كيف توحدت التيارات الإسلاموية حول خيار الحرب؟

(تحليل إخباري) مجموعة «كوبر» بقيادة البشير تراهن على «انقلاب»... ومجموعة «قوش ـ كرتي» تناصر الجيش

دخان المعارك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
دخان المعارك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

كيف توحدت التيارات الإسلاموية حول خيار الحرب؟

دخان المعارك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
دخان المعارك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

صباح السبت، الخامس عشر من شهر أبريل (نيسان) 2023، يشكل علامة مفصلية في تاريخ السودان السياسي المعاصر، إذ إن وقوع المواجهة المسلَّحة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ليس مجرد تنافس تقليدي على السلطة بين جنرالين، بل هو المرحلة الأخيرة في مشروع «الثورة المضادة» الذي عكف عليه الإسلامويون، منذ سقوط نظامهم بقيادة عمر البشير، في الثورة الشعبية في 11 أبريل 2019.
هذا لا ينفي، طبعاً، أن لكل من البرهان وحميدتي رغبة حقيقية في الانفراد بالحكم، ولكن، وفق فرضية هذه المقالة، فإن الحرب الدائرة حالياً صنَعها ما يسمى «التيار الإسلامي العريض» الذي يضم القيادات الرئيسة في نظام البشير، مضافاً إليها جماعات متطرفة حليفة.
- الإسلامويون والرهان العسكري
منذ أن صوَّت مجلس شورى «الجبهة الإسلامية القومية» لصالح الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري ضد حكومة رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي، وتنفيذه بقيادة عمر البشير، في 30 يونيو (حزيران) 1989، أصبحت الأجهزة العسكرية والأمنية الخاصة هي النواة الصلبة للتنظيم الإسلاموي، والعقل المتحكم في مصيره، والمركز الذي يدير صراعاته وانقساماته. ومع بلوغ النفوذ الإسلاموي ذروته في الجيش والشرطة عبر سياسة التمكين، وتنامي التشكيلات العسكرية الموازية، كـ«الدفاع الشعبي»، و«الشرطة الشعبية»، و«الأمن الشعبي»، و«كتائب الظل»، وتطور جهاز الأمن إلى دولة داخل الدولة، تحولت هذه الترسانة الأمنية والعسكرية، بعد أن أكملت قمع وإقصاء خصوم النظام، إلى آلية ترجيح وحسم في صراع السلطة، حتى داخل التنظيم الإسلاموي نفسه.
وتأسيساً على ذلك، انتصر تيار البشير على تيار الدكتور حسن عبد الله الترابي، ثم انتصر البشير مجدداً على المجموعة التي اصطفّت معه ضد الترابي، ممثَّلة بقيادات المؤتمر الوطني البارزة، وعلى رأسها علي عثمان محمد طه، ونافع علي نافع. وفي سياق تثبيت البشير حكمه، وردع أي تحرك ضده من الضباط الإسلامويين في الجيش، أسس قوات «الدعم السريع» في أغسطس (آب) عام 2013، وأصبحت تابعة لجهاز الأمن والمخابرات.
وفي يناير (كانون الثاني) 2017، صدر قرار بإلحاق «الدعم السريع» بالجيش السوداني، ما اقتضى خضوعها لقانون القوات المسلَّحة، إلا أنها ظلت تتمتع باستقلال مالي وإداري وعسكري؛ بسبب تبعيتها، بشكل مباشر، للقائد الأعلى للجيش «عمر البشير» حينها، الذي كان يردد، في خطاباته العامة، عبارة «حميدتي حمايتي» بوصفه تهديداً لأي تحرك ضده من إسلاميي الجيش.

عمر البشير (أ.ف.ب)  -  علي عثمان طه  -  أحمد هارون

- تيارات الإسلامويين بعد الثورة
لكن، بعد الثورة السلمية، التي بدأت في ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأطاحت بالبشير في 11 أبريل 2019، هل ظلت فكرة السيطرة على الحكم باستخدام القوة العسكرية، مسيطرة على الإسلامويين؟
طرحتُ هذا السؤال على الكاتب الصحافي «أبو ذر علي الأمين»، وهو جزء من التيار التجديدي في حركة الإسلام السياسي، وكان مشاركاً وشاهداً على جانب مهم من انقسام «حزب المؤتمر الوطني» في 1999، فيما عُرف بالمفاصلة، فأجاب: «لا توجد الآن حركة إسلامية في السودان يوحّدها فكر أو برنامج سياسي، بل توجد تيارات متصارعة على السلطة، تشترك في كونها مرتبطة بالجهاز الخاص (الأمني العسكري)، الذي نجح في عسكرة الحركة تماماً، ويسعى للسلطة بالاعتماد على الوسائل العسكرية التي خبَرها على مدى ثلاثين عاماً».
في هذا السياق، يؤكد أبو ذر أن الجيش، الذي يراهن عليه الإسلاميون، الآن، في إعادتهم إلى السلطة، ويدعمونه في حربه على «الدعم السريع»، لن يحقق لهم هذا الهدف؛ لأن لديه - أي الجيش - طموحه الخاص في الانفراد بالحكم، ومن ثم فلا بد أن يتوحد جميع المدنيين، بمن فيهم الإسلاميون، لانتزاع الحكم المدني.
- مجموعتان خلف الجيش وتيار على الرصيف
بعد تشكيل المجلس العسكري الانتقالي، في 13 أبريل 2019، برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، انقسم الإسلامويون إلى مجموعتين إزاء الوضع السياسي الجديد، ممثلاً في الفترة الانتقالية التي جرى الاتفاق على أن يستبعد منها «حزب المؤتمر الوطني»، والأحزاب التي ظلت مشارِكة في حكومة البشير حتى تاريخ سقوطه.
المجموعة الأولى هي «مجموعة كوبر» (نسبة إلى سجن كوبر الشهير الذي يقبع فيه رموز النظام البائد)، تتبنى موقفاً راديكالياً يهدف إلى الإطاحة عسكرياً بالنظام الذي تَشكَّل بعد الثورة، وتضم أهم قيادات «حزب المؤتمر الوطني»، وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير، ونائبه الأول علي عثمان محمد طه، ومساعده نافع علي نافع، ومعهم أحمد هارون، وعبد الرحيم محمد حسين، وعوض أحمد الجاز، ومدير جهاز الأمن السابق محمد عطا. وتمكنت هذه المجموعة، رغم وجودها في سجن «كوبر»، من إجراء الاتصالات، وتدبير أول انقلاب عسكري بعد الثورة، في يوليو (تموز) 2019، بقيادة الفريق أول هاشم عبد المطلب، رئيس هيئة أركان الجيش. وقد فشلت المحاولة وحُكم على منفّذيها بالسجن، بعد محاكمة عسكرية.

علي كرتي  -  عوض بن عوف  -  صلاح قوش

كما أعلنت القوات المسلحة إحباط محاولة انقلابية، في سبتمبر (أيلول) 2021، بقيادة اللواء عبد الباقي حسن بكراوي، الذي شغل عدداً من المناصب في صفوف الجيش السوداني، خلال فترة حكم البشير.
مجموعة «كوبر» ذات أفق سياسي مسدود، إذ إنها تراهن على الانقلاب وعلى تحالف دولي مع روسيا والصين، وتحالف إقليمي مع إيران، وتتجاهل عدم صلاحية البشير، المطلوب لـ«محكمة الجنايات الدولية»، والذي كان يشكل عبئاً سياسياً، حتى على الإسلامويين قبل الثورة، إذ تعالت أصوات بعضهم بضرورة عدم ترشحه لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2015، وتكرر الأمر في انتخابات 2020.
أما المجموعة الثانية فيقودها علي كرتي، قائد قوات «الدفاع الشعبي»، وأبرز عناصرها مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق صلاح قوش، ووزير الدفاع في عهد البشير عوض ابن عوف، والضابط عماد عدوي، وتتبنى فكرة التحالف مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وإضعاف الفترة الانتقالية بعمل منهجي لتقسيم قوى الثورة، وعلى رأسها «تحالف الحرية والتغيير»، و«لجان المقاومة»، ومحاربة «لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو»، وعرقلة أي إصلاحات للجهاز العدلي، واستعادة النفوذ الإسلاموي في مفاصل الدولة، والدفع باتجاه خيار الانتخابات المبكرة، دون إصلاحات تضمن نزاهتها.
وقد ارتفعت أسهم هذه المجموعة، واتسعت قاعدتها وسط الإسلامويين، بعد الانقلاب العسكري على حكومة «الحرية والتغيير»، برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، إذ ألغى هذا الانقلاب قرارات «لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو»، وأعاد عناصرَ نظام البشير إلى مواقع مهمة في القضاء والخدمة المدنية، وأعاد إليهم الأموال المصادَرة منهم، في إطار عملية إزالة التمكين.
خارج هاتين المجموعتين، يوجد تيار من المثقفين والأكاديميين والقوى الشبابية والحزبية ذات التوجه الإسلامي، بعضهم يطلق عليه اسم «تيار الرصيف»، والبعض الآخر منخرط فيما يسمى «التيار الإسلامي العريض»، الذي يضم إلى جانب مجموعة «كوبر»، ومجموعة «كرتي»، حركة «الإصلاح الآن»، وجماعات سلفية بعضها متطرف؛ مثل حركة محمد علي الجزولي.
- الاتفاق الإطاري يوحد المجموعتين
وتتبنى كلتا المجموعتين موقفاً معادياً لقوى الثورة، وتعمل على تدمير الفترة الانتقالية، كما ترغب كلتاهما في التخلص من «الدعم السريع» نهائياً. وكان الاختلاف الرئيس بينهما حول وسيلة تحقيق ذلك: هل عبْر انقلاب عسكري، أم عبر دعم انقلاب البرهان، وتحييده لصالح الأجندة الإسلاموية؟ وبعد نجاح الاحتجاجات الشعبية والضعوط الدولية في إفشال انقلاب 25 أكتوبر، وتدشين عملية سياسية جديدة أسفرت عن توقيع القوى السياسية الرئيسية وقيادتي الجيش و«الدعم السريع»، الاتفاق الإطاري، في 5 ديسمبر 2022، الذي ينص على خروج المؤسسة العسكرية من العمل السياسي، وكان من المفترض أن يتطور إلى اتفاق نهائي يتضمن تفاصيل حول العدالة الانتقالية، والإصلاح الأمني والعسكري، وإزالة التمكين، وقضايا السلام وشرق السودان، توحدت المجموعتان في رفض «الاتفاق الإطاري»، وقامت بالتعبئة ضده، واستنفار العناصر الإسلاموية في الجيش ضد العملية السياسية، ورجحت كفة خيار مجموعة «كوبر» في الانقلاب العسكري، وفي هذا الإطار ضغطت العناصر الإسلاموية في الجيش على البرهان في اتجاه اشتراط دمج «الدعم السريع» في الجيش، في مدى زمني قصير، لقبول التوقيع على الاتفاق، وبرزت، بقوة، خلافات البرهان وحميدتي الذي انحاز للاتفاق الإطاري بقوة.
معطيات الواقع السوداني تؤكد، حتى الآن، أن التيار الغالب وسط الإسلامويين هو التيار الانقلابي العنيف الذي لعب دوراً مفتاحياً في إشعال الحرب الدائرة حالياً.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

محكمة تونسية تأمر بسجن المعارِضة عبير موسي 10 سنوات

صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
TT

محكمة تونسية تأمر بسجن المعارِضة عبير موسي 10 سنوات

صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)

أصدرت محكمة استئناف تونسية في وقت متأخر من ليلة الجمعة، حكماً بسجن رئيسة «الحزب الدستوري الحر» عبير موسي، 10 سنوات، بعد جلسة محاكمة استمرت ساعات عدة، حسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الألمانية».

وأودعت عبير موسي -وهي محامية وسياسية معارضة للرئيس قيس سعيد- السجن منذ 23 من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وتعود القضية إلى عام 2023 عندما تقدمت عبير موسي بتظلُّم ضد مراسيم أصدرها الرئيس سعيد قبل الانتخابات الرئاسية، عند مكتب الضبط بالقصر الرئاسي، قبل أن تعتقلها قوات الأمن وتودعها السجن بتهمة «الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة وإثارة الهرج». كما تواجه رئيسة الحزب تهمتَي تعطيل حرية العمل، واستخدام معطيات شخصية دون إذن صاحبها.

ونفت هيئة الدفاع وجود جرائم مرتكبة، وأعلنت أنها ستلجأ إلى الطور التعقيبي. وقال عضو الهيئة والقيادي بالحزب، كريم كريفة، إن «هيئة الدفاع ترافع في لا جريمة». وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت حكمها الأول بالسجن 12 عاماً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قبل أن تطعن فيه هيئة الدفاع.

وصدرت الأحكام في جلسة الجمعة، وسط اعتراضات عدد كبير من المحامين وقياديي الحزب الذين تجمعوا خارج المحكمة حتى وقت متأخر في الليل.

ويقبع في السجن عشرات من السياسيين المعارضين، ونشطاء، ورجال أعمال، بتهمة التآمر على أمن الدولة، وهي تهم تعتبرها المعارضة «ملفقة وسياسية»، كما تتهم السلطة التي يقودها الرئيس سعيد بترسيخ نظام حكم فردي.

ويتهم الرئيس سعيد الذي فاز بولاية ثانية من 5 سنوات في 2024، خصومه، بمحاولات تفكيك مؤسسات الدولة من الداخل، وإشاعة الفوضى.


مصر تعزز «أمن الطاقة» بتنويع مصادر توفير الاحتياجات المحلية

وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)
وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تعزز «أمن الطاقة» بتنويع مصادر توفير الاحتياجات المحلية

وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)
وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)

تعزز مصر «أمن الطاقة» عبر تنويع مصادر توفير احتياجاتها المحلية تزامناً مع تصاعد الحرب الإيرانية. وتحدثت الحكومة عن جهود لتحفيز الاستثمار وزيادة الاكتشافات الجديدة «بما يسهم في خفض فاتورة استيراد الغاز، وبخاصة في ظل التحديات الراهنة».

وقال وزير البترول المصري، كريم بدوي، الجمعة، إن وزارته تعمل على تطبيق نماذج اقتصادية مرنة لتسويق المناطق البترولية والغازية المطروحة للاستثمار، بما يعزز جاذبيتها لشركات البحث والاستكشاف العالمية.

وأوضح خلال الجمعية العامة لـ«الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية» (إيجاس)، أن «الشركة تؤدي دوراً محورياً في تأمين واستدامة إمدادات الغاز الطبيعي لكل قطاعات الدولة، وفي مقدمتها محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية والمنازل»، مؤكداً «أهمية الاستعداد المبكر لفصل الصيف من خلال الإسراع بربط الآبار الجديدة على خريطة الإنتاج، إلى جانب تكثيف أعمال صيانة الآبار».

أستاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي، يرى أن «التحركات المصرية تأتي لتأمين الطاقة في ظل الحرب بالمنطقة». ويضيف أن قطاع البترول من وقت لآخر يعمل تنشيطاً لكل الشركاء الأجانب؛ لكن يمكن التوقيت الآن مهم جداً، وبخاصة أن هناك كثيراً من المشروعات يتم إنجازها تحت مظلة الشركة القابضة للغازات (إيجاس)».

ويتابع: «مشروعات معظمها غاز طبيعي في البحر المتوسط، سواء (شل) التي تنفذ مشروعها (غرب مينا)، و(إيني) الإيطالية التي تعمل على زيادة حفر آبار حقل (ظُهر)، وهناك عمليات بحث واستكشاف تقوم بها (إيني) من خلال استخدام الحفار (القاهر 1)، فضلاً عن عمليات بحث وتنقيب في الصحراء الغربية لشركة (أباتشي)».

ويضيف القليوبي لـ«الشرق الأوسط»، أن «كثيراً من هذه الاستكشافات يحارب الوقت لزيادة عملية الاكتشاف، وفي الوقت نفسه، تنمية الآبار لربطها بالشبكة من أجل تقليل فاتورة الاستيراد». ويشير إلى أن «قطاع البترول مستمر في دعم قطاع الكهرباء وقطاعات الصناعات، وما تحتاجه مصر من الغاز الطبيعي، وهناك تعاقدات مع شركة (غازبروم) الروسية، وأخرى نيجيرية، وكذا تعاقدات مع أستراليا».

السيسي شدد خلال اجتماع حكومي الأربعاء على ضرورة الحفاظ على انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية (الرئاسة المصرية)

وأكد وزير البترول المصري، الجمعة، «أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بسداد المتبقي من مستحقات شركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز، تمثل رسالة ثقة قوية للمستثمرين في هذا القطاع».

وشدد السيسي خلال اجتماع حكومي، الأربعاء، على «ضرورة الحفاظ على انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية للتحفيز نحو زيادة الاستكشافات والإنتاج»، وأكد حينها «ضرورة وضع آلية لتطوير أعمال البحث والاستكشاف والتنمية بما يُسهم في تلبية الاحتياجات المحلية وتقليل الاستيراد».

كما دعا الرئيس المصري في اجتماع آخر مطلع مارس (آذار) الحالي، إلى تأسيس وتجهيز بنية تحتية متكاملة لاستقبال الواردات من الغاز المسال، واستقدام وتشغيل «سفن التغييز».

وبحسب القليوبي، فإن «قطاع البترول ما زال مستمراً في التعاقد مع سفن التغييز الثلاث»، قائلاً: «واحدة منها تجري صيانة حالياً»، ويوضح أن «مصر بصدد أن تكون منظومة سفن التغييز جاهزة في أي وقت يحتاجه قطاع البترول، وبخاصة أن مستويات العجز لدى القطاع خلال عام 2026، بلغت نحو 1.8 مليار قدم مكعب».

الوزير بدوي، أشار الجمعة، إلى أن «الأحداث الجارية في الشرق الأوسط وتداعياتها على إمدادات الطاقة أكدت أهمية منظومة سفن التغييز، بوصف ذلك حلاً استراتيجياً عاجلاً لتأمين احتياجات الدولة من الغاز الطبيعي المسال المستورد، بما يدعم استقرار الإمدادات وتلبية احتياجات مختلف القطاعات، خصوصاً في أوقات الأزمات».

وقال أستاذ هندسة البترول والطاقة إن «مصر تستورد 1.8 مليون طن منتجات بترولية، وسفن الوقود عندها القدرة على التغييز لمستويات تصل إلى نحو 2.7 مليار قدم مكعب غاز يومياً، وبالتالي هي تكفي وتوفي الغرض».

«سفينة تغيير» بميناء الإسكندرية في أغسطس (آب) الماضي (وزارة البترول المصرية)

رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، كان قد تحدث في تصريحات الشهر الحالي، عن أن «الحكومة عملت منذ شهور على وضع خطط استباقية لتأمين ملف الطاقة وعدم الاكتفاء بسياسة ردّ الفعل، واتخذت إجراءات مهمة لتوفير كل الإمدادات المطلوبة من الغاز والبترول لضمان انتظام الكهرباء والصناعة، حتى في ظل الأزمات العالمية».

في سياق ذلك، استعرض العضو المنتدب التنفيذي لشركة «إيجاس»، سيد سليم، خلال الاجتماع مع وزير البترول، الجمعة، ملامح خطة 2026 - 2027، وتتضمن طرح مزايدة جديدة للبحث عن الغاز خلال عام 2026 في عدد من قطاعات غرب البحر المتوسط، إلى جانب حفر 17 بئراً استكشافية خلال العام المالي المقبل، والبدء في تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع المسح السيزمي بشرق المتوسط خلال النصف الثاني من العام.

في المقابل، يرى أستاذ هندسة البترول، خبير أسواق الطاقة، رمضان أبو العلا، أن «الواقع يشير إلى أنه لم يتم الإعلان عن اكتشافات مؤثرة تزيد الاحتياطي الاستراتيجي المصري منذ عام 2015 عندما تم الإعلان عن اكتشاف حقل (ظُهر)»، متمنياً «تحقيق اكتشافات مؤثرة تزيد الاحتياطي الاستراتيجي المصري».

لكنه تحدث عن «جهود الحكومة المصرية عندما تغلبت على أزمة توقف إسرائيل عن إمدادات مصر بالغاز الطبيعي العام الماضي، حيث تستورد مصر نحو مليار و100 مليون قدم مكعب يومياً من إسرائيل».

سفينة الحفر «STENA ICEMAX» عقب وصولها إلى مصر لبدء تنفيذ برنامج «شل» لحفر 4 آبار جديدة للغاز (أرشيفية - وزارة البترول)

ويضيف أبو العلا لـ«الشرق الأوسط»: «استطاعت مصر التغلب على توقف الغاز الإسرائيلي حينها، ووضعت خطة لاستيراد كميات محددة من الغاز المسال والاستعانة بـ4 سفن تغييز، طاقة كل واحدة منها 750 مليون قدم مكعب، بمعنى أنها تفوق الكميات التي يتم استيرادها من إسرائيل».

ويشير إلى أن «الجانب السلبي في هذا الأمر، أن أسعار الغاز عن طريق الأنابيب نحو 7 دولارات للمليون وحدة حرارية بريطانية، أما الغاز الذي يتم استيراده عن طريق السفن وناقلات الغاز ويتم تغييزه في مصر، يُكلف نحو 11 دولاراً للمليون وحدة حرارية بريطانية».

وأعلن مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء، البدء في تنفيذ عدد من إجراءات الترشيد داخل الجهات الحكومية وبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، مع مراجعة أنماط التشغيل في عدد من المشروعات والخدمات التي تعتمد بصورة كبيرة على السولار والمازوت والبنزين.


تراجع وتيرة «شاحنات المساعدات» لغزة جراء تداعيات الحرب الإيرانية

عبور مساعدات إنسانية وإغاثية عبر معبر رفح (الهلال الأحمر المصري)
عبور مساعدات إنسانية وإغاثية عبر معبر رفح (الهلال الأحمر المصري)
TT

تراجع وتيرة «شاحنات المساعدات» لغزة جراء تداعيات الحرب الإيرانية

عبور مساعدات إنسانية وإغاثية عبر معبر رفح (الهلال الأحمر المصري)
عبور مساعدات إنسانية وإغاثية عبر معبر رفح (الهلال الأحمر المصري)

تراجعت وتيرة المساعدات الإغاثية والإنسانية لقطاع غزة، جراء تداعيات الحرب الإيرانية، في ظلِّ تضييقات إسرائيلية على حركة الشاحنات، كان من بينها غلق معبر رفح من الجانب الفلسطيني.

وتضاءل عدد شاحنات الإغاثة العابرة إلى القطاع، وفق تقديرات مسؤولين بجمعيات ومؤسسات إغاثية ومدنية، أشاروا إلى أن «حصيلة عبور المساعدات لا تُقارن بما جرى الاتفاق عليه في (اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع)؛ نتيجة عدم التزام الجانب الإسرائيلي». وقالوا إن «الوضع ازداد سوءاً مع إغلاق المعابر المؤدية للقطاع لأيام عدة، في ظلِّ المواجهات العسكرية مع إيران».

وأغلقت تل أبيب المعابر المؤدية إلى قطاع غزة في أعقاب حرب إيران، وقال مكتب منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، حينها إنه «تم تنفيذ كثير من الخطوات الأمنية الضرورية، بما في ذلك إغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، ومنها معبر رفح، حتى إشعار آخر».

وكانت إسرائيل قد أعادت فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني، في فبراير (شباط) الماضي أمام حركة الأفراد، إلا أنَّها فرضت قيوداً جديدة على حركة المساعدات الإنسانية، رغم النداءات الدولية بضرورة دعم القطاع، الذي يعاني من أزمات إنسانية منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، انتقد «استمرار القيود الكثيرة المفروضة على المساعدات الإنسانية»، وقال في تدوينة على منصة «إكس»، مساء الخميس: «لا يزال سكان غزة يعانون معاناة شديدة، مع تصاعد مقلق لأنشطة الاستيطان الإسرائيلية» في الضفة الغربية. وشدَّد على أن «الوصول الإنساني يجب أن يكون آمناً ومستداماً ودون عوائق، ويجب إنهاء الاحتلال».

وزاد إغلاق الجانب الإسرائيلي للمعابر من الأزمة الإنسانية القائمة في غزة، وفق تقدير رئيس «الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني»، صلاح عبد العاطي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «إسرائيل لم تلتزم بنسبة الشاحنات اليومية إلى القطاع التي نصَّ عليها اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي».

ويشير عبد العاطي، إلى «نسب عبور الشاحنات بالنسبة لاحتياجات القطاع، لا تتجاوز 20 في المائة للمواد الإغاثية والغذائية، ونحو 10 في المائة للأدوية، و5 في المائة للوقود»، إلى جانب «رفض عبور المساعدات اللوجيستية مثل البيوت المؤقتة»، ويوضح، أن ذلك «يضاعف من الضغوط الإنسانية على المدنيين، وعلى منظومة الخدمات بالقطاع».

ويعيش نحو 90 في المائة من سكان قطاع غزة على المساعدات الإنسانية والإغاثية، بحسب عبد العاطي. ويضيف أن «القيود الإسرائيلية مستمرة على عمل المنظمات الإغاثية داخل القطاع؛ ما يجعل غزة منطقةً غير صالحة للحياة»، ويشير إلى أن «تل أبيب لم تلتزم بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، خصوصاً ما يتعلق بالانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع، والسماح بدخول لجنة إدارة القطاع التي جرى تشكيلها أخيراً».

شاحنات الإغاثة خلال عبورها معبر رفح البري (الهلال الأحمر المصري)

وبلغ عدد قوافل «زاد العزة» التي يسيّرها «الهلال الأحمر المصري» إلى غزة نحو 155 قافلة، وحسب إفادة «الهلال»، الخميس، «جرى إطلاق القافلة مُحمَّلة بنحو 2720 طناً من المساعدات الإنسانية الشاملة، من سلال غذائية، ودقيق، ومستلزمات طبية وإغاثية، فضلاً عن المواد البترولية؛ لتشغيل المستشفيات والأماكن الحيوية بالقطاع».

وإلى جانب المساعدات الإغاثية، تتواصل جهود «الهلال الأحمر المصري» داخل قطاع غزة، لإفطار مليون صائم، من خلال تجهيز وتوزيع مليون وجبة إفطار ساخنة عبر مطبخ «زاد العزة الرمضاني».

وتواصل مصر تقديم مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، وتلبية احتياجات سكان القطاع في الشتاء، بحسب رئيس فرع «الهلال الأحمر المصري» في شمال سيناء، خالد زايد، الذي يشير إلى أن «المساعدات تركز خلال الفترة الأخيرة على تقديم وجبات إفطار للغزيين، ودعم سكان القطاع في مواجهة تقلبات الطقس في الشتاء». ويلفت إلى أن «العراقيل الإسرائيلية مستمرة أمام حركة الأفراد وشاحنات الإغاثة».

ويضيف زايد لـ«الشرق الأوسط» أنه «بغلق معبر رفح من الجانب الفلسطيني، توقَّفت عميلة عبور الأفراد والمرضى من القطاع».

ويتابع: أن «القيود الإسرائيلية تعرقل جهود علاج المرضى والمصابين الفلسطينيين، الذين يحتاجون للإجلاء بشكل عاجل»، مضيفاً: «إن الوضع الإنساني يتطلب استمرار ضغوط الوسطاء على الجانب الإسرائيلي».