إدارة بايدن تلقي باللوم على ترمب في «الانسحاب الفوضوي» من أفغانستان

غضب جمهوري واسع بالكونغرس واستدعاء جديد لمسؤولي الدفاع والخارجية

جانب من الانسحاب الأميركي الفوضوي من مطار حميد كرزاي في العاصمة كابل أغسطس 2021 (د.ب.أ)
جانب من الانسحاب الأميركي الفوضوي من مطار حميد كرزاي في العاصمة كابل أغسطس 2021 (د.ب.أ)
TT

إدارة بايدن تلقي باللوم على ترمب في «الانسحاب الفوضوي» من أفغانستان

جانب من الانسحاب الأميركي الفوضوي من مطار حميد كرزاي في العاصمة كابل أغسطس 2021 (د.ب.أ)
جانب من الانسحاب الأميركي الفوضوي من مطار حميد كرزاي في العاصمة كابل أغسطس 2021 (د.ب.أ)

ألقت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن باللوم في الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان في أغسطس (آب) 2021 على سلفه دونالد ترمب، ونفت أي مسؤولية عن سوء تخطيط أو إخفاق في خطط الانسحاب من أفغانستان، ورفضت الاعتراف بارتكاب أي أخطاء؛ مما آثار الكثير من الانتقادات والجدل، وردود فعل غاضبة من المشرعين الجمهوريين الذين طالبوا بالوثائق للتحقيق في أسباب الانسحاب الذي أنهى أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة.
وأعلن الجمهوريون في مجلس النواب عقد جلسة استماع ثانية يوم 19 أبريل (نيسان) الحالي، واستدعاء مسؤولين من وزراتي الدفاع والخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية؛ لمناقشة تقرير إدارة بايدن الذي تم تسليمه للكونغرس.
وقد أصدر مجلس الأمن القومي الخميس ملخصاً من 12 صفحة لتقييم الانسحاب الأميركي الذي شهد أعمال عنف أثناء الإجلاء في المطار الدولي في العاصمة كابول، وعملية انتحارية نفذها تنظيم «داعش»؛ مما أسفر عن مقتل 13 جندياً أميركياً و170 مدنياً.
واعترفت إدارة بايدن في المراجعة والتقييم - الذي استغرق إعداده عامين - بأن الولايات المتحدة كان ينبغي أن تبدأ عمليات الإخلاء في وقت سابق، لكن مسؤولي البيت الأبيض دافعوا عن قرار الانسحاب، وجادلوا بأن إدارة بايدن كانت مقيدة بما اتفقت عليه إدارة ترمب مع حركة «طالبان» بالانسحاب في مايو (أيار) 2021 وتقليص حجم القوات في أفغانستان.
وقدمت إدارة بايدن تقريراً سرياً كاملاً إلى مجلسي الشيوخ والنواب، ألقت فيه باللوم على إدارة ترمب، وأكدت فيه أن إدارة بايدن قامت بكل ما في وسعها بعد تأكيد الحكومة الأفغانية بقدرتها على الدفاع عن البلاد.
وجاء التقرير بعد ضغوط من المشرعين الجمهوريين واستدعاء كلٍ من وزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستن للشهادة الشهر الماضي حول الانسحاب الأميركي وفحص عملية اتخاذ القرار وكيفية تنفيذه. وقد أثار الجمهوريون تساؤلات حول قيادة إدارة بايدن ونوعية المعلومات الاستخباراتية الأميركية وأسباب إخفاقها، إضافة إلى التساؤلات حول التزام أميركا بحقوق الإنسان وآلاف الأفغان الذين اعتمدت عليهم وأنفقت مليارات الدولارات لتدريبهم.
- دفاع البيت الأبيض
وفي إفادة صحافية مساء الخميس، دافع جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، بقوة - لأكثر من ساعة - عن موقف إدارة بايدن، مشدداً على أن الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترمب بدءاً من الاتفاق مع حركة «طالبان» لسحب القوات الأميركية بحلول ربيع 2023 والخفض السريع للقوات الأميركية، والفشل في التواصل لمشاركة المعلومات الانتقالية بين فريق ترمب وفريق الرئيس بايدن أثناء الفترة الانتقالية، ترك الرئيس بايدن بخيارات محدودة للغاية.
وقال كيربي، إن قرار بايدن إنهاء الحرب كان القرار الصائب، وفي حين كان الرئيس يريد إنهاء تلك الحرب، فلا يمكن إنكار أن القرارات التي اتخذت وعدم التخطيط الذي قامت به الإدارة السابقة، قلص إلى حد كبير من الخيارات المتاحة لنا، وقد ورث بايدن صفقة أبرمت بين الإدارة السابقة و«طالبان» نصت على الانسحاب الكامل للقوات الأميركية في مايو 2021 وإلا ستعاود «طالبان» الحرب ضد الولايات المتحدة.
وأضاف كيربي، أن بايدن كان أمامه اختيار صعب، إما سحب كل القوات، أو استئناف قتال «طالبان»، واختار الأول، وقاد عملية مدروسة وصارمة لتمديد الانسحاب حتى أغسطس، وأمر بخطط لخفض القوات وخطط لتسليم القواعد والمعدلات إلى الحكومة الأفغانية والاستعداد لأسوأ السيناريوهات.
وأشار كيربي، إلى أن الوكالات الأميركية لم تتوقع استيلاء «طالبان» على السلطة بهذه السرعة، ولم تتوقع فرار الرئيس غني السريع، ولم تتوقع فشل أكثر من 300 ألف من قوات الدفاع الوطني الأفغاني في الدفاع عن بلادهم. وأوضح، أن الدروس المستفادة في أفغانستان ساعدت إدارة بايدن لتخطيط السيناريوهات في أوكرانيا.
وتوالت الانتقادات من كل صوب من الجمهوريين، حيث هاجم الرئيس السابق دونالد ترمب تقييم البيت الأبيض ووصفه بالمضلل، وقال في حسابه على «تروث سوشيال»: «إدارة الرئيس جو بايدن هي المسؤولة الوحيدة عن فشل الانسحاب الأميركي من أفغانستان».
وقال ترمب «هؤلاء المغفلون في البيت الأبيض الذي يدمرون بلدنا بشكل ممنهج بقيادة جو بايدن، لديهم لعبة مضللة جديدة يلعبونها ويلومون ترمب على خضوعهم الجبان في أفغانستان بشكل كارثي»، وشدد ترمب على أن بايدن هو المسؤول الوحيد ولا أحد آخر.
من جانبه، اتهم النائب الجمهوري مايكل ماكول، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، إدارة بايدن بمحاولات تبييض وجهها وإخفاء فشلها في أفغانستان، وكتب عبر «تويتر» قائلاً «هذا التقرير هو تبييض وقح من جانب هذه الإدارة بعد فشلها في أفغانستان، وهو أمر مخزٍ وظالم، وإهانة قاطعة». ووصف ماكول تصريحات كيربي بأنها «مشينة ومهينة»، وقال في بيان، إن الرئيس بايدن اتخذ قرار الانسحاب وحدد التاريخ، وهو المسؤول عن الإخفاقات الهائلة في التخطيط والتنفيذ.
وقد انخرط ماكول مع عدد من الجمهوريين والديمقراطيون في نقاشات حول من يتحمل المسؤولية عن الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، وأرسل مذكرة استدعاء إلى وزيري الخارجية والدفاع في مارس (آذار) الماضي.
وقال النائب الجمهوري جيمس كومر في بيان «إن الشعب الأميركي يطالب بإجابات حول الانسحاب الكارثي لإدارة بايدن من أفغانستان، لكن كل ما يحصلون عليه هو أعذار من هذه الإدارة». وأضاف «الرئيس بايدن وإدارته ارتكبوا العديد من الأخطاء الفادحة أثناء الانسحاب؛ مما أدى إلى مقتل 13 جندياً أميركياً، وإدارة بايدن مسؤولة عن ترك الأميركيين عالقين، وعن السماح بوقوع المعدات العسكرية الأميركية في أيدي (طالبان)».
وقال السيناتور ريك سكوت الجمهوري عن ولاية فلوريدا في تغريدة «فقدت الأرواح، وتركت المعدات العسكرية، والمسار الوحيد للمحاسبة تم دفعه في تقرير صدر بعد أكثر من عام، إنه أمر سخيف، لماذا أناضل من أجل تشكيل لجنة للتحقيق». وكان السيناتور سكوت قد قدم مشروع قانون في وقت سابق لإنشاء لجنة مشتركة لإجراء تحقيق كامل من الانسحاب من أفغانستان.
وانتقد مايك بومبيو، وزير الخارجية السابق في إدارة الرئيس ترمب، محاولة إدارة بايدن التملص من المسؤولية، وإلقائها على إدارة ترمب وكتب في تغريدة عبر «تويتر»: «لقد حدث الانهيار في أفغانستان في ظل إشراف إدارة بايدن؛ لأنه رفض الالتزام لنهجنا القائم على الشروط، وبدلاً من تحمّل المسؤولية يحاول التملص من المسؤولية بتقرير غير نزيه». وقد جعل اتفاق الدوحة الموقّع في فبراير (شباط) 2020 انسحاب القوات الأميركية بحلول الأول من مايو مشروطاً بوفاء «طالبان» بالتزامات معينة، ونص الجدول الزمني للانسحاب على أنه مرتبط ومتزامن مع التزام «طالبان» بمنع استخدام أراضي أفغانستان من قِبل أي جماعة ضد أمن الولايات المتحدة، ودعت الاتفاقية إلى وقف إطلاق نار دائم وشامل يتم التفاوض بشأنه. ويقول المحللون، إنه ليس من الواضح الإجراء الذي سيتخذه الكونغرس رداً على هذا التقرير، ولا يوجد توقعات لتوبيخ أي مسؤول أو فصله من العمل بناء على هذا التقرير.


مقالات ذات صلة

غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

العالم غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، أن الوضع في أفغانستان هو أكبر كارثة إنسانية في العالم اليوم، مؤكداً أن المنظمة الدولية ستبقى في أفغانستان لتقديم المساعدة لملايين الأفغان الذين في أمّس الحاجة إليها رغم القيود التي تفرضها «طالبان» على عمل النساء في المنظمة الدولية، محذراً في الوقت نفسه من أن التمويل ينضب. وكان غوتيريش بدأ أمس يوماً ثانياً من المحادثات مع مبعوثين دوليين حول كيفية التعامل مع سلطات «طالبان» التي حذّرت من استبعادها عن اجتماع قد يأتي بـ«نتائج عكسيّة». ودعا غوتيريش إلى المحادثات التي تستمرّ يومين، في وقت تجري الأمم المتحدة عملية مراجعة لأدائها في أفغانستان م

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم «طالبان» ترفض الادعاء الروسي بأن أفغانستان تشكل تهديداً أمنياً

«طالبان» ترفض الادعاء الروسي بأن أفغانستان تشكل تهديداً أمنياً

رفضت حركة «طالبان»، الأحد، تصريحات وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي زعم أن جماعات مسلحة في أفغانستان تهدد الأمن الإقليمي. وقال شويغو خلال اجتماع وزراء دفاع منظمة شنغهاي للتعاون يوم الجمعة في نيودلهي: «تشكل الجماعات المسلحة من أفغانستان تهديداً كبيراً لأمن دول آسيا الوسطى». وذكر ذبيح الله مجاهد كبير المتحدثين باسم «طالبان» في بيان أن بعض الهجمات الأخيرة في أفغانستان نفذها مواطنون من دول أخرى في المنطقة». وجاء في البيان: «من المهم أن تفي الحكومات المعنية بمسؤولياتها». ومنذ عودة «طالبان» إلى السلطة، نفذت هجمات صاروخية عدة من الأراضي الأفغانية استهدفت طاجيكستان وأوزبكستان.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم جهود في الكونغرس لتمديد إقامة أفغانيات حاربن مع الجيش الأميركي

جهود في الكونغرس لتمديد إقامة أفغانيات حاربن مع الجيش الأميركي

قبل أن تتغير بلادها وحياتها بصورة مفاجئة في عام 2021، كانت مهناز أكبري قائدة بارزة في «الوحدة التكتيكية النسائية» بالجيش الوطني الأفغاني، وهي فرقة نسائية رافقت قوات العمليات الخاصة النخبوية الأميركية في أثناء تنفيذها مهام جبلية جريئة، ومطاردة مقاتلي «داعش»، وتحرير الأسرى من سجون «طالبان». نفذت أكبري (37 عاماً) وجنودها تلك المهام رغم مخاطر شخصية هائلة؛ فقد أصيبت امرأة برصاصة في عنقها، وعانت من كسر في الجمجمة. فيما قُتلت أخرى قبل وقت قصير من سقوط كابل.

العالم أفغانيات يتظاهرن ضد اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

أفغانيات يتظاهرن ضد اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

تظاهرت أكثر من عشرين امرأة لفترة وجيزة في كابل، أمس، احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بحكومة «طالبان»، وذلك قبل يومين من اجتماع للأمم المتحدة، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. وسارت نحو 25 امرأة أفغانية في أحد شوارع كابل لمدة عشر دقائق، وردّدن «الاعتراف بـ(طالبان) انتهاك لحقوق المرأة!»، و«الأمم المتحدة تنتهك الحقوق الدولية!».

«الشرق الأوسط» (كابل)
العالم مظاهرة لأفغانيات احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

مظاهرة لأفغانيات احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

تظاهرت أكثر من 20 امرأة لفترة وجيزة في كابل، السبت، احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بحكومة «طالبان»، وذلك قبل يومين من اجتماع للأمم المتحدة. وسارت حوالي 25 امرأة أفغانية في أحد شوارع كابل لمدة عشر دقائق، ورددن «الاعتراف بطالبان انتهاك لحقوق المرأة!» و«الأمم المتحدة تنتهك الحقوق الدولية!». وتنظم الأمم المتحدة اجتماعاً دولياً حول أفغانستان يومَي 1 و2 مايو (أيار) في الدوحة من أجل «توضيح التوقّعات» في عدد من الملفات. وأشارت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، خلال اجتماع في جامعة برينستون 17 أبريل (نيسان)، إلى احتمال إجراء مناقشات واتخاذ «خطوات صغيرة» نحو «اعتراف مبدئي» محتمل بـ«طالبان» عب

«الشرق الأوسط» (كابل)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.