تصاميم «الكروز» وصلت إلى المحلات لتكون جسرًا بين الفصول

صناعها لا يبخلون على عروضها ومبيعاتها تبرر تكاليفها الضخمة

تصاميم «الكروز» وصلت إلى المحلات لتكون جسرًا بين الفصول
TT

تصاميم «الكروز» وصلت إلى المحلات لتكون جسرًا بين الفصول

تصاميم «الكروز» وصلت إلى المحلات لتكون جسرًا بين الفصول

كان يا ما كان في عالم الموضة زمان، خط أزياء اسمه «الكروز أو «ريزورت» لا تسمع به الأغلبية من النساء ولا يثير انتباهها، إلى حد القول: إنها لا تفرق بينه وبين الأزياء الجاهزة الموجهة للربيع والصيف عندما تقع عليها عيناها في المحلات. والحقيقة أن هذا الأمر لا يقلل من شأنها أو يشكك في مدى مواكبتها للموضة، لأنه خط توجه منذ البداية إلى زبونات مرفهات يقضين فصل الشتاء في منتجعات صيفية بعيدة، يتمتعن فيها بزرقة البحر وصفائه وبأشعة الشمس وما تبثه في عظامهن من فيتامين دي. السبب الثاني أنه كان يُطرح في المحلات بهدوء، من دون تهليل له من قبل وسائل الإعلام أو بيوت الأزياء، على أساس أنه تصاميم تملأ الفراغ في موسم التنزيلات الشتوية، أي أنها بمثابة جسر بين أزياء الخريف والشتاء الحاليين وأزياء الربيع والصيف المقبلين.
لكن هذا كان أيام زمان، حين كانت الموضة لا تزال نخبوية وتفرق بين الناس والأسواق والمواسم، وأيام كانت تُعامل كناد خاص لا يدخله إلا قلة، إلى جانب بعض المتفرجات والمتابعات لها عبر مجلات مثل «فوغ» و«هاربرز بازار» و«تاتلر» وما شابهها من المجلات العالمية البراقة. اليوم، تغيرت خريطة الموضة كما تغيرت أحوال الطقس، وأصبحت الموضة مفتوحة للكل باسم الديمقراطية. وسائل التواصل الاجتماعي، لعبت دورها هي الأخرى في إدخال الكل إلى النادي.
تغيرات الطقس وانفتاح العالم على ثقافات أخرى فضلا عن توفر وسائل السفر للجميع جعل خط الـ«كروز» تحديدا يكتسب شعبية ويحقق نجاحات تجارية جعلت تصاميمه لا تقتصر على الوجهات الصيفية، فإلى جانب القفاطين المنسدلة والفساتين الخفيفة أدخلت المعاطف والكشمير والجلد. ليس هذا فحسب، بل أصبحت تنظم له عروض تضاهي، وأحيانا كثيرة تفوق، ضخامة وفخامة العروض التي يقيمها المصممون لخط الأزياء الجاهزة أو «الهوت كوتير». فهذه الأخيرة لها عواصم لا تتغير، هي لندن، باريس، نيويورك وميلانو، أما عروض الـ«كروز» فتعني السفر إلى وجهات بعيدة ومثيرة، الأمر الذي أشعل فتيل المنافسة بين بيوت الأزياء على اختيار هذه الوجهات. والطريف أننا لا نستبعد أن يكون بعضهم قد خلق قسما متخصصا في هذه المهمة. فكلما كانت الوجهة جديدة وغير متوقعة، كانت التغطيات الإعلامية كبيرة تعوض عن تكاليفها الضخمة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بيوت الأزياء تتحمل كل مصاريف ضيوفها الذين قد يفوق عددهم الألف بسهولة، من زبونات مهمات ونجمات الدرجة الأولى إلى محررات الأزياء. ولا يقتصر الأمر على تكاليف الطيران، درجة أولى أو درجة رجال الأعمال أو على الإقامة في فنادق فخمة لمدة يومين أو ثلاثة أيام فحسب، بل يشمل تنظيم برامج مثيرة طوال النهار والمساء، حتى لا يتسرب الملل إلى نفوسهن ولو لثانية.
برونو بافلوفسكي، الرئيس التنفيذي لدار «شانيل» صرح لـ«الشرق الأوسط» أن العروض الضخمة عموما تسمح للزبائن بتذوق نكهة الدار العارضة عن قرب وتقديرها أكثر، علما بأن «شانيل» كانت سباقة إلى هذا التقليد في عام 2000. فقد سبق لها أن أخذتنا إلى باريس، نيويورك، لوس أنجليس، ميامي، البندقية، سان تروبيه، كاب دانتيب، فرساي، سنغافورة، دبي وسيول وفي الثالث من شهر مايو (أيار) المقبل إلى هافانا بكوبا. ولأن أي شيء تبدأه «شانيل» تحتذي به بيوت الأزياء الأخرى، فسرعان ما تبنت «ديور»، «لويس فويتون»، «غوتشي»، «فندي» وغيرها هذه الاستراتيجية، كل حسب إمكانياته.
«ديور» مثلا قدمت في العام الماضي عرضها في الريفييرا الفرنسية، في بيت كان يملكه المصمم بيير كاردان، بينما قدمت «لويس فويتون» عرضها في بيت النجم الراحل بوب هوب ببالم سبرينغس، وهذا العام تنوي التوجه إلى ريو دي جانيرو. ويبدو أن هذه الأخيرة أتقنت اللعبة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها أطلقت خط الـ«كروز» حديثا، فعرضها القادم في 28 من شهر مايو هو الثالث بالنسبة لها.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا تتسابق بيوت الأزياء العالمية على صرف مبالغ طائلة على هذه العروض، رغم أن الوضع الاقتصادي العالمي غير مستقر؟ فمن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد الروسي، وهو مهم بالنسبة للموضة، بنسبة 3.8 في المائة، كذلك السوق الصينية التي تشهد تباطؤا ملموسا في نموها منذ فترة، من دون التطرق إلى اختناق السوق الأوروبية بسبب أزمة اليونان ثم أزمة الهجرة وغيرها من الأمور التي تؤثر على صناعة الموضة بشكل مباشر أو غير مباشر. «برادا» مثلا سجلت لأول مرة منذ تاريخها تراجعا في مبيعاتها، ومع ذلك لا تزال تصر على إقامة هذه العروض لخطها «ميوميو» وغيرها كُثر. الجواب على هذه الأسئلة أن عروض «الكروز» لها ما يبررها، ألا وهو مبيعاتها التي تشكل أحيانا 70 في المائة من مبيعات بيوت الأزياء. باعتراف برونو بافلوفسكي، الرئيس التنفيذي في دار «شانيل» فإنه «خط بالغ الأهمية». من ناحية، تصل إلى المحلات في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وتبقى فيها إلى بداية الربيع، على العكس من التشكيلات الموسمية، التي أصبح البعض يشبهها بالموضة السريعة لأنها لا تبقى في المحلات سوى لأشهر قليلة تحسب على أصابع اليد الواحدة.
من ناحية أخرى، فإن تصاميمها أنيقة وعملية تغطي أغلب المواسم والوجهات، سواء كانت منتجعا صيفيا على البحر، أو شتويا في أعالي الجبال. يشرح المصمم ديريك لام: «إنها تصاميم من المفترض أن ترافق المرأة من شهر أكتوبر (تشرين الأول) إلى حلول فصل الربيع». لكن هذا من الناحية النظرية، فمن الناحية التطبيقية، يبقى هذا الخط أطول من ذلك في المحلات، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن برهن أن المرأة تفضله على غيره. لهذا كله، ليس غريبا أن تتسابق بيوت الأزياء على إقامة عروض ضخمة، لأنها تُدرك أنها كلما أبهرت ضيوفها حصلت على ولائهم ورسخت في نفوسهم الثقة فيها، لتكون النتيجة عمليات بيع وربح بالنسبة لهم، لكنها تصب في صالح زبونة تتوق إلى أزياء مختلفة تخدمها طويلا.
لأنه من ناحية أخرى، باختيار هذه الوجهات البعيدة فإن بيوت الأزياء تتحول إلى محور يخلو من المنافسة ويُنسي الضيوف مشاكل العالم، كما يُذكرهم، أو يزرع فيهم رغبة في الحياة اللذيذة بكل ترفها. فمآسي العالم وصورها على وسائل التواصل الاجتماعي ونشرات الأخبار تُشعرهم بالحزن وفي الوقت تبث فيهم رغبة في الهروب من هذا الواقع، لتصبح الموضة وعروضها الباهرة مضادا لهذه المآسي أو عالما موازيا للواقع.
فهذه أسواق مهمة لا يمكن تجاهلها، وهذه التشكيلات تبقى في المحلات لمدة أطول من أزياء الخريف والشتاء أو الربيع والصيف الرسمية وبالتالي تحتاج إلى دفعة قوية.
لأن الهدف منها أن تبيع لأكبر عدد من النساء، بمن فيهن اللواتي لا يرحلن إلى أي وجهة، بل يردن الاستمتاع بها أينما كن.
بعبارة أخرى، فبعد أن كانت تقتصر على القفاطين المنسدلة وملابس السباحة وفساتين السهرة، أصبحت حاليا تشمل كنزات من الكشمير ومعاطف من الصوف وبنطلونات بكل نوع ولون، لأن هذه التصاميم تبقى في المحلات مدة طويلة بالمقارنة مع غيرها من الأزياء، فإنها مجدية من الناحية التجارية بالنسبة لبيوت الأزياء، لهذا فهي لا تتردد في صرف مبالغ طائلة عندما يتعلق الأمر بعرضها في عواصم عالمية. «شانيل» أكثر من أبدعت في اختيار هذه الأماكن، وربما تكون أكثر من أشعل فتيل المنافسة عليها. فهي لم تكن أكثر سخاء فحسب، بل أكثر جرأة وذكاء، وليس أدل على هذا من اختيارها لدبي في العام ما قبل الأخير ثم سيول في العام الماضي وبدأت التحضيرات لعرضها في كوبا في شهر مايو المقبل. «لويس فويتون» أيضا حذت حذوها وأخذتنا إلى بالم سبرينغز في العام الماضي وقبلها في مونتي كارلو وهكذا. فهو يلبي كل ما تحتاجه من جهة، كما أن تصاميمها تجمع العملية بالأناقة وبسعر لا يزعجها، لأن الأقمشة المستعملة فيه، من الموسلين إلى الجلود الناعمة والكشمير وغيرها تبرره، فضلا عن تصاميمها التي تناسب كل الفصول والمواسم.



أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
TT

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

في النسخة الحالية من «ويمبلدون»، كشفت لحظة دخول اللاعب تايلور فريتز أن اللعب لا يبدأ مع ضربة الإرسال الأولى، بل منذ لحظة دخول الملعب. فقد بدا ظهوره ببدلة وإكسسوارات بيضاء، في نظر بعض المتابعين، خطوة تسويقية لافتة، في حين رأى آخرون أنه مجرد التزام بقواعد «ويمبلدون» التي تفرض على اللاعبين ارتداء اللون الأبيض بالكامل.

كان اللاعب الأميركي متردداً في البداية لكنه اقتنع بعد الفوز بالمباراة (أ.ب)

عند دخوله الملعب، كان يرتدي بدلة بيضاء صُممت بشكل خاص له بالتعاون مع راعيه، علامة «BOSS»، ويحمل نسخة بيضاء من حقيبة «Madison B1» المصنوعة من الجلد الإيطالي الفاخر، لتكتمل إطلالة جمعت بين الفخامة والطابع الرياضي العصري. لكن اللافت لم يكن التصميم بحد ذاته، بل ما كشف اللاعب عنه بعد المباراة. فقد اعترف بأنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة عندما طرحتها عليه «BOSS»، وأنه لم يُغيّر رأيه إلا بعد أن شاهد الصور إثر فوزه في المباراة. أما سبب تردده في البداية، فكان خشيته أن تتحول الإطلالة إلى مادة للسخرية إذا ودّع البطولة مبكراً.

الموضة والرياضة

هذا التصريح يُوضِح العلاقة التي باتت تربط الموضة والرياضة حالياً، فالأزياء لم تعد اختياراً شخصياً أو وسيلة للتعبير عن الذوق الخاص، بل جزء من منظومة تسويقية تتداخل فيها مصالح الرعاة مع الصورة العامة للرياضي.

لم يقل فريتز إنه أُجبر على ارتداء البدلة صراحة، لكنه أوضح أن الفكرة لم تكن فكرته، وبأنها جاءت من راعيه، مضيفاً: «لم يكن بإمكاني التراجع». كان له شرط واحد فقط؛ أن تكون البدلة عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة قبل بداية المباراة.

كان شرطه الوحيد أن تكون البدلة عملية بحيث يمكنه خلعها بسهولة (أ.ب)

لذلك صُمم السروال بفتحات جانبية مخفية تتيح خلعه خلال ثوانٍ، في تفصيل يعكس محاولة الجمع بين متطلبات الأداء الرياضي، التي تستدعي انتقالاً سريعاً إلى أجواء المنافسة وتركيزاً كاملاً على المباراة، ومتطلبات صورة تسويقية تراهن على التأثير الدرامي للون الأبيض. وهنا بدت العلاقة بين اللاعب وزيه كأنها مفاوضة مستمرة بين رياضي ينصب تركيزه على الفوز وإثبات تفوقه داخل الملعب، ومنظومة تسويقية تسعى إلى صناعة صورة مثالية تتجاوز حدود المنافسة. ولعل خير دليل على ذلك أن المجموعة أصبحت متوفرة حالياً في متاجر «BOSS» حول العالم.

الحاضر يستلهم من الماضي

غير أن هذه الإطلالة لم تكن مجرد فكرة تسويقية عابرة، بل استلهمت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة «ويمبلدون». ففي عام 2007، دخل روغر فيدرر الملعب مرتدياً سترة بيضاء، في مشهد تحول لاحقاً إلى إحدى الصور الأيقونية في تاريخ البطولة.

ركزت «بوس» على إيجاد توازن بين الأناقة والعملية (رويترز)

لكن بينما كان ظهور فيدرر آنذاك امتداداً للأناقة الأرستقراطية التي لطالما ارتبطت بـ«ويمبلدون»، جاءت إطلالة فريتز لتعكس واقعاً مختلفاً، تتحول فيه البطولة نفسها إلى منصة تتقاطع فيها الرياضة مع صناعة الأزياء.

فالبدلة التي ارتداها تحمل بصمات علامة «بوس» الأنيقة، بحيث صُنعت من قطن أبيض ذي نسيج طبيعي يمنحها طابعاً صيفياً خفيفاً، وجاءت بقصة واسعة ذات صفين من الأزرار، مع وشاح حريري بنقشة «بيزلي» مستوحاة من أرشيف الدار، وحقيبة جلدية بيضاء، في إعادة معاصرة لما يُعرف بـ«أبيض ويمبلدون» الشهير.


موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.


«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
TT

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من حمى الاهتمام بأن مستحضرات التجميل والعطور من أكثر القطاعات ربحية، حسب أرقام المبيعات، ما يجعلها سنداً لا يستغنى عنه لقطاع الأزياء.

معظم بيوت الأزياء الكبيرة، إن لم نقل كلها، اقتحمت هذا القطاع بكل ما تملكه من قوة فنية. لم تخرج دار «دولتشي آند غابانا» عن السرب. أدركت أن السوق مزدحمة والمنافسة شرسة بين كبريات بيوت الأزياء وشركات التجميل العالمية. كل واحدة تسعى لاقتطاع حصة أكبر من السوق؛ لهذا كان لا بد لها أن ترسم لنفسها خطاً تتميّز به. وجدت أن ورقتها الرابحة تكمن في جذورها الإيطالية، فهذه الورقة نجحت في مجال الأزياء، فلِمَ لا تنجح أيضاً في صناعة الجمال؟

يمكن البناء على الطبقات للحصول على إطلالة طبيعية للنهار أو قوية للمساء (خاص)

الهوية الإيطالية أولاً

من هذا المنظور، حرصت أن تبقى وفية لجيناتها وهويتها الإيطالية، بألا تستعملها خلفيةً جغرافيةً فحسب، بل أرشيفاً مفتوحاً على التاريخ والمعمار والفن. تستوحي منها نقوشاً فنية وألواناً متوهجة تستحضر صقلية بقصورها وقلاعها، والأهم من هذا الجمال الإيطالي الطبيعي.

يأتي أحمر الخدود بتركيبة كريمية تدوم طويلاً (خاص)

وسبق أن طرحت عدة مستحضرات تصب في هذا المجال، إلا أنها كشفت حديثاً عن منتجين جديدين يحملان اسمي «Rose Dew Lip Bite» و«Cherry Glaze Bar»، يندرجان ضمن مفهوم «Fresh Look» الذي يراهن على إطلالة طبيعية ندية يمكن تكثيفها تدريجياً حسب الذوق والمناسبة: تبدأ خفيفة وناعمة في الصباح، ثم تزداد وهجاً في الظهيرة، وعُمقاً في المساء.

لكن يبقى أكثر ما يلفت في المجموعة، ليس فقط شكل العبوات المبتكرة أو وظيفتها فحسب، بل المكونات الإيطالية المستخدمة فيها، وهي زيت الكرز الإيطالي ومستخلص الورد المحلي؛ فهذه مكونات تمنح، حسب الدار، المنتجات شخصية فريدة وبصمة مميزة.

تتميز العلب بروح «دولتشي آند غابانا» الفنية (خاص)

خلاصات طبيعية وكولاجين

فأحمر الخدود «Cherry Glaze Bar» يأتي على هيئة لوحة مصغرة بتركيبة كريمية، تتيح توزيع اللون بدرجات يمكن التحكم فيها بسهولة، سواء أكان المراد إطلالة خفيفة أم تغطية أكثر كثافة.

وتقول الدار إن تركيبته الغنية بزيت الكرز الإيطالي والكولاجين النباتي، تُرطِب البشرة وتزيدها إشراقاً لمدة تصل إلى 24 ساعة، فضلاً عن مقاومة الماء والحرارة. أما من حيث التصميم، فيأتي في عبوة عاجية بسيطة تتزين بتفاصيل ذهبية مصقولة تعكس أسلوب الدار.

أحمر الشفاه من الكرز المحلي مطعم بالكولاجين النباتي (خاص)

أما أحمر الشفاه «Rose Dew Lip Bite»، فيقدّم هو الآخر لمسة خفيفة وناعمة في البداية، عبر 6 درجات لونية، ثم يزداد عمقاً ولمعاناً مع إضافة طبقات جديدة. وبدلاً من زيت الكرز يعتمد على الورد الإيطالي المعزز بحمض الهيالورونيك، في تركيبة تقول الدار إنها خفيفة وغير لاصقة، تمنح الشفاه تأثيراً أقرب إلى الندى الطبيعي منه إلى المكياج التقليدي.

تستعمل الدار دائماً الجغرافيا الإيطالية بصفتها خلفية تعكس هويتها الثقافية (دولتشي آند غابانا)

العطور أولاً

تجدر الإشارة إلى أن «دولتشي آند غابانا» دخلت صناعة الجمال عبر العطور عندما أطلقت أول عطر لها عام 1992. ومنذ ذلك الحين ابتكرت أكثر من 100 عطر، بالتعاون مع عدد من صناع العطور المشهورين. بعدها طوّرت باقة من مستحضرات التجميل، لقيت صدى كبيراً شجّعها بعد 30 عاماً من العمل في هذا المجال، على نقل أعمالها إلى إدارتها المباشرة، بهدف تعزيز هذا التطور والمضي به إلى مرحلة جديدة تريدها أكثر توسعاً وانتشاراً.