تصاميم «الكروز» وصلت إلى المحلات لتكون جسرًا بين الفصول

صناعها لا يبخلون على عروضها ومبيعاتها تبرر تكاليفها الضخمة

تصاميم «الكروز» وصلت إلى المحلات لتكون جسرًا بين الفصول
TT

تصاميم «الكروز» وصلت إلى المحلات لتكون جسرًا بين الفصول

تصاميم «الكروز» وصلت إلى المحلات لتكون جسرًا بين الفصول

كان يا ما كان في عالم الموضة زمان، خط أزياء اسمه «الكروز أو «ريزورت» لا تسمع به الأغلبية من النساء ولا يثير انتباهها، إلى حد القول: إنها لا تفرق بينه وبين الأزياء الجاهزة الموجهة للربيع والصيف عندما تقع عليها عيناها في المحلات. والحقيقة أن هذا الأمر لا يقلل من شأنها أو يشكك في مدى مواكبتها للموضة، لأنه خط توجه منذ البداية إلى زبونات مرفهات يقضين فصل الشتاء في منتجعات صيفية بعيدة، يتمتعن فيها بزرقة البحر وصفائه وبأشعة الشمس وما تبثه في عظامهن من فيتامين دي. السبب الثاني أنه كان يُطرح في المحلات بهدوء، من دون تهليل له من قبل وسائل الإعلام أو بيوت الأزياء، على أساس أنه تصاميم تملأ الفراغ في موسم التنزيلات الشتوية، أي أنها بمثابة جسر بين أزياء الخريف والشتاء الحاليين وأزياء الربيع والصيف المقبلين.
لكن هذا كان أيام زمان، حين كانت الموضة لا تزال نخبوية وتفرق بين الناس والأسواق والمواسم، وأيام كانت تُعامل كناد خاص لا يدخله إلا قلة، إلى جانب بعض المتفرجات والمتابعات لها عبر مجلات مثل «فوغ» و«هاربرز بازار» و«تاتلر» وما شابهها من المجلات العالمية البراقة. اليوم، تغيرت خريطة الموضة كما تغيرت أحوال الطقس، وأصبحت الموضة مفتوحة للكل باسم الديمقراطية. وسائل التواصل الاجتماعي، لعبت دورها هي الأخرى في إدخال الكل إلى النادي.
تغيرات الطقس وانفتاح العالم على ثقافات أخرى فضلا عن توفر وسائل السفر للجميع جعل خط الـ«كروز» تحديدا يكتسب شعبية ويحقق نجاحات تجارية جعلت تصاميمه لا تقتصر على الوجهات الصيفية، فإلى جانب القفاطين المنسدلة والفساتين الخفيفة أدخلت المعاطف والكشمير والجلد. ليس هذا فحسب، بل أصبحت تنظم له عروض تضاهي، وأحيانا كثيرة تفوق، ضخامة وفخامة العروض التي يقيمها المصممون لخط الأزياء الجاهزة أو «الهوت كوتير». فهذه الأخيرة لها عواصم لا تتغير، هي لندن، باريس، نيويورك وميلانو، أما عروض الـ«كروز» فتعني السفر إلى وجهات بعيدة ومثيرة، الأمر الذي أشعل فتيل المنافسة بين بيوت الأزياء على اختيار هذه الوجهات. والطريف أننا لا نستبعد أن يكون بعضهم قد خلق قسما متخصصا في هذه المهمة. فكلما كانت الوجهة جديدة وغير متوقعة، كانت التغطيات الإعلامية كبيرة تعوض عن تكاليفها الضخمة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بيوت الأزياء تتحمل كل مصاريف ضيوفها الذين قد يفوق عددهم الألف بسهولة، من زبونات مهمات ونجمات الدرجة الأولى إلى محررات الأزياء. ولا يقتصر الأمر على تكاليف الطيران، درجة أولى أو درجة رجال الأعمال أو على الإقامة في فنادق فخمة لمدة يومين أو ثلاثة أيام فحسب، بل يشمل تنظيم برامج مثيرة طوال النهار والمساء، حتى لا يتسرب الملل إلى نفوسهن ولو لثانية.
برونو بافلوفسكي، الرئيس التنفيذي لدار «شانيل» صرح لـ«الشرق الأوسط» أن العروض الضخمة عموما تسمح للزبائن بتذوق نكهة الدار العارضة عن قرب وتقديرها أكثر، علما بأن «شانيل» كانت سباقة إلى هذا التقليد في عام 2000. فقد سبق لها أن أخذتنا إلى باريس، نيويورك، لوس أنجليس، ميامي، البندقية، سان تروبيه، كاب دانتيب، فرساي، سنغافورة، دبي وسيول وفي الثالث من شهر مايو (أيار) المقبل إلى هافانا بكوبا. ولأن أي شيء تبدأه «شانيل» تحتذي به بيوت الأزياء الأخرى، فسرعان ما تبنت «ديور»، «لويس فويتون»، «غوتشي»، «فندي» وغيرها هذه الاستراتيجية، كل حسب إمكانياته.
«ديور» مثلا قدمت في العام الماضي عرضها في الريفييرا الفرنسية، في بيت كان يملكه المصمم بيير كاردان، بينما قدمت «لويس فويتون» عرضها في بيت النجم الراحل بوب هوب ببالم سبرينغس، وهذا العام تنوي التوجه إلى ريو دي جانيرو. ويبدو أن هذه الأخيرة أتقنت اللعبة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها أطلقت خط الـ«كروز» حديثا، فعرضها القادم في 28 من شهر مايو هو الثالث بالنسبة لها.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا تتسابق بيوت الأزياء العالمية على صرف مبالغ طائلة على هذه العروض، رغم أن الوضع الاقتصادي العالمي غير مستقر؟ فمن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد الروسي، وهو مهم بالنسبة للموضة، بنسبة 3.8 في المائة، كذلك السوق الصينية التي تشهد تباطؤا ملموسا في نموها منذ فترة، من دون التطرق إلى اختناق السوق الأوروبية بسبب أزمة اليونان ثم أزمة الهجرة وغيرها من الأمور التي تؤثر على صناعة الموضة بشكل مباشر أو غير مباشر. «برادا» مثلا سجلت لأول مرة منذ تاريخها تراجعا في مبيعاتها، ومع ذلك لا تزال تصر على إقامة هذه العروض لخطها «ميوميو» وغيرها كُثر. الجواب على هذه الأسئلة أن عروض «الكروز» لها ما يبررها، ألا وهو مبيعاتها التي تشكل أحيانا 70 في المائة من مبيعات بيوت الأزياء. باعتراف برونو بافلوفسكي، الرئيس التنفيذي في دار «شانيل» فإنه «خط بالغ الأهمية». من ناحية، تصل إلى المحلات في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وتبقى فيها إلى بداية الربيع، على العكس من التشكيلات الموسمية، التي أصبح البعض يشبهها بالموضة السريعة لأنها لا تبقى في المحلات سوى لأشهر قليلة تحسب على أصابع اليد الواحدة.
من ناحية أخرى، فإن تصاميمها أنيقة وعملية تغطي أغلب المواسم والوجهات، سواء كانت منتجعا صيفيا على البحر، أو شتويا في أعالي الجبال. يشرح المصمم ديريك لام: «إنها تصاميم من المفترض أن ترافق المرأة من شهر أكتوبر (تشرين الأول) إلى حلول فصل الربيع». لكن هذا من الناحية النظرية، فمن الناحية التطبيقية، يبقى هذا الخط أطول من ذلك في المحلات، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن برهن أن المرأة تفضله على غيره. لهذا كله، ليس غريبا أن تتسابق بيوت الأزياء على إقامة عروض ضخمة، لأنها تُدرك أنها كلما أبهرت ضيوفها حصلت على ولائهم ورسخت في نفوسهم الثقة فيها، لتكون النتيجة عمليات بيع وربح بالنسبة لهم، لكنها تصب في صالح زبونة تتوق إلى أزياء مختلفة تخدمها طويلا.
لأنه من ناحية أخرى، باختيار هذه الوجهات البعيدة فإن بيوت الأزياء تتحول إلى محور يخلو من المنافسة ويُنسي الضيوف مشاكل العالم، كما يُذكرهم، أو يزرع فيهم رغبة في الحياة اللذيذة بكل ترفها. فمآسي العالم وصورها على وسائل التواصل الاجتماعي ونشرات الأخبار تُشعرهم بالحزن وفي الوقت تبث فيهم رغبة في الهروب من هذا الواقع، لتصبح الموضة وعروضها الباهرة مضادا لهذه المآسي أو عالما موازيا للواقع.
فهذه أسواق مهمة لا يمكن تجاهلها، وهذه التشكيلات تبقى في المحلات لمدة أطول من أزياء الخريف والشتاء أو الربيع والصيف الرسمية وبالتالي تحتاج إلى دفعة قوية.
لأن الهدف منها أن تبيع لأكبر عدد من النساء، بمن فيهن اللواتي لا يرحلن إلى أي وجهة، بل يردن الاستمتاع بها أينما كن.
بعبارة أخرى، فبعد أن كانت تقتصر على القفاطين المنسدلة وملابس السباحة وفساتين السهرة، أصبحت حاليا تشمل كنزات من الكشمير ومعاطف من الصوف وبنطلونات بكل نوع ولون، لأن هذه التصاميم تبقى في المحلات مدة طويلة بالمقارنة مع غيرها من الأزياء، فإنها مجدية من الناحية التجارية بالنسبة لبيوت الأزياء، لهذا فهي لا تتردد في صرف مبالغ طائلة عندما يتعلق الأمر بعرضها في عواصم عالمية. «شانيل» أكثر من أبدعت في اختيار هذه الأماكن، وربما تكون أكثر من أشعل فتيل المنافسة عليها. فهي لم تكن أكثر سخاء فحسب، بل أكثر جرأة وذكاء، وليس أدل على هذا من اختيارها لدبي في العام ما قبل الأخير ثم سيول في العام الماضي وبدأت التحضيرات لعرضها في كوبا في شهر مايو المقبل. «لويس فويتون» أيضا حذت حذوها وأخذتنا إلى بالم سبرينغز في العام الماضي وقبلها في مونتي كارلو وهكذا. فهو يلبي كل ما تحتاجه من جهة، كما أن تصاميمها تجمع العملية بالأناقة وبسعر لا يزعجها، لأن الأقمشة المستعملة فيه، من الموسلين إلى الجلود الناعمة والكشمير وغيرها تبرره، فضلا عن تصاميمها التي تناسب كل الفصول والمواسم.



الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.