كيف يقود الشعر حركة الأسماك... والسمع عند البشر؟

اكتشاف قاسم مشترك قد يفك شيفرة داء الصمم

كيف يقود الشعر حركة الأسماك... والسمع عند البشر؟
TT

كيف يقود الشعر حركة الأسماك... والسمع عند البشر؟

كيف يقود الشعر حركة الأسماك... والسمع عند البشر؟

من خلال اكتشاف كيفية استخدام أسماك الزرد خلايا شعرها بهدف اكتشاف الحركة البعيدة، وجد فريق من علماء جامعة «كيس ويسترن ريزيرف» الأميركية، طريقا ربما يساعد في تفسير فقدان السمع البشري، وتم الإعلان عن تفاصيل ذلك في دراسة نشرت 13 أبريل (نيسان) 2023 بدورية «كرنت بيولوجي».
ورغم أنه يبدو أنه لا يوجد شيء مشترك بين الكائنات المائية الصغيرة والبشر، فإن بنية ووظيفة خلايا الشعر على جلد الزرد تتطابق تقريبا مع خلايا شعر القوقعة الموجودة في الأذن الداخلية للإنسان.
بالإضافة إلى ذلك، تمتلك كل من مستقبلات الخلايا البشرية والأسماك نوعا من البروتين يُعرف باسم «القناة الأيونية»، الذي يحول الموجات التي تكتشفها الخلايا إلى نبضات كهربائية تحمل معلومات مفيدة.
يقول بريان ماكديرموت، الأستاذ المشارك في طب الأذن والأنف والحنجرة بكلية الطب بجامعة «كيس ويسترن ريزيرف»، في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للجامعة، إن «خلايا الشعر في البشر مغطاة بأقسى عظام في الجسم ولا يمكن الوصول إليها عندما تستجيب الأذن للصوت، لذا فإن هذا البحث، باستخدام خلايا شعر أسماك الزرد التي يسهل الوصول إليها، سيساعد بالتأكيد في فهمنا للسمع البشري والصمم».
ويضيف «يمكننا الآن أن نقول بثقة إن الأسماك تستخدم قنواتها الأيونية للهروب من ملاحقة الحيوانات المفترسة بطرق تشبه الطرق التي تتناغم بها آذان الإنسان مع الترددات المختلفة».
وكان العلماء فهموا بالفعل كيف تعمل خلايا الشعر من الناحية الفسيولوجية للسمع، ولكن بدرجة أقل على المستوى الجزيئي، لكنهم تأكدوا في الدراسة الجديدة أنها تتكون من حزمة من قضبان استشعار الحركة ذات الارتفاعات المتزايدة.
علاوة على ذلك، فإن النتائج تعزز فهم «قناة النقل الميكانيكي في الكائنات الحية»، حيث وجدوا أنها تقوم بتحويل المحفزات الميكانيكية إلى إشارات كهربائية يتم إرسالها إلى الدماغ.
يقول ماكديرموت إن فريقه البحثي كانت لديه «لحظة حقيقية» عندما اكتشفوا، باستخدام أداة تعديل الجينات (كريسبر – كاس 9)، أن مجموعات من خلايا الشعر في أسماك الزرد لديها عدم تناسق، حيث تسمح هذه الخاصية غير المتوقعة لخلايا الشعر باكتشاف الحركة من مؤخرة السمكة بحساسية أكبر من الجبهة.
ويضيف «هذا يدل على أن الأسماك لديها خلايا شعر مضبوطة بالفعل لاستشعار اتجاهات المياه المختلفة. ولدى البشر، تحتوي قوقعة الأذن على خلايا شعرية مضبوطة بالمثل لتكون قادرة على سماع ترددات مختلفة، وهذا هو السبب في أن هذا العمل يمكن أن يلعب دورا في فهم السمع والصمم بشكل أفضل لدى البشر».
ويعد هذا الاستخدام هو الأحدث لسمكة الزرد في الأبحاث ذات الطابع الطبي، حيث أصبحت تلك السمكة تروق للعلماء في الأبحاث الطبية لعدة أسباب، منها أنها من الفقاريات، لذلك تتشابه مع الإنسان في كثير من الصفات، بل إن بعض الأبحاث وجدت بعد تشريح دقيق لها أنها تتقاسم مع الإنسان جزءا كبيرا من الحمض النووي، كما أنها شفافة، بما يساعد العلماء على متابعة تأثير التعديل الجيني والعلاجات الدوائية، كما تتميز بالنضج المبكر، حيث يفقس بيضها بعد يومين فقط من الإخصاب، وتكون العديد من الوظائف الأساسية للأجنة قد اكتملت بعد حوالي خمسة أيام، ما يسمح للباحثين بإجراء فحص سريع ومفيد للتغيرات أثناء النمو التي قد تكون لها في النهاية آثار في إحباط الأمراض التي تصيب الإنسان.


مقالات ذات صلة

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تكنولوجيا تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» بوصفه أداة تنفذ مهام كاملة بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة (شاترستوك)

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» الجديد لتنفيذ مهام العمل عبر التطبيقات، مع ذاكرة مستمرة وصلاحيات مؤسسية وأدوات تحليل متقدمة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يختبر «واتساب» تبويباً جديداً يجمع جهات الاتصال ويعرض الأكثر نشاطاً بسهولة أكبر (رويترز)

«واتساب» يختبر تبويباً جديداً لجهات الاتصال يعرض المتصلين وأعياد الميلاد

يختبر «واتساب» تبويباً جديداً لجهات الاتصال يعرض المتصلين وأعياد الميلاد مع البحث السريع والحفاظ على إعدادات الخصوصية الحالية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للمقياس أن يدفع الأنظمة الذاتية إلى تعديل طريقة التعلم أو إعادة تقييم خطتها عند ظهور معلومات مهمة (أدوبي)

مقياس جديد يساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على «فهم المفاجأة»

يقترح باحثون مقياساً جديداً يساعد الأنظمة الذاتية على تمييز الأحداث النادرة من التغيرات التي تتطلب إعادة التقييم وتعديل السلوك.

تكنولوجيا تتيح الخدمة في الأسواق الجديدة أكثر من 350 ألف عنوان بأكثر من 120 لغة مع اختلاف النماذج والأسعار بحسب السوق (أدوبي)

«سبوتيفاي» توسّع الكتب الصوتية إلى أكثر من 180 سوقاً... والسعودية ضمن التوسع

توسع «سبوتيفاي» خدمة الكتب الصوتية إلى أكثر من 180 سوقاً مع أسواق عربية جديدة ومكتبة واسعة ونماذج اشتراك متعددة عالمياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يظل تاريخ الميلاد جزءاً من التقييم لكنه ليس العامل الوحيد في التصنيف (د.ب.أ)

كيف يتنبأ «ChatGPT» بعمر المستخدم ويُفعّل تجربة المراهقين؟

يتنبأ «شات جي بي تي» بعمر المستخدم عبر إشارات الحساب وسلوك الاستخدام لتفعيل ضوابط أمان وتجربة مخصصة للمراهقين عند الحاجة.

نسيم رمضان (لندن)

العالِم الذي أسهم في اكتشاف «إيبولا» قبل 50 عاماً... لا يزال قلقاً من انتشاره

موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
TT

العالِم الذي أسهم في اكتشاف «إيبولا» قبل 50 عاماً... لا يزال قلقاً من انتشاره

موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية

في خريف عام 1976 وصلت علبة بلاستيكية زرقاء تحتوي على قارورتين زجاجيتين إلى معهد الطب الاستوائي في أنتويرب في بلجيكا. انكسرت إحدى القارورتين أثناء النقل، فتسرب محتواها الدموي إلى الثلج شبه الذائب داخل القارورة. أما الأخرى، فكانت لا تزال تحتوي على دم راهبة فلمنكية توفيت بمرض غامض في يامبوكو، في زائير، الكونغو حالياً. ومع العلبة وُضعت ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط اليد مرفقة بالقارورتين، وقد تسربت الكتابة جزئياً إلى الماء المثلج، كُتب عليها: «حمى صفراء؟».

وقد أوكلت مهمة تحديد ما إذا كانت المرأة قد توفيت بالفعل بسبب الحمى الصفراء إلى عالم بلجيكي أصغر أعضاء فريق المعهد، الذي يبلغ من العمر 27 عاماً.

طبيبان بلجيكي وكونغولي يرصدان «إيبولا»

لكنه لم يكن الوحيد المعنيّ بالأمر؛ إذ جمع الدكتور جان جاك مويمبي، وهو طبيب كونغولي تلقى تدريبه في بلجيكا، العينات وأرسلها إلى المختبر. وساعد باحثون آخرون في أنتويرب ويامبوكو على عزل الفيروس من العينة وتحديد خصائص تفشي المرض.

يوم الأحد الماضي مرَّت خمسون عاماً بالضبط على اللحظة التي كان بيوت واثنان آخران أول من اطلع على «الجاني»: فيروس كبير ونحيل، سيُعرف لاحقاً بأنه من بين أخطر مسببات الأمراض التي يمكن أن تنتجها الطبيعة، كما كتب أبورفا ماندفيلي (*).

أطلق الفريق عليه اسم «إيبولا» Ebola، نسبةً إلى نهر قرب مركز تفشي المرض كان قد أودى بحياة الراهبة وعشرات آخرين. وعلى مر السنين، اكتشف العلماء أن لـ«إيبولا» أشكالاً متعددة، تسببت مجتمعةً في وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص. وقد تسبب تفشي فيروس بونديبوغيو Bundibugyo الحالي في الكونغو أيضاً، في إصابة ما يقرب من 9000 شخص ووفاة أكثر من 4200 شخص حتى 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

بعد أقل من عِقد من اكتشافه فيروس «إيبولا»، أصبح الدكتور بيوت شخصية بارزة في تاريخ فيروس فتاك آخر: فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز)، في أوائل ثمانينات القرن الماضي، كشف عمله في أفريقيا عن أن فيروس نقص المناعة البشرية لم يكن مرضاً يصيب الرجال المثليين فقط، كما كان يعتقد الكثيرون آنذاك. وفي عام 1995، أصبح أول مدير لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز (UNAIDS)، ويُنسب إليه الفضل في مساعدة العالم على فهم أن المرض كان يفتك ببعض أفقر سكان العالم وأكثرهم تهميشاً.

د. بيتر بيوت

حوار علمي

يبلغ بيوت الآن 77 عاماً، وهو رئيس مبادرة «إعادة ضبط أكرا Accra Reset»، وهي جهد دولي لإصلاح الصحة العالمية انطلاقاً من سيادة الدول. وخلال مقابلة أجريت معه في نيويورك الشهر الماضي، تحدث بإسهاب عن التهديد المستمر للأمراض المعدية وضرورة تغيير طريقة تعامل العالم معها. وفيما يلي مقتطفات من المحادثة:

س: حدّثنا عن اكتشافك عام 1976، الذي وصفته بأنه لحظة إدراك مفاجئة.

ج: في ذلك الوقت، لم يكن بالإمكان عزل الفيروس فيما كان يُسمى آنذاك دولة زائير. لم يكن هناك مختبر قادر على ذلك. لم نكن نملك أي فكرة عما كان موجوداً هناك. كان لدينا اسم المريض والطبيب، وهذا كل شيء.

وتحت المجهر، رأينا شيئاً لم نره من قبل. عادةً ما تكون الفيروسات كروية أو مربعة، وهنا رأينا شيئاً أشبه بالمعكرونة أو الديدان. لقد حيرنا الأمر، وكنا نعلم أن فيروساً واحداً فقط وُصف بهذه الطريقة حتى ذلك الحين، وهو فيروس ماربورغ Marburg (فيروس يُسبب حمى نزفية حادة وغالباً ما تكون قاتلة). لكننا كنا في حاجة إلى مزيد من اليقين. أرسلنا العينة إلى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (الأميركية) في أتلانتا، وهناك، في غضون يومين، أثبت الباحثون أنها ليست فيروس «ماربورغ».

ما أراه مثيراً للاهتمام، مقارنةً بتجربتي اللاحقة مع فيروس نقص المناعة البشرية، هو أننا لم نتخاصم أبداً. بعد ذلك، اكتشفتُ أن الأمور في العلم ليست دائماً على هذا النحو.

س: عندما تعاملتَ مع العينة، كنتَ ترتدي قفازات بسيطة ورقيقة فقط، وليس معدات الوقاية المُعقدة التي تعلم الآن أنها ضرورية عند التعامل مع «إيبولا».

ج: هذا درسٌ بالغ الأهمية لحياتي وللجميع. لا يمكنك أبداً معرفة ما تحتويه عينة من مريض. قد لا يكون فيها شيء. وقد تكون «إيبولا»... لذا؛ فإن تجنب سوء الحظ هو أهم شيء في الحياة.

أُصبتُ ذات مرة ببكتيريا السل البقري (التي تُسبب السل في الماشية). ومع الإصابة بـ«كوفيد - 19»، انتهى بي المطاف في العناية المركزة. ولكن هذا كل شيء. أنا لستُ من هواة المخاطرة.

س: أنت مؤسس برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، ومع ذلك تعتقد أنه يجب إغلاق المنظمة.

ج: عندما أسستُ برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، كنتُ أعتقد دائماً أن عمره محدود. من جهة، الأمر مؤثر بعض الشيء لأنني كرّستُ 12 عاماً من حياتي له، سبعة أيام في الأسبوع، دون توقف. لكنني أعتقد أيضاً أننا في حاجة إلى إعادة النظر بجدية فيما يحتاج إليه العالم حقاً اليوم. نحن في وقت نحتاج فيه إلى اتباع نهج أكثر تكاملاً في مجال الصحة، وليس مجرد التركيز على كل مرض على حدة من خلال منظمة مستقلة. علينا أن نفكر في الناس والقضية، وليس في المؤسسات.

تهديدات كبيرة

س: لقد مرّت خمسون سنة منذ أن اكتشفتَ «إيبولا»، وأربعون سنة منذ عملك الأولي على فيروس نقص المناعة البشرية. لكن لا يزال كلاهما يشكل تهديداً كبيراً.

ج: في عام 1973، عندما كنتُ في سنتي الأخيرة في كلية الطب، ذهبتُ للتحدث مع الأساتذة، فيما يُعرف اليوم بالإرشاد المهني. قالوا إنه لا مستقبل لكم في مجال الأمراض المعدية. لدينا لقاحات، ومضادات حيوية، ومياه شرب نقية، وصرف صحي، وما إلى ذلك - كان هذا رأيهم.

لقد حققنا تقدماً هائلاً، لكن بإمكاننا فعل المزيد. كانت نقطة التحول بالنسبة لي هي أن فيروس نقص المناعة البشري أصبح قابلاً للعلاج. هناك أكثر من 30 مليون شخص تعتمد حياتهم اليومية على تناول حبة دواء؛ أليس هذا مذهلاً؟ لكننا ما زلنا لا نملك علاجاً لفيروس نقص المناعة البشري؛ وما زلنا لا نملك لقاحاً. وستظل هناك دائماً حالات انتقال للعدوى؛ لا يمكننا تجاهل ذلك. لكن علينا بذل كل ما في وسعنا حتى لا يتفاقم الوضع ويتحول إلى وباء.

أسباب انتشار وباء «إيبولا»

س: ينتشر وباء «إيبولا» الحالي بوتيرة أسرع من أي وباء سابق. هل تعتقد أنه من الممكن السيطرة عليه؟

ج: من الناحية النظرية، يُفترض أن يكون «إيبولا» من أسهل الأوبئة التي يمكن السيطرة عليها؛ لأنه يتطلب (للانتقال والإصابة) اتصالاً مباشراً بسوائل الجسم. وهو يختلف تماماً عن «كوفيد - 19»؛ إذ يكفي عزل المرضى وارتداء معدات الوقاية. في المجتمعات المزدهرة والقادرة على الصمود، تتوفر جميع هذه الأنظمة.

لكن السياق هو ما يجعل الأمر بالغ الصعوبة في الكونغو. فهذه منطقة عانت ويلات الصراع المسلح لعقود؛ لذا لا يمكن التنقل من مكان إلى آخر بسهولة. كما أن هناك عنفاً جنسياً. أما نظام الرعاية الصحية فلا يعمل بكفاءة؛ فهو غير مستعد للعزل والعلاج وتوعية الناس. وهناك الكثير من المعلومات المضللة. لكن هناك أيضاً عادات وطقوساً، كالجنازات، التي تُصبح خطيرة للغاية عند وفاة شخص مصاب بـ«إيبولا».

عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عنه

كما نعلم أن عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عن «إيبولا» نفسها. هذا يُشلّ نظام الرعاية الصحية برمته. لدينا معدلات وفيات أمهات أعلى بكثير، ووفيات أطفال بسبب الملاريا أو الحوادث. علينا أن نضمن توفير هذا النوع من الرعاية المنتظمة، ليس فقط لإنقاذ الأرواح، بل أيضاً لاستعادة الثقة في النظام الصحي. ولهذا السبب؛ يساورني قلق بالغ من أن يستمر هذا التفشي لفترة طويلة. لكن سيتم احتواؤه يوماً ما.

* خدمة «نيويورك تايمز»


حين تكشف الصورة مرضاً لم نبحث عنه… الذكاء الاصطناعي يمنح الأشعة «قراءة ثانية»

صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول
صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول
TT

حين تكشف الصورة مرضاً لم نبحث عنه… الذكاء الاصطناعي يمنح الأشعة «قراءة ثانية»

صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول
صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول

قد يخضع المريض لتصوير مقطعي لفحص رئتيه، بينما تحمل الصورة نفسها علامات لسرطان في المريء لم يكن موضع البحث. فهل يستطيع الذكاء الاصطناعي التقاط هذه العلامات، وإضافة فرصة للكشف عن المرض من دون تصوير جديد؟

هذا ما اختبرته دراسة نُشرت في دورية «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine) في 22 سبتمبر (أيلول) 2026، بعد أن طوّر الباحثون نظاماً أسموه «إيغل» (EAGLE) لتحليل صور الصدر المقطعية من دون مادة تباين، بحثاً عن سرطان المريء، وآفات ما قبل السرطان.

وتفتح الدراسة احتمالاً لإضافة «قراءة ثانية» إلى فحص موجود بالفعل. لكن قيمة هذه القراءة تتوقف على دقتها، وعلى ما إذا كانت نتائجها ستقود إلى فحوص وقرارات تفيد المريض.

مرض يصعب البحث عنه مبكراً

يصعب تمييز الآفات الصغيرة في المريء بالتصوير المقطعي، بسبب طبيعته الأنبوبية، وقابليته للانطواء، والحركة. ويظل التنظير مهماً للكشف والتشخيص لدى الفئات المناسبة، لكنه إجراء أكثر تدخلاً. لذلك اختبر الباحثون إمكان الاستفادة من صور الصدر المتاحة بالفعل لرصد علامات تستدعي فحصاً إضافياً.

دُرّب «إيغل» على بيانات 6813 مريضاً من مركزين طبيين، ثم جرى التحقق من أدائه عبر 12 مركزاً في ثلاث دول، شملت أكثر من 80 ألف شخص.

وفي مجموعات الاختبار الخارجية، بلغت حساسية اكتشاف السرطان 90 في المائة، والنوعية 98.5 في المائة، أي قدرته على تصنيف الحالات السلبية تصنيفاً صحيحاً. لكن حساسية اكتشاف الآفات ما قبل السرطانية كانت أقل، وبلغت 52.5 في المائة. وشملت الدراسة أيضاً اختبارات مستقبلية، وفي بيئات واقعية، مما يوسّع التقييم دون أن يحسم جدوى استخدامه للفحص السكاني.

صورة واحدة... أكثر من سؤال طبي

تُطلب صورة الصدر عادة للإجابة عن سؤال محدد، مثل وجود كتلة في الرئة، أو التهاب. لكن «إيغل» يختبر إمكان الاستفادة منها للبحث عن مرض آخر.

وقد رصد النظام بعض الأورام التي فاتت القراءة السريرية الأصلية، وأظهر تحليل صور سابقة لبعض الحالات علامات أمكنه التعرف عليها قبل التشخيص بأشهر. وهذه نتائج تشير إلى فرصة محتملة للكشف المبكر، لكنها لا تثبت وحدها تحسّن نتائج العلاج. بهذا المعنى، تضيف «القراءة الثانية» معلومات إلى فحص موجود، من دون تعريض المريض لتصوير جديد.

فحص واحد بجهاز تصوير مقطعي... فرص إضافية للكشف

من فحص سرطان الرئة إلى المريء؟

اختبر الباحثون «إيغل» أيضاً على صور الصدر المقطعية منخفضة الجرعة، والمستخدمة في فحص سرطان الرئة. ويشير ذلك إلى إمكان توسيع فائدة بعض برامج الفحص القائمة للكشف عن علامات سرطان المريء دون تصوير إضافي.

لكن النتائج لا تجعل التصوير المقطعي بديلاً عن التنظير، كما أنها لا تكفي لتبرير فحص عامة السكان بالخوارزمية. فتطبيقها يتطلب تحديد من يُحال إلى التنظير، وحجم الإنذارات الكاذبة، وتكاليف متابعتها، وأثرها النفسي، وإثبات أن الكشف المبكر يحسّن النتائج الصحية على المدى الطويل.

المراجعة الطبية أساس تفسير الأشعة

حين تساعد الخوارزمية اختصاصي الأشعة

اختبر الباحثون أيضاً أداء اختصاصي الأشعة عند الاستعانة بـ«إيغل». وحسّنت المساعدة قدرتهم على اكتشاف بعض الآفات المبكرة، لكن قوة النموذج منفرداً لم تنعكس بالكامل على أدائهم عند استخدامه.

وتشير هذه النتيجة إلى أن نجاح الأداة يتطلب أكثر من دقة الخوارزمية؛ فهو يعتمد أيضاً على طريقة عرض نتائجها، وتدريب الطبيب على تفسيرها، وقدرته على مراجعتها. لذلك ينبغي تقييم أداء الطبيب والأداة معاً، كما سيعملان في الممارسة اليومية.

ماذا تخبئ صور الأرشيف؟

إذا أكدت دراسات إضافية جدوى هذا النهج، فقد تتيح إعادة تحليل بعض الصور المحفوظة في المستشفيات بحثاً عن علامات لم تكن موضع اهتمام عند إجراء الفحص.

لكن العودة إلى الأرشيف تحتاج إلى ضوابط واضحة: كيف تُحمى خصوصية المريض عند استخدام صوره لغرض جديد؟ ومن يراجع النتائج، ويتولى إبلاغه، ومتابعته؟ فاكتشاف علامة محتملة لا يكتسب قيمة سريرية إلا إذا تبعته مراجعة طبية، ومسار متابعة مناسب.

من «الصورة» إلى «المعلومة»

تفتح الدراسة احتمالاً يتجاوز سرطان المريء: أن يقدم الفحص الواحد معلومات تساعد على الإجابة عن أسئلة طبية متعددة.

لكن قيمة «القراءة الثانية» ستُقاس بما تضيفه إلى صحة المريض، ومدى قدرتها على توجيه فحوص وقرارات مفيدة، مع الحد من الإنذارات غير الضرورية.

وهكذا يصبح السؤال: ما الذي يمكن أن تكشفه الصورة أيضاً، وأيّ اكتشاف يستحق أن نتصرف بناءً عليه؟


الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه
TT

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

أظهرت دراسة دولية أن تحليل نحو 1500 بروتين في الدم -بالتزامن مع البيانات الجينية- يمكن أن يساعد في كشف الأسباب المحتملة للأمراض النادرة التي عجز تسلسل الجينوم وحده عن تشخيصها، وذلك من خلال توضيح التغيرات الجينية غير المؤكدة، وتحديد جينات مرشحة قد تكون مسؤولة عن المرض.

وشارك في الدراسة التي نشرت في دورية «Science Translational Medicine» في 9 سبتمبر (أيلول) 2026 باحثون من جامعة كوين ماري في لندن، ومعهد برلين للصحة في مستشفى شاريتيه، ومؤسسة «جينومكس إنغلاند»، حيث حلّلوا عينات دم لأشخاص ظلوا دون تشخيص جيني بعد خضوعهم للفحوصات ضمن مشروع «100 ألف جينوم». وتشير النتائج إلى أن دمج علم البروتينات مع التحليل الجيني قد يوفر أداة إضافية لتحسين تشخيص الأمراض النادرة، وكشف حالات يصعب تفسيرها بالاعتماد على المعلومات الجينية وحدها.

عندما تعجز الفحوصات الجينية عن تقديم إجابات

أحدث تسلسل الجينوم والإكسوم تحولاً كبيراً في تشخيص الأمراض النادرة، إلا أن العديد من المرضى لا يزالون يواجهون صعوبة في معرفة الأسباب الكامنة وراء حالاتهم الصحية. ومن أبرز التحديات التغيرات الجينية المعروفة باسم المتغيرات ذات الدلالة غير المؤكدة (VUS) variants of uncertain significance.

وتُكتشف هذه المتغيرات أثناء الفحوصات الجينية، لكن العلماء لا يمتلكون بعد أدلة كافية لتحديد ما إذا كانت مسؤولة عن مرض المريض.

بروتينات الدم توفر مصدراً إضافياً للمعلومات

وقد توفر بروتينات الدم مصدراً إضافياً للمعلومات، إذ تعكس العمليات البيولوجية التي تحدث داخل الجسم. ويمكن أن تشير المستويات المرتفعة أو المنخفضة بشكل غير معتاد لبروتينات محددة إلى أن تغيراً جينياً يؤثر في وظيفة أحد الجينات.

وقالت الدكتورة جوليا كاراسكو - زانيني من معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن -والمؤلفة الأولى للدراسة- إن الجمع بين قياسات البروتينات والبيانات الجينية قد يوفر طبقة إضافية من الأدلة لفهم المتغيرات الجينية.

وبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن تغيرات جينية إضافية، يمكن لهذا الأسلوب أن يساعد الباحثين على تفسير المعلومات الجينية المتاحة بالفعل.

إشارات البروتينات لتفسير الحالات الغامضة

وأظهر البحث أن الجمع بين البيانات الجينية وقياسات البروتينات كان مفيداً بصورة خاصة لدى بعض المرضى المصابين بتوسع الشعيرات النزفي الوراثي (HHT) hereditary hemorrhagic telangiectasia، وهو اضطراب وراثي نادر يؤثر في الأوعية الدموية. وساعد هذا النهج في حل حالات ظلت دون تشخيص بعد التحليل الجيني.

كما أسهمت قياسات البروتينات في تحديد تغيرات جينية ربما لم تلتقطها الأساليب التقليدية المستخدمة في تحليل بيانات تسلسل الجينوم. وحقق الباحثون أيضاً في إمكانية الاستعانة بمستويات البروتينات غير المعتادة للكشف عن جينات لم يثبت بشكل قاطع بعد أنها تسبب أمراضاً نادرة محددة.

ومن بين الأمثلة جين TIE1 الذي يؤدي دوراً في وظائف الأوعية الدموية. فقد حدد العلماء متغيراً جينياً نادراً في هذا الجين لدى مريض يعاني من اضطراب وراثي غير مفسر في القلب، إلى جانب انخفاض استثنائي في مستويات بروتين TIE1 في دمه.

ووجد الباحثون المتغير الجيني نفسه لدى والد المريض الذي كان يعاني من الحالة ذاتها، بينما لم يُكتشف لدى المشاركين الآخرين في مشروع «100 ألف جينوم». كما أظهرت تجارب مخبرية إضافية باستخدام خلايا مأخوذة من المريض انخفاضاً ملحوظاً في مستويات بروتين TIE1 وإشاراته، مما قدم دعماً إضافياً للعلاقة المحتملة.

ومع ذلك شدد الباحثون على أن هذه النتيجة تمثل ارتباطاً مرشحاً بين الجين والمرض، ولا تؤكد أن جين TIE1 هو السبب المباشر للحالة. ولا تزال هناك حاجة إلى أدلة إضافية لإثبات هذه العلاقة.

مصدر أقل تدخلاً للحصول على المعلومات البيولوجية

وتتمثل إحدى المزايا المحتملة لهذا النهج في اعتماده على عينات الدم التي قد توفر بديلاً أكثر سهولة لبعض الأساليب المخبرية التي تتطلب أخذ خزعات من الجلد، وزراعة خلايا مأخوذة من المرضى.

وقال البروفسور داميان سميدلي من معهد ويليام هارفي للأبحاث في جامعة كوين ماري في لندن -وأحد المؤلفين المشاركين في الدراسة- إن قياسات البروتينات قد تساعد الباحثين على تحديد التغيرات الجينية الأكثر احتمالاً للتأثير في صحة المريض، وتوجيه عمليات بحث أكثر تركيزاً.

لكن هذا الأسلوب يواجه قيوداً مهمة. فالتقنيات الحالية تقيس جزءاً فقط من البروتينات التي يشفرها الجينوم البشري، كما أن بعض البروتينات المرتبطة بالأمراض لا يمكن اكتشافها بشكل موثوق في الدم.

إضافة إلى ذلك، لا تؤدي جميع المتغيرات الجينية المسببة للأمراض إلى تغيير مستويات البروتينات الموجودة في مجرى الدم. ولذلك لا تستطيع هذه التقنية حتى الآن تقديم إجابات لجميع المرضى الذين يعانون من أمراض نادرة غير مشخصة.

نحو تشخيص أكثر شمولاً

ويرى الباحثون أن التطورات في مجال علم البروتينات المعروف باسم «البروتيوميات» proteomics قد تجعل هذا النهج أكثر فائدة عند دمجه مع تسلسل الجينوم. والبروتيوميات هي الدراسة الشاملة لجميع أصناف وأنواع البروتينات، خاصة ما يتعلق ببنية البروتين، ووظائفها.

وقالت البروفسورة كلوديا لانغنبرغ -مديرة معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن- إن البيانات الجينية توفر معلومات عن المخطط البيولوجي للجسم، بينما يمكن لقياسات البروتينات أن تقدم صورة عن كيفية عمل هذا المخطط داخل جسم المريض.

ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية تشمل أعداداً أكبر من المرضى، ومجموعات سكانية أكثر تنوعاً، ونطاقاً أوسع من الأمراض النادرة. كما يهدف العلماء إلى زيادة عدد البروتينات التي يمكن قياسها، وتحسين حساسية الاختبارات، وتطوير نطاقات مرجعية دقيقة لتفسير النتائج.

ورغم أن تحليل بروتينات الدم لا يُعد بديلاً عن تسلسل الجينوم في الوقت الحالي، فإن النتائج تشير إلى إمكانية أن يصبح أداة مكملة مهمة تساعد الباحثين على اكتشاف إشارات بيولوجية قد تظل مخفية، وتقرّب بعض المرضى من الوصول إلى تشخيص طال انتظاره.