الدراما الخليجية تعود إلى السبعينات... من «شارع الأعشى 2» إلى «الغميضة»

أبرز أعمال رمضان تم تصويرها في الرياض والأحساء... وحضور طاغٍ للبطولات النسائية

‎⁨الممثلة إلهام علي تتوسط نجوم الموسم الجديد من مسلسل «شارع الأعشى» (حساب الفنانة في منصة إكس)⁩
‎⁨الممثلة إلهام علي تتوسط نجوم الموسم الجديد من مسلسل «شارع الأعشى» (حساب الفنانة في منصة إكس)⁩
TT

الدراما الخليجية تعود إلى السبعينات... من «شارع الأعشى 2» إلى «الغميضة»

‎⁨الممثلة إلهام علي تتوسط نجوم الموسم الجديد من مسلسل «شارع الأعشى» (حساب الفنانة في منصة إكس)⁩
‎⁨الممثلة إلهام علي تتوسط نجوم الموسم الجديد من مسلسل «شارع الأعشى» (حساب الفنانة في منصة إكس)⁩

يشكّل عقد السبعينات من القرن الماضي سمة لافتة في أبرز أعمال الدراما الخليجية المرتقبة لشهر رمضان، بوصفه فضاءً غنياً بالحكايات والتحولات الاجتماعية، من خلال عملين، هما «شارع الأعشى 2» و«الغميضة»، حيث يتناول كلاهما الذاكرة الجماعية بوصفها مادة درامية حيّة، ويعيدان تشكيلها عبر قصص إنسانية تتقاطع فيها العائلة والمجتمع، في سياق يوازن بين الحكاية الشعبية والرؤية الفنية المعاصرة.

ويستكمل هذا التوجه ما اعتاد عليه الجمهور في رمضان من استثمار التاريخ الاجتماعي القريب بوصفه مرآة لقراءة الحاضر، حيث تتحوّل البيوت والأحياء والشوارع القديمة مسارح للصراع الدرامي، وتغدو التفاصيل اليومية مدخلاً لفهم أعمق للعلاقات والقيم والاختيارات الفردية.

«شارع الأعشى 2»... يستكمل الحكاية

يأتي الجزء الثاني من المسلسل السعودي «شارع الأعشى» ليواصل استكشاف حياة سكان الحي في الرياض خلال عقد السبعينات، وهي مرحلة اتسمت بتحولات اجتماعية وثقافية تركت أثرها العميق في بنية المجتمع والعلاقات الإنسانية. وبعد النجاح الذي حققه الجزء الأول، يعود العمل ليبني على ما سبق، ويمنح شخصياته مساحات أوسع للتطور والتغيّر، مع تصاعد واضح في مستوى الرهانات الدرامية. ويركّز الموسم الجديد على مصائر الشخصيات التي وصلت في نهاية الجزء الأول إلى لحظات حاسمة، كما يتجه إلى توسيع نطاق الحكاية خارج الإطار الأولي للرواية التي استُلهم منها العمل، عبر إضافة خطوط درامية تخدم استمرارية السرد، إلى جانب إدخال وجوه جديدة يُنتظر أن تلعب أدواراً مؤثرة في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الحي.

ووفقاً لبرومو العمل، تبرز شخصية «وضحى» التي تؤديها الممثلة السعودية إلهام علي بوصفها إحدى الركائز الأساسية في السرد، حيث تشهد مسيرتها تحولات تضعها في قلب الصراع بين الرغبة الشخصية والقيود الاجتماعية. ويعود بقية أبطال العمل، وفي مقدمتهم خالد صقر في دور «أبو إبراهيم»، وعائشة كاي بدور «أم إبراهيم»، إلى جانب أميرة الشريف، ولمى عبد الوهاب، وآلاء سالم ومها الغزال، الذين يواصلون تقديم أدوارهم ضمن قصص الحي. كما يشهد الجزء الثاني انضمام وجوه جديدة تمثل عناصر جذب للجمهور، على رأسهم مهند الحمدي وناصر الدوسري، في أدوار يُتوقع أن تضيف توترات وصراعات جديدة إلى المسار الدرامي.

الفنانة هدى حسين في بوستر مسلسل «الغميضة» (إيغل فيلم برودكشين)

«الغميضة»... كويت السبعينات

وفي المسار نفسه، يقدّم مسلسل «الغميضة» تجربة خليجية تنطلق من الكويت في سبعينات القرن الماضي، وتتمحور حول شخصية «وداد» التي تؤديها النجمة هدى حسين، وهي أم كفيفة تعيش وسط أسرتها وتواجه تعقيدات الحياة اليومية والعلاقات الأسرية. ومن خلال هذه الشخصية، يبني العمل حكاية تتشابك فيها العاطفة مع الصراع، وتبرز فيها التوترات بين المصالح الفردية وروح العائلة.

يحمل «الغميضة» توقيع الكاتبة هبة مشاري حمادة، المعروفة باهتمامها بالبعد الإنساني والاجتماعي في نصوصها، في حين يتولى إخراجه علي العلي، ويشرف على إنتاجه جمال سنان عبر شركة «إيغل فيلم». وقد جرى اختيار محافظة الأحساء موقعاً للتصوير؛ لما تحمله من ملامح تراثية قادرة على تجسيد أجواء السبعينات بصرياً، بما يمنح العمل خلفية مكانية تضيف إلى صدقيته التاريخية وتساعد في بناء عالم درامي متكامل تتفاعل فيه الشخصيات مع المكان بوصفه عنصراً سردياً فاعلاً.

ويتصدّر بطولة «الغميضة» عدد من النجوم الخليجيين إلى جانب هدى حسين، من بينهم محمود بوشهري، وفاطمة الصفي، وليلى عبد الله، ولولوة الملا، وميس قمر، وزهرة الخرجي ومنصور البلوشي، وغيرهم.

الممثل إبراهيم الحجاج يعود بجزء جديد في مسلسل «يوميات رجل متزوج» (إيغل فيلم برودكشين)

حضور طاغٍ للكوميديا السعودية

وإلى جانب هذه العودة الواضحة إلى السبعينات عبر «شارع الأعشى 2» و«الغميضة»، يشهد الموسم الرمضاني حضوراً سعودياً متنوعاً يراهن على الكوميديا الاجتماعية بوصفها مرآة للحياة اليومية، ويبرز في هذا السياق مسلسل «يوميات رجل متزوج» كأحد الأعمال التي تختار الاقتراب من تفاصيل البيت والعلاقة الزوجية بلغة خفيفة الظل، يقودها إبراهيم الحجاج في دور رجل يكتشف أن الزواج يفتح باباً واسعاً من المواقف غير المتوقعة. ويشارك في بطولته عدد من الوجوه الشابة، مثل فاطمة الشريف وآيدا القصي، في عمل يتناول مفارقات الحياة اليومية داخل الأسرة، ويحوّل التفاصيل الصغيرة مادة كوميدية قادرة على التواصل مع جمهور واسع يبحث عن ترفيه قريب من واقعه.

وفي مساحة الكوميديا الشعبية التي اعتاد عليها الجمهور، تواصل بعض الأعمال حضورها بثقة، وعلى رأسها «شباب البومب» في موسمه الرابع عشر، حيث يعود فيصل العيسى ورفاقه لتقديم يوميات الشباب بلغة ساخرة تستمد مادتها من التحولات الاجتماعية والتقنية المتسارعة. وبالنبرة نفسها، يواصل «جاك العلم» في جزئه الثالث تقديم كوميديا المواقف المستوحاة من الحياة العائلية والجوار، عبر شخصيات أصبحت مألوفة للمشاهد، وتحويل التفاصيل البسيطة مشاهد تحمل طابعاً ساخراً ودافئاً في آن واحد، بما يضيف إلى الخريطة الرمضانية بعداً خفيفاً يوازن ثقل الدراما الاجتماعية والتاريخية ويمنح الموسم تنوعه الواضح في النبرة والموضوع.

الدراما التاريخية

وفي اتجاه مختلف، تحضر الدراما التاريخية عبر مسلسل «كحيلان» الذي يفتح نافذة على نجد القديمة، ويستعيد أجواء الصراعات القبلية بلغة بصرية تقوم على الصحراء والبيئة النجدية بوصفهما عنصرين أساسيين في السرد. ويضم العمل أسماء مثل مطرب فواز، وعبد العزيز السكيرين وريم الحبيب، ويقدّم حكاية تتقاطع فيها السلطة بالولاء، وتتحول فيها القبيلة مسرحاً لصراعات إنسانية تتجاوز بعدها الزمني، حيث يغدو التاريخ محرّكاً درامياً يمنح الشخصيات ثقلها ويضفي على الحكاية نبرة ملحمية واضحة.

الدراما الخليجية... تصدّر البطولات النسائية

وعلى مستوى الدراما الخليجية، يبدو الاعتماد على البطولات النسائية سمة بارزة في عدد من الأعمال، حيث يبرز مسلسل «غلط بنات» بوصفه عملاً اجتماعياً يتكئ على منظور نسائي، ويجمع أسماء معروفة مثل إلهام الفضالة، وجمال الردهان، وفاطمة الشرقاوي وعبد الله بهمن، ضمن حكاية تتناول العلاقات الإنسانية والتوترات اليومية داخل الأسرة والمجتمع. وهو عمل من تأليف جميلة جمعة وإخراج سائد بشير الهواري.

وبالخط العائلي نفسه، يحضر مسلسل «بنات عبد الغني» كدراما أسرية تتمحور حول علاقة الأب ببناته وصراع الأجيال داخل البيت الخليجي. تقود البطولة هنادي الكندري إلى جانب عبد الله التركماني، وليالي دهراب، وسعود بوشهري ومرام البلوشي، في عمل كتبه علي الدوحان، ويركّز على التوترات التي تنشأ من اختلاف القيم والتوقعات بين الآباء والأبناء.

وفي مساحة الدراما العائلية، يقدّم مسلسل «أمور عائلية» صورة بانورامية عن شبكة العلاقات داخل الأسرة الخليجية، من خلال شخصيات تجمع شجون الهاجري وعبد الله بوشهري وعلي كاكولي، ويشتغل العمل على التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية، ويحوّلها مادة درامية تقوم على التفاعل بين الأجيال والأدوار داخل البيت الواحد.

وبهذا التنوع، يبدو موسم الدراما الخليجية في رمضان هذا العام موزّعاً بين الذاكرة والتاريخ، والبيت والعائلة، في خريطة درامية تجمع بين المتعة السردية والاقتراب من أسئلة المجتمع وتحوّلاته، بما يمنح المشاهد خيارات متعددة تتراوح بين الضحك والتأمل والعودة إلى جذور الحكاية الخليجية.


مقالات ذات صلة

صورة مفبركة لعادل إمام تُثير ضجة في مصر

يوميات الشرق الفنان عادل إمام («فيسبوك» المخرج رامي إمام)

صورة مفبركة لعادل إمام تُثير ضجة في مصر

أثار تداول صورة مفبركة، مصحوبة بادعاءات بأنها أحدث صورة للفنان عادل إمام، ضجة في مصر، وتصدَّر اسمه قوائم الموضوعات الرائجة على «غوغل»، الخميس.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق منى زكي في مسلسل «طالع نازل» (حسابها على فيسبوك)

قضايا المرأة تسيطر على الأعمال الجديدة بدراما «الأوف سيزون»

تسيطر قضايا المرأة على الأعمال الدرامية الجديدة التي تعرضها المنصات الرقمية ضمن أعمال «الأوف سيزون» والتي يتواصل عرضها حتى ما قبل الموسم الرمضاني.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق محمد رمضان يقدم مسلسل «عشماوي» في موسم دراما رمضان المقبل (حسابه على «فيسبوك»)

موسم دراما رمضان بمصر... إعلانات مبكرة وتصوير في اللحظات الأخيرة

مع تبقي أقل من 126 يوماً على بداية شهر رمضان الذي يعد الموسم الأهم في الدراما المصرية، لم تدخل أي من الأعمال المرشحة للعرض خلاله بلاتوهات التصوير.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)

مخرج «الهدف»: تحمستُ للمسلسل لأن تداعيات حرب العراق ما زالت حاضرة

قال المخرج الأميركي ليزلي غرايف، إن اختياره تقديم مسلسل «الهدف» انطلق من اهتمامه بالتاريخ.

أحمد عدلي (القاهرة)

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
TT

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)

أظهرت اختبارات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة قد يساعد على تخفيف الألم خلال إجراءات طبية، مثل التطعيم.

وذكر فريق بحثي، في دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن دورية «فرونتيرز إن بين ريسيرش» العلمية، أنّ موسيقى موتسارت لم تُحقّق التأثير نفسه الذي أحدثته الألحان المفضّلة لدى المشاركين في تخفيف الألم، وفق نتائج دراسة محدودة شملت نحو 200 شخص. وأكّد الباحثون أن النتائج لا تزال أولية وتحتاج إلى دراسات إضافية للتحقّق منها.

وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة من المستشفى الجامعي في زيوريخ، أندريه كريستينيل دراجنيا، أنّ مستوى الألم الناتج عن إدخال الإبرة يختلف بدرجة كبيرة بين الأشخاص. وكانت دراسات سابقة قد أظهرت مراراً تأثير الاستماع إلى الموسيقى في الإحساس بالألم عموماً، في حين يشير التحليل الجديد إلى أنّ التفضيلات الموسيقية الشخصية تؤدّي دوراً في ذلك أيضاً.

من جهتها، قالت الباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة من المستشفى نفسه، ميريتيل غارسيا ألزامورا: «أنصح المرضى بالاستماع إلى الموسيقى، خصوصاً أولئك الذين يحبّونها عموماً».

وأوضحت أن المستشفى سيولي هذا الجانب اهتماماً أكبر، مضيفةً: «في ضوء نتائجنا، سنوسّع استخدام الموسيقى خلال سحب الدم من الأوردة في إطار فحوص الأشعة، لا سيما لدى المرضى الذين يعانون القلق أو رهاب الأماكن المغلقة».

وشملت الدراسة، التي أجراها فريق المستشفى، 204 مرضى تراوحت أعمارهم بين 17 و83 عاماً، كانوا يستعدّون للخضوع لفحص بالرنين المغناطيسي يتطلّب إعطاء مادة تباين. وقُسّم المشاركون إلى 4 مجموعات، خضعت كلّ منها لأحد الخيارات التالية في أثناء إدخال القنية الوريدية: عدم الاستماع إلى الموسيقى، أو الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة، أو مقطوعة محدّدة للاسترخاء، أو سوناتا لموتسارت.

وتنوَّعت اختيارات المشاركين الموسيقية بين الموسيقى الكلاسيكية وأغنيات البوب الحديثة، وصولاً إلى مؤلّفات بيتهوفن وموسيقى الروك الصاخبة.

وبدأ تشغيل الموسيقى قبل سحب الدم من الوريد. وقيّم المشاركون مستوى الألم على مقياس من درجة واحدة، تعني «لا ألم»، إلى 10 درجات، تعني «أشدّ ألم يمكن تخيّله». وسُجّلت التقييمات قبل إدخال الإبرة مباشرةً، وبعد الإجراء مباشرةً، ثم بعد 30 ثانية ودقيقتين. وأفاد 71 مشاركاً بأنهم شعروا بالألم حتى قبل وخز الإبرة.

وأظهرت النتائج انخفاضاً ملحوظاً في متوسط مستوى الألم لدى المجموعة التي استمعت إلى موسيقاها المفضّلة، سواء بين المرضى الذين شعروا بالألم قبل الوخز أو الذين لم يشعروا به. أما موسيقى موتسارت، فسُجّل معها انخفاض ذو دلالة إحصائية في الألم لدى الأشخاص الذين كانوا يشعرون به بالفعل قبل الإجراء فقط.

في المقابل، لم يرصد الباحثون انخفاضاً ملموساً في الإحساس بالألم لدى المجموعة التي استمعت إلى موسيقى الاسترخاء. وأوضحوا أنّ المقطوعة كانت بطيئة وهادئة، مع تغيّرات محدودة في الإيقاع وشدّة الصوت، مرجّحين أن المرضى لم ينتبهوا إليها بوعي أو تجاهلوها ببساطة. لكنهم شدّدوا على أن هذه النتيجة لا تعني أن موسيقى الاسترخاء عديمة الفائدة في جميع الحالات.

ومع ذلك، تبقى دلالات الدراسة محدودة جداً؛ إذ كانت المجموعات صغيرة، ولم يُوزّع المشاركون عليها عشوائياً، بل وفق التسلسل الزمني لمواعيد فحوص الرنين المغناطيسي. كما أنّ سحب الدم من الوريد تسبّب في ألم قصير الأمد وخفيف في الغالب، ممّا يحول دون تعميم النتائج على الإجراءات الطبية الأطول أو الأكثر إيلاماً.


«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
TT

«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)

أثار إعلان نشرته مدرّبة رياضية عن دورات لتعليم الرقص بضوابط «شرعية» جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بين مؤيّدين للفكرة لِما توفّره من خصوصية، ومعترضين يرون في إقحام الضوابط الشرعية في مثل هذه الأنشطة استخداماً للدين في غير موضعه.

ودعت هيلجا طمان، التي تعرّف نفسها عبر «فيسبوك» بأنها مدرّبة رياضية ومدرّبة رقص، إلى دورات لتعليم الرقص ضمن ضوابط وصفتها بأنها «شرعية». ولاقت الدعوة انتشاراً لافتاً لما انطوت عليه من طرافة ومفارقة، بينما نقلت وسائل إعلام محلية تصريحات للمدرّبة وأجرت معها لقاءات شرحت خلالها فكرتها ورؤيتها لتعليم الرقص في بيئة تراعي خصوصية المحجّبات والملتزمات دينياً، مع إجراء مقابلات للمتدرّبات للتحقّق من التزامهن.

وأكّدت منشورات الصفحة التي تروّج لهذه الدورات منع الموسيقى الصاخبة والملابس المكشوفة، وتوفير بيئة آمنة لتعلّم الرقص وممارسته في المنزل بخصوصية.

وتعزو الطبيبة النفسية والواعظة بوزارة الأوقاف، الدكتورة يمنى أبو النصر، الجدل الذي أثارته الدعوة إلى رغبة المحجّبات في المجتمعات المغلقة في المشاركة باحتفالات، مثل «ليلة الحنّة» وغيرها من المناسبات المقتصرة على النساء. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المبدأ نفسه غير مرفوض بوصفه عرفاً اجتماعياً، لكن الغريب والجديد هو أن يُعلَن هذا على الملأ، وأن يُزَجّ باسم الدين والشرع في مثل هذه الدعوات لكسب جمهور أو جذب مشاركات من أوساط تتّسم بقلّة العلم والتعليم».

وتشير يمنى أبو النصر إلى وجود أنشطة كثيرة مخصّصة للمحجّبات والمتديّنات، مثل ارتداء ملابس السباحة المحتشمة، لكنها ترفض توظيف الدين والشرع للترويج لهذه الأنشطة، عادَّةً ذلك نوعاً من الافتئات على الشرع.

وتقول: «لا يجوز استخدام الشرع والدين في الترويج لأمور بغرض حصد مكاسب، ومن يستخدم الدين سلعةً فهو خاسر، تماماً مثل مَن يروّجون لفكرة (المقهى الإسلامي)، أو القنوات التي تظهر فيها سيدات بكامل زينتهن (بمكياج كامل) ويتحدّثن في الدين، وهي مظاهر لا تستقطب إلا الجهلة».

ولا تعيب يمنى أبو النصر على صاحبة الدعوة اختيار هذا النشاط، موضحةً: «هي حرّة في اختيار المجال الذي تراه مناسباً للعمل وكسب الرزق، لكن القول إن هذا المجال بضوابط شرعية هو المرفوض، لما فيه من استخدام وتجرّؤ على الشرع والدين، وهو أمر لا يليق، فالدين ليس تجارة».

جانب من منشورات التدريب على الرقص (فيسبوك)

وعن الانتشار السريع لمثل هذه الدعوات والإعلانات المثيرة للجدل، يقول خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي محمد فتحي إن «الجدل حول دورة للرقص الشرقي بضوابط شرعية نموذج واضح لكيفية صناعة التفاعل على المنصات، عبر الجمع بين فكرتين متناقضتين في نظر الجمهور. فالمحتوى لا يثير الاهتمام بموضوعه فحسب، بل بالمفارقة التي يحملها العنوان، وتدفع المستخدمين إلى التعليق والمشاركة والانقسام بين مؤيّد ومعارض».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في اقتصاد الانتباه الرقمي، قد تكون الفكرة المثيرة للجدل أقدر على الانتشار من المحتوى التقليدي؛ لأن الخلاف يضاعف التفاعل، وقد يدفع التفاعل بدوره الخوارزميات إلى توسيع نطاق الوصول. لكن من المهم التمييز بين الانتشار والنجاح؛ فارتفاع المشاهدات والتعليقات لا يعني بالضرورة اقتناع الجمهور بالفكرة أو قبولها مجتمعياً».

من جانبه، يرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «وسائل التواصل الاجتماعي باتت تطرح في الآونة الأخيرة أفكاراً غير مألوفة وغير مقبولة، لم نكن نتخيّل أن تُطرح يوماً».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يحاول البعض اختبار إمكان فرض أفكاره، ويبقى الحكم عليها مرهوناً بنتائج التجربة. أما الجانب الآخر، فيتعلّق بتدخّل الجهات الدينية المخوّلة شرعاً تقييم مثل هذه الأفكار، وتحديد مدى قبولها وملاءمتها للمجتمع».


وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)
هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)
TT

وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)
هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)

15 عاماً على رحيل وليد غلمية ولا تزال موسيقاه تستحضر قضايا الهوية، والانتماء، والذاكرة، وفي صميمها مشروع بحثه عن صوت عربي في التأليف السمفوني. من قصر سرسق البيروتي، أعادت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بعضاً من مؤلَّفاته إلى آذان الجمهور، فشكَّلت الأمسية مناسبة لتكريمه، وإعادة اكتشاف أعمال كُتبت في زمن آخر، وقراءتها برؤية موسيقية جديدة.

الحفل الذي نظَّمه المعهد الوطني العالي للموسيقى، برئاسة المؤلِّفة هبة القواس التي تعمل على تنشيط حضوره الفنّي، وتوسيع برامجه، افتتح الموسم الموسيقي 2026 - 2027، وأطلق «عام وليد غلمية»، تحيةً إلى المؤلِّف الذي ترك لمسته في تطوير الكونسرفتوار، وتأسيس الأوركسترات الوطنية اللبنانية. وتحت قيادة المايسترو هاروت فازليان، عزفت الأوركسترا الحركة الثالثة «حرّية» من السمفونية الرابعة «الشهيد»، والسمفونية السادسة «الفجر» بحركاتها الأربع.

هبة القواس غنّت لغلمية واستعادت بالصوت ألفة السنوات (الشرق الأوسط)

رسم حضور فازليان الملامح الفنّية للأمسية. ففي الأعمال الأوركسترالية، تبقى للنوتة سُلطتها، لكنّ المساحة التي يتحرّك فيها القائد تُتيح قراءات مختلفة للمؤلَّف الواحد، فحمل هذا الأداء شيئاً من شخصيته الموسيقية، بإضفائه على بعض العبارات كثافة تعبيرية، وكشفه عن تفاصيل أغنت القراءة، وعمَّقت أثرها.

وقبل بدء العزف، قدَّم المايسترو شرحاً للمقطوعة، مُستحضراً صوراً ومعانيَ حرّكت الخيال، ومهَّدت لتلقّي الموسيقى. وجاءت الموسيقى برؤيته وقيادته لتمنح تلك الصوَر أبعاداً أخرى، وتقود المُستمع عبر تحوّلات العمل بين القوة والهدوء، فأظهرت ما يستطيع قائد الأوركسترا إضافته إلى المؤلَّفات من عمق، وتعبير. واستعاد فازليان في كلمته فضل غلمية في عودته من الاغتراب، متحدّثاً بامتنان عن الرجل الذي كان وراء تلك العودة قبل عقود، والذي لا تزال مؤلَّفاته تُرافقه إلى المسارح خارج لبنان. وهنا التقى مع هبة القواس في الوفاء لصاحب الأمسية، والاعتراف بجَميله.

15 عاماً لم تُطفئ صوت السمفونيات (الشرق الأوسط)

ترتبط موسيقى المُكرَّم بمشروع عمل عليه سنوات، ساعياً إلى الجمع بين التقاليد السمفونية الغربية والموروث الموسيقي العربي. ومن مرجعيون، حمل وليد غلمية بدايات معرفته بألحان الجنوب، ثم أغنى تجربته بالموسيقى البيزنطية، والألحان العربية، مستفيداً من هذه المصادر في سمفونياته الستّ. وتستند حركة «حرّية» إلى النغمات الخمس الأولى من لحن شعبي عراقي، فيما تتنقّل سمفونية «الفجر» بحركاتها الأربع بين أجواء من الشجن والرجاء. ومن هذا الجَمْع بين الموروث والتأليف السمفوني، تبلورت خصوصية مشروعه الموسيقي، بما فيه من خيارات فنّية، وطموح في التأليف.

ومع ذلك تبقى القيمة الفنّية لهذه المؤلَّفات مرتبطة بما تُقدّمه للأذن، بعيداً عن المعاني التي تقترحها عناوينها. فالموسيقى تقول أحياناً أكثر مما تقوله الحكايات المُرتبطة بها، وتترك لكلّ مستمع أن يجد فيها ما يُلامسه. بذلك تبرز أهمية إعادة تقديم وليد غلمية ضمن برامج موسيقية مُنتظِمة، تتيح التعرُّف إلى أعماله، ومقاربتها نقدياً، خارج إطار الذكرى والاحتفاء.

الآلات تعرف طريقها... والمايسترو يعرف منعطفاتها (الشرق الأوسط)

وأضفى قصر سرسق بعمارته وتاريخه أجواءً مختلفة على الأمسية. فالظلال المتدلّية على جدرانه وتفاصيله المعمارية منحتا الحاضرين متعة بصرية موازية للموسيقى، وكان جميلاً أن تنتقل العين بين الألوان، والوجوه، والآلات، وتجتمع العمارة والموسيقى في مشهد واحد، لكلّ منهما لغته، وسحره.

ثم ألقت هبة القواس كلمة عن غلمية، تحدَّثت فيها بعاطفة عكست علاقة إنسانية وفنّية جمعتهما، وأعلنت خلالها إطلاق جائزة موسيقية تحمل اسمه. ولاحقاً غنَّت له، مستعيدةً بصوتها جانباً من تلك العلاقة، وقد أضفى أداؤها على التكريم دفئاً، وخصوصية، فهي مؤلِّفة، ومغنّية تعرف عالم غلمية الموسيقي من قرب. وبدت في الغناء أكثر قدرةً على التعبير عن مشاعرها، بعيداً عن الكلمات التي ازدحمت بها مداخلتها، خصوصاً أنّ الكلمة طالت أكثر ممّا ينبغي، فأبطأت إيقاع الأمسية، وقد أمكن اختصارها من دون أن تفقد شيئاً من عاطفتها، أو صدقها.

وكان مؤثّراً أن تتولّى الأوركسترا التي أسهم غلمية في تأسيسها عزف مؤلَّفاته بعد 15 عاماً على رحيله. فالرجل الذي أمضى جانباً كبيراً من حياته في بناء حضور للموسيقى السمفونية في لبنان، تستعيده اليوم مؤسّسة تحمل كثيراً من جهده. ومع قراءة هاروت فازليان، استعادت مؤلَّفات غلمية ألقها على المسرح، مؤكّدةً أنّ مكان الموسيقى يبقى حيث يستمرّ عزفها.

15 عاماً فصلت وليد غلمية عن هذه الأمسية، لكنّ الزمن لم يكن وحده ما يفصل المؤلِّف عن موسيقاه. هناك دائماً احتمالات للتأويل بين ما أراد قوله وما تسمعه الأجيال اللاحقة، ومنها تولد معانٍ جديدة للعمل الفنّي، وربما أيضاً أسباب بقائه.