تعافٍ غير منتظم للاقتصاد الصيني في مرحلة ما بعد «كوفيد»

انكماش الصناعات التحويلية ونمو أكثر بطئاً للنشاط غير التصنيعي

زحام على الرحلات الداخلية داخل محطة سكة حديد غرب بكين في عطلة عيد العمال 29 أبريل 2023 (إ.ب.أ)
زحام على الرحلات الداخلية داخل محطة سكة حديد غرب بكين في عطلة عيد العمال 29 أبريل 2023 (إ.ب.أ)
TT

تعافٍ غير منتظم للاقتصاد الصيني في مرحلة ما بعد «كوفيد»

زحام على الرحلات الداخلية داخل محطة سكة حديد غرب بكين في عطلة عيد العمال 29 أبريل 2023 (إ.ب.أ)
زحام على الرحلات الداخلية داخل محطة سكة حديد غرب بكين في عطلة عيد العمال 29 أبريل 2023 (إ.ب.أ)

أظهرت بيانات رسمية، أمس الأحد، أن نشاط الصناعات التحويلية في الصين انكمش بشكل غير متوقع في أبريل (نيسان)، وهو ما يفاقم التحدي الذي يواجهه الاقتصاد وسط تعاف غير منتظم في مرحلة ما بعد «كوفيد» في ظل تباطؤ الطلب العالمي، واستمرار التذبذب في قطاع العقارات بالبلاد.
وأفادت بيانات من المكتب الوطني للإحصاء بأن المؤشر الرسمي لمديري المشتريات الرسمي في قطاع الصناعات التحويلية سجل 49.2، منخفضا من 51.9 في مارس (آذار)، ليكون دون مستوى الخمسين نقطة الفاصل بين التوسع والانكماش في النشاط على أساس شهري. وجاءت القراءة دون توقعات عند 51.4.
ونما ثاني أكبر اقتصاد في العالم بشكل أسرع من المتوقع في الربع الأول من العام، مدفوعا بتحرر الطلب الاستهلاكي بعد تخفيف القيود المرتبطة بـ«كوفيد - 19» لكن إنتاج المصانع تباطأ وسط ضعف النمو العالمي.

النشاط غير التصنيعي
أظهرت البيانات أن النشاط غير التصنيعي في الصين نما بوتيرة أكثر بطئا في أبريل، وهو مؤشر سلبي بالنسبة لصانعي السياسة الذين يعتمدون على استهلاك الخدمات لتعويض الضعف في قطاع المصانع وسط تباطؤ في الطلب العالمي. وأفاد المكتب الوطني للإحصاء بأن المؤشر الرسمي لمديري المشتريات في القطاع غير التصنيعي سجل 56.4 مقابل 58.2 في مارس، ليظل فوق مستوى الخمسين نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش في النشاط على أساس شهري. وبلغ مؤشر مديري المشتريات الرسمي المركب، الذي يشمل التصنيع والخدمات 54.4 مقارنة مع 57 في مارس.

التجارة الخارجية
ارتفعت واردات وصادرات الصين من المنتجات الزراعية بنسبة 5.‏11 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام الحالي.
وأفادت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، بأن المنتجات الزراعية حققت 38.‏83 مليار دولار من التجارة الخارجية للبلاد، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2023؛ وفقا لبيانات وزارة الزراعة والشؤون الريفية. وارتفعت واردات الصين من المنتجات الزراعية بنسبة 2.‏13 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 88.‏59 مليار دولار خلال تلك الفترة، بينما بلغت صادراتها من المنتجات الزراعية 5.‏23 مليار دولار، بزيادة نسبتها 4.‏7 في المائة بالمقارنة مع الفترة نفسها من عام 2022.
وارتفع العجز التجاري في البلاد من المنتجات الزراعية بنسبة 2.‏17 في المائة على أساس سنوي، ليصل إلى 38.‏36 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بحسب ما ورد في البيانات أيضا. مبيعات المنازل
ارتفعت مبيعات المنازل في الصين للشهر الثالث خلال أبريل، مما زاد من بوادر حدوث حالة من التعافي للقطاع المحاصر بالمشاكل، بعد أن وسع صناع السياسات من دعمهم له. وأفادت وكالة «بلومبرغ» للأنباء الأحد، بارتفاع قيمة مبيعات المنازل الجديدة من جانب أكبر 100 مطور عقاري، بنسبة 6.‏31 في المائة بالمقارنة مع العام السابق، لتصل إلى 5.‏566 مليار يوان (9.‏81 مليار دولار)، بحسب البيانات الأولية التي صدرت عن شركة «تشاينا ريل إستيت إنفورميشن».
ويأتي ذلك بالمقارنة مع تسجيل زيادة نسبتها 2.‏29 في المائة في مارس الماضي. ويشير التحسن إلى أن الإجراءات التي تتخذها الحكومة لدعم صناعة العقارات في البلاد، والتي تعد عنصراً حاسماً بالنسبة للدولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لها تأثير إيجابي.

ارتفاع الرحلات السياحية والإنفاق
في غضون ذلك، ارتفعت أنشطة السياحة والمستهلكين في الصين بشكل حاد في اليوم الأول من عطلة «عيد العمال» التي تستمر لمدة خمسة أيام، حيث سارع السكان للسفر والإنفاق بعد ثلاث سنوات من قيود «كوفيد» التي تم إلغاؤها أخيرا. وقالت صحيفة «ذا بيبر» الصينية، نقلا عن بيانات من مجموعة السكك الحديدية الصينية المحدودة، إنه تم إجراء نحو 7.‏19 مليون رحلة على متن السكك الحديدية في جميع أنحاء البلاد يوم السبت، وهو أعلى مستوى بالنسبة لحركة المسافرين يتم تسجيله في يوم واحد؛ وفق وكالة «بلومبرغ» للأنباء.
وتتوقع شركة السكك الحديدية أن ترتفع حركة السفر إلى مستوى قياسي يبلغ 120 مليون مسافر خلال فترة العطلة الممتدة، بزيادة 20 في المائة عن الفترة نفسها من عام 2019 قبل تفشي الجائحة.
وأظهرت بيانات وزارة التجارة، التي نقلتها محطة «سي سي تي في» الصينية الحكومية، ارتفاع عدد المتسوقين يوم السبت أيضا، حيث شهدت شركات البيع بالتجزئة وشركات توريد الأغذية الكبرى قفزة في المبيعات بنسبة 21 في المائة مقارنة بالعام الماضي.
وارتفعت إيرادات سلاسل الأغذية الرئيسية بنسبة 37 في المائة، وارتفعت مبيعات الملابس بنسبة 21 في المائة، في حين ارتفعت مبيعات المجوهرات والسجائر والكحول جميعها بنسبة 17 في المائة.

تراجع صادرات كوريا الموجهة للصين
في الأثناء، أظهرت بيانات أمس، تسجيل كوريا الجنوبية أكبر تراجع في الصادرات الموجهة للصين خلال الربع الأول.
وذكرت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء أن البيانات أظهرت أن الصادرات للصين تراجعت بنسبة 28 في المائة خلال الربع الأول مقارنة بالربع نفسه من العام الماضي، ويرجع ذلك إلى الانخفاض الحاد في صادرات أشباه الموصلات.
وبلغ حجم الصادرات الكورية الجنوبية للصين خلال ثلاثة أشهر حتى 30 مارس الماضي 2.‏38 مليار دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ومثلت الصادرات الكورية 2.‏6 في المائة من واردات الصين خلال الربع الأول مقارنة بـ1.‏8 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي؛ وفق بيانات إدارة الجمارك العامة بالصين.
وقد تراجعت واردات الصين بنسبة 7 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 12.‏617 مليار دولار خلال أول ثلاثة أشهر من العام. وسجلت كوريا الجنوبية أكبر تراجع في الصادرات للصين خلال الربع الأول من بين 23 دولة ومنطقة يصنفها مكتب الجمارك الصيني على أنها أبرز الشركاء التجاريين للصين. يشار إلى أن صادرات كوريا الجنوبية من أشباه الموصلات تراجعت بنسبة 40 في المائة خلال الربع الأول مقارنة بالعام الماضي في ظل تراجع الطلب على الرقائق الإلكترونية وانخفاض أسعارها، وفقاً لرابطة التجارة الدولية الكورية وبنك كوريا.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

تراجع حاد في إنتاج النفط العراقي مع امتلاء الخزانات وسط استمرار حرب إيران

منظر عام لحقل غرب القرنة - 2 النفطي في جنوب البصرة (رويترز)
منظر عام لحقل غرب القرنة - 2 النفطي في جنوب البصرة (رويترز)
TT

تراجع حاد في إنتاج النفط العراقي مع امتلاء الخزانات وسط استمرار حرب إيران

منظر عام لحقل غرب القرنة - 2 النفطي في جنوب البصرة (رويترز)
منظر عام لحقل غرب القرنة - 2 النفطي في جنوب البصرة (رويترز)

تراجع إنتاج النفط ‌العراقي ‌بشكل حاد ​مع ‌استمرار ⁠حرب ​إيران، إذ ⁠وصلت خزانات النفط إلى مستويات عالية وحرجة، في ⁠حين تعجز ‌البلاد ‌عن ​تصدير ‌النفط الخام ‌عبر مضيق هرمز. حسبما نقلت «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين في قطاع الطاقة العراقي.

وأضاف المسؤولون، الأربعاء، أن إنتاج حقول ‌النفط الرئيسية في جنوب ⁠العراق انخفض بنحو ⁠80 في المائة ليصل إلى نحو 800 ألف برميل يومياً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، انخفض إنتاج النفط العراقي من حقوله الرئيسية في الجنوب بنحو 70 في المائة ليصل إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً، نظراً لعدم قدرة البلاد على تصدير النفط الخام عبر مضيق هرمز المغلق بشبه كامل، وفقاً لمصادر في القطاع.

وكان إنتاج هذه الحقول يبلغ 4.3 مليون برميل يومياً قبل الحرب.

وأفاد مسؤولون بأن العراق قرر إجراء المزيد من التخفيضات في الإنتاج ابتداء من يوم الثلاثاء، بعد أن طلب من شركة بريتيش بتروليوم (BP) خفض الإنتاج من حقل الرميلة النفطي العملاق بمقدار 100 ألف برميل يومياً، ليصل الإنتاج إلى 350 ألف برميل يومياً من 450 ألف برميل يومياً.

كما طلب العراق من شركة «إيني» الإيطالية خفض الإنتاج من حقل «الزبير» بمقدار 70 ألف برميل يومياً من الإنتاج الحالي البالغ 330 ألف برميل يومياً.

وجاء في رسالة رسمية صادرة عن شركة نفط البصرة الحكومية وموجهة إلى شركة «بريتيش بتروليوم»، وفقاً لـ«رويترز»: «نظراً لارتفاع مستويات المخزون في المستودعات إلى مستويات حرجة، يرجى خفض الإنتاج والضخ من شمال الرميلة إلى 350 ألف برميل يومياً من المستويات الحالية، بدءاً من الساعة 9:00 صباحاً بالتوقيت المحلي يوم 24 مارس (آذار)».

كما أفادت «رويترز» برسالة مماثلة موجهة إلى شركة «إيني». وأضافت المصادر أن العراق خفض أيضاً إنتاجه من حقول نفطية حكومية مختلفة.

وحذر مسؤولون في قطاع الطاقة العراقي من إمكانية الإعلان عن مزيد من تخفيضات الإنتاج خلال الأيام المقبلة إذا لم تحل الأزمة في مضيق هرمز.

وبعد سلسلة من التخفيضات، انخفض إنتاج حقول النفط الجنوبية في العراق إلى نحو 800 ألف برميل يومياً، نظراً للمحدودية الشديدة في مساحات التخزين المتاحة واستمرار توقف الصادرات، وفقاً لما ذكره مسؤول نفطي رفيع المستوى مطّلع على عمليات الإنتاج.


ارتداد حذر في الأسواق العالمية على وقع خطة الـ15 نقطة الأميركية

متداول في بورصة نيويورك يستعد لافتتاح السوق (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك يستعد لافتتاح السوق (أ.ف.ب)
TT

ارتداد حذر في الأسواق العالمية على وقع خطة الـ15 نقطة الأميركية

متداول في بورصة نيويورك يستعد لافتتاح السوق (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك يستعد لافتتاح السوق (أ.ف.ب)

عاشت الأسواق العالمية حالة من «الانفصام الإيجابي» خلال تعاملات الأربعاء؛ فبينما كانت الطائرات المتبادلة ترسم خطوط الحرب في سماء الشرق الأوسط، كانت شاشات التداول ترسم أخضر الأمل، مدفوعة ببريق مقترح أميركي يرمي لـ«تجميد» الصراع. هذا التحول الدراماتيكي في شهية المخاطرة، الذي قاد الأسهم العالمية لاسترداد عافيتها وهبط بخام برنت تحت حاجز الـ100 دولار، عكس رغبة محمومة لدى المستثمرين في تصديق رواية «التهدئة»، رغم افتقارها حتى الآن لضمانات الميدان أو موافقة طهران الصريحة.

ولم يكن ارتداد الأسواق مجرد رد فعل عاطفي على أنباء «خطة الـ15 نقطة» الأميركية، بل كان تحركاً فنياً استراتيجياً؛ حيث استغل «قنّاصو الفرص» بلوغ الأسهم والذهب مستويات مغرية للشراء بعد نزف الأيام الماضية. وفي مفارقة لافتة، قفز الذهب بأكثر من 2 في المائة ليس فقط كـ«ملاذ آمن» ضد المجهول الجيوسياسي، بل كمستفيد أول من تراجع رهانات رفع الفائدة، بعد أن منحت أنباء التهدئة وتراجع أسعار النفط «قُبلة حياة» للمصارف المركزية التي كانت تخشى فقدان السيطرة على التضخم.

ناقلة نفط راسية في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)

الأسهم العالمية تسترد عافيتها

وفي تفاصيل الأداء الميداني، قادت البورصات الأوروبية قاطرة الصعود؛ حيث قفز مؤشر «ستوكس 600» بنسبة 1.4 في المائة، بينما استعاد مؤشر «فاينانشال تايمز 100» البريطاني بريقه بصعوده 1.1 في المائة.

ولم تكن الأسواق الآسيوية بعيدة عن هذا المشهد، إذ سجلت بورصة تايوان مكاسب قوية بلغت 2.5 في المائة، مدعومة بتفاؤل حذر حيال استقرار سلاسل الإمداد التقنية، في حين تراوحت مكاسب الأسواق الناشئة الأخرى بين 1.6 في المائة و2.3 في المائة.

يقف أحد المارة أمام لوحة أسعار الأسهم التي تعرض متوسط ​​مؤشر نيكي خارج شركة وساطة في طوكيو (رويترز)

هذا الانتعاش جاء مدفوعاً بما أوردته تقارير إعلامية، حول مقترح أميركي يتضمن خطة من 15 نقطة لوقف إطلاق النار لمدة شهر. ورغم نفي طهران وجود مفاوضات مباشرة ووصفها لحديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه «تفاوض مع الذات»، فإن المستثمرين فضلوا التمسك بـ«قشة» التهدئة، وهو ما عكسه تراجع عوائد السندات السيادية. فقد تراجعت العوائد في منطقة اليورو، حيث انخفض العائد على السندات الألمانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 2.95 في المائة، فيما تراجع العائد على السندات الإيطالية إلى نحو 3.83 في المائة. وجاء هذا التحسن مدفوعاً بزيادة الطلب على الأصول الآمنة، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط.

وفي الولايات المتحدة، استقرت عوائد سندات الخزانة نسبياً، حيث بلغ العائد على السندات لأجل عشر سنوات نحو 4.33 في المائة، بينما سجل مؤشر الدولار ارتفاعاً طفيفاً إلى 99.33 نقطة، في حين تراجع اليورو بشكل محدود إلى 1.1598 دولار.

النفط إلى مستوى مقاومة مهم

أما في سوق الطاقة، فقد عاشت الأسعار حالة من التصحيح؛ إذ انخفضت أسعار النفط تحت حاجز 100 دولار للبرميل، وهو مستوى مقاومة مهم. وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت 5.2 في المائة إلى 98.99 دولار دولار للبرميل بحلول الساعة 01:35 بتوقيت غرينتش، كما انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 4.7 في المائة إلى 87.90 ‌دولار للبرميل.

وارتفع كلا الخامين بنحو ‌5 في المائة في جلسة يوم الثلاثاء، ما يعني أن جلسة الأربعاء محتها. ولا تزال الأسعار أكبر بنحو 40 في المائة من مستويات ما قبل حرب إيران.

ومع آمال نجاح المفاوضات الأميركية الإيرانية، قال الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، ‌لاري فينك، إن أسعار النفط قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل، مع استمرار تعطل مضيق هرمز، وتؤدي إلى «ركود عالمي» إذا «ظلت إيران تشكل تهديداً» حتى بعد انتهاء الحرب.

عائلة تجلس أمام حوض بناء السفن قبالة مدينة الفجيرة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الذهب يلمع مجدداً

وفي مفارقة لافتة، استغل الذهب هذا التراجع في ضغوط الفائدة ليحلق عالياً بارتفاع تجاوز 2 في المائة، ليصل إلى مستويات 4558 دولاراً للأوقية. وبحسب محللين، فإن الذهب لم يعد يعمل فقط كتحوط ضد الحرب، بل كمستفيد من ضعف الدولار النسبي وتوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه لتثبيت الفائدة «لفترة أطول» بدلاً من رفعها، مع انخفاض احتمالات الرفع في ديسمبر (كانون الأول) إلى نحو 16 في المائة.

وعلى الرغم من هذا «اللون الأخضر» الذي كسا الشاشات، أظهرت بيانات اقتصادية ألمانية استمرار تراجع ثقة الأعمال، ما يذكر بأن الضرر الهيكلي الذي أحدثته الحرب لا يزال قائماً.


تركيا تضحي بـ30 مليار دولار في 21 يوماً لإنقاذ الليرة من تداعيات حرب إيران

مقر المصرف المركزي التركي في أنقرة (رويترز)
مقر المصرف المركزي التركي في أنقرة (رويترز)
TT

تركيا تضحي بـ30 مليار دولار في 21 يوماً لإنقاذ الليرة من تداعيات حرب إيران

مقر المصرف المركزي التركي في أنقرة (رويترز)
مقر المصرف المركزي التركي في أنقرة (رويترز)

يواجه البنك المركزي التركي ضغوطاً غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في إيران؛ حيث أدّى الاستنزاف الحاد في احتياطيات النقد الأجنبي إلى إثارة تساؤلات جدية حول قدرة أنقرة على مواصلة سياستها الحالية لدعم العملة، وسط توقعات باحتمال لجوء المصرف المركزي إلى تسييل جزء من حيازاته الضخمة من الذهب لدعم الليرة المتعثرة.

فاتورة التدخل

وكشف محللون ومديرو صناديق لصحيفة «فاينانشيال تايمز» أن البنك المركزي التركي أنفق نحو 30 مليار دولار خلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقط للحفاظ على استقرار الليرة، وهو حجم تدخل يضاهي الذروة التي شهدتها البلاد إبان الهزة المالية التي أعقبت اعتقال عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو العام الماضي.

وحسب تقديرات «بورومجيكجي للاستشارات»، فإن مبيعات المركزي من العملات الأجنبية بلغت 26 مليار دولار في الأسابيع الثلاثة المنتهية في 19 مارس (آذار)، ما هبط بصافي الاحتياطيات (باستثناء المقايضات) إلى نحو 43.4 مليار دولار، فيما تُشير تقديرات مستقلة أخرى إلى أن إجمالي النزيف منذ بدء الصراع وصل إلى 34 مليار دولار.

سلاح الذهب... الخيار الأخير!

في ظل هذا التسارع في فقدان الاحتياطيات، يبرز الذهب طوق نجاة محتملاً؛ إذ تمتلك تركيا أكثر من 100 مليار دولار من المعدن الأصفر، منها 30 مليار دولار مودعة في بنك إنجلترا، ما يسهل استخدامها في عمليات التدخل دون «عقبات لوجيستية». وحسب تقارير، يدرس البنك المركزي استخدام «مقايضات الذهب» لتوفير السيولة الأجنبية اللازمة للدفاع عن العملة.