مشاورات «التطبيع» بين دمشق وأنقرة تتلقى دفعة قوية

موسكو تتجاوز عقدة «الشروط المسبقة» وتمهد للقاء وزاري

الاجتماع الرباعي لمعاوني وزراء الخارجية في سوريا وروسيا وإيران وتركيا (سانا)
الاجتماع الرباعي لمعاوني وزراء الخارجية في سوريا وروسيا وإيران وتركيا (سانا)
TT

مشاورات «التطبيع» بين دمشق وأنقرة تتلقى دفعة قوية

الاجتماع الرباعي لمعاوني وزراء الخارجية في سوريا وروسيا وإيران وتركيا (سانا)
الاجتماع الرباعي لمعاوني وزراء الخارجية في سوريا وروسيا وإيران وتركيا (سانا)

بدا في العاصمة الروسية موسكو أمس (الأربعاء) أن جولة المشاورات الرباعية التي انعقدت خلال اليومين الماضيين أثمرت اتفاقا أوليا على دفع مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة، عبر الشروع بالتحضير لاجتماع على مستوى وزراء الخارجية في روسيا وسوريا وإيران وتركيا، ينتظر أن يعقد في موسكو قريبا.
وكان نواب وزراء خارجية البلدان الأربعة عقدوا سلسلة جولات من المفاوضات الثنائية، تلتها جلسة مشاورات موسعة الثلاثاء، جرت خلف أبواب مغلقة، وأعقبها صدور بيان مقتضب من الخارجية الروسية، أكد على مواصلة الاتصالات بين الأطراف خلال الفترة المقبلة.
ورغم التكتم الذي أحاط مجريات المشاورات، لكن بعض التسريبات أشارت إلى تحقيق تقدم ملموس، برز من خلال تأكيد الأطراف خلال اللقاء على التزامها بدفع المبادرة الروسية لإطلاق مسار تطبيع العلاقات السورية التركية.
ولم يمنع بروز تصريحات متشددة من الوفد الحكومي السوري قبل وأثناء الجولة المغلقة، أوساطا روسية من التعبير عن ارتياح لانعقاد المشاورات بحضور كل الأطراف، والنتائج التي تمثلت في التوافق على الشروع في التحضير لانعقاد لقاء على مستوى وزراء الخارجية.
وكان معاون وزير الخارجية السوري أيمن سوسان جدد في مستهل اللقاء شروط بلاده لإطلاق مسار التطبيع وحددها ببدء انسحاب تركيا من الأراضي السورية ووقف دعم المنظمات الإرهابية وتأكيد احترام سيادة وسلامة أراضي سوريا.
لكن دبلوماسيا روسيا أبلغ «الشرق الأوسط» أن المفاوضات على مستوى نواب الوزراء كان لها «طابع فني وليس سياسيا» وأن التركيز خلالها كان منصبا ليس على الخروج بتوافقات سياسية للمسائل العالقة بين دمشق وأنقرة وهي كثيرة بل في ترتيب أجندة اللقاء الوزاري المنتظر.
وكان لافتا أن موسكو تعمدت في وقت لاحق، وبعد انتهاء الجولة، نشر خطاب وجهه وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى الحاضرين، حمل الكثير من المضامين، وعكس الإصرار الروسي على منح اللقاء مسارا محددا نحو الخروج بالنتائج التي ترجوها موسكو، لجهة مواصلة عملية التطبيع ومنع انهيار المحادثات أو تخلف أي طرف من الأطراف الحاضرة عنها.
كما أن اللافت في حديث لافروف أنه كشف عن اقتراح موسكو مواعيد مقترحة لعقد اللقاء الوزاري ما عكس ثقة الدبلوماسية الروسية بنجاح مهمتها في جمع الأطراف لدفع مسار التطبيع وتسوية الملفات المتعلقة به.
ونشر الموقع الإلكتروني للخارجية الروسية نص مداخلة لافروف التي تضمنت تأكيدا من جانب الوزير على أنه «يجب على جميع المشاركين في المشاورات الرباعية بين روسيا وإيران وسوريا وتركيا إبداء المرونة، والتعامل بإيجابية مع الملفات المطروحة لأن عملية تطبيع العلاقات التركية السورية سوف تستغرق وقتاً».
وقال لافروف «أود أن أخاطب المفاوضين الأتراك والسوريين بشكل منفصل. نتوقع منكم إظهار أقصى قدر ممكن من المرونة والبناء. ربما يكون من الأفضل ترك خطاب المواجهة وذاكرة المظالم السابقة خارج غرفة المفاوضات».
ودعا سيرغي لافروف إلى «إجراء مناقشات على أساس مبدأ واضح ومفهوم ينطلق من الاحترام المتبادل لسيادة ووحدة وسلامة أراضي سوريا وتركيا، مع إعلاء الرغبة في الاسترشاد بضرورة التغلب بسرعة على المشاكل المتراكمة واستعادة علاقات حسن الجوار».
وأشار الوزير الروسي إلى أن «هناك نصوصا قدمتها الوفود، وأنا متأكد من أنه من الممكن على أساسها التوصل إلى موقف جماعي. الشيء الرئيسي هو البحث عن أرضية مشتركة لتشكيل توازن في المصالح وتجنب طرح الشروط المسبقة».
وزاد الوزير الروسي: «أتطلع إلى اتفاقكم على موعد الاجتماع في موسكو على مستوى وزراء الخارجية مع أصدقائي وزملائي حسين أمير عبداللهيان، مولود جاويش أوغلو، فيصل المقداد. لقد اقترحنا بعض المواعيد التي يمكن أن تصبح مقبولة بشكل عام بعد جولة مفاوضاتكم».
أظهرت لهجة لافروف مستوى الثقة الروسية بثبات مسار التطبيع وأنه لم يعد مهددا بطرح شروط مسبقة أو محاولات للمماطلة من جانب أي طرف. خصوصا مع تعمد لافروف الإشارة إلى «اقتراح مواعيد محددة لعقد اللقاء الوزاري».
بذلك تكون موسكو قد تجاوزت بالفعل عقبتين أساسيتين أمام جهود الوساطة التي أطلقتها، تمثلت الأولى في الموقف الحكومي السوري الذي أظهر تشددا واضحا خلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو منتصف الشهر الماضي، وقال حينها إن إطلاق مسار التطبيع مرهون بتلبية تركيا الشروط السورية. في هذا المجال قالت أوساط دبلوماسية روسية مطلعة إن الرئيس فلاديمير بوتين «أبلغ ضيفه رسالة حازمة بجدية موسكو في دعم مسار التطبيع مع أنقرة وأن هذا الأمر مرتبط بقوة برزمة كاملة من الخطوات اللاحقة سياسيا لتهيئة ظروف أفضل للتسوية واقتصاديا لمواجهة التدهور المعيشي والاقتصادي في سوريا».
وبدا أن رسالة بوتين «وصلت إلى القيادة السورية» وهو ما انعكس في إرسال دمشق وفدها إلى اللقاء الرباعي والشروع في بحث الترتيبات لعقد اللقاء الوزاري.
العقبة الثانية التي تجاوزتها موسكو تمثلت في الموقف الإيراني الذي أظهر تحفظا واضحا على مسار التقارب السوري التركي، بعد اجتماع وزراء الدفاع ورؤساء الأجهزة الأمنية لسوريا وروسيا وتركيا في موسكو نهاية العام الماضي. وأشارت أوساط روسية في ذلك الحين إلى أن طهران أبلغت موسكو انزعاجها من استبعاد إيران عن هذا المسار. وهو أمر استدركته موسكو لاحقا عبر تأكيدها على انضمام الجانب الإيراني إلى الاجتماعات التي غدت رباعية.
على صعيد متصل، جاءت تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الأربعاء، حول أن الاجتماع الرباعي لوزراء خارجية تركيا وروسيا وسوريا وإيران سوف يعقد في الفترة المقبلة في موسكو لتؤكد أن جولة المشاورات أثمرت اتفاقا أوليا على هذا الصعيد.
وأضاف أوغلو، في مؤتمر صحافي ببروكسل، أن «اجتماع الوفود على مستوى نواب وزراء الخارجية في موسكو كان يصب في سياق التحضير لاجتماع وزراء الخارجية. وفي الفترة المقبلة ولعقد هذا الاجتماع الرباعي على مستوى وزراء الخارجية ننتظر دعوة الجانب الروسي... على الأرجح سيعقد الاجتماع في موسكو».
في السياق ذاته، عكست تصريحات دبلوماسيين وخبراء روس ارتياحا روسيا لنتائج الجهود المبذولة على صعيد إطلاق مسار تطبيع العلاقات، وقال لـ«الشرق الأوسط» الأربعاء، مصدر دبلوماسي روسي إن «مهمة نواب وزراء خارجية تركيا وسوريا بحضور نواب وزراء خارجية روسيا وإيران انتهت في الاستماع إلى الاقتراحات ووجهات النظر الذي كانوا مكلفين بنقلها وقامت بعد ذلك مباشرة الوفود الأربعة بصياغة تقرير رفع إلى وزراء خارجية الدول الأربع يحتوي على أهم النقاط ووجهات النظر التي تضع الوزراء بصورة أبرز فيما يجب مناقشته أثناء اجتماع الوزراء الأربعة والذي سيتم في موسكو وقد تم ترك الخيار لروسيا لاختيار الوقت المناسب للدعوة لهذا الاجتماع».
وأشار الدبلوماسي إلى عنصر لافت آخر، تمثل في خطاب بوتين الأربعاء في الكرملين أثناء مراسم تسلم أوراق اعتماد بعض السفراء الأجانب وبينهم السفير السوري الجديد في موسكو بشار الجعفري، إذ أكد على موقف روسيا في «دعم سوريا لتسوية أزمتها». ورأى المصدر الدبلوماسي أن هذا يعني «تأكيد مستوى اهتمام روسيا باتخاذ خطوات سريعة وعملية لمساعدة سوريا للخروج من أزمتها وتخفيف الأوضاع الاقتصادية والمعيشية القاسية فيها» وزاد أن «بين تلك الخطوات الملحة بشكل عاجل تأتي تسوية العلاقات السورية التركية للدفع نحو الخروج من الأزمة التي حلت بسوريا فضلا عن أن التطبيع مع أنقرة له أهمية تتعلق بجميع القضايا المطروحة للتسوية النهائية، وأهمها الحوار السوري السوري وقضية اللاجئين والقضاء على من تبقى من الإرهابيين وعودة السيادة السورية إلى كامل الأراضي السورية والحفاظ على وحدتها».
وأكد الدبلوماسي أن «هذا هو موقف ورؤية القيادة الروسية لمفهوم دعم سوريا لتسوية أزمتها».
ورجح أن ينعقد لقاء وزراء خارجية الدول الأربع «خلال فترة قريبة جدا» على أن يبدأ بعده مباشرة التحضير لقمة يحضرها رؤساء البلدان الأربعة ويمكن أن تنعقد خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.