طارق تميم لـ«الشرق الأوسط»: أهدي «جميل» لأستاذي زياد أبو عبسي

شكّل «النار بالنار» عودته المنتظرة إلى الشاشة

تميم ودحدوح في لقطة من «النار بالنار» (طارق تميم)  -   يقدم تميم في «النار بالنار» أحد أهم أدواره الدرامية (طارق تميم)
تميم ودحدوح في لقطة من «النار بالنار» (طارق تميم) - يقدم تميم في «النار بالنار» أحد أهم أدواره الدرامية (طارق تميم)
TT

طارق تميم لـ«الشرق الأوسط»: أهدي «جميل» لأستاذي زياد أبو عبسي

تميم ودحدوح في لقطة من «النار بالنار» (طارق تميم)  -   يقدم تميم في «النار بالنار» أحد أهم أدواره الدرامية (طارق تميم)
تميم ودحدوح في لقطة من «النار بالنار» (طارق تميم) - يقدم تميم في «النار بالنار» أحد أهم أدواره الدرامية (طارق تميم)

لم تمر شخصية (جميل)، التي يلعبها الممثل طارق تميم مرور الكرام في مسلسل «النار بالنار». فهي شكّلت عودته المنتظرة إلى الشاشة الصغيرة بعد انقطاع عنها دام 7 سنوات. ومن يتابع هذا العمل الذي أثار موضوعه جدلاً على الساحة العربية عامة واللبنانية خاصة، لا بد أن يتوقف أمام هذا الدور. فهو يشبه إلى حدّ كبير تميم بالخلفية الثقافية التي يتمتع بها، أو بمشاعره الرقيقة وبإنسانيته وتمسكه بالوفاء.
ويقدم في العمل نموذجاً عن اليساري المتمرد على واقع لا يشبهه. فتضيع أحلامه ويغرق في لعب الميسر.
البعض أعجب بأداء تميم إلى حد ترشيحه لجائزة الأوسكار ولو فرضياً. والبعض الآخر اعتبرها شخصية الموسم الرمضاني من دون منازع. فهو عرف كيف يقدمها ويقولبها كي تولد على يديه بمثابة «طارق جونيور». لم يبالغ في أدائها ولا في استخدام أدوات تمثيلية كي يبرز خطوطها. فابتعد فيها عن «الأفورة»، كما يقال في لغة التمثيل إلى حد الطبيعية المطلقة. فابن التجارب الغنية في المسرح مع جيل قديم تشرَّب منه الكثير علَّم عند المشاهد وترك بصمته في العمل.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تعلمت من الكبار الرائدين في المسرح الكثير. واليوم أتعلم أيضاً من جيل شاب مبدع وقدير».
شدّته شخصية جميل منذ قراءته لها في نص محبوك يخرج عن المألوف بقلم رامي كوسى. صحيح أنه كان قد قطع عهداً على نفسه بعدم العودة إلى الشاشة الصغيرة في أعمال كوميدية تلفزيونية. ولكن «النار بالنار» أوقعه في شباك الدراما من جديد ووافق على دخولها من باب (جميل).
«كنت وأنا أقرأها أشعر بأنها تشبهني إلى حد كبير. فعندنا نقاط كثيرة، أتفق مع جميل عليها. وقد قصدت عدم تغيير شكلي الخارجي والظهور في العمل كما أنا في حياتي العادية. كل ما قمت به هو اللعب إلى حد ما بنبرة صوتي. وعندما لا يخلع الممثل شخصيته الحقيقية لتقمص دور ما تكون المهمة أصعب».
هكذا يروي طارق تميم لـ«الشرق الأوسط» قصته مع هذا الدور. فطارق وجميل بالنسبة له واحد، مع أنه خصصه بمشية معينة وبلغة جسد تكمل خطوط الشخصية. ويتابع: «حتى عندما وضعت يدي خلف ظهري وأنا أمشي، كنت أهدي هذا الدور إلى أستاذي الراحل زياد أبو عبسي».

مع جورج خباز في «النار بالنار» (طارق تميم)

يتهدج صوت تميم وهو يتحدث عن أستاذه الراحل. يصمت قليلاً ويتابع من جديد متأثراً: «ارتديت في أحد المشاهد جاكيت بدلة كنت قد اشتريتها ولم يتسنَ لي تقديمها له لأنه فارقنا بسرعة. قياسها لا يناسبني فصديقي الراحل كان أكثر سمنة مني. ولكني تمسكت في ارتدائها كي تشكل لفتة تكريمية له».
هذه الحالة الإنسانية التي تدل على مدى تمتعه بالوفاء تنبع من صميم قلب طارق. «لقد اشتغلت كثيراً على الدور بالتعاون مع المخرج والكاتب. ومع ساشا دحدوح التي تلعب دور زوجتي في العمل شكلنا ثنائياً ناجحاً».
تفاجأ طارق تميم بردود فعل المشاهدين الإيجابية تجاهه. «وهو ما يحفزني على إكمال مسيرتي الدرامية والعودة من جديد إلى الشاشة. فأنا بقيت أعمل في مجال المسرح لأنه ملعبي الحقيقي. ولكن بُعدي عن الشاشة في أعمال كوميدية كان قراراً قاطعاً لأنه لم يعد يجذبني. فوسائل التواصل الاجتماعي قضت على الكوميديا الناضجة وغير السهلة التي كنا نمارسها في أعمالنا. وصارت الموضوعات تتكرر وتتشابه، فقررت الابتعاد».
اليوم لا يستبعد تميم الإكمال في عالم الدراما ضمن أعمال بمستوى «النار بالنار». «هذا المستوى الذي أتكلم عنه يشمل الشركة المنتجة وفريق العمل والطاقم ككل. فـ«الصبّاح أخوان» تحرص على إراحة الممثل وتقديم كل ما يسهم في إعطائه الأفضل. فهي تختار الشخص المناسب في المكان المناسب».
يقول تميم إنه عندما علم بمكونات العمل وعناصره التمثيلية أبهره الأمر. «لا أذيع سراً إذا قلت إن حضور جورج خباز في المسلسل حمسني للمشاركة فيه. فنحن أصدقاء وأبناء جيل فني واحد. ولكن لم تشأ الظروف أن نتعاون من قبل. أما بالنسبة لعابد فهد، فلطالما جذبني أداؤه منذ مسلسل (مرايا). وزاد إعجابي به بعد متابعتي له في (ولادة من الخاصرة). فهو ممثل خطير وكانت الفرصة كبيرة أن أجتمع معه في عمل واحد».
وعندما يصل الحديث إلى كاريس بشار يتبدل صوت تميم ويقول: «كنت أشعر بالارتباك في كل مشهد نؤدّيه سوياً. فهي ممثلة من الطراز الأول، كانت بنظري نجمة كبيرة ولا تزال حتى الساعة تملك وهج النجوم».
ويطول حديث طارق عن نجوم العمل من أكبرهم إلى أصغرهم: «قد لا يتسنى لي إعطاء كل واحد منهم ما يليق بأدائه. فجوزيف بو نصار بالنسبة لي عملاق أنحني أمامه. وفي دور صغير وقصير كضيف شرف، ترك بصمته في العمل. وكذلك الأمر بالنسبة إلى بول سليمان، وعمر ميقاتي، وأحمد قعبور، فجميعهم يشكلون أركان المسرح اللبناني». وبالنسبة لزينة مكي، يقول إنه كان يتابعها منذ بداياتها: «كنت أرسل لها سلامات من دون معرفة وأثني على أدائها. فهي تتمتع بهدوء الكبار وعندها من الجمال والنعومة والإغداق بالمشاعر ما يميزها عن غيرها. فاستمتعت كثيراً بتعاوني معها في بعض المشاهد وكان التناغم بيننا ملحوظاً».
وعندما يحين الوقت للتحدث عن شريكته في العمل ساشا دحدوح يتأهب ويقول: «إنها قمورتي (نسبة إلى اسمها في المسلسل قمر) وكانت بمثابة المفاجأة التي أبهرتني لأني عرفتها أكثر مذيعة تلفزيونية. لم أتوقع أن تكون مجتهدة وطموحة إلى هذا الحد مع تمتعها بموهبة تمثيلية رائعة. دخلنا معاً باللعبة منذ اللحظة الأولى وعطاؤها المتفاني هذا أثر في بمشاهد عدة جمعتنا معاً. فكنت أبكي لشدة تأثري بأدائها مع أن ذلك لم يكن وارداً في النص».
يقول تميم إن «النار بالنار» شكل حالة اجتماعية وأثار الجدل، وكل من شارك فيه توقّع ذلك. «شركة الإنتاج كانت جريئة بتلقفها هذا الموضوع، وطرحه كاد أن يأخذنا إلى مطارح لا نتمناها. ولكن الكاتب عرف كيف (يدوزن) أحداثه. وما سيتضمنه في المستقبل من مجريات سيحدث تحولاً جذرياً عند المشاهد».
كاميرا مخرج «النار بالنار» محمد عبد العزيز امتلكت لغة خاصة بها. هكذا يصف تميم إدارة المخرج للعمل. «إنه مخرج سينمائي أخذنا في رحلة مبدعة، وعرف كيف يوظف خبراته السينمائية في هذا العمل. فلم يكتفِ بنقل وقائع تصوير في الأستوديو، إذ تنقل بكاميرته ولفّ بها ودار فغاص بتفاصيل فنية قلما باستطاعة كثيرين إبرازها».
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم حول طارق تميم، هو إذا ما قرر الإكمال بمشواره الدرامي. يرد لـ«الشرق الأوسط»: «المتابعة أهم»، وهي عبارة قرأتها على لوحة كان يعلقها مؤسس المسرح اللبناني نزار ميقاتي فوق مكتبه. وعندما سألته عن معناها قال لي: «ليس المهم أن تصل للنجومية، بل أن تعرف كيف تحافظ عليها. فالمتابعة هي الطريق الذي توصلك إلى ذلك. فردود فعل الناس الذين غمروني بمحبتهم دفعتني إلى التفكير بالمثابرة. هي صفحة وقلبتها مع هذا العمل، وعلي أن أذهب بعده إلى مطارح تشبهها. فأنا من الأشخاص الذين يكنّون للدراما الكثير. وأتمنى أن أكمل الطريق».


مقالات ذات صلة

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي وبطلات المسلسل في أحد مشاهد «راجل وست ستات» (الشرق الأوسط)

عودة «راجل وست ستات» بحكايات جديدة بعد غياب 10 سنوات

يعود المسلسل الكوميدي المصري «راجل وست ستات» مجدداً للجمهور بعد غياب 10 سنوات، عبر حكايات جديدة بين أبطاله بعدما كبروا وتغيرت أحوالهم.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق تارا عبود في مسلسل «أصحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

الدراما المصرية تجتذب فنانين عرباً في رمضان المقبل

تجتذب الدراما المصرية في رمضان المقبل فنانين عرباً من مختلف الجنسيات، من بينهم فنانون اعتادوا المشاركة في أعمال مصرية على غرار الفلسطيني كامل الباشا.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق دليلك لأقوى مسلسلات رمضان... دراما 2026 تستوحي حكاياتها من الواقع

دليلك لأقوى مسلسلات رمضان... دراما 2026 تستوحي حكاياتها من الواقع

قائمة بأبرز المسلسلات المصرية والخليجية والسورية واللبنانية التي ستُعرض على الشاشات والمنصات خلال رمضان 2026.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ‎⁨الممثلة إلهام علي تتوسط نجوم الموسم الجديد من مسلسل «شارع الأعشى» (حساب الفنانة في منصة إكس)⁩

الدراما الخليجية تعود إلى السبعينات... من «شارع الأعشى 2» إلى «الغميضة»

يشكّل عقد السبعينات من القرن الماضي سمة لافتة في أبرز أعمال الدراما الخليجية المرتقبة لشهر رمضان.

إيمان الخطاف (الدمام)

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».