بأي حال مرّ عيد العمال على اللبنانيين؟

من تظاهرة في بيروت بمناسبة عيد العمال في أول مايو (رويترز)
من تظاهرة في بيروت بمناسبة عيد العمال في أول مايو (رويترز)
TT

بأي حال مرّ عيد العمال على اللبنانيين؟

من تظاهرة في بيروت بمناسبة عيد العمال في أول مايو (رويترز)
من تظاهرة في بيروت بمناسبة عيد العمال في أول مايو (رويترز)

تعكس دعوة المدير العام لمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان والبقاع جان جبران للموظفين الذين يمارسون عملاً ثانياً، للاستقالة من وظيفتهم، ذروة الأزمة التي يعاني منها القطاع العام في لبنان لجهة الإنتاجية، والعجز عن اتخاذ أي إجراء بحق غير الملتزمين في ظل الظروف الحالية، حيث يعاني موظفو القطاع الرسمي من ضائقة معيشية بالغة، ما اضطرهم لإهمال الوظائف، وهو أمر ينعكس أيضاً على سير العمل ونوعية الخدمات في البلاد.
ومرّ عيد العمال أول من أمس (الاثنين) على الموظفين اللبنانيين مصحوباً بجملة تحديات مالية ووظيفية، حيث تفاقمت المعاناة، ولم تعد المطالب تقتصر على تحسين الأجور، بقدر ما تطالب بإجراءات هيكلية تعزز العمل في الإدارات العامة، وتمنح الموظفين ما يمكّنهم من البقاء على قيد الحياة، بموازاة صراع عمالي، منعاً لتحويل موظفي القطاع العام إلى مياومين، وصراع آخر لإعادة الحماية الاجتماعية من طبابة وتعليم إليه، على خلفية اشتداد الأزمة، وتدهور تلك الخدمات.
وأتاحت الأزمة للموظفين البحث عن مصادر رزق أخرى إلى جانب الوظيفة، بعد تدهور قيمة الرواتب إلى أكثر من 80 في المائة، فقد لجأ موظفون إلى أعمال أخرى خاصة أو وظائف رديفة، فيما تعاني الإدارة من نزيف الموظفين الذين هاجروا في حال توافرت الفرص لهم.
وأمام هذا الواقع، جاء نداء المدير العام لمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان والبقاع جان جبران لموظفين يمارسون أعمالاً أخرى، بالاستقالة الطوعية. ولم ينفِ جبران «الظروف المعيشية الصعبة التي تمر علينا جميعاً، خصوصاً أن أجور ورواتب العمال والموظفين أصبحت ضئيلة جداً مقابل الغلاء الفاحش، وانهيار العملة الوطنية، رغم بعض الزيادات التي حصلنا عليها».
وناشد جبران «الذين يمارسون عملاً ثانياً مع عملهم في المؤسسة، والذين لا يداومون بحجة عدم إمكانية الوصول إلى العمل، والذين لا يرغبون في الاستمرار في العمل في هذه الظروف الصعبة، أو الذين أنشأوا عملاً خاصاً بهم أو لأي سبب آخر، القيام بمبادرة شخصية ضميرية جريئة، بتقديم استقالتهم من العمل في المؤسسة، لإفساح المجال لدعم الذين بإمكانهم المواظبة في العمل بصدق وجدية».
وأعلن جبران أن «الإدارة تدرس مع المديرين ورؤساء الدوائر وضعية كل العمال، وتقييم حضورهم وإنتاجيتهم في العمل، ليُبنى على الشيء مقتضاه، خلال فترة أقصاها آخر شهر أغسطس (آب) من السنة الحالية»، طالباً من الموظفين «التفهّم والمساعدة للمصلحة العامة».
وبدا تصريح جبران مفاجئاً، لتزامنه مع عيد العمال الذي «يفترض أن يكون مساحة لحماية العمال وظيفياً والتضامن معهم في هذه الظروف»، وفق ما تقول مصادر العاملين في المؤسسة، فيما يتخوف مديرون فيها من أن «تسهم الدعوة لتأجيج حالة إضافية من الفوضى التي تعيشها المؤسسات، وفي المقابل يدفع ثمنها المواطن بتراجع إضافي في الخدمات».
وتحاول الحكومة اللبنانية تحسين رواتب الموظفين عبر مساعدات اجتماعية وتقديمات مالية، لتخفيف الأعباء عن موظفي القطاع العام، وتأمين استمراريتها واستمرارية الخدمات. فعلى مرحلتين، رفعت الرواتب إلى حدود 6 أضعاف، خلال عامين، بالتزامن مع تدهور قيمة العملة التي تراجعت قيمتها من 1500 ليرة للدولار الواحد، إلى مائة ألف ليرة للدولار الواحد. كما يتيح مصرف لبنان، استثنائياً، للموظفين قبض رواتبهم بالدولار الأميركي على سعر صرف 60 ألف ليرة عبر منصة «صيرفة» العائدة له، ما يعني رفع قيمة الرواتب نحو 40 في المائة، وذلك بعدما باتت معظم السلع في لبنان تُباع بالدولار الأميركي.
ويفرض هذا الوضع القائم أعباء إضافية على المؤسسات والخدمات على حد سواء، وتعاني معظم المؤسسات من تداعيات هذه الأزمة، حيث تنشط النقابات العمالية على خط التواصل الحكومي لمعالجة أوضاع الموظفين والعمال بالتفصيل، مؤسسة تلو مؤسسة.
وإذ يتريث الاتحاد العمالي العام قبل إبداء أي موقف مختص بقرار المدير العام لمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان والبقاع جان جبران، يشير رئيس الاتحاد بشارة الأسمر إلى أنه اتفق في الأسبوع الماضي مع جبران على اجتماع عام يحضره رؤساء النقابات في المؤسسة ورؤساء مجالس إدارتها مع وزير الطاقة وليد فياض، لمعالجة وضع العمال في المؤسسة، وتأمين استمراريتهم، وتمكينهم من ارتياد مواقع عملهم.
واتخذ الحراك العمالي هذا العام شكلاً مختلفاً، حيث يسعى الحراك النقابي لتأمين استمرارية العمال في العمل، وتمكينهم من ارتياد وظائفهم.
ويقول الأسمر لـ«الشرق الأوسط» إن الرواتب التي دُفعت عبر زيادات متتالية للموظفين «لا تتعدى كونها إبراً مخدرة في حين يستمر سعر صرف الدولار وسعر الصرف عبر منصة (صيرفة) بالصعود»، لافتاً إلى أن الزيادات الأخيرة «التهمها التضخم، وارتفاع سعر صرف الدولار»، مشدداً على أن الحل «لا يمكن إلا أن يكون سياسياً، ينتج حكومة قادرة على التحرك، وتبدأ بوضع سقف لسعر صرف الدولار».
ويشير الأسمر إلى أن «كل الزيادات على الرواتب مهددة بفقدان قيمتها في حال ارتفع سعر صرف الدولار مرة أخرى»، مضيفاً: «أمام هذا الواقع، لن نطالب بزيادة الرواتب؛ لأن الأمور تدور في دوامة قاتلة... ما نطالب به هو حل سياسي وبداية حل اقتصادي يؤدي إلى وقف صعود سعر صرف الدولار».
ويبلغ عدد الموظفين في الإدارات العامة نحو 90 ألفاً، وتوقف التوظيف بمعظمه في عام 2017 إثر قرار من الحكومة بوقف تضخم القطاع العام، رغم الحاجة إلى موظفين في بعض الإدارات، ما يؤدي إلى تأخير معاملات المواطنين.
ويقول الأسمر: «هناك مقاربات خاطئة من جهات عدة، بينها البنك الدولي الذي يطالب بترشيق القطاع، علماً بأن معظم الموظفين هم في المؤسسات العسكرية والأمنية»، لافتاً إلى أن الأساتذة في القطاع الرسمي «يعانون أيضاً، ورميت على عاتقهم مهام إضافية في ظل وجود النازحين، ما يفترض إعطاء الدروس قبل وبعد الظهر في دوامين مختلفين». ويعرب عن مخاوفه من تحول الموظفين إلى «مياومين» على صعيد الحصول على بدل النقل، بفعل الشروط المرتبطة بالإنتاجية في المؤسسات الحكومية، داعياً إلى «وجوب وضع إطار سليم للزيادات في القطاع العام، بحيث تكون ممولة بطريقة مدروسة تؤمن الاستمرارية».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

تقرير: قوات التحالف الدولي تبدأ إخلاء قاعدة «قسرك» في سوريا

دورية أميركية بالقرب من قرية القسرك (أرشيفية - الشرق الأوسط)
دورية أميركية بالقرب من قرية القسرك (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

تقرير: قوات التحالف الدولي تبدأ إخلاء قاعدة «قسرك» في سوريا

دورية أميركية بالقرب من قرية القسرك (أرشيفية - الشرق الأوسط)
دورية أميركية بالقرب من قرية القسرك (أرشيفية - الشرق الأوسط)

بدأت قوات التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، اليوم (السبت)، بإخلاء قاعدة «قسرك» في ريف الحسكة، بحسب ما أفاد به مراسل «تلفزيون سوريا».

ولفتت شبكات إخبارية محلية إلى دخول قافلة أميركية تضم أكثر من 20 شاحنة فارغة، بالإضافة إلى آليات عسكرية، في وقت سابق، اليوم، عبر الحدود العراقية، حيث اتجهت نحو القاعدة، بهدف تنفيذ عملية الإخلاء.

وتقع قاعدة «قسرك» بين تل تمر وتل بيدر جنوب الطريق الدولي (إم 4) في محافظة الحسكة السورية، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتسلمت وزارة الدفاع السورية، الشهر الحالي، قاعدتي الشدادي والتنف العسكريتان بعد مغادرة القوات الأميركية منهما.


شبكة المنظمات الأهلية في غزة: البيوت المتنقلة لم تدخل إلى القطاع

فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

شبكة المنظمات الأهلية في غزة: البيوت المتنقلة لم تدخل إلى القطاع

فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)

قال رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أمجد الشوا، اليوم (السبت)، إن أياً من البيوت المتنقلة (الكرفانات) لم تدخل إلى قطاع غزة حتى الآن رغم الاحتياجات الإنسانية الواسعة للنازحين، متهماً الجيش الإسرائيلي بمواصلة السيطرة على مساحات واسعة من القطاع، وتوسيع ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» باتجاه المناطق السكنية.

وأضاف الشوا، في تصريحات صحافية حصلت عليها «وكالة الأنباء الألمانية»، أن «آلاف العائلات لا تزال تقيم في خيام مهترئة أو في العراء، في ظل غياب حلول إيوائية حقيقية، وعدم السماح بإدخال البيوت المتنقلة المنصوص عليها ضمن التفاهمات الإنسانية».

إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)

وأشار الشوا إلى أن القوات الإسرائيلية «تسيطر فعلياً على نحو 60 في المائة من مساحة قطاع غزة»، لافتاً إلى أن توسيع نطاق ما يُسمى «الخط الأصفر» أدى إلى تقليص المساحات المتاحة للسكان، خصوصاً في المناطق الشرقية والشمالية من القطاع.

وقال الشوا إن «استمرار هذه الإجراءات يعقّد جهود الإغاثة، ويحدّ من قدرة المؤسسات الأهلية والدولية على الوصول إلى الفئات الأكثر تضرراً»، داعياً إلى «فتح المعابر بشكل كامل ومنتظم، لإدخال مستلزمات الإيواء ومواد الإعمار والمساعدات الإنسانية».

وبشأن حركة المعابر، أوضح الشوا أن دخول المساعدات لا يزال «دون المستوى المطلوب»، مشيراً إلى أن القيود المفروضة على إدخال مواد البناء والبيوت الجاهزة تعرقل معالجة أزمة السكن المتفاقمة منذ أشهر. ولم يصدر أي تعليق من الجانب الإسرائيلي بشأن هذه التصريحات.

ويأتي ذلك في ظل أوضاع إنسانية صعبة يشهدها قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بين إسرائيل وحركة «حماس»، التي أسفرت عن دمار واسع في البنية التحتية والمنازل.

آلاف العائلات الفلسطينية لا تزال تقيم في خيام مهترئة أو في العراء وسط أنقاض منازلها في قطاع غزة (أ.ف.ب)

ودخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلا أن مؤسسات محلية في غزة تقول إن القيود على الحركة والمعابر ما زالت تؤثر على وتيرة إدخال المساعدات ومواد الإعمار.

ويُستخدم مصطلح «الخط الأصفر» للإشارة إلى مناطق تنتشر فيها القوات الإسرائيلية أو تُصنف بوصفها مناطق عازلة قرب الحدود، حيث يُقيّد وصول السكان إليها؛ مما يقلص المساحة المتاحة للأنشطة السكنية والزراعية.

وتقدّر مؤسسات أممية ومحلية أن مئات آلاف الفلسطينيين ما زالوا في حاجة إلى حلول إيواء مؤقتة أو دائمة، في وقت تتواصل فيه الدعوات الدولية إلى تسهيل دخول المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار عبر المعابر المؤدية إلى القطاع.


الأردنيون قلقون على «تحويشتهم»

محل تجاري بسوق الحسين في العاصمة الأردنية عمّان (رويترز)
محل تجاري بسوق الحسين في العاصمة الأردنية عمّان (رويترز)
TT

الأردنيون قلقون على «تحويشتهم»

محل تجاري بسوق الحسين في العاصمة الأردنية عمّان (رويترز)
محل تجاري بسوق الحسين في العاصمة الأردنية عمّان (رويترز)

تابع الأردنيون على مدى الأيام القليلة الماضية، القرار الحكومي المرتقب بدفع تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي، لمجلس النواب.

وبعد الإعلان عن الأسباب الموجبة للتعديلات، بدأت مروحة من الانتقادات اتهمت حكومة جعفر حسان بسعيها لـ«إفلاس الضمان».

ووسط ارتباك حكومي واضح، بحسب متابعين، فقد انتظر الأردنيون لحظة إرسال مشروع معدل لقانون الضمان الاجتماعي، لكن الحكومة و«بعد تردد»، قررت نشر مسودة التعديلات على نافذة «ديوان التشريع والرأي»، لاستقبال ملاحظات وتعليقات المواطنين، قبل المضي بالمسار الدستوري لمناقشة وإقرار القانون.

وأمام التعديلات المقترحة، بدأت فعاليات شعبية تطالب مجلس النواب بـ«رد القانون» ورفض المساس بـ«ضعاف المشتركين» لصالح القطاع الخاص، ورجال الأعمال، وتضخيم الأرباح على حساب رفع سنوات سن التقاعد الوجوبي والمُبكر من العاملين بأجور تلامس مستوى الحد الأدنى للأجور.

رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان (أ.ف.ب)

التعديلات التي وقف أمامها محسوبون على الخط الرسمي، حذروا من أن تكون سبباً «في عودة الاحتجاجات الشعبية إلى الشارع»، نظراً لمس القانون بشرائح اجتماعية واسعة. والخوف لدى مراكز القرار، هو من عودة الاحتجاجات لكن بسقوف مرتفعة أمام ظروف اقتصادية اجتماعية مركبة، وارتفاع نسب وأرقام الفقر والبطالة في البلاد.

التاريخ يعيد نفسه

في شهر رمضان من عام 2018، أرسلت حكومة هاني الملقي بمشروع قانون معدل لقانون ضريبة الدخل، وقد كان وقتها رئيس الحكومة الحالي جعفر حسان نائباً لرئيس الوزراء ورئيساً للفريق الاقتصادي في الحكومة. وتسبب ذلك القانون بتداعيات أسقطت الحكومة شعبياً.

وبما يشبه سيناريو تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، سارت تعديلات قانون ضريبة الدخل في ذلك الوقت. وبدأ الحراك الشعبي صاخباً؛ لأن الحكومة وقتها لم تُعط الرأي العام الاهتمام المطلوب في شرح موقفها من التعديلات. وكانت النتيجة أن قوى شعبية وحراكات زحفت نحو منطقة الدوار الرابع (مقر الحكومة) تطالب بإسقاطها. وهو ما حصل.

كما الآن، لم تدافع الحكومة ولم تظهر مُدافعة عن موقفها. وتوارى الرجل الثاني حينها جعفر حسان ولم يدافع عن الحكومة ومشروعها الاقتصادي. في وقت لم يستطع فيه أحد تفسير موقف حسان إن كان مع أو ضد النسخة الحكومية من تعديلات قانون جدلي يمس جيوب الأردنيين.

صورة للوزراء الجدد في حكومة جعفر حسان يتوسطهم العاهل الأردني وولي العهد (بترا)

وانتهت أزمة الاحتجاجات الشعبية التي حاصرت الحكومة، باستقالة حكومة هاني الملقي، وتكليف عمر الرزاز بتشكيل الحكومة التي تلتها، وخرج حسان مؤقتاً من موقعه الحكومي ليعود بعد عامين مديراً لمكتب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني حتى تم تكليفه بتشكيل الحكومة الحالية في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024.

ووسط اتهامات نخبوية لحسان، باستكماله لسياسيات ليبرالية استقوت على القرار الرسمي، خرجت تحذيرات من أن الحكومات تسعى لتفجير احتجاجات شعبية، تضعف مركز الثقة بالسلطة التنفيذية، والعودة لمربع المطالبات الشعبية من الملك، للتدخل ووضع حد للسياسات الاقتصادية المجحفة التي انتهجتها الحكومات، الأمر الذي اعتبرته نخب رسمية، «دليلاً على فشل الحكومات في تحمل مسؤولياتها». بحسب ما استمعت إليه «الشرق الأوسط» من شخصيات محسوبة على القصر.

تعديلات انتصرت للقوي على حساب الضعيف

سلة من الأسئلة والمواقف طرحتها منصات التواصل الاجتماعي على الحكومة، وجميع تلك الطروحات تعود لجذر السؤال الأصلي؛ لصالح مَن التعدي على حقوق قدامى المشتركين الذين وجدوا أنفسهم أمام حقيقة العمل لسنوات أطول، بمقابل نقصان في قيمة الراتب التقاعدي عند استحقاقه؟

منظر عام لأفق مدينة عمّان (رويترز)

من المخاوف والمواقف التي تسري في تعبئة الأجواء ضد التعديلات، أن التعديلات المقترحة رفعت سن التقاعد الوجوبي إلى (65) عاماً بدلاً من (60)، ورفع سن التقاعد المُبكر لسن الـ(60) عاماً بدلاً من (55). الأمر الذي قطع الطريق على كثيرين استحقوا التقاعد المبكر وهم في سن الـ(50) عاماً، واليوم صار مطلوباً منهم الاستمرار في العمل حتى سن الـ(60).

ومن المخاوف التي عبر عنها نواب وخبراء اقتصاديون، مسألة تخفيض قيمة اشتراكات الضمان الاجتماعي للمعينين الجدد من الشباب في مؤسسات القطاع الخاص، وخسارة هذه الفئة لسنوات اشتراكاتها الأولى بقيمة تقل عن الرواتب التي تتقاضاها ما يحرم الضمان من إيرادات تساعدها على استمرارية الأداء بكفاءة.

المخاوف كذلك شملت الأردنيين العاملين في الخارج والمشتركين اختيارياً، فمع رفع سن التقاعد الوجوبي والمُبكر، فإن الأعباء ستزيد على هؤلاء الذين استقرت حساباتهم على بعد سنوات قريبة من التقاعد والاستقرار في بلدهم. وكذلك الحال مع العمالة الوافدة الخاضعة لاشتراكات الضمان الاجتماعي الذين أصبحوا مطالبين بالبقاء حتى سن الـ(60) لتقاضي راتب تقاعدي أو تسلم تأمينات الدفعة الواحدة.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (رويترز)

وفي مواجهة المبررات الحكومية لتعديلات قانون مؤسسة الضمان الاجتماعي الذي يُعرف بـ«تحويشة الأردنيين»، وهي التعديلات التي تستهدف إبعاد نقطة التعادل بين إيرادات ونفقات صندوق الضمان لمدد أطول، فإن تساؤلات طرحها خبراء حول الأسباب الحقيقية وراء شبح إفلاس الضمان، ومنها التوسع في الاقتراض الحكومي من صناديق الضمان الاجتماعي الاستثمارية، حيث بلغت الديون الحكومية لصالح الضمان نحو 12 مليار دينار أردني، من أصل موجودات الصندوق التي تصل إلى 18 مليار دينار.

وبحسب الخبراء، فإن استثمارات الضمان بفوائد الاقتراض الحكومي واعتبارها أرباحاً سهلة، من شأنها إضاعة فرص تحقيق أرباح من مشاريع استثمارية استراتيجية. لكن السيطرة الحكومية على مؤسسة الضمان الاجتماعي من خلال فرض وزير العمل على المؤسسة بحكم موقعه رئيساً لمجلس الإدارة، أضعف إدارة الضمان، وحدّ من صلاحيات الإدارات الفنية العليا، وأثرّ على قرار الصناديق الاستثمارية التي تُعد صناديق سيادية يملكها الأردنيون؛ سواء خلال سنوات العمل أو التقاعد.