تقرير: رهان كبير على انخفاض هائل جديد في قيمة العملة الصينية

احتياطيات بكين بـ3.5 تريليون دولار قد لا تكون كافية للحيلولة دون اضطراب واسع النطاق

نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)
نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)
TT

تقرير: رهان كبير على انخفاض هائل جديد في قيمة العملة الصينية

نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)
نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)

يفضل مارك ل. هارت الثالث، المستثمر في صناديق التحوط، أن يخوض رهانات استثمارية كبرى، على غرار ولاية تكساس الأميركية التي يسكنها.
ومنذ عام 2007، ضمت قائمة مراهنات هارت عالية المخاطر ومرتفعة العوائد في الوقت نفسه، انهيار سوق العقارات في الولايات المتحدة وإفلاس اليونان.
لكن ربما تكون أجرأ مقامرة يقدم عليها حتى الآن هي تلك التي يعول فيها على الصين. ويراهن السيد هارت على أن التخفيض المحدود للعملة الصينية، الذي نفذته بكي الشهر الماضي، ليس إلا مقدمة وفاتح شهية لتراجع هائل بنسبة 50 في المائة في سعر الرينمنبي. ويتوقع حدوث ذلك عندما يسحب المستثمرون أموالهم من الصين.
ومن شأن هذه الخطوة أن تسفر عن تفاقم الاضطرابات في عملات الأسواق الناشئة - بدءًا من كوريا الجنوبية إلى تركيا والبرازيل - وتؤدي إلى تراجع عالمي مستدام مع توقف الصين عن الاقتراض النهم.
وبحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، فقد خلص عدد متنام من المستثمرين، من أمثال هارت، إلى أن قوة الدولار سيكون لها تأثير مدمر ليس على الصين فحسب، بل على الأسواق الناشئة في العموم. ويرى هؤلاء المستثمرون أن تريليونات الدولارات التي هرولت وراء الفرص الاستثمارية المحفوفة بالمخاطر في الصين والبرازيل وتركيا وبلدان أخرى تخرج سريعًا. كما يتوقعون أن تزداد وتيرة خروج هذه الأموال عندما يقرر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي رفع أسعار الفائدة في نهاية المطاف.
ويقولون إن النتيجة ستكون انهيار العملات وإفلاس الشركات وتباطؤا مستمرا في النمو على مدار الأعوام القليلة المقبلة. وكانت عملات الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها البرازيل وتركيا والمكسيك وجنوب أفريقيا، قد واصلت تراجعها هذا الأسبوع.
وحقق جون. بربانك الثالث، وهو مستثمر مخضرم في الأسواق الناشئة في صندوق التحوط «باسبورت كابيتال»، أرباحًا طائلة هذا العام، عندما راهن على تراجع أسعار السلع وانهيار عملات وبورصات الأسواق الناشئة.
وذكر تقرير أعده «إتش إس بي سي» عن كبار مديري صناديق التحوط أن صندوق «غلوبال استراتيجي» الذي يديره بربانك ارتفع بواقع 29 في المائة حتى يوليو (تموز) من هذا العام. وسجل صندوق الفرص الخاصة ارتفاعا بلغ 14.5 في المائة حتى شهر أغسطس (آب) المنصرم. وصرح بربانك في مقابلة منفصلة مع محطة «ريال فيجن» بأن «الأسواق الناشئة يجري تسييلها»، متوقعًا استمرار هذا التوجه مع مواصلة سحب المستثمرين لأموالهم من تلك الاقتصادات.
ويقوم هذا الطرح الاستثماري على الاعتقاد بأن خفض قيمة العملة الصينية بنسبة 3 في المائة الشهر الماضي ليس مجرد إجراء لمرة واحدة، كما يشير الكثير من المحللين.
وعوضًا عن ذلك، يعتقد هؤلاء المستثمرون أن الصين التي سجلت نشاطًا محمومًا من الاقتراض والاستثمار - مول معظمه مقرضون بالدولار - تشهد هرولة إلى سحب الأموال من البنوك على غرار ما حدث في الدول الآسيوية عام 1997 عندما انهارت عملاتها شبه المرتبطة بالدولار.
في الربع الأول من هذا العام، خرجت 109 مليارات دولار من البنوك الصينية إلى مؤسسات في الخارج، حسبما يكشف بنك التسويات الدولية الذي يعد دار المقاصة للبنوك المركزية في العالم. كما يعتقد المستثمرون أن احتياطيات الصين من النقد الأجنبي والتي تبلغ 3.5 تريليون دولار، مقابل 4 تريليونات دولار العام الماضي، لن تكون كافية للحيلولة دون اضطراب واسع النطاق في عملتها.
ويقول تيم لي من شركة الأبحاث «بي إكونوميكس»، ومقرها غرينويتش بولاية كونيتيكت الأميركية، إن المقترضين في الأسواق الناشئة استدانوا 3 تريليونات دولار من القروض الدولارية الرخيصة خلال العقد الأخير الذي شهد تساهلاً تنظيميًا مفرطًا من جانب البنوك المركزية.
لقد كانت الصين في صدارة هذا النشاط المعروف باسم «تجارة المناقلة»، والذي تستدين بموجبه الشركات والدول من مقرضين دولاريين، ثم تستثمر تلك الأموال في أصول ذات عوائد مرتفعة بالعملات المحلية، مثل العقارات والسلع والاستثمارات الضخمة.
وتتسم هذه الأنشطة بالربحية العالية، ما دامت معدلات الفائدة في الولايات المتحدة حافظت على انخفاضها، وعملات الأسواق الناشئة حافظت على قوتها. لكن هذه الأرباح تتبخر مع زيادة معدلات الفائدة الأميركية وتراجع قيم العملات المحلية، مما يتسبب في هروب المستثمرين، كما هو الحال في بلدان مثل تركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا.
ويقدر السيد هارت حجم «تجارة المناقلة» في الصين بنحو تريليوني دولار، في ما يعد الرقم الأعلى بين المقترضين في الأسواق الناشئة. وتقوم رؤيته منذ البداية على أن الدولارات التي ضخت داخل الصين - لتمول معدل استثمار يبلغ 50 في المائة من إجمالي الاقتصاد - ينبغي في النهاية أن تذهب مرة أخرى في الاتجاه العكسي. ويقول السيد هارت إنها «أكبر تجارة مناقلة في التاريخ الحديث.. لا يوجد نظير لها ولو من بعيد».
ومن أجل حساب قدرة الصين على الحيلولة دون انهيار الرينمنبي، ركز السيد هارت على معيار مالي غامض اجتذب مؤخرًا اهتمامًا متزايدًا من جانب المحللين الذين يحاولون قياس الضعف الذي أصبحت عليه عملات الأسواق الناشئة.
ويراجع هذا المقياس نسبة الاحتياطيات الدولارية في بلد ما إلى جميع الأموال قصيرة الأجل التي يتعين عليها سدادها عند الطلب، مثل الودائع المصرفية.
وفي حالة نشوب أزمة عملة، تلوذ مثل هذه الودائع بالفرار. وهكذا تصبح الاقتصادات، التي تمتلك نسبة كبيرة من الاحتياطيات النقدية مقارنة بتلك الخصوم الكبيرة، في أفضل وضعية للدفاع عن عملاتها المحلية.
ويشير تقرير صدر مؤخرًا عن مجموعة من خبراء الاقتصاد في وحدة السندات في شركة «برودينشيال» إلى أن نسبة الاحتياطي الأجنبي في الصين - أو الصافي النقدي المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل، مما يضعها إلى جوار بلدان من المعروف أنها عرضة لهروب رؤوس الأموال، مثل البرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا.
ويقول يورغين أوينوس، كبير الخبراء الاقتصاديين في «برودينشيال فيكسيد إنكم»: «إذا حدثت هرولة لسحب العملة، فسيرغب الجميع في تحويل ما يمتلكونه من اليوان إلى دولارات». واليوان هو إشارة مختصرة إلى العملة الصينية. ويضيف: «وعلى ذلك الأساس، الصين بما تملكه من احتياطيات للنقد الأجنبي ليست مصنفة بين البلدان الأقوى في هذا المجال».
ومنذ بدأ الدولار رحلة الصعود قبل نحو عام، فقدت الليرة التركية 35 في المائة من قيمتها، بينما انخفض الريال البرازيلي 65 في المائة، وهبط الدولار الجنوب أفريقي 20 في المائة.
لكن الكثير من المحللين يدفعون بأن ضعف عملات البلدان التجارية المنافسة للصين هو إشارة دالة أخرى على أن بكين سوف تمعن في تخفيض لعملتها المحلية. لقد تراجع الين الياباني بواقع 60 في المائة أمام الدولار منذ 2012، بينما خسر كل من الوون الكوري الجنوبي والدولار التايواني أكثر من 10 في المائة من قيمتهما على مدار العام الماضي.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا يكون تعديل سعر العملة الصينية بنسبة 3 في المائة ذا أي جدوى على صعيد تحسين تنافسية صادراتها، حسبما يؤكد جوليان بريغدين من شركة الأبحاث المستقلة «ماركو إنتيليجينس 2 بارتنرز» ومقرها ولاية كولورادو الأميركية.
بالطبع، لا يضمن امتلاك المرء لفكرة لامعة أن تدر عليه المال. فهارت، الذي جنى عائدات بلغت 500 في المائة و200 في المائة من مضارباته العقارية والأوروبية، لم يطلق بعد رهانه الصيني رغم الإعلان عنه في 2010. وربما يضعف إحجام بنك الاحتياطي الفيدرالي عن زيادة معدلات الفائدة الدولار الأميركي، ويرفع الضغط عن كاهل الصين وبقية عملات الأسواق الناشئة.
لكن هارت (43 عامًا) لديه نهج مختلف مقارنة بغالبية مديري صناديق التحوط الآخرين، إذ يتمركز في موطنه بتكساس الذي ينسب إليه الفضل في إبعاده وفريقه عن فخاخ التفكير الجمعي التي تميز مراكز صناديق التحوط التقليدية في نيويورك ولندن.
ويعد هارت مستثمرًا كليًا تقليديًا، حيث يحدد الفكرة الرئيسية ويجمع المال من الأفراد الأثرياء والمؤسسات ثم يرد المال، بغض النظر عما إذا كان رهانه قد عاد عليه بالربح أم لا.
وهكذا لا يربح الرجل الأربعيني من مجرد الجلوس فوق كومة من الأصول، ولكن عندما يفلح الرهان ويحق له أن يأخذ نسبة من العائد. ويدور رهانه الصيني بالأساس حول شراء مشتقات العملة والتي تدر عليه الربح عندما يفقد الرينمنبي قيمته أمام الدولار. ويقول هارت: «أعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من التراجع في اليوان».



استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
TT

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)

قال مدير عام شركة تسويق المنتجات النفطية (سومو) العراقية، الاثنين، إنه تم استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر خط الأنابيب العراقي - التركي إلى ميناء «جيهان» وكذلك عبر الطرق البرية.

وأضافت الشركة: «ندرس العروض المقدمة من بعض شركات النقل البحرية المحلية والعالمية لنقل النفط عبر المنافذ الحدودية الجنوبية».

ودعت الشركة وزارة النفط العراقية، إلى ضرورة تكثيف الجهود لغرض تصدير النفط والمنتجات النفطية.


ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».