ما ظروف العمل الأكثر تأثيرا على الصحة العقلية للموظف؟

نوبات العمل الليلية والجداول الأقل مرونة لها تأثير كبير على صحة العمال العقلية (رويترز)
نوبات العمل الليلية والجداول الأقل مرونة لها تأثير كبير على صحة العمال العقلية (رويترز)
TT

ما ظروف العمل الأكثر تأثيرا على الصحة العقلية للموظف؟

نوبات العمل الليلية والجداول الأقل مرونة لها تأثير كبير على صحة العمال العقلية (رويترز)
نوبات العمل الليلية والجداول الأقل مرونة لها تأثير كبير على صحة العمال العقلية (رويترز)

كشف تقرير جديد صدر عن المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، أن ظروف عمل معينة -بما في ذلك جداول العمل غير المرنة، والعمل في وقت متأخر من الليل، وعدم وجود إجازة مرضية مدفوعة الأجر- قد يكون لها تأثير كبير على الصحة العقلية، وفقاً لشبكة «سي إن إن».
أظهر التقرير أنه في عام 2021 عانى نحو 1 من كل 37 بالغاً عاملاً من ضغوط نفسية خطيرة، أو مشاعر سلبية كانت شديدة بما يكفي لإضعاف الأداء الاجتماعي والمهني وتحتاج إلى العلاج. استندت النتائج إلى عينة تمثيلية من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عاماً.
أظهرت الردود، التي تم جمعها خلال العام الثاني لوباء «كورونا»، أن نحو 1 من كل 17 شخصاً ممن اضطروا إلى العمل عندما كانوا مرضى، أبلغوا عن ضغوط نفسية خطيرة، أي ثلاثة أضعاف أولئك الذين لم يضطروا إلى العمل عند المرض.
وكانت معدلات الضائقة النفسية الخطيرة أعلى بكثير بين العمال الذين لم يحصلوا على إجازة مرضية مدفوعة الأجر مقارنةً بمن حصلوا على ذلك.
ونوبات العمل في وقت متأخر من الليل والجداول الأقل مرونة كان لها أيضاً تأثير كبير على صحة العمال العقلية. كان الأشخاص الذين يعملون في النوبة الليلية أكثر عُرضة للإبلاغ عن ضغوط نفسية خطيرة بمقدار الضعف مقارنةً بالموظفين الذين يعملون في النهار.

وفقاً للتقرير، كان للتضارب في الجدول الزمني والأجور آثار سلبية أيضاً. كان الأشخاص الذين عملوا ضمن نوبات غير منتظمة أكثر عُرضة للإبلاغ عن ضغوط نفسية خطيرة، مثل أولئك الذين تغيرت أرباحهم من شهر لآخر وأولئك الذين توقعوا فقدان وظائفهم في غضون عام.
يقول الخبراء إن الافتقار إلى السيطرة هو لُبّ الكثير من ظروف العمل المرتبطة بضعف الصحة العقلية.
قال دينيس ستول، اختصاصي علم النفس الاجتماعي والشخصي: «يحتاج الناس إلى الشعور بالقدرة على السيطرة من أجل تجنب التعرض للضغط النفسي... عندما لا يعرف الناس ما سيحدث وليس لديهم أي سيطرة على ما سيحدث، يمكن أن يؤدي ذلك إلى القلق وزيادة مستويات التوتر».
وقال ستول، وهو مسؤول في علم النفس التطبيقي في جمعية علم النفس الأميركية: «يحتاج الناس إلى جدول زمني يمكن التنبؤ به بما يكفي بحيث لا يشعرون بأن حياتهم خارجة عن السيطرة ويمكن استدعاؤهم للعمل في أي لحظة. على الجانب الآخر، يحتاجون أيضاً إلى المرونة الكافية بحيث يشعرون بأن لديهم سيطرة ليكونوا قادرين على التعامل مع حالات الطوارئ التي تظهر في الحياة».


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها. وبينما اتخذت وزارة السياحة والآثار المصرية إجراءات فورية ضد المتورطين في الواقعة، واستبعدتهم من مواقع عملهم وأحالتهم للتحقيق طالب خبراء ومتخصصون بتشديد إجراءات التأمين للمواقع الأثرية، وتشديد عقوبات التعدي على الآثار.

وأصدرت وزارة السياحة والآثار بياناً، الأربعاء، أشارت خلاله إلى تداول صور على بعض مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر قيام سائحتين بتسلق أحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية، ما عدّته الوزارة «مخالفة صريحة لكافة القوانين واللوائح المنظمة للزيارة داخل المواقع الأثرية»، مؤكدة أنه «تم على الفور استبعاد المسؤولين المتورطين في هذه الواقعة من أماكن عملهم، وإحالتهم إلى التحقيق، مع اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم، وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة».

وأكدت الوزارة التزامها الكامل بـ«الحفاظ على المواقع الأثرية والسياحية واحترام قواعد زيارتها، والتصدي بكل حزم لأي تجاوزات من شأنها الإخلال بالضوابط والقواعد المعمول بها، بما يضمن صون التراث الحضاري والأثري المصري».

والسيرابيوم هو سرداب يضم دفنات للعجل المقدس «أبيس» الذي ارتبط بالمعبود بتاح معبود مدينة منف، ويؤدي طريق على جانبيه تماثيل أبو الهول إلى السيرابيوم الذي يتألف من ممرين طويلين كانا يحويان بقايا العجول المحنطة. وقد بدأ استخدام السيرابيوم منذ عهد أمنحتب الثالث بالدولة الحديثة حتى العصر البطلمي، وفق وزارة السياحة والآثار. وتضم ممرات السيرابيوم 24 تابوتاً حجرياً ضخماً، مصنوعة من أحجار صلبة، ويصل وزن كل تابوت إلى نحو 60 طناً، وفق تقديرات أثرية.

ووصف الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، هذه الواقعة بأنها «سلوك فردي وحالات فردية لا ترتقي لمستوى الظاهرة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يجب مراعاة كل الاحتياطات اللازمة في التعامل مع الآثار لضمان حمايتها وحفظها من العبث بها حتى لو كانت حالات فردية»، ودعا عبد المقصود إلى «تشديد الرقابة عبر استخدام المزيد من الكاميرات؛ لأنه لن نستطيع تخصيص عنصر بشري لكل أثر، وهذا يحدث في بعض المواقع، لكن يجب أن يمتد لكل المواقع»، وعدّ الإجراء الذي اتخذته وزارة السياحة «حاسماً ومن شأنه أن يحد ويوقف هذه التصرفات الفردية، ويضع كل شخص أمام مسؤولياته».

وشهدت منطقة سقّارة الأثرية واقعة مشابهة في فبراير (شباط) الماضي؛ إذ تم توقيف مرشد سياحي لقيامه بالرسم على أحد الآثار أثناء الشرح لمجموعة سياحية. وبمواجهته بمقطع فيديو متداول، أقر بارتكاب الواقعة، وبرر تصرفه برغبته في تبسيط المعلومات التاريخية للسائحين، دون تقديره لخطورة الفعل أو تبعاته القانونية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده، وإزالة الرسوم بمعرفة متخصصين.

ممرات السيرابيوم بسقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن معاقبة المتورطين في واقعة السماح لسائحتين بتسلق «تابوت السيرابيوم» بسقّارة، هي إجراء قانوني وفقاً لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته؛ إذ إن القانون يجرم لمس الآثار والتسلق، بالإضافة إلى أن ذلك يدخل في دور الإهمال، مما يستدعي التعامل وفقاً للقوانين.

وقال عامر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الواقعة ليست الأولى في منطقة آثار سقّارة؛ فقد سبقها قبل ذلك كحت بآلة حادة في مقبرة (مريروكا)، وكذلك سرقة جدارية من مقبرة (خنتي_كا)، مما يستوجب إعادة تقييم المنظومة الأمنية بهذه المنطقة المهمة، بالإضافة إلى التفتيش والمتابعة الدورية، ولا بد من وضع كاميرات مراقبة داخل هذه الأماكن المهمة».

وتحدد المادة 45 من قانون حماية الآثار المصرية رقم 117 لسنة 1983 عقوبة من يتسلق أثراً دون ترخيص له بذلك؛ إذ تصل إلى الحبس شهراً وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه (الدولار يساوي نحو 52.85 جنيه مصري)، ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، أن البيان الذي أصدرته وزارة السياحة والآثار حول الواقعة «يعكس قدراً عالياً من المسؤولية المؤسسية في التعامل مع واقعة (تابوت السيرابيوم) في سقّارة بسرعة وحسم؛ إذ بادرت بفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتورطين، في خطوة تؤكد التزامها الصارم بحماية التراث الأثري وصونه».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التحرك السريع يؤكد الوعي بأهمية المواقع الأثرية، ليس فقط بوصفها شواهد تاريخية، بل باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية المصرية وإرثاً إنسانياً عالمياً. كما يعكس حرص الوزارة على تطبيق معايير الانضباط والرقابة داخل المنظومة الأثرية، بما يضمن الحفاظ على هذه الكنوز الفريدة.

وعدّت أن «الحفاظ على الآثار يأتي في صدارة الأولويات. كما يعكس ذلك نهجاً إدارياً يسعى إلى التطوير المستمر، وتعزيز كفاءة الأداء داخل المواقع الأثرية كدليل على جدية الدولة في صون تراثها الحضاري، وقدرتها على التعامل باحترافية مع التحديات، بما يدعم مكانة مصر كوجهة ثقافية وسياحية تحظى بالاحترام والتقدير على المستويين الإقليمي والدولي».


«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
TT

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

لا يكتفي الفنان السوداني الهميم الماحي باستحضار صورة الأم بمعناها المباشر، بل يذهب إلى ما هو أبعد، حيث تتحوَّل الأمومة إلى استعارة للأرض والوطن في معرضه الأحدث «أمومة» الذي يستضيفه غاليري «أكسيس آرت سبيس» بوسط القاهرة.

ويقول الفنان إنه المعرض الفردي هو الثاني له في غاليري «أكسيس»، إذ سبقه معرض «طبقات من الجنوب» عام 2022، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «رغم اختلاف الثيمة، فإنّ المعرض الجديد يُعدّ امتداداً للمعرض الأول، فالأمومة أساس الحياة، وهي رمز وحدة الوطن وتماسكه ودفئه، مثلما هي الحال في الأسرة؛ وهو ما تناولته في معرضي السابق الذي احتفى بالوطن في الأساس».

سردية ممتدَّة عن السودان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «معظم لوحاتي تنبع من الخيال أو مستمدة من البيئة السودانية؛ ولذلك فهي تتجاوز صورة الأم في دورها داخل الأسرة لتغدو العمود الفقري الذي تستند إليه الحياة اليومية بكل تفاصيلها»، مؤكداً أنّ «المرأة السودانية، أدَّت، كما هي الحال في كثير من المجتمعات، خصوصاً التي تواجه تحديات وصراعات، أدواراً مُتشعِّبة، امتدَّت من تدبير شؤون البيت إلى الإسهام في المجال العام، لتكون شريكاً أصيلاً في صياغة ملامح المجتمع وهويته».

ويوضح أنها «في لحظات الطمأنينة كانت ملاذاً للحنان والاحتواء، أما في أوقات الشدَّة، فقد برزت على هيئة قوة صلبة تحيط أسرتها بالرعاية والحماية والصمود».

يظلُّ الوطن حاضراً في تفاصيل العمل (الشرق الأوسط)

وعلى المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية، وتردّد الأشعار والأمثال التي تختزن خبرات الأجيال، وإنما هذه الصورة المضيئة تواجه اليوم، في تلك المجتمعات، في ظلّ الحروب والأهوال العالمية، واقعاً بالغ القسوة، وفق ما تُبينه لوحات الماحي.

وفي عيد الأم، تتجدَّد مكانتها رمزاً للحياة والصبر، وتتجدَّد معه مظاهر الاحتفاء والتقدير؛ ومن هنا أراد الفنان تكريمها من خلال هذا المعرض، وجاءت معالجته لقضية الأمومة، ليس فقط من خلال الوجوه لأمهات أو امرأة وطفلها، إنما جاءت وسط حشود ومَشاهد درامية تسرد كثيراً عن المجتمع العالمي.

ويكشف المعرض، المستمرّ حتى نهاية مارس (آذار) الحالي، عن ارتباط وثيق بين تجربة الفنان وبيئته الأولى من جهة، والعالم المحيط من جهة أخرى، مستخدماً في ذلك المعالجة التجريدية، وهي مرحلة فنّية جديدة تشكَّلت عبر مسار طويل من التجريب.

ففي بداياته، تنقَّل الفنان بين مدارس وأساليب متعدّدة، من رسم البورتريه إلى الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية، في محاولة لاكتشاف أدواته الخاصة.

حضور المرأة وسط الحشود ضمن فلسفة المعرض (الشرق الأوسط)

ويضمّ المعرض نحو 30 عملاً، تتنوَّع في أحجامها وتكويناتها، وتعتمد على الألوان الزيتية والأكريليك، مع ميل واضح إلى الاختزال في الشكل والتركيز على الجوهر.

من اللافت أنه يطرح في مضمونه أسئلة تتّصل بالهوية والانتماء، مثل: «كيف يمكن للإنسان أن يعيد تعريف ذاته بعيداً عن أرضه؟ وهل يصبح الفن بديلاً مؤقتاً عن الوطن أم وسيلة للعودة إليه؟»، هذه التساؤلات تتسلَّل عبر الأعمال بسلاسة، من خلال حشده للشخوص واستحضاره رموزاً ومفردات من بيئته، ممّا يجعل المتلقي جزءاً من التجربة ذاتها.

وفي بعض الأعمال، تتجلَّى الروح الصوفية في تقاطع لافت مع فكرة الأمومة، إذ تتجاور مفاهيم الحبّ والاحتواء مع التجربة الروحية التي تحتفي بالصفاء الداخلي.

ولا يمكن فصل هذا الحضور عن السياق الأوسع للتصوّف، الذي لعبت فيه الأم دوراً مهماً عبر التاريخ، سواء من خلال الممارسة الروحية أو الإسهام في تشكيل الوعي الجمعي، فيقول الماحي: «في بعض الأوساط الصوفية، اندمجت النساء مع الرجال في الطقوس».

المرأة في لوحات المعرض رمز للصمود (الشرق الأوسط)

ويتابع: «وفي طرق صوفية أخرى، اجتمعت النساء في حلقات خاصة بهن للتأمُّل والعبادة بمعزل عن الرجال، بل كرَّست بعض النساء أنفسهن للروحانية زهداً، بينما اختارت أخريات دور المُحسنات ورعين حلقات العبادة والدراسة».

وفي هذا الإطار، تبدو بعض الأعمال كأنها تستعيد هذا الامتداد، عبر رموز وإشارات تفتح المجال لتأويلات متعدّدة.

ينتمي الهميم الماحي إبراهيم إلى جيل من الفنانين الذين تشكَّلت تجربتهم عبر التراكم والمعرفة، إذ تعكس أعماله قدرة واضحة على استيعاب الفنّ وإعادة صياغته برؤية خاصة.

وتعود جذوره إلى قرية «قريب» بولاية القضارف شرق السودان، فهناك تشكَّلت ملامح وعيه الأول، ومنذ بداياته سعى إلى تطوير أدواته؛ فالتحق بمعهد «قصر الشباب والأطفال» قبل أن يشارك في ورشات فنّية مع اتحاد التشكيليين السودانيين، ثم في معارض جماعية، من بينها معرض في «المركز الثقافي الفرنسي» عام 2013، إضافةً إلى مشاركاته في فعاليات تُعنى بحماية التراث والفنون تحت مظلة «المجلس القومي للآداب والفنون».


آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
TT

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

قال الفنان الفلسطيني آدم بكري إنّ مسلسل «صحاب الأرض» حكى عن نفسه من خلال ردود الفعل الواسعة التي تلقّاها، فشهادته فيه مجروحة. وكشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار نفسه، عادّاً فيلم «اللي باقي منك» أهم محطة في مشواره الفنّي، لكونه العمل الوحيد الذي جمعه بوالده الفنان الراحل محمد بكري وشقيقه صالح، مؤكداً أنّ والده رسم صورة واضحة للفنان الفلسطيني، وأنه هو شخصياً رفض أعمالاً أميركية عدّة لأنها تُقدم صورة مشوّهة للإنسان العربي، لأن لديه مسؤولية تجاه الأعمال التي يقدّمها.

وأثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»، لا سيما بعد استشهاده ضمن أحداثه، وقال إنه وافق على العمل بعدما قرأ 3 حلقات فقط منه، إذ لم تكن الحلقات قد اكتمل كتابتها.

وأضاف أنّ المخرج بيتر ميمي تواصل معه، وأوضح له أنّ شخصية «مجد» حسَّاسة تجاه المسؤولية، وأنه تحمَّس كثيراً ليكون جزءاً من هذا العمل، وشعر بأنه سيكون عملاً مصرياً مهماً ولم يحدث قبل ذلك.

آدم بكري في لقطة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنّ «الفلسطينيين الذين عاشوا هذه المأساة تأثروا بالمسلسل، وشعروا بصدقه»، مؤكداً أنّ «صحاب الأرض» حكى عن نفسه عبر ردود فعل إيجابية عربية وأخرى سلبية ردَّدها إسرائيليون، وأنّ العمل ترك الأثر الذي أراده.

«اللي باقي منك»

وجمع الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، للمرة الأولى، بين آدم بكري ووالده الفنان الكبير محمد بكري وشقيقه صالح، وهو الفيلم الذي يستعيد القضية الفلسطينية من خلال 3 أجيال منذ نكبة 1948، وقد لاقى اهتماماً لافتاً وعُرض في عدد من المهرجانات الكبرى. يقول آدم عنه: «إنه من أهم محطاتي الفنّية لأنه العمل الوحيد الذي جمعني بوالدي وشقيقي. كبرتُ ورأيتُ والدي يقدّم سينما فلسطينية يحكي فيها قصصنا، وكنت أتطلّع إلى يوم أُشاركه في هذه المهمّة، فأكون جزءاً من هذا الفيلم وأؤدي دور والدي شاباً، في حين يستكمل هو دوري حين أكبر. مشاركتي له تُشرفني، فأبي مثلي الأعلى والبطل في عيني».

الفنان الراحل محمد بكري في لقطة مع بعض أبطال «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

وتحدَّث عن ظروف التصوير: «كان من المفترض أن نُصوّر في فلسطين، وكانت قد بدأت حرب الإبادة في غزة، فصوَّرنا في قبرص واليونان والأردن. كنا نصوّر وسط الحرب، ومثَّل هذا ثقلاً لمعاناة أهلنا في غزة. ولم تجمعني مَشاهد مع أبي، لكننا كنا نعيش معاً في شقة بقبرص خلال التصوير، وزارتنا أمي، وكانت أياماً لا تُنسى».

ويستعيد ليلة العرض الأول للفيلم: «حضرت العرض الأول للفيلم مع أبي في مهرجان (كارلوفي فاري)، وقد وقف الجمهور يصفّق لـ17 دقيقة متواصلة. كان أبي يجلس بجانبي في العرض، ووضع يده فوق يدي مرات تأثراً بردود الأفعال القوية، ثم جئت إلى مصر ولم أشارك في جولة الفيلم بالمهرجانات، إلى أن توفّي والدي في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي».

ومع بدايته السينمائية المبكرة في فيلم «عمر» للمخرج هاني أبو أسعد، الذي أُنتج عام 2013، لفت آدم بكري الأنظار إلى موهبته، إذ قدَّم بطولة هذا الفيلم الذي وصل إلى القائمة القصيرة في ترشيحات الأوسكار. وبعد نحو 13 عاماً من هذه البداية، يقول: «دائماً كانت لديّ مسؤولية تجاه الأعمال التي أقدّمها، لأن والدي رسم صورة واضحة عن مسؤولية الفنان الفلسطيني تجاه وطنه، فلم يكن في حاجة إلى أن يقول لي ماذا أختار أو أرفض، كان هذا واضحاً لي منذ البداية، فأبي مثلي الأعلى».

ومن هذا المنطلق، لم يشارك آدم في أعمال تُشوّه صورة الإنسان العربي، كما يؤكد: «رفضت أعمالاً عدّة في أميركا تُظهر العربي إرهابياً أو شريراً، وقد بات لديّ نضوج أكبر فكرياً وفنياً، ثم جاءت حرب الإبادة لتضع النقاط على الحروف بالنسبة إليّ، فصارت خياراتي دقيقة وحازمة وحاسمة».

الفنان الفلسطيني آدم بكري لا يُساوم على أدوار تُصوّر العربي شريراً (الشرق الأوسط)

وحظي آدم بكري بتكريم خاص في مهرجان القاهرة السينمائي الماضي، وقد تأثر به، كما يقول: «لا يزال أمامي الكثير. وكان والدي قد كرّمه الفنان عمر الشريف في مهرجان القاهرة أيضاً عام 2005، وتكريمي يزيدني مسؤولية وحماسةً، وتعني لي هذه اللفتة من مصر، فقد تربّيتُ على أفلام عمالقة الفنّ المصري، أمثال عمر الشريف، وأحمد زكي، وسعاد حسني، وعبلة كامل، وغيرهم».

وكشف بكري عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار الذي بدأه في مصر من خلال مسلسل «صحاب الأرض».