3 أنصاب جنائزية في حائل والحِجر السعوديتين

المنحوتات الأولى تعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد

نصب تمثال جنائزي من قرية الكهفة في منطقة حائل   -  نصب جنائزي من نواحي الحِجر في العلا   -  تمثال جنائزي من قرية الكهفة في منطقة حائل (المتحف الوطني بالرياض)
نصب تمثال جنائزي من قرية الكهفة في منطقة حائل - نصب جنائزي من نواحي الحِجر في العلا - تمثال جنائزي من قرية الكهفة في منطقة حائل (المتحف الوطني بالرياض)
TT

3 أنصاب جنائزية في حائل والحِجر السعوديتين

نصب تمثال جنائزي من قرية الكهفة في منطقة حائل   -  نصب جنائزي من نواحي الحِجر في العلا   -  تمثال جنائزي من قرية الكهفة في منطقة حائل (المتحف الوطني بالرياض)
نصب تمثال جنائزي من قرية الكهفة في منطقة حائل - نصب جنائزي من نواحي الحِجر في العلا - تمثال جنائزي من قرية الكهفة في منطقة حائل (المتحف الوطني بالرياض)

خرجت من أراضي المملكة العربية السعودية عدد كبير من المنحوتات تشهد لتطوّر هذا التعبير الفني خلال مراحل زمنية متلاحقة. تعود أقدم هذه المنحوتات إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، وهي من الطراز الجنائزي، وأهمّها نصبان يتميّزان بملامحهما الآدمية مصدرهما قرية الكهفة في منطقة حائل، ونصب ثالث مشابه لهما، مصدره منطقة الحِجر في محافظة العلا.
تقع منطقة حائل في شمال نجد، في منتصف الجزء الشمالي الغربي من المملكة، وتُعدّ من أقدم مناطق الاستيطان في شبه الجزيرة العربية. وتقع قرية الكهفة في القسم الشرقي من هذه المنطقة. في موقع أثري متاخم لهذه القرية، عُثر على نصبين جنائزيين من الحجر الرملي يشهدان لبداية ظهور الأشكال الآدمية المنحوتة في هذه الناحية من الجزيرة العربية، ويأتي هذا الظهور مع التحوّل الذي عاشته المنطقة في العصر النحاسي. المنشآت التي تعود إلى هذا العصر عديدة، وتحوي مجموعات كبيرة من اللقى تدلّ على أن الحياة في هذا العصر باتت أكثر استقراراً.
يتشابه النصبان الجنائزيان من حيث القالب، لكنهما يختلفان من حيث الأسلوب. يتمثّل القالب الجامع بمسلّة آدمية الشكل، ويظهر الاختلاف في الأسلوب من خلال الملامح الخاصة بكلّ من هاتين المسلّتين. يبلغ طول المسلة الأولى 57 سنتمتراً، وعرضها 27 سنتمتراً، وهي أشبه بتمثال نصفي لرجل مكشوف الصدر. تحلّ كتلة الرأس البيضاوية فوق كتلة الصدر المستطيلة المسطّحة في قالب مختزل. يتميّز هذا الرأس بانحناءة بسيطة من جهة اليمين، وملامح وجهه منقوشة بشكل جلي. العينان لوزتان مجردتان غاب عنهما أي أثر للبؤبؤ، يعلوهما حاجبان ناتئان مستقيمان، تنسل من وسطهما مساحة ناتئة تشكّل أنفاً طويلاً حُدّد منخره بشكل بسيط. تحت هذا المنخر، يحضر الفم، ويتمثّل بشفتين مطبقتين يفصل بينهما خط منحنٍ غائر. أعلى الرأس أملس وعار تماماً، وهو أشبه بنصف دائرة تحدّها عند طرفيها أذنان ظهرتا على شكل دائرتين مجرّدين. رغم طابعه التجريدي، يعكس هذا الوجه حالة من الحزن الخفي تتجلّى في نظرة العينين الفارغة كما في انحناءته الرقيقة.
يستقر هذا الوجه فوق قاعدة مستطيلة تشكّل صدره. يخلو هذا الصدر الأملس من أي مساحات ناتئة، مما يجعله يبدو كأنه خال من أي أضلع، وتحدّه عند طرفيه مساحتان عموديتان ناتئتان تشكّلان الجزء الأعلى من ذراعيه. في الجزء الأسفل من المسلة، تمتدّ مساحة أفقية مشابهة تشكّل الجزء الأسفل من الذراع اليسرى، وتحدّها يد ثابتة تفصل بين أصابعها سلسلة من الخيوط المستقيمة المتوازية. في المقابل، تظهر اليد اليسرى بشكل مماثل في الطرف الآخر، وترتفع نحو الأعلى في اتجاه الصدر، لتشكّل حركة موازية لانحناءة الرأس.
المسلة الثانية أكبر حجماً، طولها 92 سنتمتراً، وعرضها 21 سنتمتراً، وهي على شكل مسلة مستطيلة يحمل أعلاها رأساً غاب عنه عنقه بشكل كلي. تحدّ هذا الرأس مساحة نصف بيضاوية ناتئة، وملامحه أكثر اختزالاً. العينان مساحتان بيضاويتان متلاصقتان يحيط بكلّ منهما إطار مواز رفيع وناتئ. الأنف مساحة مستطيلة تنسل عند نقطة التصاقهما نحو الأسفل. أمّا الفم، فغائب بشكل كلّي وليس له أي أثر. وكذلك الذراعان. بين هذا الرأس والصدر الذي يلتصق به، تنسدل قلادة تماثل في تكوينها المختزل الخيط البيضاوي الناتئ الذي يشكل حدود الوجه. تحت هذه القلادة، يظهر خطان متوازيان ناتئان يرتسمان فوق الصدر، على شكل حبلين ثُبّت في وسطهما ما يُشبه المخرز. بين الصدر والحوض، تحضر مساحة مستطيلة تشكّل حزاماً، ومن وسط هذا الحزام، يتدلى ما يشبه الخنجر ذا النصلين. نجد ما يشابه هذا الصياد في العديد من النقوش الحجرية التي تعود إلى تلك الحقبة، ومنها في وجه خاص نقش من النقوش كُشف عنها في وادي ضم، نواحي تبوك.
تنتمي مسلّتا قرية الكهف إلى تقليد جنائزي راسخ، تبرز شواهده في مناطق مجاورة جغرافياً، تقع في زمننا خارج حدود المملكة العربية السعودية. في اليمن، عُثر على العديد من هذه الأنصاب، منها تلك التي خرجت من موقع «روك» في وادي عْدِم في محافظة حضرموت، وهي من الأنصاب الصغيرة نسبياً، إذ يتراوح ارتفاعها ما بين 17.5 سم و40 سم. ومنها كذلك تلك التي خرجت من موقع في الجوف، وموقع آخر في مأرب، وتتميّز هذه المسلّات بخط عمودي في الجزء السفلي يفصل بين الساقين، كما تظهر على بعض منها أصابع بارزة حدّدت بخطوط صغيرة متوازية. من جنوب الأردن، خرجت كذلك مجموعة مشابهة من الأنصاب مصدرها موقع «خَرَبَة رَزْقَة» المتاخم لحدود المملكة العربية السعودية، وهي من الأنصاب التي تشبه مسلتي قرية كهف بشكل أو بآخر، غير أنها لا تماثلهما.
في أغلب الأحيان، تعتمد هذه التماثيل قالباً واحداً جامعاً، يأتي على شكل مسلّة تحمل رأساً مستقيماً حُدّدت ملامح وجهه بشكل مختزل. يحتل الصدر الجزء الأكبر من هذه المسلّة، وتحدّه ذراعان مكتوفتان بشكل ثابت دون أي حراك. في المملكة العربية السعودية، يبدو الأقرب إلى هذه المسلّات نصب مصدره موقع الحِجر الأثري في محافظة العلا، طوله متر واحد، وعرضه 36 سنتمتراً. يتميّز هذا التمثال الجنائزي بعقد يلتف حول العنق، وزنار يعلو الحوض، تتدلّى من وسطه أداة دائرية الشكل، لا نجد ما يماثلها في هذا الميدان.
في الخلاصة، تشهد هذه الأنصاب من جهة لدخول أهل الجزيرة في مرحلة الاستقرار والتوطين، بعدما درجت ممارسة الصيد والرعي المرتحل والزراعة المتنقلة، كما تشهد من جهة أخرى لظهور الملامح الآدمية في النحت في تلك الحقبة من تاريخها الموغل في القدم.


مقالات ذات صلة

احتفاء بحاتم الطائي في حائل

يوميات الشرق احتفاء بحاتم الطائي في حائل

احتفاء بحاتم الطائي في حائل

تنظم وزارة الثقافة السعودية، في مدينة حائل الواقعة شمال البلاد، يوم الجمعة المقبل، مهرجاناً تحت شعار «في ضيافة الطائي»، وذلك احتفاء بابن المدينة الذي أصبح مثالاً للكرم بين العرب، وأحد أبرز شعرائهم على مدار التاريخ. وتحتفل الوزارة بشخصية حاتم الطائي، وقِيمه الحميدة، وأعماله الخالدة في ذاكرة الشعر العربي، ومكانته الثقافية.

يوميات الشرق سقوط أمطار داخل بهو المتحف الكبير يثير جدلاً في مصر

سقوط أمطار داخل بهو المتحف الكبير يثير جدلاً في مصر

قللت وزارة السياحة والآثار المصرية من خطورة سقوط أمطار داخل بهو المتحف الكبير بميدان الرماية، (غرب القاهرة)، وذلك بعد ساعات من الجدل الذي واكب تداول صور ومقاطع مصورة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لسقوط مياه أمطار على تمثال الملك رمسيس الثاني داخل البهو. ونفت الوزارة، في بيان لها، على لسان اللواء عاطف مفتاح، المشرف على مشروع المتحف المصري الكبير والمنطقة المحيطة به «وجود خطورة من سقوط هذه الأمطار»، مشيراً إلى «أن تمثال رمسيس الثاني لم ولن يتأثر بمياه الأمطار، وأن المتحف وجميع فراغاته في أفضل حالة من الحفظ». وأوضح أن سقوط الأمطار أمر طبيعي ومتوقع ومدروس في أثناء تصميم وتنفيذ المتحف ولا يُمثل أي

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق هيكل لأكبر الديناصورات في متحف التاريخ الطبيعي بلندن

هيكل لأكبر الديناصورات في متحف التاريخ الطبيعي بلندن

يُعرض في لندن بدءاً من اليوم الجمعة هيكل عظمي لأحد أكبر الديناصورات، في أوّل معرض مماثل في أوروبا، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وكان هذا الحيوان يعيش قبل نحو مائة مليون سنة في باتاغونيا ويأكل 130 كيلوغراماً من النباتات يومياً. ويُعرَض الهيكل الذي ينتمي إلى عائلة التيتانوصورات والمُسمى «تيتان باتاغونيا» في صالة عرض متحف التاريخ الطبيعي في لندن. وأكد الباحثون أنّه لو كان بوضعية مستقيمة لكان حجمه مماثلاً لمبنى مؤلّف من 5 طوابق. ويشكل الهيكل العظمي البالغ ارتفاعه 37.2 متر نسخة طبق الأصل لأحد التيتانوصورات الستة التي عُثر عليها بعدما اكتشف مزارع أرجنتيني عظمة ضخمة بارزة من الأرض في عام 2010.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم هيكل عظمي لأكبر الديناصورات يُعرض في لندن

هيكل عظمي لأكبر الديناصورات يُعرض في لندن

يُعرض في لندن بدءاً من الجمعة هيكل عظمي جرى صبّه لأحد أكبر الديناصورات على الإطلاق، في أوّل معرض لهيكل عظمي مماثل في أوروبا، حسبما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية. وكان هذا الحيوان يعيش قبل نحو مائة مليون سنة في باتاغونيا ويأكل 130 كيلوغراماً من النباتات يومياً. ويُعرَض الهيكل العظمي للحيوان، الذي ينتمي إلى عائلة التيتانوصورات والمُسمى «تيتان باتاغونيا» في صالة عرض متحف التاريخ الطبيعي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «قطع رمضانية» بالمتاحف المصرية تستدعي الأجواء التراثية

«قطع رمضانية» بالمتاحف المصرية تستدعي الأجواء التراثية

في محاولة لاستعادة أجواء شهر رمضان التراثية عبر عصور مختلفة، وربطها بقصص تاريخية ترويها مقتنيات نادرة، تعرض متاحف مصرية مجموعات من القِطع الأثرية تبرز التراث الخاص بشهر الصيام، تحت عنوان «قطعة رمضانية»، فضلاً عن معارض متنوعة تستمر حتى نهاية الشهر، تعرض محراباً، ومصاحف «نادرة»، ومشكاوات، وممتلكات شخصية لأمراء وشخصيات تاريخية. ويعرض متحف الفن الإسلامي (وسط القاهرة)، مصحفاً يرجع للعصر الأموي، من القرن الثاني الهجري، والثامن الميلادي، ويُعدّ، وفقاً لسجلات المتحف، «أقدم نسخة تحتوي على علامات الشكل والإعجام منفَّذة باللون الأحمر».

عصام فضل (القاهرة)

«شجرة العائلة» تروي قصص الهجرة والتحولات الاقتصادية في الرياض

العمل الفني «شجرة العائلة» في ساحة الوصول بمركز الملك عبد الله المالي (الرياض آرت)
العمل الفني «شجرة العائلة» في ساحة الوصول بمركز الملك عبد الله المالي (الرياض آرت)
TT

«شجرة العائلة» تروي قصص الهجرة والتحولات الاقتصادية في الرياض

العمل الفني «شجرة العائلة» في ساحة الوصول بمركز الملك عبد الله المالي (الرياض آرت)
العمل الفني «شجرة العائلة» في ساحة الوصول بمركز الملك عبد الله المالي (الرياض آرت)

يستحضر الفنان الهندي سوبود غوبتا رمزية الشجرة وذاكرة الحياة اليومية في عمله الفني «شجرة العائلة»، والذي تم تركيبه في ساحة الوصول بمركز الملك عبد الله المالي (كافد)، وأصبح متاحاً للزوار، لينضم إلى المجموعة الدائمة لبرنامج «الرياض آرت»، وذلك ضمن إطار دمج الفن في الحياة اليومية وتعزيز حضور الأعمال الفنية في مختلف أنحاء العاصمة.

ويعيد عمل «شجرة العائلة» تشكيل عناصر مألوفة من البيئة المنزلية بلغة فنية معاصرة؛ إذ بنى غوبتا من مئات الأدوات المنزلية المعدنية ليصنع عملاً يستدعي التأمل في القصص التي تحملها الأشياء البسيطة، ويتألف العمل الفني الضخم من الفولاذ المقاوم للصدأ، وأدوات منزلية يومية مثل علب الطعام المعدنية والمقالي وأوعية الحليب، التي تأخذ هيئة شجرة متفرعة تستحضر موضوعات الغذاء والهجرة والعمل والتحولات الاقتصادية.

يعيد عمل «شجرة العائلة» تشكيل عناصر مألوفة من البيئة المنزلية بلغة فنية معاصرة (الرياض آرت)

ويستند العمل إلى رؤية الفنان الهندي المعاصر سوبود غوبتا البالغ من العمر 62 عاماً، والذي انطلقت رحلته الفنية من ولاية بيهار قبل أن تتسع تجربته الإبداعية لتشمل النحت والأعمال التركيبية والتصوير الفوتوغرافي والفيديو وفنون الأداء. وبدأ غوبتا مسيرته بدراسة الرسم في كلية الفنون بمدينة باتنا، ثم انتقل إلى نيودلهي حيث شهدت أعماله تحولاً نحو التجارب التركيبية ثلاثية الأبعاد، كما تتناول العلاقة بين التقليد والحداثة، وقد عُرضت أعماله في متاحف وبيناليات ومنصات فنية عامة في جميع أنحاء العالم.

مئات الأواني المعدنية تتشكل في «شجرة العائلة» من عمل الفنان الهندي سوبود غوبتا (الرياض آرت)

ويأتي عمل «شجرة العائلة» ضمن برنامج «الرياض آرت» الذي يسعى إلى توسيع مجموعته الدائمة وإثراء المشهد الثقافي للعاصمة؛ إذ شهد البرنامج منذ إطلاقه عام 2019 تركيب 75 عملاً فنياً، إلى جانب عرض أكثر من 500 عمل عبر مهرجانَي «نور الرياض» و«طويق للنحت»، مستقطباً ما يزيد على 17.3 مليون زائر ومشاهد. ويعد «الرياض آرت» الذي تقوده الهيئة الملكية لمدينة الرياض أحد المشاريع الكبرى لـ«رؤية السعودية 2030».


إيدي سانشيز: «مكسيكي أميركي» يفكك أبعاد الهجرة والاندماج

تطرق الفيلم لما واجهه أشقاؤه بحياتهم (الشركة المنتجة)
تطرق الفيلم لما واجهه أشقاؤه بحياتهم (الشركة المنتجة)
TT

إيدي سانشيز: «مكسيكي أميركي» يفكك أبعاد الهجرة والاندماج

تطرق الفيلم لما واجهه أشقاؤه بحياتهم (الشركة المنتجة)
تطرق الفيلم لما واجهه أشقاؤه بحياتهم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الأميركي إيدي سانشيز إن فيلمه الوثائقي الطويل الأول «مكسيكي أميركي» خرج للنور من فكرة عفوية وليدة اللحظة في ذروة جائحة «كورونا»، حيث كان الهدف ينحصر في مساعدة شقيقه الأصغر «إيبن» على إعداد مقطع مرئي عائلي قصير لا تتجاوز مدته 5 دقائق كجزء من متطلبات قبوله في كليات السينما.

وأضاف المخرج صاحب الأصول المكسيكية في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم» أن «هذا التوثيق المنزلي البسيط، والمحاصر بأجواء الإغلاق التام آنذاك، سرعان ما تمدد وتعمق على مدار 7 سنوات كاملة من التنقيب في ذاكرة العائلة الأرشيفية، ليخرج من إطاره المحدود، ويتحول إلى قصيدة بصرية بالغة الأثر والإنسانية، تفكك أبعاد الهجرة والاندماج، وترصد الحدود الصامتة والشرخ الثقافي غير المرئي الذي ينشأ تدريجياً بين الآباء المهاجرين وأبنائهم».

المخرج الأميركي إيدي سانشيز (الشرق الأوسط)

وتدور قصة الفيلم الذي عُرض ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية بمهرجان «ترايبيكا السينمائي» في نيويورك، حول رحلة كفاح والدي المخرج اللذين غادرا قريتين ريفيتين متجاورتين في مقاطعة «خاليسكو» بالمكسيك في تسعينات القرن الماضي، واتجها إلى الولايات المتحدة، ليظهر الفيلم كيف تمكن الزوجان على الرغم من مؤهلاتهما التعليمية البسيطة التي لم تتجاوز المرحلتين الابتدائية والإعدادية، من الانعتاق من براثن الفقر، والاندماج في المجتمع الجديد، ونيل الجنسية الأميركية، وصولاً إلى تحقيق «الحلم الأميركي» كاملاً بإلحاق أبنائهم الثلاثة بأرقى الجامعات الأميركية دون تحمل أعباء الديون.

وتطرق المخرج إلى الصعوبات اللوجستية التي واجهته في بدايات صناعة الفيلم، مؤكداً أنه اصطدم بتحدٍ جغرافي معقد تمثل في اضطراره لإخراج وإدارة المقابلات العائلية الأولى عن بُعد من مقر إقامته في مدينة نيويورك، بينما كان بقية أفراد عائلته يوجدون في ولاية أوريغون بسبب ظروف الحجر الصحي.

وأوضح أن «هذا البُعد أفرز حالة من القلق والتوتر الإبداعي الشديد لديّ، حيث تولى شقيقي إيبن الذي شارك كمنتج ومخرج مساعد إدارة الكاميرات محلياً، في حين كنت أنا أوجه العائلة، وأدير الحوار كاملاً عبر شاشات (زوم) مستنداً إلى ثقة مطلقة بقدرة شقيقي على التقاط اللحظات الإنسانية العفوية على بعد آلاف الأميال».

وأكد أنه رغم نجاح والديهم اقتصادياً واجتماعياً، لكن هذا النجاح واكبه نشوء «حدود صامتة» وشرخ عاطفي عميق داخل المنزل، إذ اندمج الأبناء في الثقافة الأميركية، وتلاشت فصاحتهم في الإسبانية؛ ما خلق مسافة إنسانية قاسية حاول عبر شاشته إيجاد إجابة بصرية وثقافية لها.

وثق الفيلم جانباً من حياة والديْ المخرج وعائلته (الشركة المنتجة)

مشيراً إلى أن الفيلم اعتمد في بنائه البصري بشكل كامل على أسلوب «الكولاج» أو المزيج الفني القائم على التنقيب في المادة الأرشيفية، والتي لم تكن سوى مجموعة من أشرطة الفيديو المنزلية القديمة التي قام الوالدان بتسجيلها وإرسالها عبر الحدود المكسيكية الأميركية بين عامي 1993و2005.

وأضاف أن «تلك الأشرطة بتشويشها التكنولوجي وعيوبها الفنية، كانت بمثابة زيارات مجازية للأقارب والأحباء الذين عجز الوالدان عن رؤيتهم لسنوات قبل تسوية أوضاعهم القانونية ونيل المواطنة الأميركية»، مؤكداً أنه تعمد إبقاء اللقطات العفوية والبرامج التلفزيونية التي سُجلت فوق الأشرطة القديمة بالخطأ، لتشكل خلفية ثقافية وزمنية حية تعكس البيئة الإعلامية والاجتماعية التي شكلت وعي العائلة وهويتها الهجينة.

وتحدث المخرج عن شخصيات الفيلم مقدماً بورتريهات إنسانية بالغة التعقيد والعمق؛ وأوضح أن والدته «بيبي» كانت دائماً الطالبة المتفوقة في قريتها، وحلمت يوماً بأن تصبح معلمة، لكن قيود المجتمع الريفي ونقص المدارس الثانوية في محيطها وأد حلمها مبكراً، غير أنها صبت كل تلك العزيمة والشغف في تعليم أبنائها، ودفعهم نحو التميز الأكاديمي.

وفي المقابل، تناول سانشيز شخصية والده «لالو»، الذي اضطر لمغادرة مقاعد الدراسة بعد الصف السادس ليعمل في حقول الذرة المكسيكية لمساعدة والده، قبل أن يدفعه طموحه نحو الشمال، ليعمل في أميركا لسنوات طويلة في خدمات التنظيف الليلية الشاقة، ويتدرج بكفاحه حتى أصبح مديراً في ذات الشركة بعد 3 عقود من العمل المتواصل بروح لا تعرف الكلل.

وتناول سانشيز الجوانب النفسية والوجدانية الأكثر حميمية للأبناء والتي يلامسها العمل، حيث يسلط الضوء على شقيقه الأوسط إدغار، الذي التحق بجامعة «نورث وسترن» المرموقة، لكنه خاض في الخفاء صراعاً مريراً وقاسياً مع مرض الاكتئاب منذ مرحلة الدراسة الثانوية.

وأوضح المخرج أن قرار «إدغار» الاعتراف بمعاناته، وطلب المساعدة النفسية شكّل ثورة وهزّة ثقافيتين داخل بنية عائلية محافظة وتقليدية لم تعتد مناقشة مثل هذه الأزمات بصوت علني، مضيفاً أن «هذه الخطوة فتحت باباً واسعاً للحوار والمكاشفة بين أفراد العائلة قادت في نهاية المطاف إلى تعزيز صحتهم النفسية وتمتين روابطهم الأسرية وتفهم تضحيات الوالدين».

وفيما يتعلق بالناحية التمويلية والإنتاجية، ذكر المخرج أن الفيلم بدأ بميزانية «صفرية»، لاعتماده على كاميرات ومعدات شخصية وعائلية بسيطة، لافتاً إلى أنه تولى بنفسه كل عمليات المونتاج المعقدة، مستعيناً في المراحل الأولى بجهود تطوعية من أبناء عمومته، ومع تطور الرؤية الفنية وتحول المشروع إلى فيلم وثائقي طويل يحمل لغة سينمائية رصينة، نجح الفريق في جذب انتباه وتأييد مؤسسات دولية كبرى، وحصل الفيلم على منحة إنتاجية سخية من «مؤسسة فورد»؛ ما أتاح له الانتقال بالفيلم إلى مراحل ما بعد الإنتاج الاحترافي، والاستعانة بمبدعين متخصصين في الهندسة الصوتية والموسيقى التصويرية.


كهف إسباني يكشف عن نشاط بشري لأكثر من 4 آلاف عام

يقع الكهف في وادي نوريا بمنطقة جيرونا الإسبانية (شاترستوك)
يقع الكهف في وادي نوريا بمنطقة جيرونا الإسبانية (شاترستوك)
TT

كهف إسباني يكشف عن نشاط بشري لأكثر من 4 آلاف عام

يقع الكهف في وادي نوريا بمنطقة جيرونا الإسبانية (شاترستوك)
يقع الكهف في وادي نوريا بمنطقة جيرونا الإسبانية (شاترستوك)

لا يزال الوصول إلى كهف «كوفا 338» يعد مهمة شاقة تتطلب ساعات من السير على الأقدام. ويقع الكهف في وادي نوريا بمنطقة جيرونا شمال شرقي إسبانيا، على ارتفاع 2235 متراً فوق مستوى سطح البحر، داخل متنزه طبيعي يُحظر فيه استخدام وسائل النقل الآلية، حسب موقع «بي بي سي سينس فوكز».

وخلال أعمال التنقيب التي أُجريت بين عامي 2021 و2023، اضطر علماء الآثار إلى نقل جميع معداتهم إلى الموقع سيراً على الأقدام، كما أعادوا جميع الرواسب المستخرجة بالطريقة نفسها.

ورغم أن نطاق العمل كان محدوداً، إذ تبلغ المساحة الإجمالية للموقع نحو 100 متر مربع، ويتكون من حجرتين ضحلتين، فإن أعمال التنقيب الفعلية اقتصرت على مساحة تقارب 6 أمتار مربعة قرب المدخل على مدى ثلاثة مواسم ميدانية.

ومن هذه المساحة المحدودة، أسفرت أعمال التنقيب عن مكتشفات كافية لنشر دراسة في مايو (أيار) الماضي بمجلة «فرونتيرز إن إنفايرونمنتال أركيولوجي»، خلصت إلى أن الكهف كان واحداً من أكثر مواقع ما قبل التاريخ استخداماً على الارتفاعات العالية في جبال البرانس، كما يمثل أحد أقدم الشواهد المعروفة في أوروبا على استغلال المعادن في المناطق المرتفعة.

واعتمدت الدراسة، التي قادها كارلوس تورنيرو من الجامعة المستقلة في برشلونة ومعهد كاتالونيا لعلم البيئة البشرية القديمة والتطور الاجتماعي، على مجموعة من الأدلة المتضافرة. وشملت هذه الأدلة 23 موقداً نارياً متراكباً، ونحو 200 قطعة من معدن أخضر غير موجود طبيعياً داخل الكهف، إضافة إلى أوانٍ فخارية مكسورة، وعظام حيوانات تحمل آثار الذبح، وحلياً شخصية، وآثاراً تشير إلى وجود طفل واحد على الأقل.

وتشير هذه الأدلة مجتمعة إلى أن جماعات بشرية كانت تتردد على هذا الكهف الواقع على هذا الارتفاع تحديداً بصورة متكررة على مدى أكثر من أربعة آلاف عام، إذ امتد استخدامه من أوائل الألفية الخامسة قبل الميلاد وحتى أواخر الألفية الأولى قبل الميلاد.