القوات الأميركية تعتقل أبو أنس الليبي «قيادي القاعدة» وتقتاده إلى خارج ليبيا

طرابلس عدته «اختطافا» وتطالب واشنطن بتوضيحات > كيري: سنلاحق الإرهابيين أينما فروا > إجراءات أمنية لحماية مصالح أميركا في العاصمة خشية الانتقام

حطام السفارة الأميركية في نيروبي المتهم فيها أبو أنس الليبي قيادي «القاعدة» عام 1998 (رويترز) وفي الإطار  أبو أنس الليبي (أ.ب)
حطام السفارة الأميركية في نيروبي المتهم فيها أبو أنس الليبي قيادي «القاعدة» عام 1998 (رويترز) وفي الإطار أبو أنس الليبي (أ.ب)
TT

القوات الأميركية تعتقل أبو أنس الليبي «قيادي القاعدة» وتقتاده إلى خارج ليبيا

حطام السفارة الأميركية في نيروبي المتهم فيها أبو أنس الليبي قيادي «القاعدة» عام 1998 (رويترز) وفي الإطار  أبو أنس الليبي (أ.ب)
حطام السفارة الأميركية في نيروبي المتهم فيها أبو أنس الليبي قيادي «القاعدة» عام 1998 (رويترز) وفي الإطار أبو أنس الليبي (أ.ب)

أعلن البنتاغون أمس أن وحدة عسكرية أميركية نفذت عملية داخل ليبيا أول من أمس ألقت خلالها القبض على أبو أنس الليبي، القيادي في تنظيم القاعدة، والمطلوب للولايات المتحدة لدوره في التفجيرين اللذين استهدفا سفارتيها في نيروبي ودار السلام في 1998. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية جورج ليتل في بيان إنه «إثر عملية أميركية لمكافحة الإرهاب فإن أبو أنس الليبي محتجز الآن بشكل قانوني لدى الجيش الأميركي في مكان آمن خارج ليبيا».
من ناحيتها نقلت شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأميركية عن مسؤول أميركي لم تذكر اسمه أن الحكومة الليبية أبلغت سلفا بالعملية العسكرية الأميركية التي نفذها في العاصمة في وضح النهار جنود أميركيون في القوات الخاصة. وباعتقاله ينتهي مسلسل من المطاردة استمر أكثر من 15 عاما، وكان أحد أقرباء الليبي قال في وقت سابق السبت لوكالة الصحافة الفرنسية إن مسلحين مجهولين «اختطفوا» قريبه في طرابلس فجر أول من أمس. وقال المصدر إن أبو أنس الليبي، واسمه الحقيقي نزيه عبد الحميد نبيه الراجعي (49 عاما)، «اختطف على مقربة من منزله بعد صلاة الفجر على أيدي مجموعة من المسلحين»، مضيفا أن «عائلته لم تصلها عنه أي أخبار منذ الصباح». وكان الليبي ينتمي إلى «الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» قبل أن ينضم إلى صفوف تنظيم القاعدة. وبحسب خبراء في هذا الشأن فقد عاد الراجعي إلى ليبيا بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي في 2011، علما بأنه أحد كبار المطلوبين للشرطة الفيدرالية الأميركية التي رصدت خمسة ملايين دولار لمن يرشدها إليه. ومن المحتمل أن يحاكم الليبي في الولايات المتحدة، لا سيما أن محكمة فيدرالية أميركية وجهت إليه غيابيا تهمة لعب دور رئيسي في تفجيري كينيا وتنزانيا في 1998. وكانت سيارة مفخخة انفجرت في 7 أغسطس (آب) 1998 أمام السفارة الأميركية في نيروبي، مما أسفر عن 213 قتيلا ونحو خمسة آلاف جريح، علما بأن غالبية الضحايا كانوا إما عابري سبيل أو موظفين في مبان تقع قرب السفارة التي قتل بداخلها 44 شخصا بينهم 12 أميركيا. وفي الوقت نفسه تقريبا استهدف انفجار مماثل بشاحنة مفخخة السفارة الأميركية في دار السلام مما أسفر عن 11 قتيلا وأكثر من 70 جريحا جميعهم عابرو سبيل. وتبنى تنظيم القاعدة كلا الهجومين.
وفي طرابلس قال مكتب رئيس الوزراء الليبي علي زيدان إن رئيس الوزراء طلب من السلطات الأميركية أمس تفسيرا للعملية العسكرية التي نفذت في طرابلس لاعتقال رجل ليبي مطلوب القبض عليه فيما يتصل بتفجير سفارتين أميركيتين في أفريقيا قبل 15 عاما، وأكدت الحكومة الليبية أمس أنها تتابع الأنباء عن «اختطاف» أبو أنس الليبي القيادي في تنظيم القاعدة على يد قوات أميركية، مطالبة واشنطن بتوضيحات بشأن هذه العملية التي عدتها «اختطافا».
وجاء في بيان للحكومة نشر في طرابلس: «تتابع الحكومة الليبية المؤقتة الأنباء المتعلقة باختطاف أحد المواطنين الليبيين المطلوب لدى سلطات الولايات المتحدة، ومنذ سماع النبأ تواصلت الحكومة الليبية مع السلطات الأميركية، وطلبت منها تقديم توضيحات في هذا الشأن». كذلك أبدت الحكومة «حرصها على أن يحاكم المواطنون الليبيون في ليبيا في أي تهم كانت». وذكرت بأن ليبيا ترتبط مع الولايات المتحدة «بعلاقة استراتيجية في المجال الأمني والدفاعي»، معربة عن أملها في «ألا تتعرض هذه الشراكة الاستراتيجية إلى أي مخاطر نتيجة هذا الحادث».
من جهته حذر وزير الخارجية الأميركي جون كيري أعضاء تنظيم القاعدة من أنهم يستطيعون الهرب ولكن لا يمكنهم الاختباء.
وقال كيري أمس في إندونيسيا قبل قمة لدول منطقة آسيا والمحيط الهادي: «نأمل أن يوضح ذلك أن الولايات المتحدة لن تتوقف أبدا عن بذل جهودها الرامية لمحاسبة منفذي الأعمال الإرهابية».
وأضاف في بينوا بجزيرة بالي: «أعضاء (القاعدة) وغيرها من التنظيمات الإرهابية يستطيعون الهرب ولكن لا يمكنهم الاختباء، سنواصل السعي وراء تقديم هؤلاء إلى العدالة».
إلى ذلك، قالت مصادر ليبية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر من الوحدات الخاصة الأميركية تشارك حاليا في تأمين المصالح الأميركية في العاصمة الليبية طرابلس خشية تعرضها لأي عمليات انتقامية احتجاجا على خطف أبو أنس الليبي.
وأوضحت المصادر التي طلبت عدم تعريفها أن ديبورا جونز السفيرة الأميركية تلقت نصائح بمغادرة طرابلس لبعض الوقت، خشية استهدافها، لكنها امتنعت عن إعطاء المزيد من التفاصيل.
وجرى اعتقال أبو أنس بعد مطاردة دامت 13 عاما، حسب ما أكده شهود عيان وجيران له لـ«الشرق الأوسط» لدى توجهه لأداء صلاة الفجر حيث اعتقله رجال ملثمون بملابس سوداء اللون وانتزعوا سلاحه الشخصي قبل أن ينقلوه على الفور على متن سيارات دفع رباعية.
وخلافا لإعلان واشنطن فإن العملية تمت بعد إخطار الحكومة الليبية. وقال وزير في حكومة رئيس الوزراء الليبي علي زيدان لـ«الشرق الأوسط»: «هذا كذب، لم نكن على علم بهذه العملية، لا يمكن أن نوافق على قيام جهة أجنبية بخطف موطن ليبي من على الأراضي الليبية بهذا الشكل». وتوقع نفس الوزير الذي اشترط عدم تعريفه أن تؤدي هذه العملية إلى حدوث ما وصفه بـ«تصدع كبير» في الحكومة الانتقالية المشكلة برئاسة زيدان من شهر نوفمبر( تشرين الثاني) الماضي.
في المقابل، طالبت الحكومة الليبية الانتقالية، في بيان أصدرته أمس، السلطات الأميركية بتقديم توضيحات حول اختطافها أحد المواطنين الليبيين المطلوبين لديها بزعم علاقته بتفجيرات السفارة الأميركية بنيروبي ودار السلام منذ سنوات، معربة عن الأمل في عدم تأثر هذه الشراكة الاستراتيجية إلى أي مخاطر نتيجة هذا الحدث.
وأكدت الحكومة حرصها على أن يحاكم المواطنون الليبيون في ليبيا في أي تهم كانت وأن المتهمين أبرياء إلى أن تثبت إدانتهم ، مشيرة إلى أنها كلفت وزاراتها المعنية بمتابعة الموضوع مع السلطات الأميركية، وفقا لما تمليه المصلحة الوطنية والقوانين ذات العلاقة، خاصة تلك المتعلقة بمعاملة المتهمين واحترام حقوقهم. وقبل مغادرته إلى المغرب في زيارة عمل رسمية لمدة يومين على رأس وفد وزاري كبير، خصصت حكومة زيدان المؤقتة اجتماعها الاستثنائي أمس بطرابلس لمناقشة الوضع الأمني في البلاد، ولمقترح الميزانية العامة للعام المقبل.
وفي عودة جديدة لمسلسل اغتيال العسكريين ورجال الأمن، اغتيل أمس في بنغازي بشرق البلاد العقيد طيار عبد الله البرعصي إثر تعرضه لهجوم من قبل مسلحين مجهولين أطلقوا عليه وابلا من الرصاص.
وقال العقيد عبد الله الزايدي الناطق الرسمي باسم الغرفة الأمنية المشتركة ببنغازي أن البرعصي نقل إثر تعرضه للاعتداء إلى مستشفى الجلاء للحوادث بالمدينة حيث خضع لإسعافات عاجلة، إلا أن الأطقم الطبية لم تتمكن من إنقاذه نتيجة الإصابات البليغة التي تعرض لها.
من جهتها، أعلنت وزارة الداخلية الليبية رسميا تأجيل كل المراسم الاحتفالية بيوم الشرطة الذي كان مقررا إقامته يوم غد الثلاثاء وذلك حدادا على شهداء الجيش الليبي الذين اغتيلوا وهم يقومون بحراسة الوطن بمنطقة وشتاتة.
وقالت مصادر الوزارة إنه سيجري تحديد موعد لاحق لإحياء هذا الحدث. وأعربت وزارة الداخلية عن استنكارها لهذا العمل الإجرامي.
وتوجه زيدان مساء أمس برفقة وفد رفيع المستوى إلى المملكة المغربية في زيارة «إخوة وصداقة» تلبية لدعوة من نظيره المغربي عبد الإله ابن كيران.

* أبو أنس الليبي المطلوب أميركيا منذ 15 عاما

* اسمه الحقيقي هو نزيه عبد الحميد الرقيعي، وانضم إلى «القاعدة» بعد تأسيسها في أفغانستان وباكستان، وانضم إلى زعيمها الراحل أسامه بن لادن، لدى انتقاله إلى السودان في عام 1992، واشتهر خلال فترة التسعينات باعتباره واحدا من أكثر عناصر «القاعدة» خبرة، تحديدا في الاستطلاع وتقنية المعلومات.
وفي عام 1993 كشف أحد رفقائه عن وجوده في نيروبي لاستكشاف أهداف محتملة من بينها السفارة الأميركية، وبعد ذلك بخمسة أعوام، فجر الهدف في عملية قتل فيها أكثر من 200 شخص و5 آلاف جريح، وبالتزامن فجرت السفارة الأميركية لدى تنزانيا، ما أسفر عن مقتل 11 شخصا.
وفي مرحلة ما، انضم إلى «المجموعة الليبية المقاتلة» الجهادية قبل انتقاله إلى قطر، ومن ثم إلى بريطانيا حيث استقر في مدينة مانشستر، حيث داهمت الشرطة مقر إقامته في عام 2000؛ إذ عثر على مستندات قيمة من بينها وثيقة سميت لاحقا «دليل مانشستر»، وهي عبارة عن مئات الصفحات الإرشادية بكيفية تنفيذ حملات إرهابية، من بينها مهاجمة وتفجير وتدمير سفارات، ولكن لم يعثر على أثر الليبي، الذي كان قد غادر البلاد قبل عملية الدهم، وانتقل إلى أفغانستان، وفر منها مع سقوط حكم حركة طالبان إلى إيران، وتعتقد الاستخبارات العربية أنه استقر هناك قبل عودته مجددا إلى موطنه ليبيا. وتتهم السلطات الأميركية أبو أنس الليبي (49 عاما) بالمشاركة في تفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998.
وكانت واشنطن قد رصدت مكافأة قيمتها خمسة ملايين دولار للقبض عليه، حيث كان ضمن قائمة أخطر المطلوبين لمكتب المباحث الفيدرالية (إف بي آي) وتطالب الولايات المتحدة باعتقال «الليبي» للمثول أمام محاكمها لدوره في تفجير سفارتيها لدى كينيا وتنزانيا، إذ سقط في الهجومين نحو 200 قتيل وآلاف الجرحى في عام 1998.
ووصف كبير مراسلي «سي إن إن» المختص في شؤون «القاعدة» نيك روبرتسون، اعتقال الليبي بـ«الخطوة الكبيرة»، مضيفا أنه «قيادي مهم لـ(القاعدة) وأحد أبرز الأهداف في المنطقة.. شمال أفريقيا».
وتقول صفحة أبو أنس الليبي على موقع «إف بي آي» إنه «متهم بالتآمر لقتل مواطني الولايات المتحدة الأميركية، والشروع بجرائم قتل، وتدمير مبان وممتلكات خاصة بالولايات المتحدة... وتدمير المرافق الدفاعية القومية للولايات المتحدة».
وكانت «سي إن إن» أول من أشار في سبتمبر (أيلول) العام الماضي إلى أن الليبي على قيد الحياة، وقبل ذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2010 قبل اندلاع الثورة الليبية التي انتهت بالإطاحة بمعمر القذافي، كشفت السلطات الليبية للجنة الأمم المتحدة عن عودته إلى ليبيا، وتعتقد أجهزة الاستخبارات الغربية أنه كان موجودا طيلة فترة الحرب في طرابلس.
وفي خريف عام 2012، شكك محللون في شؤون مكافحة الإرهاب، في حديث لـ«سي إن إن»، في إمكانية اعتقال «الليبي»؛ نظرا للوضع الأمني الحساس إبان تلك الفترة في ليبيا، حيث تصاعدت هيمنة المجموعة الليبية المقاتلة إبان الحملة ضد القذافي والفترة التي أعقبت سقوطه.
ولم تتضح الفترة التي أقام فيها «الليبي» بموطنه، وإذا ما كان بعلم السلطات الليبية أو إذا ما تلقت الأخيرة طلبات من حكومات أخرى بتسليم مواطنها، علما بأن عدم وجود اتفاقية تسليم بين ليبيا والولايات المتحدة زاد من تعقيد الأمور.



ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.