حمزة هنداوي: بعض شخصيات روايتي موجودة في حياتي... وأخرى من نسج خيالي

الصحافي الميداني المصري يتحول راوياً في «زوجة أمير الفلوجة»

حمزة هنداوي
حمزة هنداوي
TT

حمزة هنداوي: بعض شخصيات روايتي موجودة في حياتي... وأخرى من نسج خيالي

حمزة هنداوي
حمزة هنداوي

أصدر الكاتب والروائي المصري حمزة هنداوي حديثاً روايته «زوجة أمير الفلوجة» عن دار «ميريت» بالقاهرة. وترصد الرواية ما جرى في منطقة الفلّوجة العراقية من أحداث دموية. ومن خلال شخصياتها تتكشف المشاعر المتباينة للذين عاشوا تلك اللحظات، سواء كانوا عراقيين أم أجانب. عمل هنداوي مراسلاً صحافياً لوكالتي «رويترز» و«أسوشييتد برس»، وسط أعمال القتل والعنف الدموي اللذين صاحبا سيطرة «الجهاديين» على الفلوجة، ومحاولات الأميركان اقتحامها.
هنا حوار معه حول روايته الجديدة وتجربته، بوصفه صحافياً ميدانياً بالعراق أثناء الغزو الأميركي له:

> في روايتك «زوجة أمير الفلوجة» اعتمدت أشكالاً عديدة من الكتابة الصحافية في سرد الأحداث... هل لهذا علاقة بكونك صحافياً؟
- أنا لا أمثل أي شخصية من شخصيات الرواية، وقد اخترت أن أكون الراوي الأمين الذي شاهد وعايش معظم شخصيات الرواية، حقيقية كانت أو محض خيال. ولهذا كان لديّ تصور خاص لكل ما يدور في ذهن كل شخصية. لقد عملت بالصحافة لأكثر من 30 سنة، وبعض من قرأوا الرواية من أصدقائي الروائيين، كان رأيهم أن هناك مشاهد ولقطات من الممكن أن تطول أكثر، وأنها تحتمل إضافات وتفاصيل، ولكن يبدو أن شخصيتي الصحافية طغت على نظيرتها الروائية، فكان الأسلوب الموجز الذي يصل بالمضمون إلى عقل القارئ ببساطة من دون الإسهاب في الوصف.
> صورت صفية زوجة «حسن الأمير الإرهابي» وكأنها تتحكم في تسيير الأمور بما في ذلك علاقتهما الخاصة؟
- صفية لم تكن متحكمة في شيء، والعكس صحيح؛ كانت مستسلمة لمصيرها بعدما تزوجت من «جهادي»، وبمرور الوقت أصبحت لديها قناعة بأن حياته ستنتهي نهاية مأساوية عنيفة، وفي الوقت نفسه كان بداخلها جانب يتطلع للحرية، فلم يكن «الجهادي» مطمحها عندما تزوجت وهي صغيرة جداً. نعم أعطاها هامشاً قليلاً من الحرية، ربما تكون كبيرة بمعايير أمراء «الجهاديين»، لكن يجب أن نضع في الاعتبار أن منصبه في النهاية كان عملاً جديداً عليه؛ فقد جاء بعد زواجه منها بأعوام، ومن غير الواقعي أن يتخلى تماماً عن أي حسابات مختلفة في علاقته بزوجته، ولا تنسَ أن حبه لها كان جارفاً، وربما لذلك قام ببعض التنازلات.
> أيضاً رسمت «المصور عمر» شخصاً غير مسؤول بعد عودته لبغداد، وتعرضه للقتل، مهدراً جهود الوكالة الصحافية الأميركية التي قامت بإلحاقه بمكتبها في بيروت لإنقاذ حياته؟
- عمر شاب صغير، لا يملك من خبرات الحياة الكثير، ولديه خبرة قليلة جداً في التصوير الصحافي، خصوصاً في أرض المعارك، هو أهوج وكان فرحاً ومنتشياً بوظيفته الجديدة، يسعى لخلق نجاح باهر بشكل سريع ليلفت الأنظار. وسبب رجوعه إلى بغداد، في نهاية الرواية رغم محاولات الجانب الأميركي إخراجه من المشهد القتالي، وتصرفه بطريقة غير مسؤولة متجاهلاً المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها، يمثل جزءاً من طيش الشباب وعدم امتلاك الخبرة الكافية، وجهله بكيفية سير الأمور الأمنية في العراق، وهو ما أدى في النهاية لمقتله على يد راكب دراجة نارية.
> هل تطمح أن تتحول الرواية إلى عمل درامي... أكان سينمائياً أم تلفزيونياً؟
- لا أعتقد أنني كتبت الرواية وعيني على إمكانية تحويلها لمسلسل أو فيلم، كان كل طموحي أن يقرأها البعض، وأن تقدم شيئاً جديداً، يثري فكرة الناس عما حدث بالعراق في تلك الفترة. وبالنسبة للمعارك فأنا شاهدت معارك حقيقية في العراق، وأثناء غزو الكويت باعتباري مراسلاً صحافياً، وفي الحرب الأهلية في جنوب السودان، ومن المنطق أن تكون كتابتي قريبة جداً من الحقيقة، لكني لم أقصد بذلك الذهاب بها نحو «الدراما».
> لماذا اخترت الشكل الروائي وأغفلت أسلوب اليوميات الذي اعتمدته في كتابيك السابقين؟
- كتبت كتابين عن العراق من قبل؛ الأول كان عن يومياتي وغطي عامي 2007 و2008 أثناء الاقتتال الطائفي الذي دار بين السُّنَّة والشيعة، والثاني عن تجربتي الشخصية مع فصيل من المشاة الأميركان كان مقرهم شمال بغداد، في حي سكني اسمه «الحرية»، تعرض لتطهير طائفي، وقد وصلوا إلى هناك بعد انتهاء الاقتتال، وبالتالي لم يكن الفصيل منهمكاً أو داخلاً في صدامات مسلحة مع جماعات مسلحة. كان الجنود يحاولون إعادة الأمن للمنطقة، وبناء جسور الثقة بين السُّنَّة والشيعة، أما عن الرواية فكانت لقناعتي، بأني أستطيع الحكي بشكل مختلف، حيث تمنحك الكتابة القصصية رخصة لتجعل تفاصيل الحياة أكثر تشويقاً، وتوغل في وصف المشاعر الإنسانية للشخصيات. وقد كانت «زوجة أمير الفلوجة» مزيجاً من الخبرات الحقيقية التي عشتها بنفسي. هناك شخصيات خلقتها من صميم خيالي، وأخرى واقعية التقيتها، وكانت موجودة في حياتي.
> في كتابك «سرية يوم القيامة» لجأت إلى كتابة اليوميات... ما الذي دفعك إلى ذلك بينما كان يمكنك أن تلجأ للكتابة الروائية التي اعتمدتها في رواية «زوجة أمير الفلوجة»؟
- عندما كتبت «سرية يوم القيامة»، فكرت أن يكون كتاباً واقعياً يحكي تجربتي، التي ربما لم يمر بها صحافي عربي أثناء حرب العراق؛ كنت موجوداً مع السرية؛ أعيش وسطهم، وأخرج معهم في دوريات سيراً على الأقدام، وقد قمت بخمس أو ست زيارات للعراق خلال السنة التي كانت السرية موجودة فيها بحي الحرية. وعندما انتهت مهمتها، عدت معهم لولاية كانساس الأميركية لكتابة الفصل الأخير من الكتاب. حين وصلنا، أُقيم لهم احتفال ضم الزوجات والأبناء والأهل. وفي اليوم التالي كان لي غداء أخير مع بطل الكتاب النقيب وليم بمطعم مكسيكي، وأخذ يتحدث عن انطباعاته بعد خروجه من العراق، وبعده عنه آلاف الأميال، وقد خدم مرتين في العراق، الأولى كانت مدتها سنة ونصف السنة، والثانية كانت سنة كاملة، وقد شّكل العراق جزءاً كبيراً من حياته وعسكريته.
> في «زوجة أمير الفلوجة» تحدثت عن الصراع الطائفي الذي نما في العراق ما بعد صدام، كيف ترى ذلك... وما الذي قاد إليه من وجهة نظرك؟
- ليست لديّ نظرية سياسية تفسر الاقتتال الطائفي بشكل أكاديمي أو بأي شكل ثانٍ، ولكن يكفي أن أقول إن الذي حدث بالعراق خلاف سياسي أكثر منه ديني؛ بمعنى أنه عندما كان الشيعي يقتل السُّني أو السُّني يقتل الشيعي، لم يكن قتلاً على الهوية، كان خلافاً بين أغلبية شيعية ظلت مقهورة سياسياً لفترة طويلة، ومع قدوم الأميركان، وإزاحة صدام حسين عن المشهد، الذي كان رمزاً لهذا القهر، أصبح السُّنَّة العرب الذين كانت لهم الحظوة في عراق صدام، مجرد أقلية لها جزء من الكعكة السياسية يعكس حجمها، في مواجهة الأغلبية الشيعية.
> تعرضت غالبية شخصيات روايتك «زوجة أمير الفلوجة» لمصير مأساوي جراء العنف... ماذا كنت تريد أن تشير إليه بهذه المصائر الدموية لشخصياتها؟
- الموت الذي أودى بحياة معظم شخصيات الرواية يعكس دموية تلك الفترة، وما مر به العراق من أهوال، ولم يكن لدى أي إنسان يعيش هناك في ذلك الوقت أي ضمان بأنه سيعود إلى منزله في نهاية اليوم، أو أنه سيستيقظ في الصباح وهو ما زال حياً. كان الشك كبيراً حول إمكانية الحياة الآمنة في تلك الفترة، أو مجرد تفادي الموت الذي كان من نصيب الكثيرين، كان العراق دموياً بشكل استثنائي، وكان القتل والدم يأتيان من جهات متعددة؛ من الأميركان، ومن الشرطة الاتحادية، ومن الجيش، ومن الميليشيات الشيعية، ومن المجموعات المسلحة السُّنية.
> هل ترى أن أزمة شخصية مثل «صفية» وهي تبحث عن «الدكتور خاطر»، تشير إلى أنه لا أمل لتحقيق أي قدر من الحياة الإنسانية في مجتمع يضربه العنف ليل نهار؟
- صفية لم تكن سعيدة بكونها زوجة لأمير من أمراء «الجهاديين»، ولهذا رأت في الدكتور بصيصاً من الأمل؛ يمكن أن يخرجها من العراق إلى مكان آمن، ولكن كانت لدي قناعة بأن «خاطر» الأميركي ذا الأصول الفلسطينية، الذي عالجها من إصابتها بمستشفى «ابن سينا» بالمنطقة الخضراء، لم يكن في نيته أخذ صفية والذهاب بها لأميركا، وكان من الواضح أن العشرة أيام التي أمضتها بالمستشفى، قللت فقط من حدة حياته بوصفه جراحاً في مستشفى «ابن سينا»، يتعامل مع الدم والموت بشكل يومي، ولما ظهرت صفية في حياته كانت أشبه بهدية جميلة لم يتوقعها، اهتم بها لفترة، لكن انجذابه لها انتهى بعد أيام قليلة من مغادرتها المستشفى.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».


صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
TT

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

تعود الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالاً إلى إحدى أكثر اللحظات اللبنانية احتداماً، عبر كتابها «دور الصحافة اللبنانية عشية حرب لبنان» الصادر عن «دار سائر المشرق»، فتستعيد مرحلة كان الكلام فيها يسبق الرصاص أحياناً، ويواكبه أحياناً أخرى، بينما كانت البلاد تمضي بخُطى متسارعة نحو الانفجار الكبير. وتكتسب هذه العودة معناها الإضافي في شهر ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية تاريخ 13 أبريل (نيسان) 1975، بما يُحرّك تساؤلات الذاكرة، والعِبرة، والخوف من تكرار المآسي.

صفحات لم تكتفِ برصد اللحظة فلامست ما كان يتشكّل في الخفاء (بسكال عازار شلالا)

يستوقف الكتاب قارئه منذ فكرته الأولى. فهو لا يحدّ وظيفة الصحافة بالتدوين اليومي للأحداث، وإنما يضعها في متن التاريخ اللبناني الحديث، ويراها مساحة التقطت تصدّعات المجتمع، وعاينت انقساماته، وواكبت تبدُّل أفكاره، وعكست صراعاته السياسية، والطائفية، والثقافية. فمنذ نشأتها، احتلَّت الصحافة اللبنانية مكانة خاصة في المحيط العربي، فشكَّلت منبراً للأفكار، والآراء، والرسائل العابرة للحدود، ومقصداً للكتّاب، والمفكرين، والسياسيين، ومسرحاً واسعاً لنقاشات كانت تتجاوز لبنان إلى المنطقة.

ولا يبدو اختيار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية، لأنّ المادة التي يتناولها الكتاب تقع عند تقاطُع التاريخ، والإعلام، والسياسة، والمجتمع، وتتداخل فيها الوقائع مع الانفعالات، والطرح مع مساراته. وهذا ما يظهر في سعيها إلى مُساءلة دور الصحافة عشية الحرب، بعيداً عن الأحكام السريعة، والاتّهام المُعلَّب الذي يضع الإعلام وحده في قفص المسؤولية، كأنّ الخراب وُلد من عنوان عريض، أو افتتاحية نارية فقط.

بين السطور... بلدٌ كتب قلقه قبل أن يشهد عليه (أ.ف.ب)

يستحضر الكتاب الخلفية التي راكمت الشروخ اللبنانية على امتداد عقود. فقيام «لبنان الكبير» لم يأتِ على أرض مُتجانسة الرؤية إلى الكيان، والهوية، إذ نشأ خلاف عميق بين تصوّرين للوطن، أحدهما رأى في الكيان تتويجاً لتجربة تاريخية، والآخر نظر إليه على أنه خسارة سياسية، وانفصال عن امتداد عربي أوسع. ثم جاء «الميثاق الوطني» ليُجمِّد هذا التناقض من دون أن يقضي عليه، قبل أن تعود التصدّعات إلى الظهور مع التحوّلات الإقليمية، وصعود الناصرية، وأزمة 1958، ثم مع تعاظُم مسألة المشاركة في الحكم، وتبدُّل موازين القوى، ودخول العامل الفلسطيني المُسلَّح إلى المشهد اللبناني.

على هوامش الجرائد... كان القلق يُصاغُ عناوينَ قبل أن يصير واقعاً (أ.ف.ب)

يسرد الكتاب هذه الخلفيات، ويربطها بكيفية تصرُّف الصحافة اللبنانية وسط المناخ المشحون. وعبر شهادات سياسيين، وإعلاميين، وقارئين لتاريخ لبنان، يُجيب على أسئلة من بينها اثنان محوريان: هل حفظت الصحافة مسافةً من النار؟ أم اقتربت منها أكثر ممّا ينبغي؟ وهل كانت صفحات الجرائد مرآة لأزمة تتكوَّن في الشارع؟ أم تحوّلت في بعض اللحظات إلى شريك في رفع الحرارة العامة؟ ذلك يتيح تقدُّم أهمية العمل، لأنه لا يقرأ الصحافة من موقع التمجيد، ولا من موقع الإدانة المُسبقة. يقرأها من موقع الفحص المُتروّي لِما كتبته، وكيف؟ وفي أيّ سياق؟

وتزداد هذه المقاربة أهمية حين نستعيد صورة تلك المرحلة كما يرسمها الكتاب، عبر مشهديات التعبئة السياسية الشعبية الواسعة، والتعبئة الإعلامية، والآيديولوجية في موازاتها، وسط خطاب تصادمي مُتشنّج، ومنشورات حزبية موجَّهة، وتصاعُد في نفوذ الأحزاب الراديكالية، والمنظّمات الفلسطينية على المستويات الإعلامية، والسياسية، والعسكرية. أمام هذا المناخ، راحت اللغة تفقد توازنها شيئاً فشيئاً، وصار التخاطُب العام أكثر قسوة، وحدّةً، فيما كانت الدولة تتراجع، والجيش يُحاصَر بالشكوك، والانقسامات، ويعجز عن الإمساك بالشارع قبل أن ينفلت نهائياً.

صفحات تُمسك بلحظة كان فيها الكلام أقرب إلى ما سيأتي (أ.ب)

لهذا يبدو الكتاب أكثر من دراسة عن الصحافة. إنه قراءة في اللحظة التي يمكن أن يتحوّل فيها الكلام إلى أداة اصطفاف حادّ، وتفقد المفردات دورها في الشرح، والتقريب، لتصبح جزءاً من التعبئة النفسية، والمعنوية. وهذه مسألة تمسّ اللبنانيين اليوم أيضاً، بعدما عرف بلدهم حروباً متتالية، وخرج من جراح ليدخل في أخرى، وعاد في السنوات الأخيرة إلى اختبار القلق نفسه، وإنْ تبدّلت الوجوه، والعناوين، والساحات. من هنا يلامس الكتاب حساسيةً راهنة، لأنه يؤكّد أنّ المجتمعات المُتعَبة لا تنفجر من فراغ، وإنما تصل إلى حافة الهاوية عبر تراكُم طويل من الانقسامات، والخطابات المشحونة، والعجز عن إنتاج مساحة مشتركة.

اختارت شلالا أن تبني بحثها على رصد يومي يمتد سنةً كاملة، من 13 أبريل 1974 إلى 13 أبريل 1975، مُتتبعةً افتتاحيات، ومانشيتات 5 صحف هي: «النهار»، و«العمل»، و«النداء»، و«المحرّر»، و«السفير». وهذه المنهجية تمنح الكتاب ثقله الفعلي، لأنها تنقل النقاش من العموميات إلى المتابعة الدقيقة، وتتيح مقاربة الخطاب الصحافي كما تشكَّل يوماً بعد يوم على إيقاع الأحداث المُتلاحقة، لا كما يُدوَّن لاحقاً تحت ضغط الذاكرة، أو الانطباع الشخصي.