات الخفيفة المالحة، واللبن أو الحلويات المصنوعة من الألبان، بمستويات عالية من خطر الإصابة بمشكلات القلب والأوعية الدموية.

وتقول جوسييمر ماتّي، الأستاذة المشاركة في التغذية في كلية «هارفارد تي إتش تشان» للصحة العامة: «ليس كل الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب». وتضيف: «فبعضها قد يكون محايداً أو حتى واقياً، لأنه يحتوي على عناصر غذائية أخرى مهمة توازن الآثار السلبية».

تشير الدكتورة ماتّي إلى وجود أسباب متعددة تفسّر لماذا تُعدّ اللحوم المصنّعة والمشروبات السكرية ضارّة بشكل خاص بصحة القلب على المدى الطويل. وتقول: «الأطعمة فائقة المعالجة تسهم في زيادة استهلاك السعرات الحرارية، والسكريات المضافة، والصوديوم، والدهون غير الصحية».

وتضيف: «كما أن بعض المركّبات الموجودة في هذه الأطعمة قد تزيد الالتهاب أو تُلحق ضرراً بالبطانة الداخلية للأوعية الدموية (الخلايا التي تُبطّن جدران الأوعية)؛ ما يسهم في تكوّن الترسبات وتلف أنسجة القلب».

الدماغ

قد يؤثّر النظام الغذائي الغني بالأطعمة فائقة المعالجة في المزاج وحدّة التفكير؛ فقد تبيّن أن الإكثار من تناول الوجبات الجاهزة والحلويات يجعل الشخص أكثر عرضة للشعور بالاكتئاب والقلق، ومع مرور الوقت قد يطول هذا التأثير الوظائف المعرفية أيضاً، مثل القدرة على التعلّم والتذكّر والاستنتاج وحلّ المشكلات.

وقد ربطت دراسات عدة بين زيادة استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وارتفاع خطر الإصابة بالخرف، وفي العام الماضي نشرت مجلة «The American Journal of Clinical Nutrition» دراسة ربطت بشكل خاص بين اللحوم المصنّعة مثل لحم الخنزير المقدد (البايكون) والمشروبات السكرية وبين زيادة خطر التدهور المعرفي.

لماذا يحدث ذلك؟ نعلم أن الأطعمة فائقة المعالجة تُربك عمل الأمعاء، ومن ثم فإن «محور الأمعاء - الدماغ» (الذي يسمح للمواد الكيميائية التي تنتجها الأمعاء بالتأثير في الوظائف الذهنية) قد يقدّم تفسيراً واضحاً لذلك؛ فالأشخاص الذين يعانون التهابات أكثر في الأمعاء نتيجة نظام غذائي سيئ يكونون أكثر عرضة للاكتئاب، في حين أن الذين يستهلكون كميات أكبر من الأطعمة فائقة المعالجة يميلون أيضاً إلى تناول كميات قليلة جداً من الألياف. وهذه الألياف تتحلّل إلى مواد كيميائية مفيدة للأمعاء تُعرف باسم الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، والتي يمكن أن تساعد على حماية الدماغ.

ويقول أليكس دي فيليتشي أنطونيو، الأستاذ المساعد في معهد فرالين للأبحاث الطبية الحيوية في جامعة «فرجينيا تك»: «لقد ثبت أن زيادة محتوى الدهون والسكر تغيّر استجابة الدماغ لمشروب مثل المخفوقات؛ لذلك من المحتمل أن يكون التركيب الغذائي النموذجي لبعض الأطعمة فائقة المعالجة يؤدّي إلى تغيّرات وظيفية في الدماغ».

ما الذي ينبغي فعله؟

رغم أن بوسع كل واحد منا اتخاذ خيارات أفضل لتقليل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة، فإن الخبراء يرون أيضاً أن على الحكومات أن تقوم بدور أكبر بكثير من خلال اعتماد سياسات غذائية أكثر صرامة. ويدعو فان توليكن إلى فرض تنظيمات أقوى تتعلّق بمحتوى الأطعمة غير الصحية وبطريقة تسويقها.

ويعتقد فان توليكن أنه، على غرار السجائر، ينبغي على الدول اعتماد ملصقات تحذيرية أقوى كثيراً على الأطعمة الغنية بالملح أو الدهون أو السكر أو السعرات الحرارية. ويُطبّق هذا الإجراء بالفعل بنجاح في عدد من دول أميركا الجنوبية والوسطى.

ويقول: «عندما يحمل الطعام ملصقاً تحذيرياً، تُفرض عليه بعدها ضريبة. ولا يعود مسموحاً وضع شخصيات كرتونية عليه، ولا تقديم ادعاءات صحية بشأنه، ولا بيعه للأطفال، ولا تقديمه في المدارس أو المستشفيات أو السجون، كما لا يقوم الجيش بشرائه».

ويضيف: «نحن بحاجة إلى كل هذه الإجراءات، إلى جانب نظام إلزامي ودقيق للإبلاغ عن مبيعات الأطعمة غير الصحية بتفاصيل كثيرة ومفصّلة، حتى نعرف تماماً ما الذي يجري».


في أي عمر تبلغ السعادة والثقة بالنفس الذروة؟

مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)
مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)
TT

في أي عمر تبلغ السعادة والثقة بالنفس الذروة؟

مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)
مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)

تُظهر الأبحاث أنه كلما تقدّم الإنسان في العمر، أصبح أعلى ثقة بنفسه ورضاً عن حياته... «ففي الواقع، يكون الأشخاص بعمر الستينات أميل إلى الشعور بالسعادة»، ووفقاً لإحدى الدراسات، فإنهم يتمتّعون أيضاً بثقة أكبر بالنفس، مقارنة بمعظم من هم في مراحل عمرية أصغر.

فما السر؟ للأسف؛ لا توجد إجابة واحدة، بل مجموعة من العوامل. وفي ما يلي بعض الأمور التي يُرجّح أنها عوامل مساعدة، وفق ما يشير إليه بعض الدراسات العلمية في هذا المجال:

قدرٌ أكبر من الحكمة

تُظهر البيانات أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً لديهم أعلى معدلات الاكتئاب. ورغم أن جائحة «كورونا» رفعت هذه المعدلات لدى جميع الفئات العمرية - بمن فيهم الأكبر سناً - فإن من تجاوزوا الخمسين لا يزالون يسجّلون أدنى المعدلات بشكل عام.

في دراسة أُجريت عام 2016، استطلع الباحثون آراء أكثر من 1500 شخص من مختلف الأعمار بشأن صحتهم الجسدية والمعرفية والنفسية. وتبيّن أن الأشخاص في العشرينات والثلاثينات من العمر سجّلوا مستويات أقل من السعادة، مقارنة بمن هم في عقود عمرية أكبر. وقال ديليب جيستي، وهو طبيب نفسي وأحد معدّي الدراسة، لمجلة «تايم»، إن «السبب المرجّح لذلك هو أن الإنسان يصبح مع التقدّم في العمر أكبر قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية، كما يصبح - نعم! - أكبر حكمة؛ مما ينعكس زيادة في الشعور بالسعادة».

تزداد الحياة استقراراً مع التقدّم في السن

وجدت ورقة بحثية نُشرت عام 2018 في مجلة «Psychological Bulletin» أن الثقة بالنفس تبلغ أعلى ذروة لها عند سن الستين، ويعزو باحثو الدراسة ذلك على الأرجح إلى بيئة حياتية أعلى استقراراً، ففي هذا العمر، يكون كثيرون قد كوّنوا علاقات متينة، أو نالوا ترقيات في العمل، أو ساعدوا أبناءهم على أن يصبحوا بالغين يمكن الاعتماد عليهم.

كما وجدت إحدى الدراسات أن المشاركين الأصغر سناً كانوا أعلى ميلاً إلى وصف السعادة بأنها لحظات يشعرون فيها بالنشوة أو الابتهاج، وفق ما نقلته مجلة «ذا أتلانتيك». في المقابل، وصف الأكبرون سناً شعورهم بالسعادة بأنه عندما يكونون في حالة سلام أو هدوء أو استرخاء، وهو شعور يرتبط بشكل أكبر بالرضا عن اللحظة الراهنة بدلاً من التحمّس لما هو مقبل.

ويُرجّح معدّو الدراسة أن هذا التغيّر يعود إلى ازدياد الشعور بالترابط مع الآخرين ومع اللحظة الحالية كلما تقدّم الإنسان في العمر.

يقلّ تأثير المشاعر السلبية مع التقدّم في العمر

وجدت أبحاث في تصوير الدماغ، نُشرت عام 2004، أن الأشخاص الأكبر سناً أظهروا نشاطاً أقل في اللوزة الدماغية، وهي المنطقة المرتبطة بالتوتر والاستجابات العاطفية، عندما عُرضت عليهم صور سلبية. وقد يعني ذلك أن الاستجابة التلقائية للمحفّزات العاطفية السلبية تصبح أهدأ وأخْفَتَ مع التقدّم في السن.

لكن هناك بعض التحفّظات التي يجدر ذكرها: فعندما يتعلّق الأمر بالسعادة، يشير كثير من الأبحاث، التي أُجريت على مدى الزمن، إلى أنها تتّبع عموماً منحنى على شكل حرف «U»، أي إن السعادة تكون مرتفعة أيضاً في العشرينات، ثم تنخفض في منتصف العمر، قبل أن تعاود الارتفاع بقوة في أواخر الستينات. وبذلك، لا يكون عقد التقاعد هو المرحلة الوحيدة التي يبلغ فيها الإنسان ذروة شعوره بالسعادة، إذا صحّ التعبير.

وفضلاً عن ذلك، فإن الحقيقة البسيطة هي أن أي شخص يمكنه زيادة شعوره بالرضا أو الثقة بالنفس، فالعمر لا يحدّد بالضرورة مقدار سعادتك، بل عاداتك هي التي تفعل ذلك، وهناك كثير من العادات التي يمكن ممارستها لمساعدتك على الوصول إلى حالة من الصفاء والرضا.