نصوصٌ مسافرة وكتابٌ مُترحِّلون

الكتابة تعيش حيوات متبدلة حين تفارق مراتعها الأولى على الورق

هنري ميلر - عبد الرحمن منيف - جبرا إبراهيم جبرا
هنري ميلر - عبد الرحمن منيف - جبرا إبراهيم جبرا
TT

نصوصٌ مسافرة وكتابٌ مُترحِّلون

هنري ميلر - عبد الرحمن منيف - جبرا إبراهيم جبرا
هنري ميلر - عبد الرحمن منيف - جبرا إبراهيم جبرا

توحي صيغ الكتابة المنتشرة عبر الوسائط الرقمية، بالتلاشي التدريجي للحدود بين المكتوب والسمعي والبصري، بالتوازي مع تسارع إيقاع التلقي، وتبدُّل قيمه ومساحاته ومثيراته، من التسجيلات الصوتية لعلامات الرواية العالمية، من قبيل: «روبنسون كروزوي» و«دون كيشوته»، و«الجريمة والعقاب» و«لوليتا»... إلى قصائد المتنبي ومسرحيات شكسبير. ويفيد هذا التحول، بين ما يفيده، بأن الأمر لم يعد يتعلق بارتباط مرجعي بين العين والورق والإدراك والانهماك على كتاب، في لحظات بعينها، وإنما بمرافقة خارجية قد لا يكون فيها للعمل المرقون دور مركزي، بقدر ما يصير احتمالاً من ضمن احتمالات شتى، كتابية وسمعية وبصرية. ولعل هذا الانتقال يفسر ذلك التوق القديم للكتابة إلى التحول والانتقال وعدم الثبات في مراتعها الأصلية، وأن تنهض بأدوار تتخطى وظائفها التخييلية والتصويرية، المتصلة بالنص المخطوط أو المطبوع، وتطلعها إلى معانقة مساحات أرحب في التلقي، لا تكتفي بحدود «القراءة»؛ فقد تنتقل من المكتوب إلى المسموع أو إلى المرسوم أو إلى المُشخَّص والمُصَوَّر، مكتسبة دلالات مضافة، ومقترنة بسياقات ومشاعر وذهنيات متغايرة، لتجسد مظهراً لوحدة الإبداع، وتضامن روافد الخيال.
فالأبنية البديعة، على سبيل المثال، تحتاج لخيال وذاكرة صور، هندستها تشبه إلى حد ما تخطيط عمل أدبي، فكلاهما يسعى إلى إبهار الناظر، وإنتاج معنى عميق، والخلود في الذاكرة. لهذا اقترنت مآثر عمرانية خالدة بالأساطير والشعر؛ في جدران قصر الحمراء نقرأ للسان الدين بن الخطيب وابن زيدون وابن زمرك...، كأنما لا تكتمل الفخامة إلا بالتلاقي والتقاطع بين المرئي والمكتوب. مثلما أن الموسيقى جزء أصيل من هوية الأدب، قد نتحدث بيسر عن موسيقى الشعر، وعن التراجيديات الغنائية، لكن يمكن أيضاً أن نتحدث عن إيقاع روائي ومسرحي وسينمائي، والموسيقى موضوع أثير للأدب مثلما أن الكتابة تفصيل من تفاصيل المنجز الموسيقي، فكم من أعمال أدبية كتبت بإلهام مقطوعات خالدة، وكم من مؤلفات موسيقية استندت إلى أعمال أدبية بديعة، ففي النهاية لا يمكن تمثل الموسيقى إلا من حيث هي شأن أدبي بالروح والسجايا.
والشيء الأكيد أن الكتابة تعيش حيوات متبدلة حين تفارق مراتعها الأولى على الورق، وتبني لنفسها صيغاً تعبيرية جديدة، وامتدادات تتجاور فيها الكلمة مع الصورة والنغم واللون والبنيان... كأنها تعيد التفكير في موضوعاتها مجدداً، أو تنسلخ عن زمنيتها المحدودة لتعانق رحابة أوسع، وجمهوراً مختلفاً. يمكن أن نتحدث هنا عن إقامة عابرة، لتجديد النفس والرؤية، وللبحث عن معنى مختلف. لذلك ليس غريباً أن تعبر الحكاية الواحدة والرواية المفردة والقصيدة والرحلة والسيرة الشخصية عن شبكات عيون متعددة لمخرجين سينمائيين ورسامين وأحياناً لمتخيل معماريين وموسيقيين من ثقافات ولغات وأصقاع متباعدة. ذلك ما تنبئنا به رحلة ألف ليلة وليلة من السينما للمسرح للتلفزيون للأوبرا للوحة والمنحوتة والقصر.
سفر الآداب عبر الفنون حكاية ملتبسة وحافلة بالاختراقات، وتعبر عن الرغبة اللاعجة في مفارقة المعنى الجامد، وتخليد الأساطير الكبرى. ولا تترحل عبر الفنون إلا الأعمال العظيمة، القادرة على توليد الأسئلة والتواقة إلى معانقة جمهور أوسع، ما فتئ يجدد وسائلة القرائية بتوالي الأجيال وتطور أساليب التعبير وتقنياته. وبقدر ما يكون ترحل الآداب انتقالاً في الوسيلة فإنه يتجلى بوصفه انتقالاً في التاريخ والجغرافيا أيضاً، فـ«أوليسيس» (بطل الأوديسة) مرسوماً عبر القرون ومجسماً في أفلام ومسرحيات وأعمال درامية سيكون شخصاً بثقافات متعددة، متحدثاً بألسنة شتى، ومنتمياً لعتبات متباعدة مثله مثل سندباد الغائر في التاريخ، ومثل «لوليتا» أو «مدام بوفاري».
إنه الحافز الذي حدا بعدد كبير من المبدعين لأن يفارقوا مراتعهم الكتابية الأولى، وأن يعيدوا التفكير في الموضوعات والأشياء والمفردات عبر اللوحات والمنحوتات أو المقاطع الموسيقية، لإنفاذ المعنى على نحو مختلف، بارتياد صيغ لم تتحها الأصول. في توصيف لإدوارد سعيد ورد ضمن كتابه الصادر بعد وفاته: «عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار» نقرأ في أحد المقاطع ما يلي: «الموسيقى هي منفى اللغة، يجب النظر إليها من هذه الزاوية، أي النظر إلى مفارقة أن فائض المعنى يملأ وعاء دلالة غير مناسب له. ليس صدفة أن تكون موسيقى بيتهوفن قد ألهمت سماع القرن التاسع عشر ذي العقلية الفلسفية، فأكدت أن هذه الموسيقى تحمل فائض معنى يستحيل ترجمته إلى كلمات أو حتى وصفه بالكلمات أو تقييمه بواسطة الكلمات».
بناء على ذلك، يمكن فهم حيرة هنري ميلر الكبيرة أمام وسائل الإعلام الثقافي بمختلف أصنافها، حين اعتبرته على نحو متسرع روائياً فقط دون أي امتداد آخر، إذ هيمنت روايته «مدار السرطان» على باقي التفاصيل الخاصة به بوصفه رساماً صاحب أسلوب وتراكم ونزوات، أخذت من عمره واشتغاله اليومي. لم تشفع المعارض التي أقامها في إكسابه سمعة التشكيلي الذي يتخطى الروائي، وتجلى إبداعه الفني مجرد تفصيل هامشي، يلجأ له للبحث عن الامتدادات، ولتقليص فجوات الصمت والبياض.
وغير خافٍ أن هنري ميلر، خلُد في ذهن كثير من قرائه، وضمن تاريخ الرواية المعاصرة، عموماً، باعتباره لاجئاً للتشكيل، وليس فناناً سعى لإنفاذ ما لا تستوعبه الكلمات، وتقصر عن أدائه مدونة القول. وانطبق عليه إلى حد كبير ما مثّله في السياق العربي الروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا الذي ظلمت رواياته لوحاته الفنية، وهو الذي حول حياته الإبداعية لحوار دائم بين الكتابة والرسم، بيد أنه اعتبر من قبل الغالبية العظمى من المتلقين روائياً ومترجماً «منشغلاً بالفن»، يصادق الرسامين ويكتب عن أعمالهم ويدرس تجاربهم واقتراحاتهم، ويرسم أحياناً. ولم تتذكر النخبة الثقافية العربية لوحاته الفنية التي تحدث عنها عبر صفحات طويلة في سيرتيه «البئر الأولى» و«شارع الأميرات» إلا حين احترقت فيلته المحتضنة لأغلب أعماله التشكيلية، غداة انهيار الدولة بالعراق إثر الغزو الأميركي.
طبعاً ثمة، في حالات عديدة، لجوء مناقض من اللون والمادة إلى الكلمة، انطوت على تشوف دفين للتخلص من وطأة العادة ومن لعنة الضرورة، بيد أن الحرية المشتهاة حملت، في هذه الحال، ملامح التخلص غير المجدي، الناقل لمواجع العقم المقيم، مثل ذلك الذي جعل فنانين من قبيل المغربيين ماحي بنبين وأحمد جريد، ينغمران في عوالم الرواية، في محاولة لإيهام نفسيهما قبل القراء أن تجربة الرواية استرسال تصويري، وأن الانتقال شرط لاستمرار الحياة داخل الإبداع، غير أن الذي يتجلى للمتلقين المأخوذين بحس المقارنة، أن الكتابة قد تمثل جسراً، بيد أنها قد تكون مجرد مراوغة للبياض، وأنه بصرف النظر عن كونها توسيعاً لأفق التجريب الفني، فإنها قد تكون مجرد ملء لأوقات فراغ، على نحو شبيه بما ورد في إحدى رسائل عبد الرحمن منيف لمروان قصاب باشي، حيث قال إنه تجرأ بعد شهور من الخرس مطلع التسعينات من القرن الماضي، على إنجاز «خربشات» لونية، (ستبقى مجرد خربشات بعد ذلك)، إثر إحساسه بتعهر الكلمات وفقدانها للعمق والجدوى، قالها على نحو يشي بلجوء حياتي ينتشل صاحبه من الفقد المقترن بالرغبة في إنهاء كل شيء، ما دامت المفردات تنتهي إلى فراغ.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
TT

نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)

وقع علماء على نوع نادر من النمل، موطنه اليابان، يتميَّز بكونه النوع الوحيد الذي يخلو من كلّ من فئتي العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

في العادة، تتكوَّن مستعمرات النمل من إناث قادرة على التكاثر تُعرف كذلك بالملكات، وعاملات غير قادرات على التكاثر، بالإضافة إلى ذكور تموت بعد التزاوج بمدّة وجيزة.

وثمة حالات شاذة عن هذا النمط معروفة، منها مستعمرات تتكوَّن من نمل طفيلي من دون عاملات، وبعضها لا يحتوي على ذكور.

وعلى امتداد أكثر من 4 عقود، اشتبه باحثون في أن النملة الطفيلية النادرة «تمنوثوراكس كينوموراي» لا تُنتج سوى الملكات، لكن لم يكن هناك دليل على ذلك حتى الآن.

الآن، قدَّمت دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت» أول دليل على وجود نوع من النمل يخلو من كلّ من العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

وسبق أن وثَّق علماء أنّ النملة الطفيلية «تمنوثوراكس كينوموراي» تخدع عاملات من نوع وثيق الصلة بها، «تمنوثوراكس ماكورا»، لحملهن على قتل ملكتهن الأم.

وجاء هذا بمثابة اكتشاف مفاجئ، ففي مستعمرات النمل يقضي النمل العامل حياته كلّها في رعاية الملكة، والبحث عن الطعام، والدفاع عن العشّ، وتربية صغار النمل.

ويُعدّ قتل النمل لملكته أمراً نادر الحدوث في الطبيعة، إذ تُشكّل الملكة عنصراً أساسياً لبقاء المستعمرة.

وتُظهر أحدث الدراسات أن نملة «تمنوثوراكس كينوموراي»، علاوة على قتلها للملكة المضيفة، تتكاثر لا جنسياً كذلك عن طريق إنتاج نسخ مستنسخة منها، وتخدع النمل العامل الناجي من المستعمرة المضيفة لحمله على تربية النسل.

وفي إطار البحث الأخير، جمع العلماء 6 مستعمرات تضمّ ملكات «تمنوثوراكس كينوموراي»، وتولّوا تربيتها في صناديق داخل المختبر.

وتمكّن الباحثون من تربية 43 ملكة من نوع «تمنوثوراكس كينوموراي» في المختبر، وكشف فحص النمل لاحقاً عدم وجود ذكور.

وتابعوا دراسة هذه الملكات في ظروف المختبر لمراقبة عملية وضع البيض بانتظام.

ووجد العلماء أنّ البيض يتطوَّر إلى ملكات جديدة من دون أن يُخصَّب من ذَكَر نمل.

بعد ذلك، حلَّلوا ملكات النمل تحت المجهر، ووجدوا أنّ أعضاء التزاوج لديها غير مستخدمة، ممّا يشير إلى أنّ النسل كلّه مستنسخ.

وبعد مراقبة مستعمرات ومجموعات متعدّدة من هذا النوع، أكد الباحثون أنّ هذا النوع يفتقر تماماً إلى فئتَي العاملات والذكور.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة بدورية «كارنت بيولوجي»: «تشير بياناتنا بالتالي إلى أنّ دورة حياة نملة (تمنوثوراكس كينوموراي) تتميَّز بمزيج فريد من التطفُّل من دون عاملات والتكاثُر العذري، أي القدرة على إنتاج إناث من بيض غير مخَّصب».

ويأمل الباحثون عبر دراسات لاحقة في فَهْم الظروف التي تُفضي إلى فقدان العاملات والذكور في هذا النوع من النمل.


مليون عمل... وكنوز الفنّ العام البريطاني لم تُكشف بعد

إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)
إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)
TT

مليون عمل... وكنوز الفنّ العام البريطاني لم تُكشف بعد

إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)
إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)

من تمثال برونزي للفنان أوغست رودان يجسّد حوّاء أمام أحد مطاعم «ناندوز» في هارلو، إلى أكثر من 6 آلاف عمل للفنان جيه. إم. دبليو. تيرنر، وصولاً إلى ورقة بحجم «إيه 4» مجعَّدة يقتنيها «معرض مانشستر للفنون»، تتجلَّى مجموعة الفنّ العام في المملكة المتحدة على هيئة عالم ثري ومتنوّع على نحو لافت.

ووفق «الغارديان»، عكست مؤسّسة «آرت يو كيه» الخيرية، التي أعلنت بلوغ عدد الأعمال المدرجة في قاعدتها الرقمية مليون عمل، هذا الاتساع الهائل، بالتزامن مع تعيين رئيس جديد لها، قال: «لم نكشف إلا عن القشور»، في إشارة إلى أنّ ما وُثِّق حتى الآن لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من كنوز الفنّ العام البريطاني؛ وقد عُيِّنت تيريت، المدير السابق للتصميم في الحكومة البريطانية، رئيساً جديداً للمؤسّسة.

انطلقت «آرت يو كيه» بمهمّة توثيق اللوحات الزيتية رقمياً في مختلف أنحاء البلاد، قبل أن تتوسَّع لاحقاً لتشمل الرسوم والألوان المائية والخزف والمنحوتات والزجاج الملوَّن والرايات والرسوم المعمارية وجداريات الشوارع.

وتحوَّلت المنصة إلى مورد موسوعي ضخم وممتع، يفتح الباب أمام اكتشافات غير متوقَّعة. فالبحث عن كلمة «بعوضة» مثلاً يكشف عن 53 نتيجة، تتراوح بين رسوم تقنية دقيقة لحشرات البعوض، ولوحات لطائرات «دي هافيلاند موسكيتو» من الحرب العالمية الثانية، ومنحوتة في غابة بشمال يوركشاير تحتفي بفيلق الأخشاب النسائي -«لومبرجيلز»- اللواتي قطعنَ الأخشاب المستخدمة في صناعة تلك الطائرات ونشرنها.

ويمكن كذلك البحث عن مارتن كريد، الفنان الذي نال جائزة «تيرنر» عن عمله الذي جرى خلاله تشغيل وإطفاء الأنوار داخل غرفة، وتوجد 24 من أعماله في مجموعات فنّية عامة، منها كرة ورقية مجعَّدة في مانشستر.

ويرى تيريت أنّ قاعدة البيانات تُشكل مورداً للأعمال الفنّية ينبغي أن يحظى بشهرة أكبر بكثير، مضيفاً: «إنها فكرة عظيمة، وإحدى الأفكار التي يشعر المرء بالسعادة لوجودها».

ذاكرة بصرية تخرج إلى العلن (آرت يو كيه)

وشرح: «تتمثل إحدى مَهمّاتي في المعاونة على تعزيز الوعي بهذه الأعمال، لأنه ربما لم يسمع عدد كافٍ من أفراد الجمهور بها. الأمر برمّته يتعلّق بترقيم جميع الأعمال الفنّية العامة داخل المملكة المتحدة. هناك جانب واضح لهذه الجهود يتعلَّق بمتحف تيت وما شابه، لكنْ ثمة كذلك كثير من الأماكن الأخرى مثل المستشفيات ومقرات المجالس المحلّية، وهي أماكن عامة تضمّ أعمالاً فنّية مذهلة لا ينال الجمهور فرصة رؤيتها أو حتى معرفة وجودها من الأساس».

وتُضيء قاعدة البيانات كذلك على عدد من الأعمال الفنّية التي لم يرها الجمهور قط، لأنها ببساطة مكدَّسة في المخازن.

وكان تيريت قد مُنح وسام الإمبراطورية البريطانية من الملك الأسبوع الماضي، وهو الذي قاد فريق التصميم المسؤول عن إطلاق موقع «جي أو في. يو كيه»، ويشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي والشريك المؤسِّس لشركة «بابليك ديجيتال» الاستشارية.

وأوضح أن تجاربه في الطفولة غذَّت شغفه بتوسيع فرص الوصول إلى الفنون والتصميمات الفنّية. وأضاف: «نشأتُ في قرية صغيرة في ويلتشير. لم تكن هناك متاحف أو صالات عرض فنية، وكان الوصول إلى هذا النوع من الأنشطة شديد الصعوبة. درستُ في مدرسة حكومية شاملة كان لديها معلّم فنون وقسم متميّز، لكن كان يتوجَّب بذل جهد شخصي كبير لتوسيع الآفاق».

ويعتقد أن الوضع اليوم أشد تعقيداً للأطفال، مشيراً إلى أن «التعليم الإبداعي في المدارس الحكومية تعرّض لتقويض شديد».

وتشير دلائل إلى أنّ التفاعل مع قاعدة البيانات يشجّع الجمهور على زيارة المعارض والمتاحف فعلياً.

ومن بين الإضافات الحديثة التي دفعت المنصة إلى تخطي المليون عمل: مرسم يعود إلى عام 1951 للفنان هنري ماتيس في جامعة لانكستر؛ ولوحة زهور لغوين جون في المتحف الوطني بكارديف؛ ولوحة لقناة في البندقية للفنانة ماري هاغارتي في «فيكتوريا آرت غاليري» بمدينة باث؛ وبورتريه بعنوان «ريفري» للفنان ديفيد فوغي في جامعة دندي.

وأعرب مجلس إدارة «آرت يو كيه» عن تطلّعه إلى الاستفادة من أفكار تيريت الجديدة ورؤاه، لمساعدتهم على «الوصول إلى جمهور أوسع، واحتضان تقنيات وفرص إبداعية جديدة، وتعزيز الموارد المالية، والحضور الدولي، والقاعدة الجماهيرية».

وأكد تيريت أنه لا يزال مقتنعاً بأنّ الإنترنت قوة للخير، رغم التحدّيات الراهنة. وقال: «من الصعب التمسُّك بهذا الاعتقاد هذه الأيام، لكنه لا يزال صحيحاً. في المجمل، يبقى الإنترنت قوة إيجابية. وهذه المنصة مثال جميل على كيف يمكن له أن تؤدّي دوراً نافعاً».


«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
TT

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)

نجحت «البحر الأحمر الدولية»، الشركة المطورة لأكثر الوجهات السياحية المتجددة طموحاً في العالم، في إتمام زراعة أكثر من 5000 شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه»، محققةً بذلك أكبر مشروع لإعادة إحياء هذا النوع النباتي في تاريخ السعودية.

ويكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعدّ الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار في أقصى الحدود الشمالية لانتشارها حول العالم. وتعرف أشجار المانغروف الحمراء محلياً باسم «القندل»، وتُمثل رئة حيوية للبيئة البحرية؛ إذ تلعب دوراً جوهرياً في حماية السواحل، وتوفير بيئة خصبة لتكاثر الأسماك والقشريات، فضلاً عن قدرتها الفائقة على احتجاز الكربون بمعدلات تتجاوز الغابات البرية.

وقال رائد البسيط، رئيس البيئة والاستدامة في «البحر الأحمر الدولية»: «إن نجاحنا في إعادة تأهيل أشجار المانغروف الحمراء بهذا النطاق الواسع ليس مجرد رقم يضاف لسجلاتنا؛ بل هو انتصار علمي يسجل باسم السعودية وشركتنا. نظراً للتحديات البيئية الدقيقة التي يتطلبها هذا النوع للنمو، فإن استعادته تعني استعادة التوازن للنظم البيئية الحساسة. نحن اليوم نضع حجر أساس لمستقبل بيئي أكثر استدامة، سيعود بالنفع المباشر على أهالي مناطق البحر الأحمر، ويعزز إرثنا الطبيعي للأجيال القادمة».

يكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعد الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار (البحر الأحمر)

وتختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية، بكونها أكثر تطلباً وحساسية؛ فهي لا تزدهر إلا في ظروف محددة للغاية من حيث ملوحة المياه، وحركة المد والجزر، واستقرار درجات الحرارة. ورغم هذه التعقيدات، سجل فريق البحر الأحمر الدولية معدل بقاء استثنائي للشتلات بلغ 97 في المائة، وهو رقم قياسي تحقق بفضل تطوير تقنيات مبتكرة محلياً داخل الشركة، شملت أساليب متقدمة لتثبيت الرواسب والتحكم الدقيق في حركة المياه.

من جانبه، أضاف راشد آل هتيلة، رئيس قسم الاستدامة البيئية في «البحر الأحمر الدولية»: «تمثل أشجار القندل كنزاً بيئياً نادراً على سواحلنا، وما حققناه في بحيرة الوجه هو برهان عملي على قدرتنا على تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو والازدهار. هذه الخطوة ليست سوى بداية لمسيرة طموحة تهدف إلى حماية هذه النظم الطبيعية الفريدة وإعادة الزخم للحياة الفطرية في وجهاتنا».

تختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية بكونها أكثر تطلباً وحساسية (البحر الأحمر)

يُذكر أن هذا الإنجاز يأتي جزءاً جوهرياً من التزام «البحر الأحمر الدولية» الراسخ تجاه حماية البيئة، وضمن برنامجها الأوسع الذي نجح حتى الآن، في زراعة أكثر من 3 ملايين شتلة من أشجار المانغروف الرمادية، من أصل هدف طموح لزراعة 6 ملايين شتلة، ليكون بذلك أحد أضخم برامج إعادة التأهيل البيئي في المنطقة.

وتستقبل وجهة البحر الأحمر زوارها حالياً في 9 منتجعات فاخرة، بالإضافة إلى منتجع «ثُوَل الخاص». كما تترقب الأوساط العالمية افتتاح وجهة «أمالا» قريباً، التي ستدشن مرحلتها الأولى في «تربل باي» بـ6 منتجعات راقية، إلى جانب مرافق نوعية تشمل «نادي اليخوت»، و«معهد الحياة البحرية»، و«قرية المارينا»، لتقدم تجربة سياحية متجددة وفريدة من نوعها.