علماء آثار مصريون يتهمون صناع وثائقي «كليوباترا» بـ«تزييف التاريخ»

أكدوا أن الملكة البطلمية كانت شقراء لا سمراء

جانب من ملصق المسلسل (نتفلكس)
جانب من ملصق المسلسل (نتفلكس)
TT

علماء آثار مصريون يتهمون صناع وثائقي «كليوباترا» بـ«تزييف التاريخ»

جانب من ملصق المسلسل (نتفلكس)
جانب من ملصق المسلسل (نتفلكس)

اتهم علماء آثار مصريون صناع الفيلم الوثائقي «الملكة كليوباترا» الذي من المقرر عرضه على شبكة «نتفليكس» في شهر مايو (أيار) المقبل، بـ«تزييف التاريخ»، «وإهانة الحضارة المصرية القديمة»، واستنكروا الإصرار على إظهار بطلة المسلسل التي تجسد قصة حياة كليوباترا، بملامح أفريقية، بينما تنحدر الملكة من جذور بطلمية ذات ملامح شقراء وبشرة بيضاء.

وقال عالم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس لـ«الشرق الأوسط»، إن «محاولة تصوير ملامح كليوباترا على أنها ملكة من أفريقيا، تزييف لتاريخ مصر القديمة، لأنها بطلمية»، واتهم حركة «أفروسنتريك» أو «المركزية الأفريقية» بالوقوف وراء العمل.
وطالب باتخاذ إجراءات مصرية للرد على هذا الوثائقي عبر إنتاج أعمال مصرية أصلية عن كليوباترا وغيرها من الحكام المشاهير.

ويزعم أعضاء حركة «أفروسنتريك» أن ملوك مصر القديمة كانوا أفارقة، مستشهدين ببعض التماثيل الملونة باللون الأسود، وهذه نظرية خاطئة، وفق مؤرخين وأثريين مصريين، قالوا إنه كان يتم دهان بعض التماثيل باللون الأسود كدلالة رمزية للإله أوزوريس، إله العالم الآخر، وليس للون صاحب التمثال».

وتتعرض هذه الحركة لهجوم وانتقادات من مثقفين مصريين باستمرار، إذ أُلغي حفل ستاند أب كوميدي، للممثل الأميركي الشهير كيفين هارت بمصر في شهر فبراير (شباط) الماضي، قبيل بدايته بساعات قليلة في الصالة المغطاة باستاد القاهرة الدولي، بعد تدشين حملة لإلغائه اعتراضاً على تصريحات هارت السابقة عن الحضارة المصرية القديمة.

وأطلقت منصة «نتفليكس» إعلاناً ترويجياً لفيلم وثائقي عن الملكة «كليوباترا» من إخراج جادا نينكيت سميث، زوجة النجم الأميركي ويل سميث، ويبدأ عرضه على المنصة يوم 10 مايو المقبل، واختيرت الممثلة أديل جيمس لتؤدي دور الملكة البطلمية.

ورأى خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو المجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن فيلم «نتفليكس» يعد «إساءة للحضارة المصرية»، لأنه يُظهر الملكة كليوباترا ببشرة سوداء ترويجاً لفكر «الأفروسنتريك».


تمثال نصفي من الحجر الجيري لكليوباترا (المتحف البريطاني)

وأشار الدكتور ريحان في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هذا الفيلم يعد ضرباً للهوية المصرية ووحدة الشعب المصري، وتجريد الحضارة المصرية من أصولها، ومخالفة للمادة 50 من الدستور المصري، والتي تُلزم الدولة بالحفاظ على التراث الأثري والتاريخي، والمعاصر، معتبرةً الاعتداء على أيٍّ من ذلك جريمة يعاقب عليها القانون».

وناشد ريحان وزارة الخارجية ووزارة السياحة والآثار والهيئة العامة للاستعلامات، تقديم احتجاج رسمي على الفيلم، والمطالبة بتغيير صورة كليوباترا، وإعادتها إلى صورتها الحقيقية كما تظهر في تماثيلها في المتاحف داخل مصر وخارجها.

وبدأت حركة «أفروسنتريك» الظهور منذ عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، وذاع صيتها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وهي حركة عالمية عنصرية تتمحور حول التعصب العرقي للجنس الزنجي.

وتعد الملكة كليوباترا السابعة آخر ملكات الأسرة المقدونية التي حكمت مصر بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد، واستمر حكمها حتى فترة احتلال روما لمصر عام 30 قبل الميلاد. وكانت كليوباترا ابنة بطليموس الثاني عشر، وخَلَفَته كملكة سنة 51 ق.م، مشاطرةً العرش أخاها بطليموس الثالث عشر. وحكمت في البداية بالمشاركة مع أخيها بطليموس الثالث عشر، لكنه طردها من القصر، ثم خططت لاستعادة العرش وتمكنت من استعادة السلطة بعد غرق أخيها وخسارته إحدى الحروب الأهلية.

وقُدمت شخصية الملكة كليوباترا في أعمال فنية مصرية وعالمية مثل مسلسل «كليوباترا»، وهو عمل درامي يروي تفاصيل حياة الملكة، وهو إنتاج مصري - خليجي مشترك، من بطولة الفنانة السورية سلاف فواخرجي، كما قدمت الفنانة البريطانية إليزابيث تايلور الشخصية ذاتها في فيلم «كليوباترا»، وكذلك قامت بالدور الممثلات مونيكا بيلوتشي، وصوفيا لورين، وفيفيان لي.

ورجحت دراسة صدرت عام 2021 للباحثة الأرجنتينية آنا ماريا روسو، سيناريو وفاة كليوباترا السابعة بالسم، وليس بلدغة كوبرا.

وتوجد روايتان لانتحار كليوباترا السابعة، إحداهما ذهبت إلى ترجيح استخدامها كوبرا، لتموت إثر لدغها، فيما توجد رواية أقل شيوعاً ترجّح وفاتها بالسم.


صورة لكليوبترا (أرشيفية)
 


مقالات ذات صلة

زاهي حواس يُفند مزاعم «نتفليكس» بشأن «بشرة كليوباترا»

يوميات الشرق زاهي حواس (حسابه على فيسبوك)

زاهي حواس يُفند مزاعم «نتفليكس» بشأن «بشرة كليوباترا»

أكد الدكتور زاهي حواس، أن رفض مصر مسلسل «كليوباترا» الذي أذاعته «نتفليكس» هو تصنيفه عملاً «وثائقي».

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق استرداد حمض نووي لامرأة عاشت قبل 20000 عام من خلال قلادتها

استرداد حمض نووي لامرأة عاشت قبل 20000 عام من خلال قلادتها

وجد علماء الأنثروبولوجيا التطورية بمعهد «ماكس بلانك» بألمانيا طريقة للتحقق بأمان من القطع الأثرية القديمة بحثًا عن الحمض النووي البيئي دون تدميرها، وطبقوها على قطعة عُثر عليها في كهف دينيسوفا الشهير بروسيا عام 2019. وبخلاف شظايا كروموسوماتها، لم يتم الكشف عن أي أثر للمرأة نفسها، على الرغم من أن الجينات التي امتصتها القلادة مع عرقها وخلايا جلدها أدت بالخبراء إلى الاعتقاد بأنها تنتمي إلى مجموعة قديمة من أفراد شمال أوراسيا من العصر الحجري القديم. ويفتح هذا الاكتشاف المذهل فكرة أن القطع الأثرية الأخرى التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ المصنوعة من الأسنان والعظام هي مصادر غير مستغلة للمواد الوراثية

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق علماء: ارتفاع مستوى سطح البحر دفع الفايكنغ للخروج من غرينلاند

علماء: ارتفاع مستوى سطح البحر دفع الفايكنغ للخروج من غرينلاند

يُذكر الفايكنغ كمقاتلين شرسين. لكن حتى هؤلاء المحاربين الأقوياء لم يكونوا ليصمدوا أمام تغير المناخ. فقد اكتشف العلماء أخيرًا أن نمو الصفيحة الجليدية وارتفاع مستوى سطح البحر أدى إلى فيضانات ساحلية هائلة أغرقت مزارع الشمال ودفعت بالفايكنغ في النهاية إلى الخروج من غرينلاند في القرن الخامس عشر الميلادي. أسس الفايكنغ لأول مرة موطئ قدم جنوب غرينلاند حوالى عام 985 بعد الميلاد مع وصول إريك ثورفالدسون، المعروف أيضًا باسم «إريك الأحمر»؛ وهو مستكشف نرويجي المولد أبحر إلى غرينلاند بعد نفيه من آيسلندا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا مروي أرض «الكنداكات»... في قلب صراع السودان

مروي أرض «الكنداكات»... في قلب صراع السودان

لا تزال مدينة مروي الأثرية، شمال السودان، تحتل واجهة الأحداث وشاشات التلفزة وأجهزة البث المرئي والمسموع والمكتوب، منذ قرابة الأسبوع، بسبب استيلاء قوات «الدعم السريع» على مطارها والقاعد الجوية الموجودة هناك، وبسبب ما شهدته المنطقة الوادعة من عمليات قتالية مستمرة، يتصدر مشهدها اليوم طرف، ليستعيده الطرف الثاني في اليوم الذي يليه. وتُعد مروي التي يجري فيها الصراع، إحدى أهم المناطق الأثرية في البلاد، ويرجع تاريخها إلى «مملكة كوش» وعاصمتها الجنوبية، وتقع على الضفة الشرقية لنهر النيل، وتبعد نحو 350 كيلومتراً عن الخرطوم، وتقع فيها أهم المواقع الأثرية للحضارة المروية، مثل البجراوية، والنقعة والمصورات،

أحمد يونس (الخرطوم)
افتتاح «سبيل أحمد أفندي» وقبة الخلفاء العباسيين في القاهرة

افتتاح «سبيل أحمد أفندي» وقبة الخلفاء العباسيين في القاهرة

أعادت مصر افتتاح سبيل أحمد أفندي، بحي السيدة زينب، وقبة الخلفاء العباسيين بحي الخليفة، بالقاهرة، بعد ترميمهما وتطويرهما.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)

يورغو شلهوب: الإحساس الفطري هو الأساس في التمثيل

يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)
يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)
TT

يورغو شلهوب: الإحساس الفطري هو الأساس في التمثيل

يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)
يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)

لفت الممثل يورغو شلهوب الأنظار بأدائه لشخصية الرجل الخارج من المعتقل في مسلسل «المحافظة 15» الرمضاني، حيث نجح في ملامسة مشاعر المشاهدين من خلال مقاربة عميقة للدور. فقد غاص في تفاصيلها، مُقدّماً صورة واقعية لسجين أمضى 28 عاماً خلف القضبان. وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه رسم ملامحها في مخيلته، حتى إن مجرد التفكير في معاناتها كان ينقله إلى عالمها.

ويؤكد شلهوب أن ما قدّمه يستند إلى نماذج إنسانية حقيقية، إذ ساعده التعمق في حالة الشخصية النفسية على بلورة أبعادها. ويقول: «استحوذَت على تفكيري، وتركيزي، وعاطفتي، وتجسيد دور كهذا يُحمِّل الممثل مسؤولية نقل معاناة واقعية».

ويضيف: «حين نغوص في الدور، لا بد أن يسكننا، فهذا يولّد أداءً متجدداً. وكلَّما تعمَّقنا في الشخصية، كشفنا جوانبها النفسية، والفلسفية، ما يقربها من الواقع».

رسم خطوط شخصية «فؤاد» في «المحافظة 15» كما تخيّلها (إنستغرام)

وقد بنى شلهوب ملامح شخصية «فؤاد» وكأنه كتب لها نصاً موازياً لما قدَّمته مؤلفة العمل كارين رزق الله، موضحاً: «الإحساس الفطري عنصر أساسي في التمثيل. كنت أتخيَّل ما مرَّت به الشخصية، وكيف واجهت عذاباتها في المعتقل، وكأنني أكتب لها نصاً خاصاً في مخيلتي».

كما حرص على أن يظهر «فؤاد» بملابس تعكس حقبة زمنية ماضية، وأبرز قوته الداخلية، والجسدية، والفكرية التي مكَّنته من الصمود، والتمسك بالحياة طوال سنوات الاعتقال. واستند في ذلك إلى شهادات حية، ومقاطع حوارية مع معتقلين سابقين، مضيفاً: «لكل معتقل قصته، لذلك جمعتُ من تجارب مختلفة ما يتقاطع مع الشخصية، فجاءت منطقية، وقريبة من الواقع».

ويشير إلى أن «فؤاد» نتج عن مزج بين الواقع والخيال، إلى جانب تحليل نفسي شكَّل خلفيته. ويصفه بأنه شخص شجاع، ومقدام، ويحمل رغبة في حماية الآخرين داخل المعتقل، وخارجه، مع تمسكه بالأمل رغم الانكسار، وهو ما منح الدور خصوصيته الإنسانية.

ويلفت شلهوب إلى أن تماهيه مع الدور لاقى اهتمام مخرج العمل سمير حبشي، قائلاً: «حضَّرت جيداً للدور، وعندما وقفت أمام الكاميرا، تفاجأ حبشي بطريقة تقديمي. عشتها أسبوعين خلال التحضير، وحرصت على أدق تفاصيلها، حتى بقيت آثارها في اللاوعي لدي بعد انتهاء العمل، وكنت أراها أحياناً في أحلامي».

يشير إلى كيمياء تسري بينه وبين كارين رزق الله خلال التمثيل (إنستغرام)

وقد حصدت الشخصية تفاعلاً واسعاً من الجمهور، لا سيما من أهالي معتقلين سابقين، والذين عبَّروا عن تأثُّرهم، مؤكدين أن الدور أعاد إليهم صور أبنائهم المُحرَّرين، ما يعكس نجاح شلهوب في تقديم نموذج واقعي، رغم أن معاناة المعتقلين الحقيقية تبقى أشد قسوة.

ويضيف: «شعرت بالامتنان، لأنني لم أعِش تجربة مماثلة. ما يمر به المعتقل أشبه بكابوس يصعب التخلص منه، وإيصال هذه المعاناة لم يكن سهلاً. هؤلاء الأشخاص تُركوا من قبل الدولة اللبنانية، ودخلوا في دائرة النسيان».

ويرى شلهوب أن هذا الدور يُشكِّل محطة مهمة في مسيرته، قائلاً: «أؤمن دائماً بأن (دور العمر) هو الذي لم أُقدِّمه بعد، وقد يكون في أي عمل مُقبل. النجاح حافز للاستمرار، وتقديم الأفضل».

أما عن الثنائية التي تجمعه بكارين رزق الله، فيؤكد وجود كيمياء خاصة بينهما يحبها الجمهور، قائلاً: «عندما التقينا مجدداً بعد نحو 10 سنوات، شعرنا وكأننا خرجنا للتو من تجربة (قلبي دق). ورغم أن (المحافظة 15) أعاد إلى الأذهان صورة العاشقَين، فإن لكل عمل هويته الخاصة، وهذا العمل ينتمي إلى دراما مختلفة بعيداً عن الكوميديا».

ويثني شلهوب على خطوة المنتج مروان حداد، واصفاً إياها بالجريئة، خصوصاً مع دخوله السباق الرمضاني بإنتاج لبناني بحت، قائلاً: «المجازفة كانت ضرورية لتحقيق الأفضل، والعمل بحد ذاته إنجاز رغم الانتقادات».

ويختتم شلهوب حديثه بالإشارة إلى أن حداد وكارين رزق الله حققا نقلة درامية لافتة، مشيداً بجهود فريق العمل، ومؤكداً أن التجربة كانت غنيَّة، ومؤثرة على مستوى الأداء، والرسالة الإنسانية.


«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)
خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)
TT

«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)
خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

تتقاطع حكاية الفيلم السعودي «هجير»، الذي يبدأ عرضه في صالات السينما المحلية هذا الأسبوع مع قصة الملحن العالمي بيتهوفن الذي فقد سمعه ورغم ذلك ألّف ألحاناً عبقرية. «هجير» يسرد رحلة داخلية تعيد تعريف حاسة السمع، ليس بوصفها قدرة حسية فحسب، بل بوصفها وسيلة لصياغة الموسيقى والإبداع.

تكشف منتجة الفيلم أمل الحجار في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، عن تفاصيل الفكرة، وبنية القصة، وكواليس الإنتاج، مبينةً أن الحكاية تبدأ من تجربة واقعية، حيث تشير إلى أن الشرارة الأولى جاءت من احتكاك مباشر، قائلةً: «فكرة الفيلم بدأت عندما كنت في مكان يوجد فيه أشخاص من ذوي الإعاقة السمعية، وهذا ما لفت انتباهي، وجعلني أتساءل: ماذا نقدم لهم؟»، وتضيف أن ما أثار اهتمامها لم يكن فقط حضورهم، بل زاوية النظر المختلفة التي فرضوها، مضيفةً: «تأثرت بطريقة تفاعلهم مع العالم، وبدأتُ أفكِّر: كيف يروننا نحن؟ نحن الذين نعتمد على الصوت أكثر من لغة الإشارة». وتوضح أن هذا التساؤل قادها إلى إعادة التفكير في مفهوم «الطبيعي» و«المختلف»، قائلةً: «ظل هذا السؤال في ذهني: هل يروننا نحن المختلفين؟ وهل هم الطبيعيون؟»، وهي الفكرة التي شكّلت أساس المشروع.

بناء الفكرة... عكس التوقع

تشير الحجار إلى أن تحويل هذا التساؤل إلى عمل درامي احتاج إلى معالجة مختلفة، موضحةً: «فكَّرت أن أقدم فيلماً عنهم، لكن الدراما تحتاج إلى حبكات، فذهبت إلى فكرة معاكسة: شخص لا يسمع لكنه يحب الموسيقى». وتؤكد أن هذه المفارقة كانت مدخلاً لبناء القصة، حيث بدأت الفكرة تتشكل تدريجياً، وبدأ العمل عليها، لتتحول إلى مشروع سينمائي يتناول تجربة إنسانية تتجاوز التصنيفات التقليدية، حسب قولها.

يتخذ الفيلم من أجواء جدة القديمة مكاناً للقصة (الشرق الأوسط)

جدة... زمن مختلف

تدور أحداث الفيلم في جدة، خلال فترة تمتد من أواخر الستينات إلى الثمانينات، وهي مرحلة شهدت تحولات ثقافية مهمة، خصوصاً فيما يتعلق بالموسيقى ووسائل الإعلام، حيث يرصد العمل بيئة كان فيها تعليم الموسيقى متاحاً في بعض المدارس، مثل مدرسة «الثغر»، حيث تعلّم البطل قراءة النوتة الموسيقية وفهمها، في سياق يعكس حضور الموسيقى في الحياة اليومية آنذاك، إلى جانب الاعتماد على الإذاعة، قبل دخول التلفزيون إلى بعض البيوت.

يتتبع الفيلم رحلة «هجير»، الذي ينشأ في عائلة قريبة من الموسيقى؛ فوالده عازف كمان، ويعمل أيضاً في صيانة الآلات الموسيقية، مما يخلق بيئة مشبَّعة بالأصوات والإيقاع، رغم التحدي الذي يواجهه الابن. وفي المبنى نفسه، تعيش «عالية»، ابنة قائد أوركسترا في إذاعة جدة، التي تتلقى تعليمها الموسيقي على يد والدها، وتحمل حلماً بسيطاً يتناسب مع عمرها واهتمامات جيلها، يتمثل في تلحين عمل لمطرب مصري كانت معجبة به.

بداية التحدي

توضح الحجار تفاصيل التحول المفصلي في حياة البطل، قائلةً: «كان لديه ضعف في السمع منذ الولادة، لكن في سن العاشرة أُصيب بحمى قضت على ما تبقى من سمعه». وتوضح أن هذا التحول انعكس بشكل مباشر على حياته اليومية، فلم تعد المدرسة تتقبله، وبدأ يواجه تنمراً من المحيطين به، في إشارة إلى التحديات الاجتماعية التي رافقت حالته.

لكن في المقابل، تبرز العائلة كمساحة دعم، حيث تقول: «استمرَّ بدعمٍ من جده ووالده، وكان يتعلم القرآن منذ الصغر، وهذا ما ساعده على الحفاظ على النطق ومخارج الحروف». وتستحضر الحجار واحدة من أبرز الصور في الفيلم، قائلةً: «في أحد المشاهد، نراه يرسم بيانو على الأرض، ويتحرك على مفاتيحه، رغم أنه لا يسمع». وتشير إلى أن هذه الصورة تختصر فلسفة الشخصية، حيث يعتمد «هجير» على إحساس داخلي في التعامل مع الموسيقى، فيكتب النوتات ويؤلف الألحان دون أن يسمعها، في تجربة تتجاوز الفهم التقليدي للصوت.

الحب... بوصفه امتداداً للأمل

وخلال ذلك، تتداخل قصة حب مع مسار الشخصية، حيث اعترف «هجير» بمشاعره نحو «عالية» في سن مبكرة، حيث تواجه هذه العلاقة نظرة سلبية من المجتمع حوله، في محاولات لتشكيك هجير بنفسه، إلا أن ذلك لم يغيّر من نظرته، حيث استمر مؤمناً بحبه لها. وترى الحجار أن هذا الجانب يعكس بُعداً إنسانياً مهماً، يتمثل في أن البطل «لم يرَ نفسه شخصاً مختلفاً أو أقل، بل شخصاً يعيش حياته بشكل طبيعي».

وتأخذ قصة الفيلم منعطفاً درامياً حين يكتب «هجير» لحناً موسيقياً ويهديه إلى عالية التي تدرك قيمة العمل، لكنها تقرر نسبته إلى نفسها، وتسافر إلى مصر لتحقيق حلمها، حيث يحقق اللحن نجاحاً، وتتناوله الصحافة، في حين يبقى صاحبه الحقيقي بعيداً عن الضوء.

الممثلة ريم الحبيب في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

حين يسمع ما لم يُسمع

توضح الحجار: «في الثمانينات، ومع ظهور السماعات الطبية، يتمكن لأول مرة من استخدام جهاز يساعده على السمع»، مضيفةً أن هذه اللحظة كانت فارقة «كانت أول تجربة له بأن يسمع اللحن الذي ألّفه». وتشير إلى أن هذه اللحظة تقود إلى انكشاف الحقيقة، حيث تتصاعد الأحداث، وتبدأ المواجهة.

وترى الحجار أن الفيلم يحمل رسالة واضحة، قائلةً: «الرسالة يمكن وضعها تحت عنوان الأمل: never lose hope». وتضيف أن هذه الفكرة تتجلى في مسار الشخصية: «لم يفقد الأمل رغم كل ما مر به، ولم يرَ إعاقته حاجزاً يمنعه من أن يعيش أو يحب أو يبدع».

مصادفة صنعت الفارق

وبالسؤال عن كواليس اختيار بطل الفيلم، تكشف الحجار عن أنه في أثناء البحث عن شخص يجيد لغة الإشارة، فوجئت في حضور أم برفقة ابنها البالغ تسع سنوات. وتضيف: «لفت انتباهنا، فسألنا والدته إن كان يمكنه التمثيل، فوافقت، وبدأنا تدريبه»، مشيرةً إلى أن والدته شاركت أيضاً في الفيلم بدور معلمة لغة الإشارة. وترى أن هذه المصادفة أضافت بُعداً واقعياً مهماً، حيث كان البطل يؤدي الدور إلى جانب والدته الحقيقية، وهي من ذوي الإعاقة السمعية».

وتوضح أن الفيلم يرصد مرحلة زمنية مهمة، حيث كان الاعتماد على الإذاعة، قبل دخول التلفزيون إلى بعض البيوت، في تباين يعكس الفروق الاجتماعية. كما تشير إلى تحديات التصوير، قائلةً: «واجهنا صعوبة في التصوير في جدة القديمة، فتم تصوير العمل في مصر، مع إعادة بناء جدة القديمة داخل مدينة الإنتاج الإعلامي».

المشهد السينمائي المحلي

ورغم اختلاف قصة الفيلم عمّا هو معتاد في الأفلام السعودية، فإن المنافسة اليوم باتت شرسة في الإنتاج المحلي، وذائقة الجمهور ارتفعت بشكل كبير، وبسؤال الحجار عن موقع «هجير» ضمن المشهد السينمائي، تقول: «السينما تميل غالباً إلى الكوميديا أو الرعب، بينما تظل القصص الإنسانية أقل حضوراً... وهناك قصص إنسانية ملهمة تستحق أن تُروى»، في إشارة إلى توجه الفيلم، الذي يسعى لتقديم تجربة مختلفة.

وتشير الحجار إلى أن الفيلم يمثل أول عمل سعودي للمخرجة سارة طلب، التي درست السينما في جامعة إيكر، وقدمت أعمالاً سابقة في السينما الفرنسية، في تجربة تمثل انطلاقتها في السينما السعودية.

الفيلم من بطولة: خالد الحربي، وريم الحبيب، وخالد يسلم، وعبد العزيز الفيصل، وروان الخالدي، وعبد الله النجار، وآخرون.

إجمالاً، يقدّم «هجير» تجربة تنطلق من تساؤل إنساني بسيط، وتتحول إلى عمل يستكشف الأمل، والإبداع، وإعادة تعريف الذات خارج حدود الصوت.


كيف تعرف أن طفلك يعاني من نقص الثقة بالنفس؟ 3 علامات تحذيرية

معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)
معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)
TT

كيف تعرف أن طفلك يعاني من نقص الثقة بالنفس؟ 3 علامات تحذيرية

معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)
معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)

لا تُبنى ثقة الطفل بنفسه بين ليلة وضحاها، بل تتشكل تدريجياً من خلال تجاربه اليومية، وطريقة تعامله مع التحديات، والدعم الذي يتلقاه من محيطه. وفي عالم يمتلئ بالمقارنات والضغوط، يصبح الانتباه إلى إشارات ضعف الثقة بالنفس لدى الأطفال أمراً بالغ الأهمية، إذ قد تؤثر هذه الثقة بشكل مباشر في سعادتهم وأدائهم ومستقبلهم.

في هذا السياق، تؤكد سيندرا كامفوف، مدربة الأداء الذهني، أن على الآباء الانتباه إلى مستوى ثقة أطفالهم بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم، إذا كانوا يرغبون في تنشئتهم ليصبحوا بالغين ناجحين ومتوازنين، وذلك حسب تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وتوضح كامفوف، مؤسسة معهد «القوة الذهنية» - شركة متخصصة في تدريب القادة والرياضيين على المهارات الذهنية - أن «الثقة بالنفس تُعد من أقوى المؤشرات على الأداء والسعادة والنجاح». وتضيف: «تنمية الثقة بالنفس رحلة مستمرة تمتد طيلة الحياة، لأننا جميعاً نواجه عقبات وتحديات قد تؤثر على نظرتنا إلى أنفسنا».

ورغم أهمية هذا الجانب، فإن معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي. لذلك، تنصح كامفوف الآباء بالانتباه إلى العلامات غير المباشرة، سواء في كلام الطفل أو سلوكه. فطريقة حديثه عن نفسه، أو لغة جسده، قد تكشف الكثير عمّا يشعر به داخلياً، خصوصاً إذا بدا متردداً أو غير قادر على التعبير عن مشاعره الحقيقية.

فيما يلي ثلاث علامات تحذيرية قد تشير إلى أن طفلك يعاني من ضعف في ثقته بنفسه ويحتاج إلى دعم:

1. الحديث السلبي مع الذات

تُعد هذه من أبرز الإشارات على تدني تقدير الذات. فقد يلوم الطفل نفسه باستمرار عند الفشل، أو يعبّر عن ذلك بعبارات قاسية مثل: «أنا فاشل» أو «أنا غبي جداً». وقد يتجاوز الأمر ذلك إلى توقع الفشل مسبقاً، كأن يعتقد أنه لن ينجح في اختبار، أو لن يتمكن من تعلم مهارة جديدة.

في مثل هذه الحالات، تنصح كامفوف بتذكير الطفل بأن الإخفاقات والتعثرات المؤقتة لا تُعرّف هويته ولا تحدد قدراته. كما يمكن تعليمه النظر إلى الفشل بوصفه فرصة للتعلم والنمو، بدلاً من اعتباره نهاية الطريق.

2. المقارنة المفرطة مع الآخر

تشير كامفوف إلى أن المقارنة المستمرة مع الأقران، خصوصاً من يبدون أكثر تفوقاً، قد تكون مؤشراً واضحاً على ضعف الثقة بالنفس. وتوضح أن المقارنة بحد ذاتها سلوك طبيعي، إذ تساعد الإنسان على فهم موقعه في محيطه، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى معيار دائم للحكم على الذات.

وللتعامل مع ذلك، توصي بتوجيه الطفل للتركيز على الجوانب التي يمكنه التحكم بها، بدلاً من الانشغال بما لدى الآخرين. ويمكن للآباء طرح أسئلة تساعد الطفل على التفكير بشكل إيجابي، مثل: «ماذا تخبرك هذه المقارنة عما تريده حقاً؟» أو «ما الذي يهمك في هذا الأمر؟». وتُعد الإجابات عن هذه الأسئلة مدخلاً مهماً لوضع أهداف واقعية والعمل على تحقيقها، وهو ما تؤكد كامفوف أنه من أقوى الطرق لتعزيز الثقة بالنفس.

3. لغة الجسد وانخفاض الطاقة

حتى في حال غياب التصريحات السلبية، قد تعكس لغة الجسد ما يدور داخل الطفل. فقد يبدو أقل حيوية، أو يميل إلى الانطواء، أو يتجنب المشاركة في أنشطة كان يستمتع بها سابقاً. كما قد تلاحظ انحناء كتفيه، أو قلة ابتسامته، أو انخفاض طاقته بشكل ملحوظ.

وتشير كامفوف إلى أن هذه التغيرات قد تكون نتيجة لصوت داخلي ناقد لا يعبّر عنه الطفل بالكلام. لذا، من المهم أن يكون الآباء قدوة في التعامل الإيجابي مع المشاعر، من خلال إظهار طرق صحية لإدارة التوتر والإحباط، بدلاً من كبتها.

وبدلاً من مطالبة الطفل بالتفاؤل القسري، ينصح خبراء التربية بتعليمه التعرف على مشاعره وتسميتها، في خطوة أولى نحو فهمها والتعامل معها.