في «هامنت» زوجة شكسبير تجذب الأضواء أخيراً

رواية ماغي أوفاريل تمنح مجالاً لشخصية تاريخية لا نعرف عنها سوى القليل

صور لشخصيات شكسبير على جدار في ستراتفورد أبون آفون (نيويورك تايمز)
صور لشخصيات شكسبير على جدار في ستراتفورد أبون آفون (نيويورك تايمز)
TT

في «هامنت» زوجة شكسبير تجذب الأضواء أخيراً

صور لشخصيات شكسبير على جدار في ستراتفورد أبون آفون (نيويورك تايمز)
صور لشخصيات شكسبير على جدار في ستراتفورد أبون آفون (نيويورك تايمز)

من بين الألغاز العديدة حول ويليام شكسبير، تلك المتعلقة بحياته العاطفية وهي الأكثر إثارة للإعجاب. لماذا تزوج امرأة محلية، آن هاثاواي، ولديه ثلاثة أطفال منها، ومن ثمّ انتقاله إلى لندن لمباشرة حياته في المسرح؟ كيف كانت علاقتهما حقاً؟ ولماذا نعرف القليل للغاية عن السيدة آن نفسها، التي وصفها أحد العلماء بقوله «فراغ على شكل زوجة» في قصة الكاتب المسرحي؟
تصادف، هذه السنة، الذكرى الـ400 لوفاة آن، قد تكون السنة التي نسمع فيها أخيراً عن الجانب الآخر من شخصية شكسبير. وفي وقت لاحق من الشهر الحالي، يُنشر مجلد من القصائد الاحتفالية بعنوان «آن-ثولوجيا». وقد أميط اللثام عن تمثال نصفي صغير لها في كنيسة «الثالوث المقدس» في «ستراتفورد أبون أفون»، حيث ظل جسدها مسجى بجوار جثة زوجها منذ عام 1623. المدهش في الأمر أن مسرحية «فرقة شكسبير الملكية» المكرسة لقصتها ستُفتتح يوم الأربعاء المقبل في مسرح «سوان» التابع للفرقة في البلدة.
قالت إيريكا وايمان، مديرة العرض المسرحي، في مقابلة أجريت معها بعد بروفة حديثة: «لقد حان الوقت. هذه بلدتها، فقد ولدت خارج ستراتفورد وعاشت هنا طوال حياتها، على حد علمنا. إنها تستحق العودة إلى هنا».
حملت المسرحية، وهي عبارة عن مؤالفة لرواية «هامنت» الأكثر مبيعاً في عام 2020 والصادرة عن ماغي أوفاريل، اسم نجل شكسبير الوحيد، الذي توفي عن عمر ناهز 11 عاماً في سنة 1596، لأسباب مجهولة. يبدو أن والده بدأ العمل على رواية «هاملت» المفعمة بالمآسي إثر فترة وجيزة من وفاته، الأمر الذي دفع كُتّاب السيرة الذاتية إلى جنون التكهنات الفرويدية.

الممثلة مانتوك شعرت بأن لعب دور آن كان شاعرياً وقوياً (نيويورك تايمز)

لكن في النص، الذي تولت مؤالفته لوليتا تشاكرابارتي، هناك شك طفيف في ماهية البطلة: زوجة شكسبير، والدة أطفاله وربة منزله، التي تنبض بالروح والذكاء العملي، متفوقة في كل شيء على شريك حياتها وعلى الجميع قاطبة. في المشهد الأول من المسرحية، نرى ويليام البالغ من العمر 17 عاماً، يحاول التودد إليها بحمق أثناء ما كانت تطيّر صقراً أليفاً. (وهي أيضاً لن تخضع للترويض أبداً، كما نخمن). في وقت لاحق، نراها تعمل بكد على صناعة الخبز والمزج بين العلاجات الشعبية بينما يحلم هو بالشعر والمسرح.
فرقة شكسبير: «إنها تملك كل هذه المعرفة، كل هذه المقدرة».
أوضحت أوفاريل في مقابلة هاتفية، أنها تعرفت على زوجة شكسبير أول الأمر في الكلية، بعد أن صارت فضولية بشأن عائلة الكاتب المسرحي، الأمر الذي غالباً ما أهمله المؤرخون. قالت أوفاريل: «إن حياة شكسبير المنزلية، إن أردت أن تسميها هكذا، لم تظهر أبداً إلى الواقع، لا سيما حياة آن. وكلما واصلت القراءة أكثر، انحرفت عن مساري بشأنها، وبشأن الطريقة التي عوملت بها. لقد كانت مُهمشة، وربما أسوأ من كونها مُهمشة، إذ كانت منبوذة».

منزل آن هاثاواي الريفي في ستراتفورد أبون آفون (نيويورك تايمز)

كان شكسبير بعمر 18 سنة فقط، عندما تزوج آن سنة 1582؛ وكانت هي بعمر 26 سنة وحبلى. وقد تكهن المؤرخون بأن عرسهما أنجز على عجل، وأتمه شكسبير على مضض. وكونه ترك ستراتفورد أبون أفون، ليبدأ حياته المسرحية بعد ولادة هامنت وشقيقته التوأم جوديث، بعد سنوات قليلة، زاد من حدة التكهنات بأن شكسبير عانى من زواج بلا حب. ولم يتمكن الكاتب المسرحي من العودة إلى مسقط رأسه إلا في أحيان قليلة حتى آخر سنوات حياته. بعد أن وقّع وصيته بيده المرتعشة قبل وفاته سنة 1616، تاركاً لزوجته آن «ثاني أفضل فراش» في المنزل، الأمر الذي فُسر بأنه إهانة. قالت أوفاريل: «حتى بين كُتاب السيرة الذاتية المحترمين، فإن آن توصف كفلاحة أمّية غاوية، تلك التي أغرت ذلك الصبي العبقري بالزواج. غير أنني لم أجد أي دليل على ذلك». وأضافت أن الإشارة إليها غالباً باسمها قبل الزواج «هاثاواي»، يوحي بالكثير، «وكأننا لا نريد لاسمها أن يقترب من اسمه».
قالت أوفاريل، متحدثة عن الأسماء، قد لا يكون اسم «آن» هو الاسم الصحيح. ففي إحدى الوثائق التي بقيت على قيد الحياة، أشارت إلى «أغنيس»، الاسم الظاهر في الرواية والمسرحية. وأضافت أوفاريل: «إن حقيقة أننا قد نطلق عليها اسماً خاطئاً منذ ما يقرب من 500 عام، تبدو من أعراض نبذ شخصيتها تماماً».
قال بول إدموندسون، رئيس الأبحاث في مؤسسة «شكسبير بيرثبليس تراست»، إن قصة زوجة شكسبير كانت على الأرجح معقدة وآسرة. على الرغم من أن القليل من الأدلة على شخصيتها باق - لا يوجد لدينا حتى صورة لها - تشير الحقائق التي نعرفها إلى امرأة ذكية وقادرة تدير منزلاً كبيراً، وكانت مسؤولة عن مبالغ كبيرة من المال والأرض، وربما كانت تدير شركة للتخمير على الهامش. إضافة إلى ذلك، بطبيعة الحال، تولت تربية عائلة لزوج كان في الغالب يعمل بعيداً، كما كان الحال لدى الكثيرين من الرجال في إنجلترا في ذلك الوقت.
قال إدموندسون: «إنها تدير المنزل، وهي شريكة في كسب المال، كما تراقب استثماراته في المدينة. لقد كانت مساوية له في نواحٍ كثيرة».
فماذا عن «ثاني أفضل فراش» في المنزل؟ قال إدموندسون إنه كان من الممكن أن يكون فراش الزواج، مليئاً بالذكريات الحميمة؛ وذكره في الوصية «ربما كان أيضاً تفاهماً قانونياً»، ضماناً لحقوقها السكنية بعد وفاته.
في الرواية، «آن/أغنيس» قد لا تكون قادرة على الكتابة - النساء نادراً ما تلقين تعليماً رسمياً في ذلك الوقت - لكن زوجها يشجعها على القراءة. وبصورة حاسمة، فإن مغادرة ويليام بلدته إلى لندن لا يبدو بأنه هجران، وإنما فكرة زوجته. قالت الممثلة مانتوك: «إنها تدرك أنه يحتاج إلى المزيد. وهي تريد أن تشجعه لأن يكون كما يريد هو أن يكون».
في الواقع، فإن وفاة هامنت المبكرة، هي وحدها التي تهدد بتمزيق الزوجين؛ وفي المسرحية، يُترك لأغنيس مسؤولية التقاط القطع المتناثرة من حياتها ولمّ شمل الأسرة سوياً، بينما يهرب ويليام عائداً إلى لندن ويدفن نفسه في العمل. وفقط، عندما تحضر آغنيس عرضاً مبكراً لمسرحية «هاملت» تدرك أنه ترجم أحزانه إلى مسرحية درامية.
كان لنجاح الرواية بعض الآثار الواقعية في ستراتفورد أبون أفون أيضاً. في كنيسة الثالوث المقدس، قال متطوعون يعتنون بقبور عائلة شكسبير، إن زائرين كثيرين يسألون عنها، كما يسألون عنه. وفي الصيف الماضي، ترأست أوفاريل مراسم لغرس زوج من الأشجار في فناء الكنيسة، واحدة لإحياء ذكرى هامنت، والأخرى لجوديث.
وتابعت أوفاريل موضحة: «في الواقع، أجد هذا مؤثراً بصورة لا تُصدق. حقيقة أنها وأولادها يُعادون إلى الحياة على خشبة المسرح في البلدة».
بالنسبة للممثلة مانتوك، مجرد كونها في ستراتفورد، تسير في شوارعها وترى الأماكن التي عرفتها آن، يبعث في روحها أحاسيس شاعرية وقوية على حد سواء. تقول: «أعلم أن ما أفعله ليس حقيقياً. أعلم ذلك بالتأكيد. لكنني أشعر أن هناك تلك الشخصية الحقيقية في كل مكان أذهب إليه».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)
سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)
TT

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)
سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة، مسلطةً الضوء على تفاوتات كبيرة في الوفيات التي لم تُحتسب.

فقد سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021. لكن فريقاً من الباحثين - باستخدام نوع من الذكاء الاصطناعي - قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات. وهذا يعني أن نحو 16 في المائة من وفيات كورونا لم تُحتسب في تلك السنوات في الولايات المتحدة، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وتتوافق النتائج العامة، التي نُشرت الأربعاء في مجلة «ساينس أدفانسز»، إلى حد كبير مع تقديرات دراسات أخرى حول وفيات الجائحة خلال تلك الفترة. إلا أن مؤلفي الدراسة الجديدة سعوا إلى تحديد الوفيات التي يُرجح أنها غابت عن الإحصاءات الرسمية.

الوفيات أكثر شيوعاً لدى الأقليات العرقية

وكانت النتيجة أن الوفيات غير المشخّصة كانت أكثر شيوعاً بين الأميركيين من ذوي الأصول اللاتينية وغيرهم من أصحاب البشرة الملوّنة (وهم يُعدّون من الأقليات العرقية في الولايات المتحدة)، ممن توفوا في الأشهر الأولى من الجائحة، وكذلك في بعض ولايات الجنوب والجنوب الغربي لأميركا، بما في ذلك ولايات ألاباما وأوكلاهوما وكارولاينا الجنوبية.

وبعد ست سنوات من اجتياح فيروس كورونا الولايات المتحدة، لا تزال العوائق قائمة أمام كثير من الفئات نفسها، بحسب ستيفن وولف، الباحث في جامعة فرجينيا كومنولث، والذي لم يشارك في الدراسة.

وقال في رسالة إلكترونية: «لا يزال الأشخاص على الهامش يموتون بمعدلات غير متناسبة لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى الرعاية الصحية».

ولم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية التحدي الوحيد. ففي حين كان المرضى داخل المستشفيات يخضعون لاختبارات كورونا بشكل منتظم، لم يُختبر كثيرون ممن مرضوا وتوفوا خارج المستشفيات، وغالباً لأن اختبارات المنزل لم تكن متاحة بسهولة في بداية الجائحة، بحسب إليزابيث ريغلي-فيلد من جامعة مينيسوتا، إحدى مؤلفات الدراسة.

وفي بعض أنحاء البلاد، تُدار تحقيقات الوفيات من قبل محققين لا يمتلكون بالضرورة التدريب المتخصص الذي يتمتع به الأطباء الشرعيون. وتشير بعض الأبحاث إلى أن المواقف الحزبية ربما أثّرت على قرار المرضى أو عائلاتهم بشأن إجراء اختبار كورونا، وكذلك على قرارات المحققين بشأن إجراء اختبارات ما بعد الوفاة. بل إن بعض المحققين أفادوا بأن عائلات ضغطت عليهم لعدم إدراج كورونا كسبب للوفاة.

وقال أندرو ستوكس من جامعة بوسطن، المؤلف الرئيسي للدراسة: «نظام التحقيق في الوفيات لدينا عتيق، وهو أحد الأسباب الرئيسية لعدم دقة الأرقام، خصوصاً خارج المناطق الحضرية الكبرى».

أشخاص ينتظرون خارج مركز في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية في طوابير طويلة لإجراء فحوصات الكشف عن فيروس كورونا خلال تفشي المرض... 10 يناير 2022 (رويترز)

تداخل أعداد الوفيات

وقد تداخلت أعداد الوفيات مع الجدل السياسي حول كورونا. إذ تشير بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى تسجيل أكثر من 1.2 مليون وفاة بكورونا منذ اندلاع الجائحة في أوائل عام 2020، مع وقوع أكثر من ثلثي هذه الوفيات في عامي 2020 و2021.

وظلّ هذا الرقم محل جدل طويل، إذ انتشرت مزاعم مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي تفيد بأن عدد وفيات كورونا مبالغ فيه. وزاد الجدل حين أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أغسطس (آب) 2020 نشر منشور زعم أن 6 في المائة فقط من الوفيات المعلنة كانت ناجمة فعلياً عن كورونا، وهو منشور قامت «إكس» لاحقاً بحذفه.

وبطبيعة الحال، كانت هناك أنواع أخرى من الوفيات المرتبطة بالجائحة. فقد توفي أشخاص غير مصابين بالفيروس بسبب أمراض أخرى، نتيجة عدم تمكنهم من الحصول على الرعاية في مستشفيات مثقلة بمرضى كورونا. كما توفي أشخاص يعانون من الإدمان بسبب جرعات زائدة، نتيجة العزلة الاجتماعية وفقدان الوصول إلى العلاج. وقد أخذت دراسات أخرى هذه الوفيات بعين الاعتبار عند تقدير العدد الفعلي لوفيات الجائحة.

لكن ستوكس وزملاءه ركّزوا على وفيات المصابين بالفيروس نفسه. واستخدموا تقنيات التعلّم الآلي لتحليل شهادات وفاة مرضى مصابين توفوا داخل المستشفيات، ثم استخدموا الأنماط المستخلصة من هذه السجلات لتقييم شهادات وفاة أشخاص توفوا خارج المستشفيات، ونُسبت وفاتهم إلى أسباب مثل الالتهاب الرئوي أو السكري.

ولا يزال فهم العلماء لنقاط قوة وضعف الأبحاث المعتمدة على التعلّم الآلي في تطور مستمر، إلا أن وولف وصف استخدام هذا الفريق لهذه التقنية بأنه «مثير للاهتمام».


واشنطن توجّه بعثاتها حول العالم بمراجعة أمنية عاجلة

مبنى السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مبنى السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توجّه بعثاتها حول العالم بمراجعة أمنية عاجلة

مبنى السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مبنى السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

أمرت وزارة الخارجية الأميركية بعثاتها الدبلوماسية عبر العالم بالقيام بتقييمات أمنية «فوراً»، بسبب «الوضع الراهن والمتطور في الشرق الأوسط واحتمال امتداد آثاره».

ووجهت الوزارة الثلاثاء برقية تتضمن الأمر الصادر عن وكيل وزارة الخارجية للشؤون الإدارية جايسون إيفانز، وتُفيد بأنه ينبغي على «كل البعثات حول العالم» تشكيل لجان عمل طارئة ومتعددة التخصصات لتحديد التهديدات والتخطيط لمواجهتها، ومراجعة «وضعها الأمني». ووقع البرقية وزير الخارجية ماركو روبيو.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدّث في واشنطن يوم 9 مارس (أ.ف.ب)

ورغم إرسال أوامر مماثلة إلى البعثات الدبلوماسية في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية، بدا الأمر الجديد وكأنه المرة الأولى التي يُطلب فيها من كل البعثات على مستوى العالم مراجعة أمنها بسبب حرب إيران، وفقاً لما أوردته صحيفة «واشنطن بوست». وإذ تجنبت الخوض في تفاصيل البرقية، أوضحت وزارة الخارجية أن اجتماعات لجان العمل الطارئة «عنصر أساسي في بروتوكولات إدارة المخاطر والتأهب لدينا».

ولم يتّضح ما إذا كانت التحذيرات الجديدة مرتبطة بمعلومات استخبارية حول هجمات محتملة، ما دفع وزارة الخارجية الأميركية إلى توسيع نطاق أوامرها لإصدار أوامر حماية السفارات لتشمل كل البعثات الدبلوماسية حول العالم. واستُهدفت سفارات أميركية عديدة من إيران ووكلائها منذ بدء حملة القصف الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي، ما أدّى إلى إغلاق عدد من البعثات مؤقتاً وإصدار أوامر لموظفين أميركيين بمغادرة العديد من الدول.

ورغم أن معظم التهديدات تركّزت على الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، وقعت عدة حوادث في أماكن أخرى، بما في ذلك إطلاق نار خارج القنصلية الأميركية في تورنتو وانفجار قرب السفارة الأميركية في أوسلو. وأشارت البرقية إلى أنه ينبغي على البعثات الدبلوماسية الأميركية مشاركة أي معلومات موثوقة حول التهديدات مع المواطنين الأميركيين، التزاماً بسياسة وزارة الخارجية «عدم ازدواجية المعايير».

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن «توقيت وتواتر» اجتماعات لجنة التعاون الاقتصادي «يُحدّد بناءً على مجموعة من الاعتبارات العملياتية، ولا يُشير بالضرورة إلى تهديد جديد أو مُحدد».

ووفقاً لبرقيات أخرى من وزارة الخارجية، لا تزال المنشآت الدبلوماسية الأميركية في المنطقة تتعرض لهجمات من إيران ووكلائها. وأفادت برقية أُرسلت الاثنين الماضي، بأن الجماعات المسلحة في العراق نفذت 292 هجوماً على منشآت أميركية منذ 28 فبراير الماضي، واصفة التهديدات التي يتعرض لها الأميركيون في المنطقة بـ«المستمرة». وأشارت إلى أنه في بعض الحالات، داهمت مجموعات من المسلحين منازل السكان بحثاً عن معلومات تخص مواطنين أميركيين.

وتعرضت السفارة الأميركية في بغداد لهجوم جديد الثلاثاء. وشوهدت ثلاث مسيرات تتجه نحو مجمع السفارة. وقال شهود إن نظام «سي رام» للدفاع الجوي اعترض اثنتين منها، بينما تحطمت الثالثة داخل المجمع، ما أدى إلى اندلاع حريق وتصاعد أعمدة من الدخان. ودوت أصداء الانفجارات في أرجاء العاصمة العراقية مع استمرار جهود اعتراض المسيّرات.

وفي حادثة أخرى، تعرض مبنى سكني يضم دبلوماسيين أميركيين في إسرائيل لهجوم برأس حربي باليستي إيراني جرى اعتراضه ولم ينفجر خلال عطلة نهاية الأسبوع.

Cannot connect to https://api-fallback.languagetool.org/v2/check—please check your internet connection or try again in a minute (#1, timeout)


الاستخبارات الأميركية: «ملحمة الغضب» تُحدث تغييرات جوهرية في المنطقة

مسؤولو أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
مسؤولو أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الاستخبارات الأميركية: «ملحمة الغضب» تُحدث تغييرات جوهرية في المنطقة

مسؤولو أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
مسؤولو أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

قالت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، تولسي غابارد، إن أجهزة الاستخبارات تُقيّم أن عملية «ملحمة الغضب» تُحدث تغييرات جوهرية في المنطقة. وأضافت غابارد، في جلسة استماع أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، الأربعاء، أن الأجهزة ترى أن النظام في إيران «لا يزال قائماً، لكنه تضرر بشكل كبير نتيجة الضربات التي استهدفت قياداته وقدراته العسكرية. كما أن قوته العسكرية التقليدية قد تراجعت إلى حدّ كبير؛ مما يترك أمامه خيارات محدودة»، مشيرة إلى أن قدرات إيران الاستراتيجية تدهورت بشكل ملحوظ.

وعدّت غابارد أنه «حتى لو ظلّ النظام الإيراني قائماً، فإن التوترات الداخلية مرشّحة للتصاعد مع تدهور الاقتصاد الإيراني». وأوضحت: «مع ذلك، تواصل إيران ووكلاؤها استهداف المصالح الأميركية ومصالح الحلفاء في الشرق الأوسط. وتقدّر أجهزة الاستخبارات أنه في حال بقاء نظام معادٍ، فمن المرجّح أن يسعى إلى إطلاق جهد طويل الأمد قد يمتد سنوات لإعادة بناء قدراته العسكرية، لا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة».

مديرة «الاستخبارات الوطنية» تولسي غابارد في جلسة استماع بالكونغرس يوم 18 مارس 2026 (أ.ب)

إلى ذلك، أشارت غابارد إلى أن روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران وباكستان تعمل على بحث وتطوير مجموعة من أنظمة إيصال الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية وتقليدية؛ «مما يضع الأراضي الأميركية ضمن مدى هذه الأنظمة». وأضافت: «ترى أجهزة الاستخبارات أن التهديد الذي يطول الأراضي الأميركية سيتوسع ليصل إلى أكثر من 16 ألف صاروخ بحلول عام 2035، مقارنة بـ3 آلاف حالياً»، في إشارة إلى قدرات جلّ الدول المذكورة.

تهديد وشيك؟

أتت هذه التصريحات بعد إعلان مدير «المركز الوطني لمكافحة الإرهاب»، جو كينت، الذي قدم استقالته الثلاثاء، أن إيران لم تكن تشكل تهديداً وشيكاً على الولايات المتحدة، ضارباً بعرض الحائط حجج الإدارة الأميركية بشأن سبب خوض الحرب. وأثارت هذه التصريحات حفيظة البيت الأبيض، الذي سارع، على لسان المتحدثة باسمه كارولاين ليفيت، إلى مهاجمة كينت، الذي عينه ترمب في بداية ولايته، بشكل غير مباشر. وقالت إن الرئيس الأميركي أوضح وجود دليل قوي ومقنع على أن إيران كانت تستعد لمهاجمة أميركا أولاً، مضيفة أن «ادّعاء كينت هو الادعاء نفسه الذي يُكرّره الديمقراطيون وبعض وسائل الإعلام الليبرالية».

ودخلت غابارد، المسؤولة عن وكالات الاستخبارات الأميركية كافة، والمشرفة على كينت في منصبه السابق، على خط المواجهة، لكن بتحفظ. فهي معروفة بمواقفها السابقة المعارضة لحرب إيران، وبدا هذا التحفظ واضحاً في ردّها؛ إذ قالت إن ترمب بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة «هو المسؤول عن تحديد ما يُعدّ تهديداً وشيكاً، وما لا يُعد كذلك»، وإنه «بعد مراجعة دقيقة لجميع المعلومات المتاحة أمامه من قبل وكالات الاستخبارات، خلص إلى أن النظام في إيران كان يشكّل تهديداً وشيكاً، واتخذ إجراءً بناءً على هذا التقييم».

مديرو الاستخبارات في جلسة استماع بالكونغرس يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وكرّرت غابارد التصريح نفسه في جلسة الاستماع العلنية التي عقدتها لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، وحضرها قادة الاستخبارات الأميركية.

وإلى جانب غابارد، جلس ‏مدير «وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)» جون راتكليف، ومدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)» كاش باتيل، بالإضافة إلى قائد القيادة السيبرانية الأميركية بالوكالة ويليام هارتمان، ومدير الاستخبارات الدفاعية جيمس آدمز. لكن راتكليف كان أوضح، إذ قال إنه يعارض ما قاله كينت لدى استقالته، وأضاف: «أعتقد أن إيران شكّلت تهديداً مستمراً للولايات المتحدة لفترة طويلة، وكانت تُشكّل تهديداً وشيكاً في هذه المرحلة».

انقسام حزبي

السيناتوران الجمهوري توم كوتون والديمقراطي مارك وارنر في جلسة استماع بالكونغرس يوم 18 مارس 2026 (رويترز)

عكست تصريحات أعضاء اللجنة الانقسامات الحادة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري حيال حرب إيران. ففيما تَعُدّ غالبية الجمهوريين أن العمليات العسكرية حققت نجاحاً «مذهلاً»، يطرح الديمقراطيون أسئلة بشأن الاستراتيجية والأهداف.

وأشاد رئيس اللجنة توم كوتون، وهو من الصقور الجمهوريين، بقرار ترمب قائلاً: «في نهاية المطاف، ستكون الولايات المتحدة قد جردت النظام الإيراني من أنيابه؛ من قواته الصاروخية، وطائراته المسيّرة، ومنصّات إطلاق الصواريخ، كما سيتم إنهاء قدراته التصنيعية. وسيُسحق برنامجه النووي مجدداً». وقال كوتون: «بفضل جهود قواتنا العسكرية وعناصر أجهزتنا الاستخباراتية، فإن النظام الإيراني الذي أرهب العالم لمدة 47 عاماً، أُجبر أخيراً على التراجع ووُضع في موقع دفاعي... بعد 47 عاماً من التردد والضعف، وضعت أميركا أخيراً حدّاً لهذا الوضع وأظهرت حزمها».

وخالف كوتون تقييم الديمقراطيين، عادّاً أن الحملة خُطط لها بعناية. تصريحات تعارض بشكل جذري مواقف الديمقراطيين، وعلى رأسهم كبيرهم في لجنة الاستخبارات، مارك وارنر، الذي وصف الحرب بـ«الاختيارية»، وتوافق مع تقييم كينت قائلاً: «لم يكن هناك أي تهديد وشيك للولايات المتحدة، ولا أعتقد أنه كان هناك حتى تهديد وشيك لإسرائيل من إيران».