الرواية الليبية... الإنسان والحيوان والطبيعة

كتاب بالإنجليزية يتتبع تطورها منذ سبعينات القرن الماضي

الرواية الليبية... الإنسان والحيوان والطبيعة
TT

الرواية الليبية... الإنسان والحيوان والطبيعة

الرواية الليبية... الإنسان والحيوان والطبيعة

عالم غير مألوف - على الأقل لأهل الشاطئ الآخر - مفرداته بشر وحيوانات وصحراء ممتدة وأفق بعيد وبحر كان يعرف قديماً باسم بحر الروم - ذلك هو عالم الرواية الليبية.
عن هذا العالم صدر كتاب «الرواية الليبية» باللغة الإنجليزية (مطبعة جامعة إدنبره 2020. 308 صفحات) من تأليف كاريس أولتشوك المحاضرة في الأدب العربي الحديث والثقافة بجامعة كمبردج. وقد سبق للمؤلفة أن حصلت على درجة الدكتوراه في 2016 بأطروحة جامعية عنوانها «لقاءات بين مخلوقات: الحيوان في المخيلة الأدبية الليبية».
يقترب منهج الكتاب مما يعرف بالنقد البيئي وهو مدرسة نقدية معاصرة تعنى بالتفاعل بين الإنسان والطبيعة (بمعنى المنظر الخلوي الطبيعي والنبات والحيوان والموارد الطبيعية) وتحلل أعمالاً فنية تثير قضايا أخلاقية ومعنوية حول سلوك الإنسان إزاء الطبيعة وموقفه منها إيجاباً وسلباً.
ويتتبع الكتاب تطور الرواية الليبية منذ سبعينات القرن الماضي حتى عام 2017 من خلال ثلاثة محاور: الإنسان، والحيوان، والطبيعة.
إن ليبيا تملك ساحلاً من أطول السواحل المطلة على البحر المتوسط، وأرضها تضم نباتات البحر المتوسط، وغابات نفضية ومخروطية، وسهوباً، وأعشاباً صحراوية. ومع انبثاق البترول والغاز الطبيعي من تربتها في 1959 اكتسبت جغرافيا البلد بعداً جديداً بإنشاء معامل تكرير النفط وأنابيبه ومرافئ تصديره، وظهرت صناعات كيميائية وصناعات نسيج ومعلبات ودخان. (انظر أطلس مصر والعالم بإشراف الدكتور محمد محمود الصياد).
ولكن الصحراء، رغم التوسع العمراني، ظلت حاضرة في الوعي الليبي وماثلة دائماً في الخلفية. وفي مقالة قصيرة (لا تأنى أولتشوك على ذكرها) عن رواية إبراهيم الكوني «نزيف الحجر»، يقول الدكتور حمدي السكوت، إن فضاء الرواية «صحراء وعرة جبلية تتوغل في جنوب ليبيا حتى العوينات وهي صحراء غنية بتراثها السابق على التاريخ، سواء تشكل هذا التراث في رسوم غير مألوفة محفورة في كهوفها وفي صخورها، أو في أساطير وميثولوجيا غير مألوفة أيضاً مرتبطة بتضاريسها وحيوانها».

د. ماهر شفيق فريد

يؤرخ لبداية الرواية الليبية بعام 1937 حين صدرت رواية «مبروكة» لحسين ابن موسى، وقد نشرها مؤلفها على نفقته حين كان يعيش منفياً في سوريا. تصور الرواية مقاومة الليبيين للاحتلال الإيطالي. وقد حظرت السلطات الفرنسية تداولها استجابة لطلب من إيطاليا. وبعد «مبروكة» ظهرت روايات منها ما يمجد البطل القومي عمر المختار ومنها ما هو عاطفي متأثر بميلودرامات السينما المصرية وروايات إحسان عبد القدوس. ثم ازداد الشكل الروائي نضجاً بصدور رواية الصادق النيهوم (1937 - 1994) «من مكة إلى هنا» (1970) وبطلها صياد أسماك أسود البشرة، متقدم في السن. وكان النيهوم يعيش في فنلندا حين صدرت هذه الرواية.
عكست الرواية الليبية منذ ذلك الحين التطورات السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد: مراحل الاستعمار الإيطالي (1911 - 1943)، نشوب معارك حاسمة في الحرب العالمية الثانية على أرض ليبيا، الإدارة العسكرية البريطانية - الفرنسية المشتركة (1943 - 1951)، حصول البلاد على الاستقلال في 1951، الأسرة السنوسية المالكة (1951 - 1969)، الانقلاب الذي قاده العقيد معمر القذافي في 1969، فترة حكم القذافي الديكتاتوري الذي أعاد تسمية ليبيا لتصبح «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية»، سقوط القذافي ثم الحرب الأهلية منذ 2014 حتى يومنا هذا.
ومن المحطات التي يتوقف عندها كتاب أولتشوك رواية «نزيف الحجر» (1987) لإبراهيم الكوني المولود في 1948 بواحة غدامس وهو ابن قبيلة من الطوارق في الصحراء الجنوبية. تجمع الرواية بين النقد السياسي والتأمل الروحي والأسى على ما آل إليه حال البيئة الطبيعية. وتتصدر الرواية الآية الكريمة «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم». وتبتعث قصة الأخوين قابيل القاتل وهابيل المقتول. كما تضم شواهد من مسرحية سوفويكيس «أوديب ملكاً» وكتاب «حي بن يقظان» لابن طفيل الأندلسي.
ومن علامات الطريق المهمة في مسيرة الرواية الليبية ثلاثية «حدائق الليل» (1991) لأحمد إبراهيم الفقيه (1942 - 2019) الذي كان رئيساً لاتحاد الكتاب الليبي في 1978 وسفيراً لبلاده في أثينا وبوخارست.
الجزء الأول من الثلاثية وعنوانه «سأهبك مدينة أخرى» يسير في خطى رواية الطيب الصالح «موسم الهجرة إلى الشمال». الجزء الثاني (هذه تخوم مملكتي) يسير على نهج حكايات كتاب «ألف ليلة وليلة». الجزء الثالث (نفق تضيئه امرأة واحدة) يصور واقع طرابلس في ثمانينات القرن الماضي وتعالج الثلاثية قسمة الشرق والغرب والواقع والخيال.
ومن أهم الروائيين الليبيين في يومنا هذا هشام مطر المولود في 1970، الذي يكتب رواياته باللغة الإنجليزية. تتوقف أولتشوك عند روايته الأولى المسماة «في بلاد الرجال» (2006) وتدور أحداثها بين مصر وليبيا متخذة من الطفولة نقطة انطلاق (ترجم الرواية إلى العربية إبراهيم سكينة وصدرت الترجمة عن دار المنى في ستوكهولم عام 2007). وتروى الرواية على لسان طفل يدعى سلومه (سليمان) في التاسعة من عمره. وهي تبدأ وتنتهي برحيله إلى مصر وتدور أحداثها في صيف واحد من عام 1979.
ولا تغفل أولتشوك الحديث عن مساهمة المرأة الليبية في الفن الروائي (رزان نعيم المغربي وأخريات) وبحثها عن صوت أدبي واجتماعي.
كذلك شهدت الفترة التي يغطيها الكتاب تحول عدد من الأدباء عن كتابة القصة القصيرة إلى كتابة الرواية. ذلك أن الرواية شكل مضياف يمتاز بتعدد الأصوات، وانفتاح البناء على الأقصوصة والفولكلور والشعر، وكونها لسان حال الصامتين والمهمشين.
وثمة أصوات جديدة في الأدب الليبي يمثلها كتاب «شمس على نوافذ مغلقة» (2017) وهو يضم أقاصيص وقصائد وفصلاً من رواية بأقلام عدد من الكتاب. وقد قدم للكتاب أحمد الفيتوري.
وفي ظل الأحداث المضطربة التي مر بها تاريخ ليبيا، وما زال يمر حتى هذه اللحظة، لا يكون من الغريب أن نجد كثيراً من الروايات الليبية تصور عالماً كئيباً، علاقاته الإنسانية هشة، ترتمي عليه ظلال الجمود والجوع والألم أثناء السنوات العجاف من حكم القذافي، وهي النتيجة التي تنتهي إليها أولتشوك في كتابها هذا المتميز بدقة التحليل، وسعة الإحاطة بالموضوع، مما يجعله مرجعاً لا غنى عنه لسنوات كثيرة مقبلة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

من أعماق البحر إلى قاعات العرض... ذاكرة البحر الأحمر في «كنوز غارقة»

ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
TT

من أعماق البحر إلى قاعات العرض... ذاكرة البحر الأحمر في «كنوز غارقة»

ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)

في مبنى «باب البنط» بجدة التاريخية، حيث كانت السفن تقترب من الساحل محمّلة بالبضائع والحجاج والقصص القادمة من أطراف العالم، يقيم متحف البحر الأحمر معرضه المؤقت «كنوز غارقة... التراث البحري للبحر الأحمر» في محاولة لاستعادة تاريخ طويل ظل جزء كبير منه مغموراً تحت الماء.

المعرض لا يقدم قطعاً أثرية فحسب، بل يعيد فتح صفحات من ذاكرة البحر الأحمر، ذلك الممر الذي ربط لقرون الجزيرة العربية وآسيا وأفريقيا وأوروبا، وحمل فوق أمواجه الحجاج والتجار والرحالة، بينما احتفظ في أعماقه بشواهد من السفن والبضائع والقصص التي لم تصل يوماً إلى مرافئها.

كسر أوانٍ خزفية اكتُشفت في باب البنط (الشرق الأوسط)

وتوضح مديرة المتحف إيمان زيدان أن المعرض يهدف إلى تعريف المجتمع بالتراث البحري للساحل السعودي، الذي شهد مرور الحجاج والرحالة وازدهار موانٍ تاريخية مثل الشعيبة وجدة، إضافة إلى مرافق ساحلية مثل فرسان والسيرين، التي شكّلت عبر القرون نقاط اتصال ضمن شبكات تجارة ربطت الجزيرة العربية بآسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتشير زيدان إلى أن كثيراً من هذا الإرث ظل لفترة طويلة مغموراً تحت الماء وغير متاح للجمهور، حتى كشفت أعمال المسح الأثري الحديثة عن مواقع وسفن ومقتنيات أعادت تسليط الضوء على تاريخ البحر الأحمر بوصفه فضاءً للتبادل الحضاري.

كتاب العربية الغربية والبحر الأحمر (الشرق الأوسط)

خرائط البحر... بداية الحكاية

تبدأ الجولة بخرائط أوروبية وفرنسية تعود إلى القرنين السابع عشر والتاسع عشر، تكشف كيف كان العالم ينظر إلى البحر الأحمر بوصفه ممراً استراتيجياً يصل آسيا بأفريقيا.

ويشرح مرشد المعرض جاسر الدالي أن هذه الخرائط تبرز أهمية البحر الأحمر في تاريخ الملاحة؛ إذ شكّل نقطة التقاء لطرق التجارة العالمية، وارتبط بالمواني التي ازدهرت على سواحله.

وبالقرب منها، يعرض كتاب يعود إلى عام 1946 يتضمن صورة قديمة لمدينة جدة، إضافة إلى مخطوطة تشبه البوصلة استُخدمت لمعرفة المسافات بين مكة ومدن العالم، في دلالة على مكانة المدينة في حركة الرحلات والملاحة.

صور تعكس مشهد الحياة التجارية في جدة قديماً (الشرق الأوسط)

الحياة فوق السفينة

مع الانتقال إلى القسم التالي، يتغير الإيقاع البصري للمتحف. فالأرضية الخشبية وصوت الأمواج يعيدان خلق أجواء السفن القديمة، بينما تصطف توابل جاءت من أماكن بعيدة: منها جوز الهند، المسك، الكركم، الحناء، والهيل.

يوضح الدالي أن هذه السلع تعكس الدور التجاري للبحر الأحمر بوصفه ممراً يربط أسواق آسيا بالجزيرة العربية.

أما الحياة اليومية للبحارة، فكانت أكثر بساطة وتعقيداً؛ إذ استخدموا الغناء لتنظيم العمل على متن السفينة، فالإيقاع السريع يعني شد الحبال بسرعة، والبطيء يعني التمهّل، في نظام جماعي يساعد على تنسيق الجهد خلال الرحلات الطويلة.

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)

الأسطرلاب... قبل عصر الأقمار الاصطناعية

في إحدى خزائن العرض يبرز الأسطرلاب النحاسي، وهو أداة فلكية استخدمها البحارة لتحديد الاتجاه والوقت عبر مراقبة الشمس والقمر.

ويشير الدالي إلى أن الأسطرلاب كان يمثل في زمنه ما يشبه نظام تحديد المواقع الحديث، قبل أن تنتقل الملاحة إلى عصر التقنيات الرقمية.

وفي المعرض، يمكن للزائر مشاهدة شاشة تعرض حركة السفن التي تعبر البحر الأحمر في الوقت الفعلي، مع معلومات عن مسارها وسرعتها وحمولتها، في مقارنة حيّة بين الملاحة القديمة والملاحة الحديثة.

مجموعة من العملات الفضية الإسلامية التي استُخرجت من حطام سفينة بالقرب من الشعيبة (الشرق الأوسط)

العملات... لغة التجارة القديمة

في خزائن أخرى تظهر مجموعة من العملات التي تعكس تنوع العلاقات التجارية عبر البحر الأحمر.

تشمل هذه العملات قطعاً من العهد الأموي وأخرى من الدولة العثمانية، إضافة إلى عملات هندية وبريطانية؛ ما يعكس شبكة تجارة امتدت عبر قارات عدة.

وبين هذه القطع، تبرز سبحة مصنوعة من اليسر المكاوي — وهو نوع نادر من المرجان الأسود الموجود في البحر الأحمر — مطعّمة بالفضة، وتعدّ من أجمل وأغلى المسابح التقليدية.

هذه السبحة لا تمثل مجرد قطعة زينة، بل هي شاهد على ارتباط الحياة اليومية بثروات البحر نفسه.

سبحة من اليسر المكاوي المستخرج من المرجان الأسود الموجود في البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

حطام سفينة أملج

أحد أكثر أقسام المعرض جذباً للانتباه هو مقتنيات حطام سفينة أملج، التي اكتُشفت عام 2007 واستُخرجت بعض آثارها عام 2015.

تشمل القطع المعروضة مقابض خناجر وأدوات شخصية مثل مشط وملعقة، إضافة إلى فناجين خزفية بزخارف صينية؛ ما يشير إلى أن السفينة كانت تحمل بضائع قادمة من شرق آسيا.

كما يعرض المعرض جراراً اكتُشفت في جزيرة فرسان كانت تستخدم لنقل التوابل والحبوب والعصائر عبر البحر.

لكن البحر الأحمر لم يكن طريقاً سهلاً للملاحة؛ فالشعاب المرجانية الكثيفة، والتيارات القوية، وصعوبة الملاحة ليلاً جعلت من الإبحار فيه تحدياً حقيقياً للبحارة.

ويستحضر المعرض قصيدة للجغرافي الشهير الإدريسي تصف البحر الأحمر بأنه بحر صعب المسالك، في إشارة إلى المخاطر التي كانت تواجه السفن في تلك الحقبة.

قرص حجر رحى دائري بثقب مركزي من ميناء السيرين (الشرق الأوسط)

كنز الشعيبة

ومن أبرز الاكتشافات المعروضة كنز الشعيبة، الذي يضم نحو 5 آلاف عملة تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي، يُعرض منها نحو 300 قطعة فقط.

يشير الدالي إلى أن هذه العملات كانت غارقة في البحر الأحمر لقرون، قبل أن يُستعاد بعضها بالتعاون مع الإنتربول ووزارة الخارجية ليعود إلى المملكة ويعرض في هذا المعرض.

وفي نهاية الجولة، يتضح أن المعرض لا يكتفي بسرد تاريخ البحر الأحمر، بل يطرح سؤالاً أكبر: كم من القصص ما زال مخبأ في أعماقه؟

فبين الخرائط القديمة، وأدوات الملاحة، ومقتنيات السفن الغارقة، يبدو البحر الأحمر هنا أرشيفاً مفتوحاً، لا تزال صفحاته تُكتشف واحدة تلو الأخرى، وبهذا يخرج الزائر من «كنوز غارقة» وهو يدرك أن البحر لم يكن مجرد طريقٍ للسفن... بل ذاكرة كاملة، ما زالت تحتفظ بالكثير مما لم يُكتشف بعد.

مجموعة من العملات الفضية الإسلامية التي استُخرجت من حطام سفينة بالقرب من الشعيبة (الشرق الأوسط)


فنانون من السعودية ومصر يحتفون باليوم العالمي للمرأة

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من السعودية ومصر يحتفون باليوم العالمي للمرأة

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

احتفاءً باليوم العالمي للمرأة الذي يحل في 9 مارس (آذار) نظم «ملتقى عيون الدولي للفنون التشكيلية» معرضاً يستلهم قضايا المرأة، ويحتفي بإبداع الفنانات، تحت عنوان «همسها لون» متضمناً أكثر من 70 عملاً فنياً متنوعاً بين الرسم والنحت والغرافيك.

المعرض الذي استضافته قاعة آدم حنين بالهناجر في دار الأوبرا المصرية شارك فيه فنانون من السعودية ومصر وقطر والبحرين وألمانيا وروسيا وأوكرانيا، بأعمال تعبر عن حضور المرأة في البيئات العربية المختلفة، وكذلك في الدول الأجنبية.

ويضم المعرض لوحات تعبر عن مدارس فنية متنوعة من التعبيرية إلى التجريدية والسريالية والتأثيرية، بالإضافة للحضور التراثي والتاريخي في اللوحات، خصوصاً لدى فنانين مصريين، وفق حديث الفنان مصطفى السكري، منسق المعرض، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض أيضاً اهتم بتنوع الأجيال المشاركة والتي طرحت قضايا المرأة ورؤيتها للعام بطريقة فنية مميزة، وكان الاحتفاء الأكبر بالفنانات المصريات والعرب من خلال إبراز أعمالهن».

وعن افتتاح المعرض وتخصيصه هذه المناسبة يتابع: «في هذا اليوم المضيء باسم المرأة، نفتح أبواب الفن على اتساعها لتحية الكيان الذي علّم الضوء كيف يُرى، واللون كيف يُحسّ؛ فالمرأة ليست موضوعاً في اللوحة فقط، بل روحها الخفية، نبضها العميق، وسرّ توازنها الجمالي، فالمعرض يحتفي باليوم العالمي للمرأة، ولا يكتفي بتكريم المرأة فحسب، بل يعترف بدورها الملهم في تشكيل الوعي والجمال والحياة».

أعمال المعرض احتفت بالمرأة بروح تراثية (الشرق الأوسط)

وعدَّ المرأة تمثل «صوت الإبداع حين يبحث عن معنى، وملهمة الفنان منذ فجر الحضارة حتى اللحظة الحالية». وأشار إلى أن نخبة من الفنانات والفنانين افتتحوا المعرض، مع الدكتورة مها شهبة عضو اللجنة الثقافية بالمجلس القومي للمرأة، التي قامت بافتتاح المعرض نيابة عن المستشارة أمل عمار رئيسة المجلس. كما حضر أيضاً الفنانون والأكاديميون سهير عثمان وحنان موسى ووهاد سمير وأمل أبو زيد وحسن عبد الفتاح والفنان فواز.

ومن بين لوحات المعرض لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني تجسد فيها المرأة انطلاقاً من فن البورتريه الذي يبرز الملامح الفردية والشخصية، وما يمكن أن تحمله هذه الملامح من أبعاد مختلفة دليلاً على الحزن أو الفرح أو السكون أو البهجة باستخدام وجه غير محدد الملامح ليوحي بامتداد الأفكار لينسحب على أكثر من نموذج أنثوي.

وشارك في المعرض نحو 50 فناناً من الفنانين المحترفين والأساتذة المتخصصين بالجامعات الفنية المصرية، والدارسين والموهوبين وذوي الاحتياجات، ويمثل المعرض تنوعاً ثرياً في الأجيال المختلفة وتنوعاً في التقنيات والخامات والرؤى الجمالية والقضايا التي تناولها كل فنان في عمله.

فنانون من أجيال مختلفة شاركوا في المعرض (الشرق الأوسط)

ويشير السكري إلى أن المعرض «يحتفي بالمرأة بوصفها روح الجمال ومصدر الإلهام الأول للفن، ويقدم تحية لكل امرأة جعلت من الفن لغةً، ومن الوجود أثراً لا يُنسى»، معتبراً المعرض لا يقدم لوحات وأعمالاً فنية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم رؤى وقضايا وحكايات عن المرأة في كل مكان بالعالم، مؤكداً أن المعرض يجدد صورة المرأة وحضورها المؤثر في المجتمع كأم، ومبدعة، وفنانة، وقائدة.

وتناولت بعض اللوحات المرأة من منظور جمالي، وما تمثل من طاقة نور وفرحة وسعادة في العالم، ولوحات أخرى عالجت الحضور النسوي في التراث، كما تبدت فنون الحروفية وما تتضمنه من حس ناعم في التعامل مع الألوان والتكوينات المختلفة والمتناغمة للحروف، بالإضافة للأعمال النحتية التي اتسمت بالانسيابية والتناغم مع فكرة المعرض.


شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده، موضحاً أن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة للترفيه؛ بل هي وسيلة للتعبير العاجل عن الواقع وما يحمله من تناقضات.

وأضاف سوميت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه يعيش حياته اليومية بعينين مفتوحتين على ما يحدث حوله؛ حيث يرى كيف تتغير المجتمعات مع تسارع النمو الاقتصادي، وهو ما يدفعه دائماً إلى التفكير في تحويل هذه الملاحظات إلى قصص سينمائية. وأوضح أن «بنغلاديش تمر بمرحلة نمو اقتصادي سريع، وهو أمر يبعث على التفاؤل من جهة، ولكنه من جهة أخرى يترك آثاراً اجتماعية وبيئية معقدة»، مؤكداً أن هذا النمو قد يأتي أحياناً على حساب العدالة الاجتماعية أو البيئة، وأنه يشاهد يومياً هذه التناقضات، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن طريقة للتعبير عنها فنياً، من خلال السينما التي كانت وسيلته لتوجيه هذه الطاقة والقلق نحو العالم.

المخرج البنغالي رضوان شهريار (الشرق الأوسط)

وفي إنجاز لافت للسينما البنغالية المستقلة، فاز فيلم «ماستر» في النسخة الماضية من مهرجان «روتردام السينمائي الدولي» بجائزة مسابقة «الشاشة الكبيرة»، وأشادت لجنة تحكيم المسابقة بالفيلم في بيانها، مؤكدة أنه «يقدم رؤية إنسانية عميقة تتجاوز حدود المكان».

وأكد سوميت أن فوز الفيلم في «روتردام» كان مفاجأة كبيرة بالنسبة له؛ خصوصاً أن «ماستر» مشروع مستقل بالكامل تقريباً، معتبراً أن الجوائز تلعب دوراً مهماً في حياة صُنَّاع الأفلام المستقلين؛ لأنها تساعدهم في الوصول إلى الممولين والموزعين ومبرمجي المهرجانات، كما تمنح الفيلم فرصة أوسع للانتشار.

وقال سوميت إن «المنافسة في المسابقة كانت قوية للغاية، لكونها ضمت أفلاماً لمخرجين معروفين وأسماء بارزة في السينما العالمية، وهو ما جعل مجرد المشاركة في المهرجان تجربة مهمة بالنسبة له»، مؤكداً أن الاحتكاك بهذه الأعمال يمنح صناع الأفلام فرصة كبيرة للتعلم وتبادل الخبرات.

وأضاف أن لحظة إعلان الجائزة كانت لحظة استثنائية بالنسبة له ولطاقم الفيلم؛ ليس فقط لأنها تكريم للعمل؛ بل لأنها تمثل أيضاً اعترافاً بالسينما البنغالية المستقلة، لافتاً إلى أن هذا النوع من التقدير يمنح صناع الأفلام في بلاده دفعة معنوية كبيرة للاستمرار في تقديم قصصهم للعالم.

وعن التحديات التي واجهت إنتاج الفيلم، أوضح سوميت أن «التمويل كان العقبة الأكبر؛ لأن صناعة فيلم في بنغلاديش تحتاج غالباً إلى جهد أكبر، بسبب محدودية الإمكانات المتاحة».

وكشف سوميت أن المسودة الأولى من سيناريو «ماستر» كُتبت في أواخر عام 2022، واستغرق العمل عليها أكثر من 3 سنوات، وعندما بدأ العمل على الفيلم وعرض الفكرة على عدد من المنتجين والشركاء، أبدى كثيرون إعجابهم بالموضوع، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا مترددين في المشاركة بسبب حساسية موضوع الفيلم؛ حيث يتطرق إلى قضايا تتعلق بالبيروقراطية والفساد المؤسسي، والعلاقات المعقدة بين السلطة السياسية وأجهزة إنفاذ القانون.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «بعض المنتجين رأوا أن المشروع يحمل قدراً من المخاطرة بسبب طبيعته السياسية، إضافة إلى أن الفيلم ينتمي إلى نوع الدراما السياسية المشوقة التي تحتاج إلى مساحة إنتاجية واسعة نسبياً، وأن تنفيذ هذا النوع من الأعمال ليس سهلاً في صناعة سينمائية محدودة الموارد مثل بنغلاديش».

وأضاف أنه تمكَّن في النهاية من الحصول على منحة حكومية؛ لكنها لم تكن كافية لتغطية جميع تكاليف الإنتاج، لذلك اضطر إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة، موضحاً أن بعض الأشخاص الذين دعموا الفيلم لم يكونوا من العاملين في مجال السينما؛ بل كانوا أصدقاء ومعارف يؤمنون بمشروعه، ويرغبون في رؤيته يتحقق، إلى جانب مساهمته بجزء من أمواله الخاصة في تمويل الفيلم، بعدما عمل خلال السنوات الأخيرة في قطاع الشركات وإنتاج المحتوى التجاري، مما ساعده على توفير جزء من الميزانية اللازمة للمشروع.

وعن اختيار الممثلين، قال سوميت إن «الدور الرئيسي في الفيلم أُسند إلى الممثل نصير الدين خان، وهو أحد الوجوه المعروفة في السينما البنغلاديشية. ولكن السبب الحقيقي لاختياره لم يكن شهرته فقط؛ بل طبيعة الأدوار التي اعتاد تقديمها، فهو ممثل اشتهر بتجسيد شخصيات مظلمة أو سلبية، غالباً ما تكون مدفوعة بالطمع أو الرغبة في السلطة».

وأوضح أنه رأى في ذلك فرصة لتقديمه في دور مختلف تماماً؛ إذ تبدأ شخصية «ماستر» كرجل مثالي محبوب في مجتمعه، معروف بنشاطه الاجتماعي ورغبته في مساعدة الآخرين. ولكن مع تطور الأحداث تبدأ السلطة والضغوط المحيطة به في كشف طبقات أخرى من شخصيته.

خلال تسلم الجائزة في روتردام (الشركة المنتجة)

وأردف بأن هذه الرحلة النفسية المعقدة للشخصية كانت من أهم عناصر الفيلم، لذلك كان بحاجة إلى ممثل قادر على إظهار هذا التحول التدريجي من المثالية إلى الظلام، مؤكداً أن نصير الدين خان تحمس للفكرة منذ اللحظة الأولى؛ لأنه رأى فيها فرصة للخروج من الصورة النمطية التي حُصر فيها داخل الصناعة.

وعن تجربة التصوير، قال المخرج إن «أحداث الفيلم تدور في بلدة صغيرة تقع بالقرب من غابة، مما جعل الطبيعة جزءاً أساسياً من بناء القصة. والغابة لم تكن مجرد خلفية بصرية جميلة؛ بل كانت عنصراً سردياً مهماً في الفيلم؛ إذ ترتبط بشكل مباشر بالصراع الذي يطرحه العمل».

وأكد أن السكان المحليين الذين يعيشون بالقرب من الغابة يعرفون جيداً كيف يتعايشون معها ويحافظون عليها؛ لأنها جزء من حياتهم اليومية، ولكن في المقابل تظهر أطراف أخرى تسعى إلى استغلال مواردها وتحويلها إلى مصدر للربح؛ مشيراً إلى أن الفيلم يتناول أيضاً فكرة الشركات الكبرى التي تحاول تنفيذ مشاريع استثمارية ضخمة في هذه المناطق، مثل بناء فندق فاخر بالقرب من الغابة، وهو ما يهدد التوازن البيئي والاجتماعي في المكان.

واعتبر أن تصوير الفيلم داخل الغابة كان تحدياً لوجستياً كبيراً، لكون العمل امتد عبر فترات مناخية مختلفة، ففريق العمل بدأ التصوير في نهاية الشتاء وسط ضباب كثيف، ثم واجه حرارة الصيف المرتفعة، قبل أن تقترب الأمطار مع بداية موسم الرياح الموسمية. وخلص إلى أن «هذه الظروف الطبيعية كانت صعبة في بعض الأحيان، ولكنها في الوقت نفسه أضفت أبعاداً جمالية وبصرية مميزة على الفيلم».