الكرملين لا يستبعد أي فرضيات في حادث الطائرة بما فيها «العامل الخارجي»

بوتين يطالب بتوخي الحذر بسبب العمليات ضد الإرهابيين في سيناء

الرئيس فلاديمير بوتين يستمع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر في العاصمة موسكو أمس (إ.ب.أ)
الرئيس فلاديمير بوتين يستمع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر في العاصمة موسكو أمس (إ.ب.أ)
TT

الكرملين لا يستبعد أي فرضيات في حادث الطائرة بما فيها «العامل الخارجي»

الرئيس فلاديمير بوتين يستمع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر في العاصمة موسكو أمس (إ.ب.أ)
الرئيس فلاديمير بوتين يستمع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر في العاصمة موسكو أمس (إ.ب.أ)

قال الرئيس فلاديمير بوتين أمس بعد الاستماع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر: «بلا أدنى شك، يجب فعل كل شيء لتكوين صورة موضوعية لما حدث، حتى نعرف ما الذي حدث، وكيف نتعامل مع ذلك بالشكل المناسب». وطالب الرئيس الروسي بضرورة مواصلة أعمال البحث في مكان الكارثة بما يكفل التأكد تماما من كل جوانب الموقف حتى انتهاء كل مراحل البحث، و«عدم تعجل التوقف عن ذلك قبل الأوان» وبما يكفل تكوين صورة كاملة لما حدث بالتعاون مع السلطات المصرية. وأوصى الرئيس الروسي بضرورة التنبيه على العاملين في لجان البحث والإنقاذ بتوخي الحذر، نظرا لأن المنطقة التي سقطت بها الطائرة المنكوبة «منطقة عمليات» تتواصل فيها العمليات القتالية بين الإرهابيين والسلطات المصرية.
وكان بوتين استهل حديثه مع وزير النقل الروسي بتقديم تعازيه إلى كل أقارب وذوي الضحايا، مؤكدا ضرورة اضطلاع الدولة والمؤسسات الرسمية بواجبهم نحو صرف التعويضات والتأمينات لهم. وقال سوكولوف في معرض تقريره الذي قدمه بالأمس إن «الطائرة تحطمت في الجو وإن حطامها تناثر على مساحة تزيد على عشرين كيلومترا مربعا، وإن عمليات البحث لا تزال جارية».
وكانت مصادر روسية في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط» قد كشفت عن مخاوفها تجاه احتمالات أن يكون الحادث من تدبير عناصر تستهدف إفساد العلاقة بين روسيا ومصر. وقالت المصادر إن «هناك من البلدان المجاورة والمنظمات التي من مصلحتها وقف تقدم العلاقات الجيدة بين البلدين، وخصوصا في الوقت الراهن الذي تتشابك وتتعقد فيه العلاقات بين كثير من بلدان المنطقة». ولم تكشف المصادر عن أي من البلدان أو المنظمات المقصودة.
وحول أسباب الحادث لم تستبعد مصادر الكرملين أي فرضيات لدى التحقيق في أسباب حدوث كارثة طائرة الركاب الروسية يوم السبت الماضي. وقال دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين إنه «لا يجوز استبعاد أي فرضية في المرحلة الراهنة من التحقيق في تحطم الطائرة الروسية في سيناء، بما في ذلك فرضية العمل الإرهابي»، لكنه أكد في الوقت نفسه ضرورة توخي الحذر في التقديرات والتحلي بالصبر وانتظار النتائج إلى حين إعلان نتائج التحقيق بعيدا عن التخمينات والإعلان عن مختلف التصريحات التي لا أساس لها حول أسباب وقوع الكارثة.
وكان بيسكوف أعرب أيضا عن تقدير القيادة الروسية للجهود التي بذلتها وتبذلها السلطات المصرية، فيما أثنى على المستوى الرفيع الذي تتسم به أشكال التعامل مع وفد المسؤولين والخبراء الروس الموجودين حاليا في مصر. وكان ألكسندر سميرنوف نائب مدير عام شركة «كوغاليم آفيا» (مترو جيت) صاحبة الطائرة المنكوبة قد قال إن «الشركة ترجح تعرض الطائرة لتأثير عوامل خارجية، باعتباره التفسير الواقعي الوحيد لما أعلنه المحققون عن تفكك الطائرة وهي في الجو، قبل سقوطها على الأرض». واستبعد المسؤول وقوع عطل فني في أجهزة الطائرة كان من شأنه أن يؤدي إلى تفككها في الجو. وأعرب سميرنوف عن اعتقاده في أن يكون جميع ركاب الطائرة وأفراد الطاقم لقوا مصرعهم قبل سقوطها على الأرض، مشددا على أن طاقم الطائرة فقد السيطرة عليها بالكامل بسبب «أضرار كبيرة» لحقت بهيكل الطائرة، حسبما أشار في مؤتمره الصحافي الذي عقده أمس في موسكو. وأشار المسؤول إلى أن الحالة الفنية للطائرة لدى إقلاعها من مطار شرم الشيخ، كانت «ممتازة»، فيما نفي ما تردد من أنباء حول إعراب أي من أفراد طاقم الطائرة عن أي شكوى بهذا الشأن خلال الرحلات الخمس الماضية التي نفذتها، وهو ما يتنافي مع ما سبق ونقلته وكالات الأنباء المحلية والعالمية نقلا عن الزوجة السابقة لأحد أفراد طاقم الطائرة الذي لقي حتفه في الحادث. وأضاف سميرنوف: إن «الاتصال بالطائرة فُقد قبل دقيقة من اختفاء الطائرة من على شاشات الرادار وتخفيض الطائرة لسرعتها بما يحول دون استمرار تحليقها، فيما بدأت رحلة السقوط وهو ما قد يكون طاقم الطائرة فقد معه القدرة على الاستجابة والتعامل مع الموقف».
ومن جانبه، أعلن ألكسندر نيرادتشكو ممثل هيئة الطيران الروسية للقناة الإخبارية الرسمية «روسيا - 24» أن الوقت لا يزال مبكرا للإعلان عن أسباب وقوع الحادث وحذر من تعجل إصدار التصريحات والتخمينات حول ذلك. وقال إن «انتشار حطام الطائرة في مساحات شاسعة نتيجة تحطم الطائرة في الجو قد يكون وراء تعجل إصدار مثل هذه التصريحات، لكنه لا يمكن أن يكون قرينة أو دليلا على وجود عامل خارجي». وكانت شركة الخطوط الجوية «الأورال» وهي من أكبر شركات الطيران في روسيا، أعلنت تعليق تحليقاتها فوق سيناء حتى إتمام التحقيق في تحطم الطائرة الروسية، فيما أعربت عن احتجاجها ضد الإجراءات الاستثنائية التي تتخذها السلطات الجوية المصرية بعد تحطم الطائرة الروسية في سيناء السبت الماضي، وكانت سببا في تأخير إقلاع إحدى طائراتها من طراز «إيرباص 321» الرحلة رقم «U6 - 3028» إلى مدينة بيرم الروسية لمدة تزيد على 9 ساعات، فيما طوقتها سلطات المطار بمعدات خاصة لمنعها من الإقلاع، ومن ثم نقلتها إلى قسم الإصلاح، حسبما أشارت قناة روسيا اليوم الناطقة بالعربية.
وكانت شركة «خطوط الأورال الجوية» إحدى كبريات شركات الطيران الروسية أعلنت أمس أيضا عن تعليق رحلاتها فوق سيناء مثلما سبق وفعلت عدد من شركات الطيران العربية والغربية، فيما أعربت عن احتجاجها ضد تصرفات السلطات المصرية التي احتجزت إحدى طائراتها بسبب ما وصفته بضرورة مراجعة السلامة الفنية للطائرة. وقالت مصادر الشركة الروسية إن «الطائرة التابعة لها صالحة تماما»، مؤكدة أن تأجيل الرحلة جاء بسبب رفض سلطات المطار منح الطائرة تصريح الإقلاع. وكان دميتري ميدفيديف رئيس الحكومة الروسية استهل اجتماع الحكومة أمس بالوقوف حدادا على ضحايا الكارثة، فيما أعرب عن شكره وتقديره للجهود التي تبذلها السلطات المصرية منذ سقوط الطائرة وتعاونها مع الوفود الروسية التي تعمل اليوم في مصر لتقصي أسباب الحادث ومتابعة الإجراءات حول هذا الشأن. وحث ميدفيديف على ضرورة إجراء كل الاختبارات الضرورية وإجراء التحقيقات التي تنفذ بمشاركة خبرائنا بما يتفق مع قواعد منظمة الطيران المدني الدولية وغيرها من الهيئات الدولية والخبراء الدوليين، إلى جانب مواصلة العمل في موقع الكارثة. وعاد ميدفيديف إلى تأكيد ضرورة تركيز الجهود الرئيسية لاستقصاء أسباب وقوع الكارثة مع أهمية الوقوف إلى جانب ذوي الضحايا واتخاذ كل ما يلزم لمساعدتهم. ومن جانبها أعلنت وزارة الطوارئ الروسية أن الصندوقين الأسودين للطائرة المنكوبة في «حالة جيدة»، فيما أكدت المصادر الرسمية الروسية أن الكشف عن تسجيلات الصندوقين سيجرى في القاهرة بمشاركة ممثلين عن الجانب الروسية حسب القواعد الدولية المعمول بها والتي تقضي بإجراء ذلك في البلد الذي وقعت فيه الحادثة. وسوف يشارك في عمليات الكشف عن تسجيلات الصندوقين الأسودين خبراء من فرنسا وألمانيا وآيرلندا بوصفهم ممثلين عن البلدان التي جرى فيها تصنيع وتسجيل الطائرة وإجراء الصيانة الدورية ومنح التراخيص اللازمة للطيران، إلى جانب بيلاروسيا وأوكرانيا بسبب مصرع عدد من مواطنيهما من ركاب الطائرة المنكوبة.

 



قمة أنقرة تعيد طرح ملف الوجود الأميركي في أوروبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجتمعاً بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في البيت الأبيض تمهيداً لقمة الحلف في أنقرة يوم 24 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجتمعاً بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في البيت الأبيض تمهيداً لقمة الحلف في أنقرة يوم 24 يونيو (أ.ف.ب)
TT

قمة أنقرة تعيد طرح ملف الوجود الأميركي في أوروبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجتمعاً بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في البيت الأبيض تمهيداً لقمة الحلف في أنقرة يوم 24 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجتمعاً بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في البيت الأبيض تمهيداً لقمة الحلف في أنقرة يوم 24 يونيو (أ.ف.ب)

تلتئم يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل في أنقرة، قمة الحلف الأطلسي وسط مخاوف أوروبية من توجه أميركي لتقليص حضور القوات الأميركية في القارة التي عاشت منذ 77 عاماً تحت ظل العباءة الأميركية - الأطلسية.

ومنذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض تصاعد القلق الأوروبي. فالأخير، هدد أكثر من مرة بالانسحاب من «الأطلسي»، الذي وصفه مؤخراً بأنه «نمر من ورق». وتفاقم حنقه على القادة الأطلسيين الأوروبيين لأنهم رفضوا الاستجابة لطلبه بأن يمدوا له يد العون للمحافظة على حرية الإبحار في مضيق هرمز بعد أن عمدت إيران إلى إغلاقه عملياً بعد انطلاق الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدها نهاية فبراير (شباط) الماضي. وحجة الأوروبيين كانت مزدوجة؛ فمن جهة، لم يكلف ترمب نفسه عناء استشارتهم قبل إطلاق حرب تمس مصالحهم بشكل مباشر. ومن جهة ثانية، ذكروا بأن مهمات الأطلسي لا تشمل منطقة الخليج، وتفعيل البند الخامس من شرعة الحلف تفترض حصول اعتداء على أحد أعضائه بينما الولايات المتحدة كانت المبادرة بالحرب.

إعادة انتشار القوات الأميركية

في 18 يونيو (حزيران)، أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، بمناسبة اجتماع لوزراء الحلف العسكري في برلين إجراء مراجعة شاملة للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، كاشفاً عن أن هذه العملية ستأخذ ستة أشهر. وأثار ذلك موجة إضافية من القلق الأوروبي، رغم أن الخطة الأميركية لا تتحدث عن انسحاب واشنطن من الحلف أو سحب كامل قواتها من أوروبا، باعتبار أن تطوراً من هذا النوع سيعني نهايته الحتمية. وما يريده الطرف الأميركي تخفيف الأعباء التي يتحملها عن الأوروبيين والعمل على إعادة تنظيم انتشار قواته بما يفرض على الدول الأوروبية تحمّل مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها.

ترمب برفقة ستارمر وماكرون خلال حضورهم اجتماع دول مجموعة السبع في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)

جاء الرد على خطط هيغسيث على لسان أليس روفو، الوزيرة المفوضة لشؤون القوات المسلحة الفرنسية في مقابلة مع موقع «بوليتيكو» الأوروبي، عقب اجتماعها بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته قبل توجه الأخير إلى واشنطن لمقابلة ترمب. وجاء في المقابلة ما حرفيته: «نرغب في أن يتم تقليص الوجود العسكري الأميركي بطريقة منظمة ومنسقة وفعالة لتجنب خلق معضلات للأوروبيين». وأضافت روفو، المقربة من الرئيس إيمانويل ماكرون بعد أن عملت لسنوات مستشارة له، إنه «بالنظر إلى التقلبات الشديدة في العلاقات عبر الأطلسي، يجب علينا تجنب كل من التهويل والإنكار».

وبنظرها، فإن التحدي الأكبر الذي سيفرض نفسه على الأوروبيين سيتمثل «في إيجاد طريقة لتعويض العوامل الاستراتيجية الداعمة، لا سيما القدرات الحيوية التي تُوفرها الولايات المتحدة في الغالب، مثل النقل الجوي والبحري، والتزود بالوقود في الجو، والاستخبارات، والأصول الفضائية». ونبهت روفو من الانقسامات الأوروبية، داعيةً إلى «تجنّب تبادل الاتهامات بين الأوروبيين؛ لأن المهم أيضاً إدراك أن الأهم هو النتائج العسكرية الفعلية، وليس مجرد الأرقام».

«الشفافية» المفقودة

ليست فرنسا وحدها التي تطالب واشنطن بـ«الشفافية». ذلك أن ألمانيا أيضاً، عبر وزارة الدفاع، تُصرّ على أن تقدم واشنطن «خريطة طريق» تفصيلية لتقليص حضورها العسكري في أوروبا. والغرض من ذلك تنظيم عملية انتقال المسؤوليات بين الطرفين الأميركي والأوروبي.

وبرلين معنية بالدرجة الأولى، إذ إن واشنطن أعلنت سحب 5 آلاف جندي يرابطون في ألمانيا التي تستضيف أكبر عدد من العناصر الأميركية في أوروبا (35 ألف عسكري)، إضافة لأهم قاعدة جوية أميركية (رامشتاين) التي تعد الأهم للجيش الأميركي باتجاه الشرق الأوسط وأفريقيا. كذلك، ثمّة قاعدة جوية أميركية ثانية في ألمانيا (ويسبادن)، وهي تستضيف قيادة القوات الأميركية في أوروبا وأفريقيا، وأهم مركز لتنسيق المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي في 2025 (د.ب.أ)

بانتظار أن تنتهي القيادة الأميركية من «المراجعة الشاملة»، فإن ما تسرّب من معلومات يُفيد بأن واشنطن ستُقلّص عدد القاذفات الاستراتيجية إلى النصف والطائرات المقاتلة إلى الثلث، وخفض عديد طائرات الاستطلاع المسيّرة من طراز «ريبر»، وخفض عديد الغواصات والسفن الحربية المخصصة للحلف تدريجياً، بموجب نظام نموذج القوات التابع للحلف الأطلسي، حيث يُحدد الحلفاء دورياً الجنود والمعدات التي سيُتيحونها، حال نشوب حرب.

في الأيام الأخيرة، سعى روته لطمأنة الأوروبيين بتأكيد أن إجراءات واشنطن «ليست مفاجئة». والحال أن الوقائع تؤكّد عكس ذلك، لا بل تدل على تخبط في القرارات. فقرار سحب القوة من ألمانيا جاء رداً على الانتقادات التي وجهها المستشار فريدريش ميرتس لترمب بخصوص طريقة قيادته لحرب إيران. كذلك، لم يفهم أحد كيف أن واشنطن فاجأت بولندا بقرارها إلغاء نشر قواتها على أراضيها، قبل أن تتراجع عن ذلك القرار. ويندرج في السياق نفسه سحب ألف جندي أميركي من رومانيا.

وكل ذلك أوجد حالة من عدم اليقين لدى الشركاء الأوروبيين، ما دفعهم إلى طرح تساؤلات إزاء حقيقة الخطط الأميركية.

نقل الأعباء

الثابت حتى اليوم، وفق مصادر دفاعية أوروبية في باريس، أن ما يسعى إليه الجانب الأميركي هو تسريع عملية ما يسمى «نقل الأعباء» الذي سيشكل مادة رئيسية على جدول أعمال قمة أنقرة.

ويعني هذا المفهوم تحميل الأوروبيين القدر الأكبر في الدفاع عن القارة، في الوقت الذي ترغب فيه واشنطن التركيز على أولويات أخرى، على رأسها التنافس «المنهجي» مع الصين. والحال أن ما يشغل الأوروبيين تخوفهم من مغامرات روسية لاحقة. ولم يكُف قادة عسكريون أوروبيون كبار، كما في فرنسا وألمانيا، عن التحذير من احتمال قيام روسيا بمغامرة عسكرية أخرى في أوروبا «بعد أوكرانيا» مع نهاية العقد الحالي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة لحلف الناتو في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

ووفق التصور العام، فإن ما تريده واشنطن يقوم على تولي الأوروبيين الدفاع عن أنفسهم فيما يسمى «الحرب التقليدية»، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بـ«الردع النووي». وتنشر الأخيرة في ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا أسلحة نووية. وبالمقابل، فإن فرنسا وبريطانيا تتمتعان، كل منهما، بقوة ردع نووية.

ليس سراً أن ترمب ضغط، منذ ولايته الأولى، على أوروبيين لزيادة نفقاتهم الدفاعية. وقد نجح في ذلك؛ إذ توافق حلفاء الأطلسي على رفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5 في المائة من ناتجهم النحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

وحالياً، تتأرجح الدول الأوروبية ما بين 2 و3 في المائة، فيما عدد من الدول - على غرار بولندا - تخطّت سقف 4 في المائة. ويستخدم مارك روته هذه الحجة لإقناع ترمب بالبقاء داخل الحلف. وبالتوازي، يسعى الأوروبيون إلى الارتقاء بصناعاتهم الدفاعية والإسراع بإقامة شراكات وفق الخطة الدفاعية التي أقرت في فرساي، عند ترؤس فرنسا الاتحاد الأوروبي في شهر مارس (آذار) من عام 2022.

وبما أن القمة جاءت بعد بدء الغزو الروسي لأوكرانيا والخوف الذي أثاره لدى الأوروبيين، فقد قرّر قادتهم زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز القاعدة الصناعية والتكنولوجية للدفاع الأوروبي وتنويع مصادرهم من الطاقة، وأخيراً تطوير «الاستقلالية الاستراتيجية» للاتحاد الأوروبي.

إزاء المخاوف الأوروبية، ثمة في المقابل الآخر مجمعة من الثوابت وأولها أن الجناح الأوروبي للأطلسي يخدم الأوروبيين، لكنه مفيد أيضاً للأميركيين الذين يستفيدون من «حاملة طائرات ثابتة» تتشكل من 30 دولة أوروبية. ولذا، فثمة من يرى أن واشنطن لن تتخلى عن أوروبا ولا عن الحلف الأطلسي.


الحر الشديد يضرب أوروبا: فرنسا تحصي 74 وفاة... وحرارة قياسية في ألمانيا

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)
رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)
TT

الحر الشديد يضرب أوروبا: فرنسا تحصي 74 وفاة... وحرارة قياسية في ألمانيا

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)
رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)

يعيش قسم كبير من أوروبا، السبت، يوماً إضافياً من الحرّ الشديد الممتد من فرنسا إلى بولندا، مروراً بالساحل الأدرياتيكي الكرواتي، مع توقُّع تخطي الحرارة 35 درجة مئوية بالنسبة لما لا يقل عن 193 مليون نسمة، ما يُشكِّل ضغطاً كبيراً على الأنظمة الصحية.

ومع انتقال موجة القيظ إلى شمال شرقي القارة، أُعلنت حال التأهب القصوى في فرنسا وسويسرا وألمانيا والنمسا والمجر.

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

ويلجأ الأوروبيون إلى كل الوسائل الممكنة لتفادي الحر الشديد، فيحتمون في كنيسة، أو ينامون في أقبية منازلهم، أو يبللون أنفسهم في النوافير، حتى إن الفرنسية ناتالي قالت إنها تعمد إلى قضاء «بضع ساعات في (بيكار)»، سلسلة المتاجر الفرنسية المتخصِّصة في بيع المنتجات المجلّدة.

وأحصت السلطات الفرنسية 74 وفاة غرقاً، منذ 18 يونيو (حزيران)، على صلة بموجة الحر الشديدة التي تضرب البلاد، وفق ما أعلن وزير الداخلية، لوران نونييز، في مقابلة السبت.

وقال وزير الداخلية إن هذه الوفيات وقعت «بشكل كبير في مسطحات مائية غير مصرّح بها، وغير خاضعة للمراقبة: الأنهار والبحيرات والبرك خصوصاً»، مشيراً إلى تسجيل «حالات غرق في مسابح خاصة» أيضاً. وأضاف، في مقابلة مع صحيفة «لوباريزيان» نُشِرت السبت: «هناك ظاهرة صدمة حرارية، وأحياناً نشاط مفرط... نلاحظ عدداً كبيراً من الوفيات جراء أزمات قلبية».

وسجلت ألمانيا رقماً قياسياً جديداً في درجات الحرارة لليوم الثاني على التوالي؛ حيث بلغت ذروة الحرارة 41.5 درجة مئوية في بلدة موكيرن - درفيتس، وفقاً لما أفادت به هيئة الأرصاد الجوية الألمانية، استناداً إلى بيانات أولية.

أما في العاصمة السلوفاكية، براتيسلافا، فلم تنخفض الحرارة عن 26.3 درجة، ليل الجمعة - السبت، وأورد معهد الأرصاد الجوية السلوفاكي أن «المستوى القياسي السابق كان 24.8 درجة في 4 أغسطس (آب) 2017»، متوقعاً أن تصل الحرارة إلى ذروتها عند 39 درجة، السبت.

وتسببت موجة الحر في إلغاء «مسيرة الفخر» لمجتمع الميم في كل من باريس وليون (وسط فرنسا الشرقي)، كما أُلغي مهرجان «سوليدايز» للموسيقى الذي كان من المقرَّر تنظيمه في العاصمة الفرنسية حتى الأحد. وفي ألمانيا، لن تجري مدينة هامبورغ سباق نصف الماراثون.

ومع إلغاء «سوليدايز»، ستُحرَم جمعية «سوليداريتيه سيدا» المنظِّمة للمهرجان من 3 ملايين يورو كانت ستستخدمها لتمويل برامج لمكافحة الإيدز.

وشكَّلت هذه الظاهرة المناخية، مع ما يواكبها من تلوث، ضغطاً شديداً على الأنظمة الصحية في كثير من البلدان. وفي المنطقة الباريسية، سجَّلت خدمات الطوارئ ارتفاعاً هائلاً في الاتصالات الواردة، بنسبة بلغت 80 في المائة، هذا الأسبوع.

وقال مساعد رئيس بلدية باريس المكلف الشؤون الصحية، أنطوان أليبير، صباح السبت، إن المستشفيات الباريسية تشهد «حالة اكتظاظ استثنائية» غير مسبوقة، مؤكداً: «إننا في وسط أزمة صحية. إنها ظاهرة قيظ استثنائية وقصوى» تفاقمت بسبب «ذروة من التلوث بالأوزون».

امرأة تستخدم مروحة في فناء متحف «اللوفر» بباريس حيث بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية (أ.ب)

وحذَّر رئيس قسم الطوارئ في مستشفى «جورج بومبيدو»، أحد المستشفيات الرئيسية في باريس، من أنَّ الوضع «خطير للغاية»، واصفاً «أروقة مكتظة» بالمرضى «معظمهم مسنون» إنما بينهم أيضاً مَن هم «في الخمسين والستين... يعانون من ارتفاع حاد جداً في حرارة الجسم».

من جانبها، أعربت وزارة الصحة الفرنسية عن «قلقها» من حصول «وفيات في المنازل».

وأوضح روبان لاغاريغ وماتيلد باسكال من «الوكالة الوطنية للصحة العامة» الفرنسية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنَّ «بضع درجات إضافية تترجَم إلى زيادة قوية جداً في مخاطر الوفاة»، وأشارا إلى أنَّ موجات الحر لها «مفاعيل متعاقبة» على معدل الوفيات.

وأفادت السلطات الإسبانية بتسجيل أكثر من 200 حالة وفاة، كما سُجِّلت وفيات في باقي أنحاء أوروبا، لمسنين ومرضى مصابين بأمراض مزمنة وأطفال ومراهقين، بالإضافة إلى مشردين في الشوارع. وتتسبب الحرارة بالوفاة بطرق عدة، كالغرق، وارتفاع حرارة الجسم، والنوبة القلبية وغيرها.

وعدّت «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية»، الجمعة، أنه «من المحتمل» أن تكون موجة الحر الحالية ظاهرة غير مسبوقة من حيث حجمها، وإن كان من السابق لأوانه تأكيد ذلك.

وتُعدُّ موجات الحر المتكررة مؤشراً لا لبس فيه على التغيُّر المناخي، الناجم بشكل أساسي عن استخدام البشر مصادر الطاقة الأحفورية.

رجل يضع غطاءً على رأسه لتخفيف أثر الحرارة في روتردام بهولندا (إ.ب.أ)

ولموجات الحر هذه تبعات كثيرة، منها وقف محطات الطاقة النووية، كما في بيزناو في سويسرا، وارتفاع حرارة البحيرات الساحلية الضحلة في دلتا بو بشمال شرقي إيطاليا، وتسارع ذوبان نهر الرون الجليدي في سويسرا وغيرها.

لكن الموجة بدأت بالانحسار تدريجياً في فرنسا؛ حيث يتوقع رفع حال التأهب القصوى، مساء الأحد، مع تدفق «هواء أكثر برودة» من الغرب والشمال الغربي. كما ستشهد ألمانيا بحسب التوقعات «استراحة»، اعتباراً من الاثنين، مع تدني الحرارة عن 40 درجة.

وفي شرق القارة، تستعد رومانيا لإعلان الإنذار الأحمر، اعتباراً من الاثنين، على أراضيها كافة تقريباً، إذ تتوقع الأرصاد الجوية الوطنية «درجات حرارة قصوى... وليالي استوائية» تستمر حتى الأول من يوليو (تموز).

وتعتزم مولدوفا المجاورة حظر حركة السير للآليات التي تزيد على 12 طناً بين 28 يونيو (حزيران) والأول من يوليو.


براينت لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق التجارة الحرة مع الخليج تاريخي... والتوقيع مرتقب في الخريف

TT

براينت لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق التجارة الحرة مع الخليج تاريخي... والتوقيع مرتقب في الخريف

وزير التجارة البريطاني كريس براينت يلتقط صورة جماعية مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي وأعضاء الوفد بعد التوصُّل إلى اتفاقية يوم 20 مايو (رويترز)
وزير التجارة البريطاني كريس براينت يلتقط صورة جماعية مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي وأعضاء الوفد بعد التوصُّل إلى اتفاقية يوم 20 مايو (رويترز)

قال وزير الدولة البريطاني للتجارة، كريس براينت، إنَّ اتفاقية التجارة الحرّة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي تاريخية، ليس لقيمتها الاقتصادية فحسب، بل لأنَّها أول اتفاق يُبرمه المجلس مع دولة من مجموعة السبع.

وكشف الوزير، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن أنَّ الاتفاقية قد تدخل حيّز التنفيذ «خلال عام تقريباً، أو 14 شهراً حداً أقصى» بعد التوقيع النهائي. وتأمل لندن، وفق الوزير، في توقيع الاتفاقية بحلول سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول)، بعد استكمال المراجعة القانونية للنصوص.

ورجَّح براينت أن تُولّد الاتفاقية نحو 3.7 مليار جنيه إسترليني من التجارة الإضافية للمملكة المتحدة، مع أرقام مماثلة تقريباً لدول الخليج. ولفت إلى أنَّها تحمل «دلالة رمزية» في توقيت إقليمي حساس، بعد التوترات المرتبطة بحرب إيران و«الهجمات المروّعة التي شنّتها طهران على حلفائنا في الخليج». كما نوّه الوزير بشمولية الاتفاق، لافتاً إلى أنَّه يتجاوز خفض الرسوم الجمركية إلى قطاع الخدمات، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتسهيل عمل الشركات على الجانبين.

توقيع مرتقب في الخريف

شدَّد براينت على أنَّ أهمية الاتفاقية لا تقتصر على البُعد الاقتصادي، بل تشمل أيضاً دلالةً سياسيةً واستراتيجيةً، خصوصاً في ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة. وقال إنّ الاتفاق يحمل رسالةً مفادها أن على الجانبين «المضي قدماً في التجارة»، بوصفها وسيلةً لتعزيز الازدهار، ودعم جهود دول الخليج في تنويع اقتصاداتها بعيداً عن الهيدروكربونات. وأضاف أن الاتفاقية تكتسب أهميةً إضافيةً؛ لأنَّها تأتي في لحظة سعت فيها لندن إلى تأكيد التزامها بعلاقاتها مع شركائها الخليجيين، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو الاستراتيجي.

وعن الجدول الزمني المُتوقَّع، قال براينت إنَّ ما تحقَّق حتى الآن هو اختتام المفاوضات والاتفاق على العناصر الرئيسية ومعظم النصوص، موضحاً أنَّ المرحلة المقبلة تتمثَّل في المراجعة القانونية للاتفاقية قبل التوقيع الرسمي. وأضاف: «آمل أن نتمكَّن من القيام بذلك في سبتمبر أو أكتوبر»، مشيراً إلى تجربة اتفاق بريطانيا مع الهند، الذي أُعلن دخوله حيز التنفيذ بعد أقل من عام على توقيعه. وتابع أن لندن تأمل في إدخال اتفاق الخليج حيز التنفيذ «خلال عام تقريباً، أو 14 شهراً حداً أقصى».

وكان مسار التفاوض على بنود الاتفاقية بين لندن وحلفائها في مجلس التعاون الخليجي قد انطلق في 22 يونيو (حزيران) 2022، واختُتم بإعلان الاتفاق في 20 مايو (أيار) 2026.

الخدمات في قلب الشراكة

سألت «الشرق الأوسط» الوزير البريطاني عمّا يميّز بلاده عن غيرها من الشركاء التجاريين لدول الخليج؛ كالولايات المتّحدة والصين والاتحاد الأوروبي، فجاء ردّه مباشراً: «قطاع الخدمات».

وأكّد براينت أن هذا القطاع يُمثِّل أحد أبرز مجالات التعاون بين المملكة المتحدة ودول الخليج، مشيراً إلى قوة بريطانيا في الخدمات المالية والقانونية، والهندسة المعمارية، والبناء، والقطاعات الإبداعية، والتكنولوجيا المالية، وعلوم الحياة.

وقال إن مكانة لندن بوصفها مركزاً عالمياً للخدمات المالية تفسِّر توجه كثير من الاقتصادات الخليجية إلى الاستثمار في المملكة المتحدة، أو إدراج شركاتها في بورصة لندن، أو توسيع حضورها في الاقتصاد البريطاني. كما لفت إلى أن الخدمات القانونية تمثل جزءاً مهماً من العرض البريطاني، قائلاً: «إن سيادة القانون مفهوم راسخ جداً في الهوية البريطانية». وأشار إلى أنَّ مكاتب محاماة دولية وبريطانية باتت قادرةً على توسيع حضورها في السعودية ودول الخليج في ظلِّ الإصلاحات التنظيمية والانفتاح المتزايد على الخدمات المهنية.

وتوقَّف براينت كذلك عند قطاع الخدمات الإعلانية والإبداعية، الذي بلغت قيمة صادرات بلاده منه 19.4 مليار جنيه إسترليني العام الماضي، لتكون ثاني أكبر مُصدِّر لهذه الخدمات في العالم.

وأضاف أن النفوذ البريطاني في الصناعات الإبداعية لا يقتصر على الإعلان، بل يمتد إلى الموسيقى والأفلام والمحتوى الثقافي الذي يحظى بحضور واسع في الخليج. وعدّ أن هذه المجالات، إلى جانب التكنولوجيا الإبداعية والتكنولوجيا المالية وعلوم الحياة، تفتح فرصاً واسعة لتوسيع العلاقة الاقتصادية بين الجانبين.

خفض الرسوم على السلع

أثار إسهاب الوزير في الحديث عن أهمية الخدمات سؤالاً حول ما إذا كانت القيمة الحقيقية للاتفاقية تكمُن في هذا القطاع أكثر من السلع. فردَّ براينت بأنَّ للسلع حيّزاً مهماً، مشيراً إلى أنَّ خفض الرسوم الجمركية على 93 في المائة من السلع البريطانية المتجهة إلى الخليج سيُحدث أثراً مباشراً.

وأوضح أنَّ كثيراً من هذه التخفيضات سيدخل حيز التنفيذ فور بدء تطبيق الاتفاقية، بما يجعل المواد الغذائية وبعض السلع البريطانية أقل تكلفة بالنسبة للمستهلك الخليجي. كما أشار إلى أنَّ الاتفاق يتضمَّن مكاسب لقطاع السيارات، ويوفِّر مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية سنوياً من الرسوم الجمركية.

وقال إن هذه المكاسب ستكون «جيدة جداً للشركات البريطانية»، لكنها ستكون أيضاً في مصلحة المستهلك الخليجي.

من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)

إلى جانب الخدمات والسلع، تحمل الاتفاقية بنوداً تنظيمية ستجعل عمل الشركات البريطانية في الخليج، والشركات الخليجية في المملكة المتحدة، «أسهل بكثير» وفق الوزير الذي ذكّر بأنَّ الحواجز التجارية لا تقتصر على الرسوم الجمركية.

وقال براينت إنَّ الإجراءات الجمركية، والأوراق والتراخيص، ومتطلبات توطين البيانات، كلها تُشكِّل عوائق قد تكون أحياناً بأهمية الرسوم الجمركية نفسها. وأضاف أن شمول الاتفاقية لهذه الملفات يُمثِّل تقدماً مهماً في إزالة العقبات التي تواجه الشركات على الجانبين.

الذكاء الاصطناعي... والاقتصاد الرقمي

في ملف الذكاء الاصطناعي، قال الوزير البريطاني إن الاتفاقية تتضمَّن جزءاً كاملاً مُخصَّصاً للاقتصاد الرقمي، في وقت تمضي فيه دول الخليج باستثمارات متسارعة في مراكز البيانات، وتطوير النماذج اللغوية الكبيرة، ودمج الذكاء الاصطناعي في اقتصاداتها الوطنية.

وأوضح أنَّ من بين الالتزامات الواردة في الاتفاقية تعهداً دائماً من الجانبين بعدم فرض رسوم جمركية على عمليات النقل الرقمي للبيانات، إلى جانب ترتيبات تهدف إلى تسهيل ممارسة الأعمال رقمياً. وعدّ براينت أنَّ المملكة المتحدة «هي على الأرجح الدولة الرائدة في أوروبا في مجال الذكاء الاصطناعي»، ليس فقط بسبب مراكز البيانات، بل أيضاً بفضل قطاعات التكنولوجيا الإبداعية، والتكنولوجيا المالية، وغيرهما من المجالات التقنية القادرة على الاستفادة من التحولات الجديدة.

التعليم والتدريب

حرص براينت على تسليط الضوء على العلاقة التعليمية بين بريطانيا والخليج التي وصفها بـ«القوية للغاية».

وقال إنَّ لندن حريصة على استكشاف سبل تدريب الشباب الخليجي، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بتنويع الاقتصاد. واستشهد براينت بالسعودية مثالاً على الفرص التي يتيحها التعاون في مجال تنمية المهارات، قائلاً: «تتحدَّث المملكة العربية السعودية عن حاجتها إلى 600 ألف شخص للعمل في قطاع السياحة الذي تسعى إلى تطويره بشكل كبير في إطار تنويع اقتصادها».

وزير التجارة البريطاني كريس براينت والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في حفل توقيع بـ«داونينغ ستريت» يوم 20 مايو (رويترز)

وأضاف: «أعلم أننا في المملكة المتحدة نقدِّم بعضاً من هذا النوع من التدريب بصورة جيدة، ونريد أن نبحث سبل توسيع هذا التعاون بشكل مشترك».

وأشار إلى أنَّ بريطانيا تمتلك خبرةً في التدريب المرتبط بالسياحة والضيافة، وترغب في توسيع التعاون مع دول الخليج في هذا المجال. كما لفت إلى أنَّ أعداداً كبيرة من الشباب السعوديين والإماراتيين والبحرينيين يدرسون إما في المملكة المتحدة، وإما ضمن برامج تؤدي إلى الحصول على مؤهلات بريطانية داخل الخليج.

شراكة تتجاوز التجارة

عدَّ براينت أنَّ اتفاقية التجارة الحرة تنقل العلاقة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي إلى مستوى جديد، لافتاً إلى أنَّ حرب إيران لم تمنع التَّقدُّم في مسار المفاوضات. وبالتوازي مع أهمية الاتفاق التجاري مع دول المجلس، شدَّد الوزير البريطاني على أهمية العلاقات الثنائية بين لندن وشركائها الخليجيين.

وفي هذا السياق، ضرب الوزير البريطاني مثالاً بالسعودية، مشيراً إلى أنَّ بلاده تبحث مع الرياض كيفية المساهمة في الاستعدادات الخاصة بكأس العالم. وقال إنَّ المجالات التي يمكن أن تُقدِّم فيها بريطانيا خبرتها، تشمل تنظيم حفلَي الافتتاح والختام، وإدارة مناطق المشجعين، وأنظمة التذاكر، والجوانب الأمنية.

وأوضح أنَّ الخبرة البريطانية في تنظيم الفعاليات الكبرى لا تقتصر على الأمن بالمعنى الضيق، بل تشمل أيضاً تجربة الجماهير وإدارة الحشود، وضمان أن تكون الفعالية ممتعةً وآمنةً في الوقت نفسه.

عقد على «بريكست»

أحيت بريطانيا في 23 يونيو مرور 10 سنوات على استفتاء «بريكست»، الذي صوَّت فيه البريطانيون لمغادرة الاتحاد الأوروبي. وفي هذه الذكرى، قال براينت إن خروج بريطانيا من التكتل منحها القدرة على إبرام اتفاقات تجارية مستقلة، لكنه أوضح أنه لا ينظر إلى ذلك بوصفه «فائدة» مباشرة من «بريكست». وقال: «إن الأمر يشبه أن تقول إنه عندما تُفصَل من عملك يصبح لديك وقت أطول لتقضيه مع عائلتك، رغم أنَّك في الغالب كنت تفضِّل البقاء في وظيفتك».

وأضاف أن بريطانيا تسعى الآن إلى استكمال «أحجية التجارة الحرة» حول العالم، من خلال اتفاقات تقوم على التجارة الحرة والعادلة، مشيراً إلى إبرام لندن اتفاقات مع الهند وكوريا الجنوبية، ومفاوضات مع تركيا، إضافة إلى الاتفاق مع دول الخليج.

ولفت إلى أنَّ الاتحاد الأوروبي أبرم اتفاقاً مع الهند أيضاً، مرجِّحاً أن يسعى لاحقاً إلى طرق باب مجلس التعاون الخليجي.

تواتر رؤساء الوزراء

تزامنت المقابلة مع استعدادات في بريطانيا لاستقبال سابع رئيس وزراء خلال عقد، بعد استقالة كير ستارمر من منصبه، في مشهد يعكس وتيرة غير مسبوقة من تغيير ساكني «10 داونينغ ستريت»، ويطرح تساؤلات لدى شركاء لندن حول استمرارية سياستها الخارجية، والتزاماتها التجارية والدفاعية.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يغادر المنبر بعد إعلان استقالته يوم 22 يونيو (إ.ب.أ)

وأمام هذه المخاوف، شدَّد براينت على أنَّ الاتفاقية «تبرمها المملكة المتحدة، وليس شخصاً واحداً أو حكومة عابرة»، قائلاً: «الأمر لا يتعلق بي، بل يتعلق بالمملكة المتحدة، وهي تبرم اتفاقاً مع مجلس التعاون الخليجي». وأكد أنه أياً كان رئيس الوزراء في بريطانيا، فإنَّ الاتفاقية ستظل قائمةً بين المملكة المتحدة ودول الخليج، مؤكداً أنه «لا داعي للقلق بشأن ذلك».

ورداً على سؤال عمّا إذا كان يتوقَّع البقاء في منصبه بعد 3 أسابيع، وهو الموعد المتوقع لتسلّم رئيس الوزراء الجديد مهامه في حال لم يظهر منافس للمرشَّح الأوفر حظاً أندي بيرنهام، قال براينت إنَّ الأمر «ليس بيده»، مضيفاً بالعربية: «إن شاء الله».