لماذا تراهن روسيا على مصر كمركز أفريقي للحبوب؟

عقب تراجع سعر القمح بسبب الأزمة العالمية

وصول أكبر شاحنة محملة بالقمح الروسي إلى ميناء دمياط في 9 مارس الماضي (الصفحة الرسمية لميناء دمياط)
وصول أكبر شاحنة محملة بالقمح الروسي إلى ميناء دمياط في 9 مارس الماضي (الصفحة الرسمية لميناء دمياط)
TT

لماذا تراهن روسيا على مصر كمركز أفريقي للحبوب؟

وصول أكبر شاحنة محملة بالقمح الروسي إلى ميناء دمياط في 9 مارس الماضي (الصفحة الرسمية لميناء دمياط)
وصول أكبر شاحنة محملة بالقمح الروسي إلى ميناء دمياط في 9 مارس الماضي (الصفحة الرسمية لميناء دمياط)

من بين تبعات الحرب الروسية - الأوكرانية، تراجع الطلب على القمح الروسي بسبب العقوبات الغربية على روسيا التي تَحول دون سير عمليات توريد القمح على النحو السابق، في الوقت عينه تزداد الحاجة المصرية لاستيراد القمح بعد تراجع المحصول الأوكراني الذي كانت تعتمد عليه مصر قبل الحرب. معادلة جمعت مصر وروسيا على طاولة المصالح المشتركة.
وصرّح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، بأن «مصر ستصبح مركزاً للحبوب الروسية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا». وقال في مقابلة مع برنامج «نيوز ميكر» على «آر تي أربيا»، (الأربعاء)، إن «مصر اعتمدت خلال السنوات الأخيرة على الحبوب الروسية، لا سيما القمح، بسبب جودتها وسعرها». وأضاف أن «جميع الشروط تنطبق على مصر لتصبح مركزاً للحبوب الروسية لتوريد مجمع الصناعات الزراعي الروسي».
شهد القمح الروسي أكبر تراجع في الأسعار خلال مارس (آذار) الماضي، حسب تقرير نشرته وكالة أنباء «تاس» الروسية، الثلاثاء الماضي، وذكر التقرير أن «أسعار القمح لم تشهد هذا الانخفاض منذ 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، بعدما وصل سعر القمح من الدرجة الثالثة في روسيا إلى 11550 روبلاً للطن في 29 مارس الماضي». وأرجع خبراء هذا الانخفاض إلى تحقيق فائض من القمح على خلفية قلة الطلب من المصدّرين.
من جانبه يرى الدكتور سعد نصار، أستاذ الاقتصاد الزراعي ومستشار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، أن «مصر أفضل الدول المرشحة لتكون مركزاً للحبوب الروسية»، ويوضح، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تسعى لأن تضم مركزاً لوجيستياً لتخزين الحبوب وإعادة تصديرها للدول العربية والأفريقية، لا سيما أنها تتوفر لديها الشروط اللازمة للوفاء بهذا الدور المحوري، بدايةً من الصوامع التي زادت طاقتها من نحو 1.4 مليون طن في 2014 إلى 5.5 مليون طن راهناً».
ويضع نصار موقع مصر الجغرافي شرطاً ثانياً يؤهلها لأن تجتذب الرهان الروسي، ويضيف أن «مصر أكبر دولة زراعية في المنطقة سواء من حيث الإنتاج أو الاستهلاك، غير أن ما تراهن عليه روسيا ليس التوريد للسوق المصرية فحسب بينما الاعتماد عليها في التخزين والتوريد لبقية الدول لا سيما بعد تبعات الحرب».
ويعدد نصار أسباب الاتجاه الروسي نحو مصر، ويقول إن «مصر لديها موانئ عدة فضلاً عن قناة السويس، هذه الشبكة تعزز أواصر العلاقات المصرية بالعالم، كما أن اتفاقيات التجارة الدولية التي أبرمتها مصر سهّلت المهمة، مثلاً اتفاقية المشاركة المصرية - الأوروبية التي تسمح لمصر بتصدير سلع زراعية من دون تعريفة جمركية. أيضاً منطقة التجارة الحرة العربية منذ 2005، ومنطقة التجارة الحرة الأفريقية التي انطلقت في 2019».
واتجه البنك المركزي الروسي، مطلع العام الجاري، لإدراج الجنيه المصري ضمن سلة أخرى من العملات تمهيداً لتطبيق آلية تسوية مدفوعات التبادل التجاري بالعملات المحلية بدلاً من الدولار.
وشهد حجم التعامل التجاري بين مصر وروسيا «انتعاشة» ملحوظة، فمن جانبها علّقت يلينا تيورينا، مديرة قسم التحليلات باتحاد الحبوب الروسي، قائلة إن «مصر هي الدولة صاحبة الريادة في استيراد القمح الروسي»، حسب تصريحات أدلت بها لـ«آر تي أربيا». أيضاً في مارس الماضي، استقبل ميناء دمياط «أكبر» شحنة من نوعها من القمح الروسي، وبلغت حمولتها 100 ألف طن من القمح، لصالح الهيئة العامة للسلع التموينية.
ورأى الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي في جامعة القاهرة، أن التعامل التجاري بين مصر وروسيا بالعملات المحلية خطوة ستغيّر وجه العلاقات، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «ارتفاع قيمة الدولار مقابل الجنيه المصري (الدولار يعادل 30.9 جنيه) أجّج الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تعاني منها مصر جراء الحرب، من ثم إدراج عملات أخرى ضمن التعاملات التجارية الدولية من شأنه حلحلة الأزمة وتخفيف الضغط على الدولار، لا سيما إذا كانت السلعة المقصودة هي سلعة استراتيجية مثل القمح».
وعن اتجاه روسيا لتعزيز العلاقات التجارية مع مصر، يرى أستاذ الاقتصاد الزراعي أنه اتجاه «صائب» وله تبعات كثيرة، ويوضح أن «الحلول المستدامة تأتي من رحم الأزمات، صحيح أن الحرب رمت بظلالها على العالم، غير أنها نبهت مصر لضرورة التحرك بوتيرة أسرع في ملف الأمن الغذائي، من ثم حدثت تحركات دولية حثيثة على شاكلة توطيد العلاقات الروسية - المصرية سواء في منطقة تجارة حرة، أو اعتبار مصر مركزاً استراتيجياً لتخزين وتصدير الحبوب الروسية وعلى رأسها القمح».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


غياب الرئيس التونسي عن النشاط العلني يثير التكهنات

الرئيس قيس سعيد (أ.ف.ب)
الرئيس قيس سعيد (أ.ف.ب)
TT

غياب الرئيس التونسي عن النشاط العلني يثير التكهنات

الرئيس قيس سعيد (أ.ف.ب)
الرئيس قيس سعيد (أ.ف.ب)

أثار غياب الرئيس التونسي، قيس سعيد، عن النشاط العلني، لأكثر من أسبوع، تكهنات بشأن وضعه الصحي، في ظل انحسار كبير للمعلومات الرسمية، وفق ما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية». ويعود آخِر نشاط علني موثَّق للرئيس سعيد إلى الثامن من يوليوز (تموز) الحالي، أثناء لقائه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني في القصر الرئاسي، وفق ما نُشر على الصفحة الرسمية للرئاسة بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» التي دأبت على توثيق أنشطته ومقابلاته في القصر الرئاسي.

وقالت صحيفة «إل فوجليو» الإيطالية، عبر موقعها الإلكتروني، اليوم الجمعة، إن معلومات حصلتْ عليها تفيد بنقل الرئيس سعيد إلى المستشفى العسكري بتونس، على أثر إصابته بنوبة قلبية استدعت جراحة طارئة.

وأضافت الصحيفة نفسها أن الحادث أحيط بسرية تامة لتجنب تأجيج التكهنات بشأن صحة الرئيس، الذي صعد إلى السلطة منذ 2019، وفاز بولاية ثانية في عام 2024.

ولم يُشِر القصر الرئاسي ولا وسائل الإعلام الرسمية، أو أي جهات طبية مستقلة في تونس، إلى أي معلومات بشأن الوضع الصحي لساكن قصر قرطاج مؤخراً.

وكانت «جبهة الخلاص الوطني»، الفصيل السياسي الأبرز للمعارضة في تونس، قد طالبت في 2023 بالكشف عن الوضع الصحي الحقيقي للرئيس سعيد، وما إذا كان هناك فراغ على رأس السلطة، بعد فترة غياب مماثلة عن النشاط العلني في شهر مارس (آذار) من ذلك العام. لكن الرئيس سعيد ظهر لاحقاً في مقطع فيديو بمكتبه الرئاسي، نافياً وجود فراغ في منصب رئيس الجمهورية.

وتتهم المعارضة السياسية، التي يقبع كثير من رموزها في السجن بتهمة التآمر على أمن الدولة، الرئيس سعيد بتقويض أسس الديمقراطية الناشئة منذ قراره إعلان التدابير الاستثنائية في البلاد في 25 يوليو (تموز) 2021، وتوسيعه صلاحياته في الحكم وتعديل النظام السياسي. في حين يتهم الرئيس سعيد خصومه بمحاولات تفكيك مؤسسات الدولة من الداخل.


المواصلات... عبء يومي يرهق سكان الخرطوم

منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)
منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

المواصلات... عبء يومي يرهق سكان الخرطوم

منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)
منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)

لم يعد الوصول إلى مقرِّ العمل أو المستشفى أو الجامعة في العاصمة السودانية، الخرطوم، مجرد رحلة يومية عادية، بل تحوَّل إلى اختبار قاسٍ لقدرة المواطنين على تحمُّل أعباء الحياة في مدينة أنهكتها الحرب. فمع الارتفاع المتواصل في تعريفة المواصلات، وتراجع مستويات الدخل، واتساع رقعة البطالة، تجد آلاف الأسر نفسها مضطرةً إلى المفاضلة بين دفع أجرة التنقل، أو توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء ومصاريف الدراسة.

وتزداد الأزمة تعقيداً مع عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى العاصمة الخرطوم ومدنها الثلاث، في وقت لا تزال فيه الخدمات محدودة، وعدد المركبات العاملة أقل بكثير من حجم الطلب، بينما ارتفعت أسعار الوقود وقطع الغيار ورسوم التشغيل إلى مستويات انعكست بصورة مباشرة على تعريفة المواصلات.

منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وتبدأ معاناة المواطنين حتى قبل صعودهم إلى حافلات النقل العام، إذ يواجه الركاب فترات انتظار طويلة، وتغيّراً متكرراً في التعريفة، ونقصاً في المركبات العاملة على عدد من الخطوط. كما أدى الدمار الذي لحق بالبنية التحتية وإغلاق بعض الطرق إلى تغيير مسارات الحركة، ما أطال زمن الرحلات، وأجبر كثيرين على استخدام أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى وجهاتهم، الأمر الذي ضاعف التكلفة اليومية للتنقل.

وتكشف الأرقام الرسمية جانباً من الضغوط الاقتصادية التي يواجهها المواطنون في ظلِّ الحرب. فبينما بلغت عائدات صادرات الذهب نحو 370 مليون دولار خلال الرُّبع الأول من العام الحالي، تجاوزت فاتورة استيراد الوقود 697 مليون دولار خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين عائدات الصادرات وتكلفة الواردات الأساسية، في وقت لا تزال فيه قطاعات إنتاجية واسعة متوقفةً بسبب الحرب.

منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بالنسبة لعبد الله علي (50 عاماً)، وهو سائق حافلة، فإنَّ أزمة المواصلات تختصر جانباً كبيراً من خسائره الشخصية. فقد سُرقت حافلته مع اندلاع القتال، وأُصيب بشظية في يده اليمنى، قبل أن ينزح إلى ولاية الجزيرة، ثم إلى عطبرة وشندي. وبعد عودته إلى الخرطوم قبل نحو 6 أشهر، اضطر إلى العمل سائقاً بالأجرة على حافلة لا يملكها. يقول عبد الله لـ«الشرق الأوسط» إنَّ دخله الحالي بالكاد يغطي احتياجاته اليومية، ولا يتيح له حتى تجديد رخصة القيادة، مشيراً إلى أنَّ كثيراً من السائقين يعجزون كذلك عن سداد رسوم الترخيص والصيانة، في وقت تواصل فيه أسعار الوقود والزيوت والإطارات وقطع الغيار ارتفاعها بصورة مستمرة.

أما موسى الصافي، وهو عامل يعيل 4 أطفال، فيقول إن المواصلات تستنزف جزءاً كبيراً من دخله اليومي، بحيث لا يتبقى له ما يكفي لتغطية احتياجات أسرته الأساسية. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب لم ترفع الأسعار فحسب، بل قلّصت أيضاً فرص العمل، فأصبح العامل يدفع تكلفة الذهاب والعودة من دون أي ضمان بالحصول على فرصة عمل أو تحقيق دخل في نهاية اليوم».

المواطن موسى الصافي قال إنَّ المواصلات تأكل دخله اليومي (الشرق الأوسط)

ولا تختلف معاناة الموظفين والطلاب كثيراً. ويقول سامي عبد القيوم، الموظف في القطاع الخاص، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يضطر في كثير من الأحيان إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى مقر عمله، ما يستهلك جزءاً كبيراً من راتبه الشهري. ولتقليل النفقات، ينزل قبل وجهته ويمشي مسافات طويلة على قدميه، رغم ما يسببه ذلك من إرهاق يومي.

أما الطالب الجامعي شهاب عثمان، فيقول لـ«الشرق الأوسط»، إن عدداً من الطلاب يتأخرون عن المحاضرات أو يتغيبون عنها عندما يعجزون عن توفير أجرة المواصلات، بينما يضطر آخرون إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام لتقليل مصروفاتهم اليومية.

يؤكد عز الدين جابر، عضو نقابة الحافلات، لـ«الشرق الأوسط»، أن تعريفة الخطوط القصيرة تبلغ نحو ألفي جنيه، في حين تصل في بعض الخطوط الطويلة إلى 6 آلاف جنيه. ويرى أن خفض أسعار الوقود يمثِّل المدخل الأهم لتقليل تكلفة التشغيل، ومن ثم تخفيف العبء عن الركاب.

عضو هيئة النقل عز الدين جابر قال إنَّ الحرب والتدهور الاقتصادي انعكسا على تعريفة النقل (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على نقل الأشخاص وحدهم، بل تمتد إلى حركة البضائع والسلع. ويقول الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تجاوز سعر غالون الجازولين 40 ألف جنيه، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة نقل البضائع من ميناء بورتسودان ومناطق الإنتاج إلى الأسواق وموانئ التصدير، لينعكس ذلك في نهاية المطاف على أسعار السلع والخدمات».

وفي الخرطوم، التي تشهد عودة متواصلة للنازحين واللاجئين، لم تعد تكلفة المواصلات مجرد مبلغ يدفعه الراكب عند صعود الحافلة، بل أصبحت جزءاً من تكلفة البقاء نفسها. فكل زيادة جديدة في التعريفة قد تعني وجبة أقل على مائدة أسرة، أو دواءً مؤجلاً لمريض، أو طالباً يغيب عن محاضرته، أو عاملاً يقطع كيلومترات سيراً على الأقدام حفاظاً على ما تبقى من دخله.


الشرطة تتدخل لفض اعتصام مفتوح داخل البرلمان الموريتاني

مريم الشيخ وقامو عاشور (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور (إعلام محلي)
TT

الشرطة تتدخل لفض اعتصام مفتوح داخل البرلمان الموريتاني

مريم الشيخ وقامو عاشور (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور (إعلام محلي)

أنهت قوة خاصة من الحرس الموريتاني الاعتصام، الذي كانت تقوم به البرلمانيتان قامو عاشور ومريم الشيخ؛ احتجاجاً على منعهما من مواصلة عملهما في البرلمان، بعد أن أقر المجلس الدستوري (المحكمة الدستورية) في موريتانيا أحقيتهما بالاحتفاظ بصفتهما البرلمانية حتى ينتهي الطعن في قرار تجريدهما من حقوقهما المدنية والسياسية. وقالت قامو عاشور، في تصريح صحافي أمام البرلمان، نقلته «وكالة الصحافة الألمانية» بعد إخراجها منه بالقوة، إن وحدة من الحرس تضم ما لا يقل عن عشرين من العناصر النسائية للحرس مستعينات بكرسيين، استخدمن القوة لإخراجها من مكتبها داخل البرلمان، فجر الجمعة، مشيرة إلى أن العنف الذي استخدم ضدهما كاد «يؤدي إلى كسر رقبتها». ونددت البرلمانية بما جرى ضدهما من «تجاوزات غير قانونية وغير ديمقراطية، ومن تعدٍّ على صفتهما كبرلمانيات».

واجهة مبنى البرلمان الموريتاني (البرلمان)

ودخلت النائبتان في البرلمان المعارضتان قامو عاشور ومريم الشيخ في اعتصام مفتوح داخل البرلمان، احتجاجاً على مساعي السلطة منعهما من ممارسة مهامها بعد أن أقر المجلس الدستوري بعدم إمكانية إعلان شغور منصبيهما. وحاصرت قوات أمنية كبيرة مبنى البرلمان، وقامت بإغلاق الطرق المؤدية إليه تمهيداً لاقتحام البرلمان وإخراج عضوتي البرلمان بالقوة. وتمكنت مريم الشيخ وقامو عاشور من دخول البرلمان في وقت سابق من يوم الخميس خلسة، وقررتا الدخول في اعتصام مفتوح بعد منعهما يوم الأربعاء من دخول البرلمان، بعد قرار المجلس الدستوري بأحقيتهما بالاحتفاظ بصفتهما في البرلمان. وكان المجلس الدستوري قد حسم في قراره الجدل القانوني المثار حول عضويتهما، حيث أصدر قراراً أكد فيه عدم إمكانية إسقاط عضويتهما بناءً على الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بنواكشوط، معللاً ذلك بأن الحكم القضائي المذكور ما زال قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا. وصدر عفو رئاسي بحق المشرعتين أسقط عنهما ما تبقى من الحكم بسجنهما عامين، بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، والتحريض على العنف، والمساس بالوحدة الوطنية واللُّحمة الاجتماعية.

وفي سياق الجدل الذي خلفته قضية النائبتين، قال وزير التكوين المهني والصناعة التقليدية والحرف، الناطق باسم الحكومة، محمد ماء العينين ولد أييه، إن ملف النائبتين مريم الشيخ وقامو عاشور سالم يدخل ضمن اختصاص السلطات القضائية والتشريعية والمجلس الدستوري.

وأوضح، خلال المؤتمر الصحافي الأسبوعي للحكومة، أن الرئيس تناول القضية في اجتماع مجلس الوزراء، مؤكداً أهميتها لارتباطها بالممارسة الديمقراطية، ومشدداً على أن المؤسسات المختصة ستعالجها وفقاً لاختصاصاتها وفي إطار استقلاليتها.

وأضاف ولد أييه أن الحكومة ليست طرفاً في الملف، ولا تتدخل في مساره أو في الإجراءات المتعلقة به.

في المقابل، قال النائب البرلماني يحيى ولد اللود إن إقدام السلطات على حصار نائبتين داخل البرلمان، ومنعهما من الدواء والطعام والماء، وكذا السماح بتهديدهما داخل مؤسسة يفترض أن تكون حارسة للدستور، «مشهد مؤسف وخطير» يعكس المستوى الذي وصلت إليه أوضاع البلد.

وأكد ولد اللود في تدوينة نشرها على حسابه بالفيسبوك أنه اتصل بالنائبة قامو عاشور عندما كانت موجودة مع مريم الشيخ في مكتبها بالبرلمان، حيث أبلغته أنها تعاني من الحمى، ومع ذلك منع عنها الدواء، كما منع عنهما طوال اليوم إدخال الطعام والماء.

وأضاف ولد اللود أن النائب قامو عاشور ذكرت له أنهما تعرضتا للشتم والتهديد من بعض موظفي البرلمان، والذين لوحوا باقتحام الشرطة لمبنى البرلمان من أجل إخراجهما.