الملفات الأمنية والتموضع العسكري على طاولة «التطبيع» السوري ـ التركي

أنقرة استبقت اجتماع موسكو الرباعي بتأكيد رفضها سحب قواتها

وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو (وزارة الدفاع الروسية / أ.ف.ب)
وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو (وزارة الدفاع الروسية / أ.ف.ب)
TT

الملفات الأمنية والتموضع العسكري على طاولة «التطبيع» السوري ـ التركي

وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو (وزارة الدفاع الروسية / أ.ف.ب)
وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو (وزارة الدفاع الروسية / أ.ف.ب)

عقد وزراء دفاع روسيا وسوريا وتركيا وإيران جولة مشاورات جديدة في موسكو، أمس (الثلاثاء)، ركزت على الملفات الأمنية ومسائل التموضع العسكري لكل من سوريا وتركيا قرب المناطق الحدودية في الشمال السوري. وشكّلت نتائج اللقاء الذي جرى خلف أبواب مغلقة، مقدمة لإنجاح ترتيبات عقد اجتماع مرتقب على مستوى وزراء الخارجية لهذه الدول. وأبلغ مصدر دبلوماسي روسي «الشرق الأوسط» بأنه تم التوافق «بشكل مبدئي» على موعده في الثاني من مايو (أيار) المقبل.
وفي حين أعلنت وزارة الدفاع التركية أن الاجتماع بحث سبل تكثيف الجهود لإعادة اللاجئين السوريين إلى أراضيهم، نقلت صحيفة «الوطن» السورية عن مصدر لم تسمه القول إنه «لا صحة للبيان الذي بثته وزارة الدفاع التركية والذي تحدث عن خطوات ملموسة تتعلق بتطبيع العلاقات بين تركيا وسوريا»، مضيفة أن الاجتماع بحث آلية انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية «ولم يتطرق إلى أي خطوات» للتطبيع بين البلدين. وأكد المصدر أن «التطبيع يعني انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية، وبغير الانسحاب لا تنشأ ولا تكون هناك علاقات طبيعية»، بحسب ما أوردت «وكالة أنباء العالم العربي».

وزير الدفاع السوري علي محمود عباس (وزارة الدفاع الروسية / أ.ف.ب)

وتعمدت موسكو فرض نوع من التكتم على مجريات اللقاء «العسكري الأمني»؛ إذ لم يتم الإعلان مسبقاً عن موعد عقده أو أجندته، واكتفت وزارة الدفاع الروسية بإصدار بيان صحافي مقتضب، في ختامه، شدد على «الروح الإيجابية التي سادت النقاشات خلاله». وأوضح البيان أنه «تمت مناقشة قضايا الساعة المتعلقة بالتعاون الثنائي، بالإضافة إلى مختلف جوانب ضمان الأمن العالمي والإقليمي». وتابع أنه «تم عقد محادثات رباعية لوزراء الدفاع في موسكو. وتم خلال الاجتماع بحث الخطوات العملية لتعزيز الأمن في الجمهورية العربية السورية وتطبيع العلاقات السورية - التركية».
ولفت بيان وزارة الدفاع إلى أنه «تم إيلاء اهتمام خاص لقضايا مواجهة جميع مظاهر التهديدات الإرهابية، ومحاربة جميع الجماعات المتطرفة على الأراضي السورية».
وزاد أن «الطرفين (السوري والتركي) أكّدا في ختام اللقاء رغبتهما في الحفاظ على وحدة أراضي سوريا، وضرورة تكثيف الجهود من أجل العودة السريعة للاجئين السوريين إلى وطنهم. وأولى الوزراء الحاضرون اهتماماً خاصاً بالطبيعة البنّاءة للحديث الذي جرى بهذا الشكل، وضرورة استمراره من أجل زيادة استقرار الوضع في الجمهورية العربية السورية والمنطقة ككل».

وزير الدفاع الإيراني العميد محمد ضا آشتياني (وزارة الدفاع الروسية / أ.ف.ب)

ويعد هذا الاجتماع الثاني بالمستوى نفسه بعدما كان وزراء الدفاع ورؤساء الأجهزة الأمنية في سوريا وتركيا وروسيا عقدوا اجتماعاً سابقاً في نهاية العام الماضي وضع أساساً للتحرك نحو تطبيع العلاقات السورية - التركية برعاية روسية. وانضمت إيران التي تردد أنها اعترضت على تغييبها عن جولة المشاورات الأولى، إلى هذا المسار لاحقاً. وفي بداية الشهر الحالي، استضافت العاصمة الروسية اجتماعاً لنواب وزراء خارجية روسيا وسوريا وتركيا وإيران، تم في ختامه اتفاق الأطراف على مواصلة التنسيق والبدء بالتحضير لعقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية يمهد لقمة تجمع رؤساء هذه الدول لاحقاً.
وعلى الرغم من أن اجتماع وزراء الدفاع الحالي جاء مفاجئاً لكثيرين؛ كونه لم يتم الإعلان عنه سوى قبل يومين على لسان وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، كما أن ترتيبه تزامن مع ترقب الإعلان عن اجتماع وزراء الخارجية، لكن مصادر دبلوماسية روسية قالت إنه شكّل محطة إضافية ضرورية لاستكمال المناقشات حول ملفات التطبيع بين دمشق وأنقرة التي ما زال فيها الكثير من النقاط العالقة التي تحتاج إلى نقاش أوسع على المستويات الأمنية والعسكرية. وقال لـ«الشرق الأوسط» دبلوماسي روسي مطلع على مضمون النقاشات إن اللقاء بهذا المعنى «لم يكن مفاجئاً وكان قد تم الاتفاق مسبقاً على عقد جولة ثانية من المفاوضات على المستوى العسكري أثناء اللقاء الأول الذي التأم في نهاية العام الماضي».
ووفق المصدر ذاته، نصت التوافقات في حينها على «عقد لقاءات متسلسلة وعلى مستويات عدة من أجل متابعة كل الملفات المطروحة ومواصلة التنسيق حول ما يتم الاتفاق عليه». وقال إن اللقاء الحالي شكّل استمراراً لمواصلة مسار تنفيذ التوافقات التي تم التوصل إليها في اللقاء الأول، وبينها «التوافق على اتخاذ بعض الخطوات لإعادة تموضع الجيش التركي والجيش السوري في بعض المناطق في الشمال السوري». وزاد أن التطورات التي جرت لاحقاً «احتاجت إلى مزيد من الوقت ومزيد من النقاشات وهو ما يجري حالياً».

ووزير الدفاع التركي خلوصي أكار خلال الاجتماع الرباعي في موسكو أمس (وزارة الدفاع الروسية / أ.ف.ب)

وأكد المصدر أن اللقاء على المستوى العسكري لا يشكل مساراً منفصلاً عن المسار العام للتطبيع بين دمشق وأنقرة، وهو يأتي «التزاماً بالسياسة التي تم اعتمادها على مستوى قادة الدول الأربع».
ووصف المصدر مضمون اللقاء بأنه «جدي للغاية وإيجابي»، مشيراً إلى أن الحوارات «تجري حول المسائل التي تتطلب مزيداً من التنسيق، خصوصاً في مجالات القضايا الأمنية وملفات مكافحة الإرهاب التي تم إعطاء أولوية لها؛ لأنها مرتبطة بمتطلبات حماية الأمن القومي لكل من سوريا وتركيا». وحملت عبارة الدبلوماسي الروسي حول مناقشة ملف مكافحة الإرهاب إشارة لافتة بسبب تباين التقييمات السورية والتركية حول المنظمات المدرجة على لوائح الإرهاب في البلدين.
وفي إشارة إلى البعد الدبلوماسي السياسي لأهمية اجتماع المستوى الأمني العسكري، أضاف المصدر الروسي أن اللقاء يشكل حلقة إضافية مهمة؛ تحضيراً لاجتماع وزراء الخارجية الذي «تم التوافق بشكل مبدئي على عقده في الثاني من مايو المقبل في العاصمة الروسية».

- الموقف التركي
وفي أنقرة، قالت وزارة الدفاع التركية، في بيان حول الاجتماع الرباعي بالعاصمة الروسية، أمس، إن المجتمعين ناقشوا «الخطوات الملموسة» التي يمكن اتخاذها لتطبيع علاقات أنقرة ودمشق، كما تناولوا سبل تكثيف الجهود لإعادة اللاجئين السوريين إلى أراضيهم. وأضاف البيان أن المجتمعين ناقشوا كذلك سبل مكافحة جميع التنظيمات الإرهابية والمجموعات المتطرفة على الأراضي السورية، وجددوا رغبتهم في الحفاظ على وحدة أراضي سوريا. وتابع أنه تم التأكيد خلال الاجتماع، الذي عُقد في أجواء «إيجابية وبناءة»، على أهمية استمرار الاجتماعات في شكل رباعي من أجل ضمان والحفاظ على الاستقرار في سوريا والمنطقة ككل.
واستبقت أنقرة الاجتماع بالتأكيد أنها لن تسحب قواتها من شمال سوريا، من دون أن تستبعد، في الوقت نفسه، عقد لقاء بين الرئيسين رجب طيب إردوغان وبشار الأسد «وفق خريطة طريق خاصة، ومن دون شروط مسبقة».
وجدد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في مقابلة تلفزيونية ليل الاثنين - الثلاثاء، التأكيد على أن قوات بلاده لن تنسحب من شمال سوريا وشمال العراق في الوقت الراهن، قائلاً «انسحابنا من شمال سوريا وشمال العراق يعني توقف عملياتنا العسكرية ضد الإرهاب، واقتراب الإرهابيين من حدودنا، وهذا يشكل تهديداً لأمننا القومي».
وفي إشارة إلى «وحدات حماية الشعب الكردية» التي تعدّ أكبر مكونات «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي تعدّها تركيا ذراعاً لـ«حزب العمال الكردستاني» الذي تتمركز قياداته في شمال العراق، وتخوض القوات التركية حرباً ضدهما في البلدين، قال جاويش أوغلو إن «المنظمات الإرهابية ستملأ الفراغ الذي سيحدث في حال انسحبت القوات التركية من شمال سوريا، وإن الأمن القومي وأمن الحدود بالغا الأهمية بالنسبة لتركيا». وتابع «لا نطمع في اقتطاع أجزاء من الأراضي السورية، ولا يمكننا الانسحاب من الشمال السوري إلا حين يستتب الأمن، ويعود الاستقرار الكامل إلى تلك المناطق».
وتقول تركيا إن محادثاتها لتطبيع العلاقات مع سوريا تنطلق من 3 مبادئ رئيسية، هي: التعاون والتنسيق في مكافحة الإرهاب، وضمان العودة الكريمة للاجئين، وتنفيذ العملية السياسية الخاصة بالملف السوري. ولا تعتقد أنقرة أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد قادر في الوقت الراهن على ضمان أمن الحدود التركية، وإبعاد خطر «الوحدات» الكردية التي تعدّها امتداداً لـ«حزب العمال الكردستاني» في سوريا، وترهن انسحاب قواتها بإبعاد «الوحدات» الكردية إلى عمق 30 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، وإنشاء منطقة آمنة تستوعب اللاجئين السوريين، وتمنع نشوء ما تسميه «الممر الإرهابي» على الحدود التركية - السورية.
وتوقع وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، عشية الاجتماع الرباعي في موسكو، أن يسفر الاجتماع عن تطورات إيجابية، لافتاً إلى أن اللقاءات تجري في ظل الاحترام المتبادل بين الأطراف. وأكد أن تركيا تبذل وستواصل بذل ما بوسعها من أجل السلام في المنطقة. وجدد تأكيده أن تركيا ستواصل مطاردة الإرهابيين بكل حزم، كما أنها لا ترغب في موجة لجوء جديدة، وتهدف لتوفير الظروف الملائمة لعودة السوريين إلى ديارهم بشكل آمن وكريم، وأن تركيا لن تتخذ أي خطوات من شأنها أن تضع السوريين لديها أو في الداخل السوري في مأزق.
وعن الاجتماع الرباعي لوزراء الخارجية، الذي كانت أنقرة أعلنت عن انعقاده أوائل مايو المقبل، قبل الإعلان عن اجتماع وزراء الدفاع ورؤساء الاستخبارات واحتمال عقد لقاء بين الرئيسين إردوغان والأسد، قال وزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، إن اجتماع وزراء الخارجية قد يعقد في مطلع مايو، لكنه موعد غير مؤكد، مضيفاً «نعم، احتمال اللقاء بين إردوغان والأسد وباقي القادة الأربعة قائم، لكن يجب أولاً تحضير خريطة طريق لهذا اللقاء تتضمن عدم فرض شروط مسبقة، ودراسة المرحلة السياسية ومكافحة الإرهاب وإحلال الاستقرار في سوريا». وتابع أن «التواصل مع النظام السوري مفيد إذا كنا نريد إعادة اللاجئين السوريين، وإذا كنا نريد مواصلة مكافحة الإرهاب بشكل أكثر فاعلية، وإذا أردنا الحفاظ على وحدة أراضي سوريا». ولفت إلى أنه في حال لم يتم إحلال الاستقرار في سوريا، فإن الآثار السلبية على تركيا ستكون كبيرة، وإن تركيا لا تثق بالولايات المتحدة وفرنسا فيما يخص مكافحة الإرهاب، قائلاً إن «واشنطن تواصل دعم إرهابيي العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية».
وجاءت تصريحات جاويش أوغلو كتأكيد جديد لموقف تركيا الرافض لمطلب دمشق بالانسحاب من شمال سوريا كشرط لأي محادثات تتعلق بتطبيع العلاقات بين البلدين الجارين بعد 12 عاماً من القطيعة، عشية انطلاق الاجتماع الرباعي في موسكو، في جولة جديدة من محادثات تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق.
وكانت الأيام الماضية شهدت تصعيداً جديداً في شمال سوريا بين القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني» السوري الموالي لها، من جهة، وقوات «قسد»، من جهة أخرى، بعد هجوم استهدف قاعدتين عسكريتين تركيتين في حلب، أسفر عن إصابة 4 جنود أتراك، وردت تركيا بقصف لمواقع «قسد» التي توجد جنباً إلى جنب مع قوات النظام السوري، ما أدى إلى مقتل 12 عنصراً من «الوحدات» الكردية، بحسب ما أعلن وزير الدفاع خلوصي أكار.
كما أعلنت الاستخبارات التركية، بالتزامن مع اجتماع موسكو، القضاء على أحد العناصر القيادية في «وحدات حماية الشعب» الكردية، يدعى محمد صاري في «عملية أمنية بمدينة القامشلي» شمال شرقي سوريا.
وبحسب ما نقلت وكالة «الأناضول» عن مصادر أمنية، الثلاثاء، فإن «الإرهابي صاري» الذي كان يحمل الاسم الحركي «باران كورتاي» كان أحد المسؤولين عن محافظة الرقة السورية، وأنه قتل في 14 أبريل (نيسان) الحالي، مشيرة إلى أنه انتقل إلى سوريا عام 2014 بعد «أن شارك في كثير من العمليات الإرهابية داخل تركيا».


مقالات ذات صلة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

المشرق العربي «قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

أعلنت سوريا، أمس، سقوط قتلى وجرحى عسكريين ومدنيين ليلة الاثنين، في ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط مدينة حلب بشمال سوريا. ولم تعلن إسرائيل، كعادتها، مسؤوليتها عن الهجوم الجديد الذي تسبب في إخراج مطار حلب الدولي من الخدمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تأكيد ما أعلنته تركيا عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو الحسين الحسيني القرشي في عملية نفذتها مخابراتها في شمال سوريا، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات بلاده حيدت (قتلت) 17 ألف إرهابي في السنوات الست الأخيرة خلال العمليات التي نفذتها، انطلاقاً من مبدأ «الدفاع عن النفس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يوم أمس (الأحد)، مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية نفذتها الاستخبارات التركية. وقال إردوغان خلال مقابلة متلفزة: «تم تحييد الزعيم المفترض لداعش، واسمه الحركي أبو الحسين القرشي، خلال عملية نفذها أمس (السبت) جهاز الاستخبارات الوطني في سوريا». وكان تنظيم «داعش» قد أعلن في 30 نوفمبر (تشرين الأول) مقتل زعيمه السابق أبو حسن الهاشمي القرشي، وتعيين أبي الحسين القرشي خليفة له. وبحسب وكالة الصحافة الفرنيسة (إ.ف.ب)، أغلقت عناصر من الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية المحلية المدعومة من تركيا، السبت، منطقة في جينديرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

قالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد عيّن، اليوم الخميس، السفير محمد المهذبي سفيراً فوق العادة ومفوضاً للجمهورية التونسية لدى سوريا، في أحدث تحرك عربي لإنهاء العزلة الإقليمية لسوريا. وكانت تونس قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا قبل نحو عشر سنوات، احتجاجاً على حملة الأسد القمعية على التظاهرات المؤيدة للديمقراطية عام 2011، والتي تطورت إلى حرب أهلية لاقى فيها مئات آلاف المدنيين حتفهم ونزح الملايين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

أثار تمسك سوريا بانسحاب تركيا من أراضيها ارتباكاً حول نتائج اجتماعٍ رباعي استضافته العاصمة الروسية، أمس، وناقش مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة.


برَّاك: سوريا «مختبر لتوافق إقليمي»... والتقدم فيها ملحوظ

 المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك يلتقي الرئيس أحمد الشرع في دمشق السبت (الرئاسة السورية)
المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك يلتقي الرئيس أحمد الشرع في دمشق السبت (الرئاسة السورية)
TT

برَّاك: سوريا «مختبر لتوافق إقليمي»... والتقدم فيها ملحوظ

 المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك يلتقي الرئيس أحمد الشرع في دمشق السبت (الرئاسة السورية)
المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك يلتقي الرئيس أحمد الشرع في دمشق السبت (الرئاسة السورية)

اعتبر المبعوث الأميركي توم برَّاك، أن سوريا حققت «تقدماً ملحوظاً» وباتت «مختبراً لتوافق إقليمي» قائم على الدبلوماسية، بعد عام من رفع واشنطن العقوبات عن دمشق.

وقال في تدوينة عبر حسابه بمنصة «إكس»، الأحد، غداة استقباله في دمشق من جانب الرئيس السوري أحمد الشرع، حيث جرى بحث مستجدات سوريا والمنطقة، وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، بحسب الرئاسة السورية.

وتابع برَّاك أن «سوريا الآن مختبر لتوافق إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والاندماج والأمل للمنطقة بأكملها». ونوه بأنه «قبل أكثر من عام، التقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب في اجتماع ذي رؤية مع الرئيس أحمد الشرع في السعودية». وأضاف أن ترمب افتتح حينها «فصلاً جديداً، معلناً رفع العقوبات لإعطاء سوريا فرصة للعظمة»، واصفاً الخطوة بأنها «إيماءة جريئة ومفعمة بالأمل لسوريا والمنطقة».

وتابع: «تحت قيادة الرئيس الشرع ومع الدبلوماسية المخلصة لوزير الخارجية أسعد الشيباني، كان التقدم المحرز ملحوظاً». ورأى أن الفرص القادمة تعد بتقدم هائل للشعب السوري واستقرار دائم.

ولفتت وكالة «أناضول» إلى أن تدوينة برَّاك تعكس تقييماً رسمياً أميركياً يوثِّق نجاح مرحلة «ما بعد رفع العقوبات» عن دمشق، ويؤكد تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأميركية تجاه الملف السوري.

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر العام الماضي (الرئاسة السورية)

وكان قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، قد صرح الجمعة الماضية، أن أمن سوريا مرتبط بالأمن القومي للولايات المتحدة.

ووصف كوبر، خلال إفادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، سوريا، بأنها «مركز الثقل» في الحرب المستمرة ضد تنظيم «داعش»، راسماً ملامح استراتيجية واشنطن الأمنية في البلاد لمرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.

واعتبر كوبر أن «مرحلة ما بعد الأسد» في سوريا، إلى جانب التطورات المتسارعة في غزة ولبنان، شكلت تحولاً كبيراً في المشهد الإقليمي.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

كما وصف طبيعة التعاون بين الولايات المتحدة وسوريا بأنها «براغماتية»، حيث تسعى واشنطن إلى توسيعه لمواجهة الإرهاب. ومع إشارته إلى انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد «داعش» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

مع ذلك، أكد أن أجزاء واسعة من سوريا لا تزال خارج السيطرة الكاملة للدولة، وأن الدعم الخارجي يبقى ضرورياً لمنع عودة التنظيم. إذ إنه ورغم انخفاض وتيرة هجمات «داعش» بنسبة 70 في المائة منذ عام 2023، فإنَّ التنظيم لا يزال قادراً على تنفيذ عمليات نوعية، مثل الهجوم الذي استهدف مدينة تدمر في 13 ديسمبر (كانون الأول) 2025، وأدَّى إلى مقتل عنصرين أميركيين ومترجم مدني.

هذا وكان الأدميرال براد كوبر قد قام في 12 سبتمبر (أيلول) 2025 بزيارة تاريخية إلى دمشق، هي الأولى من نوعها لقائد القيادة المركزية الأميركية. والتقى خلالها الرئيس الشرع في قصر الشعب، وبحث معه آفاق التعاون السياسي والعسكري.


هل بدأ الغضب على إيران يتسلل إلى شيعة لبنان؟

سيدة تحمل جثة الطفلة مريم فحص التي تبلغ من العمر 6 أشهر خلال تشييعها وقد قُتلت بقصف إسرائيلي على بلدة السكسكية (أ.ب)
سيدة تحمل جثة الطفلة مريم فحص التي تبلغ من العمر 6 أشهر خلال تشييعها وقد قُتلت بقصف إسرائيلي على بلدة السكسكية (أ.ب)
TT

هل بدأ الغضب على إيران يتسلل إلى شيعة لبنان؟

سيدة تحمل جثة الطفلة مريم فحص التي تبلغ من العمر 6 أشهر خلال تشييعها وقد قُتلت بقصف إسرائيلي على بلدة السكسكية (أ.ب)
سيدة تحمل جثة الطفلة مريم فحص التي تبلغ من العمر 6 أشهر خلال تشييعها وقد قُتلت بقصف إسرائيلي على بلدة السكسكية (أ.ب)

يشهد الشارع الشيعي في لبنان حالة تذمُّر متزايدة، تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي لـ«حزب الله» و«حركة أمل»، لتطول إيران بشكل مباشر، بعدما شعر كثير من الأهالي بأن الحرب التي فُتحت لإسناد إيران انتهت إلى تدمير قراهم وتشريد عائلاتهم وخسارة أبنائهم، بينما تُركوا وحدهم يواجهون الحرب والنزوح والفقر والدمار.

هذا التململ بدأ يظهر بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما في صفوف مناصري «حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري، إضافة إلى مناصرين لـ«حزب الله»، بحيث لم تعد الشعارات العقائدية والسياسية قادرة على احتواء حجم الغضب واليأس.

ويأتي هذا الغضب رغم استمرار مسؤولي «حزب الله» في توجيه الشكر إلى إيران، والتأكيد على دورها في دعم «المقاومة»، إضافة إلى التعويل على طهران في الضغط لوقف الحرب.

وبات قسم كبير من البيئة الشيعية يرى تناقضاً بين هذا الخطاب وبين واقعهم اليومي؛ حيث يعيش عشرات آلاف النازحين أوضاعاً إنسانية قاسية، من دون أفق واضح للعودة أو إعادة الإعمار.

جرَّافة تزيل الأنقاض في موقع متجر للملابس الرياضية دُمِّر في غارة جوية إسرائيلية سابقة في الشياح إحدى ضواحي بيروت (أ.ب)

خطاب عقائدي يقابله غضب الجنوبيين

وفي هذا السياق، أثارت تصريحات الشيخ أسد قصير التابع لـ«حزب الله»، جدلاً واسعاً، بعدما اعتبر أن «الحفاظ على (الجمهورية الإسلامية) في إيران واجب ديني يتقدَّم على الحفاظ على الأفراد؛ لأنها تشكِّل ضمانة لحفظ الإسلام نفسه»، حسب رأيه.

واستند قصير في كلامه إلى أفكار منسوبة إلى المرشد الراحل الخميني، وإلى مفهوم التضحية الذي تجسَّد في واقعة كربلاء.

لكن هذا الخطاب لاقى ردود فعل رافضة من قبل شريحة واسعة من الأهالي الذين باتوا ينظرون إلى الحرب من زاوية خسائرهم في البشر والحجر.

وتقول زينب، وهي سيدة نازحة من الجنوب: «فُتحت الحرب تحت عنوان مساندة إيران، ولكننا اليوم نشعر بأننا تُركنا وحدنا. حتى نواب (حزب الله) و(حركة أمل) لا يسألون عن الناس الذين يعيشون في مراكز النزوح».

وتضيف: «أشعر بأن الموت تحت سقف بيتنا أهون من حياة النزوح التي نعيشها اليوم. لم نعد نحتمل هذا التعب النفسي والمعيشي، ولا أحد يشعر بما نمر به».

مبنى الدفاع المدني في صور بعد استهدافه بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل عدد من العناصر (أ.ف.ب)

«الجنوب أهم من كل الصراعات»

أما منى -وهي أم لطفلين تستأجر منزلاً في جبل لبنان- فتقول إن ما عاشه أهل الجنوب خلال الأشهر الماضية غيَّر قناعات كثيرين داخل البيئة المؤيدة للمقاومة: «بدأت الحرب تحت شعارات كبيرة، ولكن النتيجة كانت تدمير قُرانا وخسارة شبابنا وتشريد عائلاتنا. اليوم يشعر الناس بالقهر على الجنوب أكثر من أي شيء آخر».

وتضيف بمرارة: «وصل كثيرون إلى قناعة بأن الجنوب وأهله أهم من كل الصراعات الإقليمية. أهالي الجنوب باتوا يقولون: لتحترق إيران وكل العالم ويبقى الجنوب».

سقوط شعار «المحور الواحد»

كذلك تعبِّر أم محمد عن خيبة أمل عميقة من فكرة «المحور الواحد»، قائلة: «طوال السنوات الماضية كانوا يقولون لنا إننا محور واحد، وإن علينا أن نساند أي معركة يخوضها هذا المحور. ولكن عندما وقعت الحرب علينا شعرنا بأننا وحدنا».

وتضيف: «طهران كانت تقول إنها لن تدخل أي مفاوضات قبل وقف إطلاق النار في لبنان، ومن ثم قالت إنها توصلت إلى اتفاق وقف النار نتيجة المفاوضات مع أميركا، بينما القصف والاحتلال الإسرائيلي يتوسعان كل يوم».

خيار الدولة

وكما معظم اللبنانيين، تدعو ليلى إلى دعم الدولة اللبنانية في خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وإنهاء الحرب، وتقول: «إيران تعمل لمصلحتها، وهذا حقها، ولكن لماذا لا نفكر نحن أيضاً في مصلحة أهلنا وبلدنا؟ تعبنا من الانتظار ومن ربط مصير الجنوب بحسابات دول أخرى».

وتلفت إلى أن «كثيرين باتوا يطالبون بأن تتولى الدولة اللبنانية وحدها إدارة ملف الحرب والتفاوض؛ لأن استمرار الوضع الحالي يعني مزيداً من الدمار والخسائر من دون أي أفق واضح».

غضب من تراجع الدعم الإيراني

ويتحدث المحلل السياسي علي الأمين عن «التبدل الواضح الذي تشهده البيئة الشيعية في نظرتها إلى إيران، وتصاعد مشاعر الغضب والخيبة داخل جمهور (حزب الله) نتيجة ما يجري في الجنوب اللبناني».

ويقول الأمين لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوة النفوذ الإيراني لم تكن قائمة على البعد المذهبي أو السياسي فقط؛ بل أيضاً على شبكة الدعم والخدمات التي وفَّرها الحزب بدعم إيراني، شكَّلت لسنوات مصدر أمان لكثير من العائلات».

عناصر في الجيش والدفاع المدني في موقع استهداف سيارة بغارة إسرائيلية عند مدخل مدينة صيدا (أ.ف.ب)

ويشير الأمين إلى أن هذا الشعور بدأ يتراجع مع مشاهد تدمير القرى الجنوبية، وتهجير السكان، وسقوط القتلى والجرحى، في وقت لا يرى فيه كثيرون أي دعم إيراني فعلي يوازي حجم الخسائر.

ويلفت إلى أن جزءاً كبيراً من بيئة «حزب الله» بات يتساءل عن سبب غياب الرد الإيراني المباشر، أو ممارسة ضغط عسكري حقيقي على إسرائيل، رغم الحديث الدائم عن «وحدة الساحات» وقدرات إيران الصاروخية.

انتقادات غير مسبوقة

ويضيف الأمين أن «هذا الواقع ولَّد لدى البعض شعوراً بأن إيران تستخدم (حزب الله) والبيئة الشيعية ضمن حساباتها الإقليمية، من دون أن تكون مستعدة لدفع تكلفة فعلية لحماية لبنان، أو الحد من استمرار الحرب والدمار».

من هنا، يقول: «هذه الخيبة فتحت الباب أمام انتقادات غير مسبوقة داخل البيئة الشيعية تجاه الدور الإيراني، والسياسات التي يعتبرها البعض مرتبطة بمصالح النظام الإيراني أكثر من ارتباطها بمصلحة اللبنانيين في الجنوب».

ويتابع: «إيران كانت تقول إن وقف إطلاق النار في لبنان جاء نتيجة اتفاق إيران مع أميركا في إسلام آباد، وبالتالي ما دامت إسرائيل خرقت وقف النار فيفترض أن تخرق إيران وقف النار، وتعمل على الضغط على إسرائيل كي توقف على الأقل عدوانها وتمددها، والحد من تهجير السكان من عشرات القرى الجنوبية».


مقتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية على غزة

مشيعون يحملون جثماناً خلال جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (رويترز)
مشيعون يحملون جثماناً خلال جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (رويترز)
TT

مقتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية على غزة

مشيعون يحملون جثماناً خلال جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (رويترز)
مشيعون يحملون جثماناً خلال جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (رويترز)

قال مسؤولون بمجال الصحة إن غارات إسرائيلية أودت بحياة أربعة فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة، اليوم الأحد.

وذكر مسعفون أن غارة إسرائيلية قتلت فلسطينياً واحداً بالقرب من مركز للشرطة في خان يونس بجنوب قطاع غزة.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إنه قتل مسلحاً كان يشكل تهديداً مباشراً للقوات المتمركزة في جنوب القطاع، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي واقعة منفصلة، قال مسعفون في غزة إن غارة جوية إسرائيلية أخرى قتلت ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص في مطبخ خيري بالقرب من مستشفى الأقصى في دير البلح بوسط قطاع غزة.

ولم يعلق الجيش الإسرائيلي بعد على هذه الواقعة.

ولا تزال المحادثات غير المباشرة مستمرة بين إسرائيل و«حماس» الفلسطينية من أجل المضي قدماً في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لما بعد الحرب في غزة، التي تهدف إلى إنهاء الحرب بين الجانبين.

وكثفت إسرائيل هجماتها على غزة في الأسابيع التي تلت وقف القصف المشترك مع الولايات المتحدة على إيران، ووجهت نيرانها مجدداً نحو القطاع الفلسطيني المدمر، حيث يقول الجيش إن مسلحي «حماس» يفرضون سيطرتهم.

وقال الجيش الإسرائيلي، أمس السبت، إن عز الدين الحداد قائد «كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس» في غزة، قُتل في ما وصفها الجيش بأنها ضربة دقيقة على مدينة غزة، يوم الجمعة.

وأكدت «حماس» مقتل الحداد، لكنها لم تصل إلى حد التوعد بالانتقام.

وشنّت إسرائيل غارات متكررة على غزة منذ بدء وقف إطلاق النار.

وتقول إحصاءات لا تميز بين القتلى من المسلحين والمدنيين إن نحو 870 فلسطينياً قُتلوا في الغارات الإسرائيلية منذ سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول). وتقول إسرائيل إن أربعة جنود قتلوا على يد مسلحين خلال الفترة نفسها.

ولا تكشف «حماس» عن عدد القتلى في صفوفها.