مع اقتراب موسم التحضير للانتخابات التمهيدية الرئاسية، والانتخابات العامة، لعام 2024، تحتدم المنافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين، على عدد هائل من القضايا الخلافية. ويرى الكثير من المراقبين أن حسم الصراع حولها قد يغير وجه الولايات المتحدة، على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وعلى تقاليد «الاعتدال» التي دأب الحزبان على مراعاتها في العقود الماضية.
وعلى الرغم من اتهام الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، بأنه أحد أبرز عناصر هذا التنافس والتوتر، فإنه ليس هو السبب، في موجة «التشدد اليميني» التي تشهدها البلاد، والتي كانت في حالة صعود، سبقت وصوله إلى سدة الرئاسة. ويُتهم الجمهوريون بأنهم، بدلاً من الانفصال عن ترمب، الذي أصبح أول رئيس أميركي سابق يجري اتهامه، احتشد الحزب الجمهوري حوله. ويشير المراقبون إلى الإجهاض وحمل السلاح كقضيتين بارزتين في السباق الانتخابي، حيث تتزايد الأدلة على أنهما قد يلعبان دوراً كبيراً في خيارات الناخبين، مع ازدياد المؤشرات على معارضة غالبية الأميركيين تقييد الوصول إلى حقوق الإجهاض، ومواصلة التمسك بالقوانين التي تحمي تفلت السلاح، في ظل «المجازر» الأسبوعية المتنقلة في الولايات الأميركية.
الإجهاض
في سباق المحكمة العليا لولاية ويسكنسن المحسوبة تقليدياً للجمهوريين، برز الوصول إلى الإجهاض، بوصفه أهم قضية في الحملة الانتخابية، حيث واجه المحافظون هزيمة ساحقة بفارق 11 نقطة. وبدلاً من أن يشكل هذا التصويت جرس إنذار للجمهوريين، أصدر قاض فيدرالي محافظ في ولاية تكساس، قراراً قضى بإبطال موافقة إدارة الغذاء والدواء على عقار لمنع الحمل، صدر قبل 23 عاماً، ليظهر استمرار الضغط من أجل فرض قيود على الإجهاض، على مستوى البلاد منذ إلغاء المحكمة العليا الحق الفيدرالي للإجهاض، المعروف باسم «رو ضد ويد». غير أن وزارة العدل أصدرت يوم الاثنين أيضاً، طلباً يطلب من محكمة الاستئناف الأميركية تعليق الحكم، حيث يرجح أن يحال الأمر في نهاية المطاف إلى المحكمة العليا للبت به. ويتوقع أن يكون قرارها حذراً جداً، نظراً لخطورته على صناعة الدواء عموماً في الولايات المتحدة.
وقال علماء القانون، إنه حتى القضاة المعادون للإجهاض والدولة الإدارية، قد يفكرون مرتين قبل تبني قرار القاضي في تكساس. وعلى الرغم من أنه للوهلة الأولى، قد يبدو أن فرص القرار في النجاة من المراجعة من قبل محكمة عليا يهيمن عليها قضاة محافظون واعدة تماماً، لكن علماء القانون قالوا يوم الاثنين، إن رداءة القرار المذهلة والعواقب الجانبية غير المعروفة، قد تدفع على الأقل بعض قضاة المحكمة العليا المحافظين إلى انتظار قضية تسمح لهم باتخاذ المزيد من الخطوات المحسوبة.
هذا الاعتقاد عزز تحرك ما يسمى «لوبي الدواء» النافذ جداً في البلاد، الذي أعلن عن معارضته الشديدة قرار القاضي. ووقّع أكثر من 400 مدير تنفيذي لشركات أدوية وشركات استثمارية بارزة في صناعة الأدوية والتكنولوجيا الحيوية، والتي لم تصنع أي منها العقار المحظور، الذي يساعد في نظام الإجهاض المكون من دواءين، على بيان يحذر من أن القرار يتجاهل السوابق العلمية والقانونية، قائلاً إنه إذا استمر الحكم، فسيخلق حالة من عدم اليقين للصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية.
حمل السلاح
وفي قضية حمل السلاح، استعاد النائب الديمقراطي عن ولاية تينيسي جاستن جونز، منصبه، وأعيد إلى مجلس الولاية، بعد أيام من طرده لانضمامه إلى احتجاج في عاصمة الولاية ضد عنف السلاح. وصوّت مجلس مدينة ناشفيل بعد ظهر يوم الاثنين على إعادته، بعد أن صوّت مجلس النواب الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري على طرده هو وزميله النائب جاستن بيرسون، وكلاهما من السود. وتلقى جونز دعماً بالإجماع من مجلس المدينة، حيث صوت جميع الأعضاء الـ36 لإعادة تعيينه ممثلاً مؤقتاً للمقاطعة 52، وطُرد جونز وبيرسون، الأسبوع الماضي لمشاركتهما في مظاهرة تدعو إلى إصلاح السلاح، بعد حادثة إطلاق النار الجماعية في مدرسة في ناشفيل، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أطفال يبلغون من العمر 9 سنوات، وثلاثة من أعضاء هيئة التدريس. كما شاركت زميلتهم الديمقراطية النائبة البيضاء غلوريا جونسون، في المظاهرة لكنها تمكنت من الحفاظ على مقعدها. وقال الجمهوريون إن النواب الثلاثة «عن علم وعن قصد جلبوا الفوضى والعار إلى مجلس النواب».
وأعرب الديمقراطيون في جميع أنحاء البلاد عن دعمهم للمشرعين، وسافرت كمالا هاريس، نائبة الرئيس الأميركي إلى الولاية الأسبوع الماضي لدعم الثلاثي، بينما أشار الكثير من القادة الآخرين إلى «الدلالات العنصرية» لطرد جونز وبيرسون. وقال جونز نفسه إن عِرقه لعب دوراً رئيسياً في إبعاده عن منصبه، وأكد أن عضواً في مجلس النواب كان يصفه «بالزنجي الكبير».
ورأى الكثير من المراقبين أن ما يجري قد أدى إلى حث البعض في الحزب الجمهوري على الدعوة إلى العودة إلى الاعتدال واعتماد حل وسط، محذرين من عواقب انتخابية وخيمة لعام 2024، خصوصاً أن قضايا الإجهاض والأسلحة وحقوق المثليين، تخاطر أيضاً بإبعاد المعتدلين. وقال هؤلاء: «في نهاية المطاف، يقوم الحزب الجمهوري بإلحاق ضرر كبير بنفسه من خلال مضاعفة سياسات ترمب، بدلاً من الانفصال عنه، والتحول إلى أجندة اجتماعية أكثر اعتدالاً». ويشير هؤلاء إلى خسارة غالبية مرشحي ترمب الانتخابات النصفية العام الماضي، للدلالة على خطورة الاندفاع في مسار التشدد. ويناقش هؤلاء بأنه حتى بديل الجمهوريين رون ديسانتيس حاكم فلوريدا «يحفر بنشاط قبره السياسي بجهوده الحثيثة لمحاذاة جناح ترمب في الحزب»، بما في ذلك حظر الإجهاض التقييدي الذي يعارضه معظم الناس لمدة ستة أسابيع. وقد يشعر ديسانتيس والجمهوريون الآخرون بأنهم مجبرون على محاكاة سياسات ترمب المحافظة واحتضانها؛ لأن هذا ما تطلبه قاعدة الحزب، لكنها قد تسحقهم انتخابياً و«تهدد مستقبل الحزب الجمهوري».



