هل فهمنا عبد الكبير الخطيبي حقاً؟

في ذكرى رحيل الكاتب والناقد المغربي «الحذر»

عبد الكبير الخطيبي
عبد الكبير الخطيبي
TT

هل فهمنا عبد الكبير الخطيبي حقاً؟

عبد الكبير الخطيبي
عبد الكبير الخطيبي

في السادس عشر من مارس (آذار) حلّت ذكرى رحيل الكاتب المغربي المغترب في النص واللغة والحاضر أبداً في النقد، عبد الكبير الخطيبي، الذي يبدو أن قسماً كبيراً من أعماله بقي في الظل بعيداً عن هالة الضوء، وبقيت كتاباته الفكرية والإبداعية نخبويةً للغاية، قياساً بما تستحقه من الدراسة والنقاش.
لقد سُلّطت الهالة الإعلامية في الغالب على أسماء فكرية تكتب في العام والمشترك، وتنشغل بالعناوين الكبيرة المثيرة للجدل. وربما كان عدد من الباحثين في المغرب وخارجه يستصعبون مهمة الخوض في تجربة الخطيبي الفكرية، ويتفادون الاشتباك مع تركيبتها النظرية قراءةً أو نقداً.
«عارياً من ثيابك الخفيفة، متبخراً، ومع ذلك سوف تكون قريباً جداً منا...» هكذا تخيل الخطيبي بلغة شعرية واضحة مشهدَ الذات، وهي تقرأ سيرتها الخاصة في عمله الروائي «كتاب الدم» الصادر عام 1979. لقد كان يصف شيئاً مما يراه كامناً في طاقة اللغة، بحسٍّ إبداعي رقيق، وهو المفكر وعالم الاجتماع البارز الذي ظل طيلة مشروعه الفكري مشغولاً بسؤال الهوية الكبير، عاكفاً على البحث في تفاصيل هذا المفهوم النظري تراثاً وواقعاً، متخذاً من المفاهيم النقدية الكونية أداة لابتكار مفاهيم جديدة تتبنّى في اشتغالها منهج النقد المتوازي، أو ما سمَّاه «النقد المزدوج» للأفكار والأطراف. فهو من جهة، ينقد محاور كثيرة داخل بنية الفكر الغربي بوصفه ينزع في تأصيل خطابه إلى الهيمنة على الآخر، وهو في المقابل ينقد خطاب الفكر السائد في بلدان عربية كثيرة رآها تتوهم -بشيء من الميتافيزيقا- حالة الوحدة والصفاء العرقي والعاطفة الاجتماعية الجامعة.
ما يمكن أن نلمسه في منجز الخطيبي النقدي هو ذلك الحذر المنهجي العميق من الاصطفاف الآيديولوجي أو حتى الفكري، وهو ليس حذراً من خوض المسائل الجدلية أو نقاش أفكارها، بقدر ما هو حذرٌ موضوعي من كل أشكال التبسيط والأحكام المطلقة والعامة، وهو كذلك حذر من الوصول إلى استنتاجات أحادية إزاء الظواهر الاجتماعية كافة. وما يميز رؤية الخطيبي على هذا الصعيد هو عنصر التوازي العملي بين التفكيك والنقد، فهو يراوح بحذر بين صرامة الروح الفلسفية الجادة وبين السوسيولوجيا كفنّ يمنح الباحث فسحة الوصف والتحليل والتأويل أيضاً.
معظم مؤلفات الخطيبي كانت باللغة الفرنسية، وهو بلا شك يعد واحداً من المؤثرين في المتون البحثية لعدد كبير من الدارسين للحقل الاجتماعي العربي والعالمي على حد سواء. وهو الملهِم بأفكاره الفذة لفئة معتبرة من طلبة العلوم الاجتماعية في مختلف جامعات العالم. والملاحظ خلال السنوات الأخيرة تحديداً أن عدداً غير قليل من رسائل الدكتوراه والماجستير في علم الاجتماع التي أنجزها طلبة مغاربيّون (المغرب وتونس والجزائر)، تناولت باهتمام فكرَ عبد الكبير الخطيبي ورؤاه الحيّة حول الهوية وقضايا المجتمع العربي.
منذ «الذاكرة الموشومة» عمله الإبداعي الأول، وصولاً إلى آخر ما كتبه في علم الاجتماع، اعتمد الخطيبي على السجال المعرفي مع الأفكار الكبرى، محاولاً بناء رؤيته الخاصة للهوية ولعدد من الظواهر الضيقة كطبائع المجتمع الأبوي مثلاً. إنه اشتباك فكري غير جدلي مع الأنساق النظرية المهيمنة، وهو أيضاً تفكيك لما تحفل به الذاكرة الفكرية من مركبات معرفية غير متجانسة في الطرح، ولعل الحديث عن هذه العناصر الفكرية في سياق منجز كامل لكاتب مُجرِّب مثل عبد الكبير الخطيبي خاض في النقد وعلم الاجتماع، كما كتب الشعر والرواية والمسرح، يطرح سؤالاً عن علاقة كل هذه الحقول بعضها ببعض... لكن الحقيقة هي أن الخطيبي كان سبّاقاً إلى تذويب الحدود الفاصلة بين أعماله وأجناسها المختلفة، وقد وصف الفيلسوف الفرنسي رولان بارت هذه السمة عند الخطيبي قائلاً: إنه لا يكتفي بإلغاء الحدود بين الأشكال الأدبية، بل يقوم بتغيير هذه الأشكال نفسها حاملاً معه القارئ نحو «أرضه الإبداعية» الخاصة.
لقد شُغف الخطيبي بالفكر كما اهتمت أعماله الأدبية الأخرى بالدلالات الثقافية والاجتماعية للفن والإبداع الكتابي خاصة، وهو في ذلك يبدو منسجماً إلى حد بعيد مع البيئة الثقافية التي انطلق منها باحثاً عن حقائق الهوية المتعددة والملتبسة في كثير من الأحيان. فهو إن بدا غير متفق مع كثير من المقاربات التي تشرح آليات التفكير المشكِّل للهوية داخل بيئته المعرفية، فإنه يبقى في الآن نفسه منخرطاً في عمق الاشتغال الجمالي على بنية الفنون والنقد داخل هذه الهوية الفكرية المميزة. نرى ذلك جلياً في أعمال تحفر في سؤال الاختلاف بكثير من المنهجية الفكرية من قبيل «الاسم العربي الجريح»، وهو عمل محوري بالغ الأهمية في تجربة الخطيبي، وقد نقله إلى العربية الشاعر محمد بنيس، كما نلمس شيئاً من تلك الدلالات المتقدة في عمل آخر عنوانه «في الكتابة والتجربة» أصدره الخطيبي باللغة الفرنسية، وترجمه إلى العربية الروائي المغربي محمد برادة.
ينطلق الخطيبي من نقد الميتافيزيقا التي تشكل من وجهة نظره عصب الفكر في العالم العربي، وهو نقد شامل وجذري غير مهادن، يقف عند مفهوم التعدد الذي يميز واقع الهوية العربية اليوم، فيصدم أنصار الوحدة المطلقة بحقائق يراها واقعية وحادّة، تؤكد مدى التبسيط الذي تحمله هذه الفكرة الآيديولوجية «القومية»، رغم كونها لا تزال حاضرة في عمق الفكر العربي المعاصر حتى اليوم. إنها حقائق التغاير والتعدد والتمايز والاختلاف التي تؤكد حسب الخطيبي أن العالم العربي قد تعدد بحكم الواقع، ولا يمكن أن يشكل وحدةً كلية شاملة أو منظومة واحدة، ففكرة الوحدة كما يراها هو كانت دائماً فكرة إطلاقية مرتبطة بمخرجات الميتافيزيقا والمتخيل اللاهوتي الذي تحتضن الآيديولوجيات الوافدة إلى العمق العربي كثيراً من عناصره، رغم تجدد فعل الآيديولوجيا نفسه.
وحفاظاً على قاعدة النقد المزدوج، يتوغل عبد الكبير الخطيبي داخل البنية الزمنية للفكر الغربي؛ بدءاً من أسسه العقلانية اليونانية القديمة، التي كرست فيما بعد مركزية الغرب وهيمنته المكتسبة، ويصل الخطيبي إلى ذروة نقده لهذه البنية، فيشخص بعناية حالة الإرادة الغربية المتجسدة أساساً في الهيمنة وقواعد المادية الحديثة التي تحكمها مقاييس أحادية الرؤية، والتي لا تبتكر أنظمة جديدة خالية من الثوابت، بقدر ما تكتفي بتغيير هذه الثوابت وتدويرها.
ويختلف عبد الكبير الخطيبي كثيراً مع عبد الله العروي في منظوره «التاريخاني» لفعل الحداثة ومآلاتها وإسقاطاتها على عالمنا العربي، ويراه في هذا المسار يخلط بين مفاهيم وجودية عميقة، ويبسّط منظوره الخاص إلى العامل التاريخي. ذلك أن التراكم النظري والمادي لفعل الحضارة يحدث بالفعل منذ بدء البشرية إلى الآن، لكن عامل التاريخ ليس منطقياً دائماً، فهناك قطائع وتناقضات وخسارات وفُروق لا تنسجم مع شرط الاستمرارية التاريخية. ويذهب الخطيبي إلى ما هو أبعد من ذلك فيرفض القول بأننا بوصفنا مجتمعات عربية ملزمون بقطع الخطى نفسها التي سبقنا إليها الغرب، سعياً لبلوغ ما وصل إليه من المدنية والتقدم، بل ينبغي من وجهة نظره استئناف الرحلة نحو الحضارة فوراً، والانطلاق رأساً مما هو متاح وموجود وقائم مدنياً... الآن، دون الرجوع إلى الخلف، ودون الوقوف الكلاسيكي المتوارث عند فكرة «نسيان التراث».
لا يبدو أن الأفكار التي حملها منجز الخطيبي بسيطة أو هادئة في علاقتها مع القارئ العادي، فما كتبه الرجل يختصر مساراً طويلاً من التأمل العملي والنظري في متون فكرية متواترة الطرح ومتقاطعة في اختراقاتها واقتراحاتها، وربما متضاربة أيضاً. لكن الأهم في الوقوف عند ذكرى رحيل هذا السوسيولوجي المغربي هو إمكانية الاستعادة والفهم لما قاله أو تطرقت إليه كتاباته حول قضايا الهوية الثقافية. إنها كتابات تطرح بالفعل أسئلة جادة حول الهوية العربية وإرهاصات الوحدة، وما سوّقته الآيديولوجيا من تبسيط نظري ساذج لأفكار «النهضة» والانبعاث الجماعي «للأمة». كما أن كتابات الخطيبي من حيث إنها علمية منحازة لاستنتاجاتها المستقلة تبقى شجاعة في إشاراتها؛ إذ تنبه باستمرار إلى استبداد المنهجية الغربية في مقاربتها للمسائل الكبرى بشيء من الأصولية الجديدة التي لفظها الواقع، وتجاوزتها اليوم ريح النيوليبرالية الاقتصادية، وما تحمله إلينا من مخرجات ثقافية عاصفة!
* كاتب وشاعر مغربي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأحد، اكتشاف مجموعة من المقابر الصخرية التي تعود إلى عصر الدولة القديمة (2181-2686 قبل الميلاد)، خلال موسم حفائر البعثة الأثرية المصرية للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة «قبة الهواء» في محافظة أسوان (جنوب مصر).

أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، في بيانٍ صحافي، أهمية هذا الكشف، مشيراً إلى أنه يعزز قيمة موقع قبة الهواء ويسهم في فهم طبيعة المكان.

وأضاف أن المقابر المكتشفة تعود إلى عصر الدولة القديمة، وقد أُعيد استخدامها خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى، مما يدل على الأهمية المستمرة للموقع عبر العصور المختلفة.

ووصف عالم الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، الكشف بأنه إضافة علمية مهمة إلى سجل الاكتشافات الأثرية في جنوب مصر. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الاكتشاف يؤكد من جديد أن المنطقة لم تكن مجرد جبانة محلية، بل شكَّلت فضاءً جنائزياً رئيسياً ارتبط بالنخبة الإدارية والحكام المحليين عبر عصور متعددة.

وأضاف أن المقابر الصخرية المكتشفة، التي يعود تاريخها الأصلي إلى عصر الدولة القديمة، تعكس ازدهار أسوان آنذاك بوصفها بوابة مصر الجنوبية ومركزاً استراتيجياً للتجارة والتواصل مع أفريقيا. كما أشار إلى أن إعادة استخدام هذه المقابر خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى يعكس استمرارية القداسة والأهمية الرمزية للموقع، رغم التحولات السياسية والاجتماعية العميقة.

الاكتشاف يعود إلى الدولة القديمة (وزارة السياحة والآثار)

وتُعد جبانة «قبة الهواء» أحد المزارات الأثرية المهمة في أسوان. وفي منتصف عام 2022، بدأت وزارة السياحة والآثار مشروعاً لترميم مقابر جديدة في «قبة الهواء» وفتحها للزيارة للمرة الأولى منذ اكتشافها. وتُظهر النقوش على جدران بعض مقابر الجبانة الدور الذي اضطلع به كبار الموظفين والنبلاء في تلك الفترة، من حملات استكشافية وتجارية وعسكرية، وفقاً لموقع وزارة السياحة والآثار.

ومن جانبه، قال رئيس قطاع الآثار المصرية في المجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إن البعثة عثرت على غرفتي دفن تضمان نحو 160 إناءً فخارياً متنوع الأحجام والأشكال، تعود إلى عصر الدولة القديمة، مشيراً إلى أن أغلبها في حالة جيدة من الحفظ وتحمل كتابات باللغة الهيراطيقية. وأوضح أن الدراسات الأولية تشير إلى أنها كانت تُستخدم لتخزين السوائل والحبوب.

قلائد وتمائم من عصور مختلفة وجدت في قبة الهواء (وزارة السياحة والآثار)

وفي الفناء الخارجي للمقابر، عثرت البعثة على مجموعة من الحُلي شملت مرايا من البرونز، ومكاحل من الألبستر، وعقوداً من الخرز بألوان وأشكال متنوعة، إضافة إلى تمائم مختلفة تعود إلى عصر الدولة الوسطى.

وتعمل البعثة الأثرية حالياً على توثيق وتسجيل ما اكتُشف، كما تواصل أعمالها في موقع «قبة الهواء»، أملاً في الكشف عن المزيد من المقابر واللقى الأثرية. ويضم الموقع مجموعة من المقابر التي تعود إلى حقب زمنية مختلفة، تمتد من بداية عصر الدولة القديمة حتى العصرين اليوناني والروماني.

أوانٍ فخارية وجدت عليها كتابات هيراطيقية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح عبد البصير أن هذا الكشف يفتح آفاقاً واسعة للدراسة، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد المحلي وأنماط التخزين والإمداد الجنائزي، مشيراً إلى أن الكتابات الهيراطيقية قد تزوّد الباحثين بأسماء أشخاص أو إشارات إدارية ودينية، ما يعمّق فهم البنية الاجتماعية في أسوان خلال عصر الدولة القديمة. وأضاف أن الكشف يؤكد أن أسوان لم تكن هامشاً جغرافياً، بل مركزاً حضارياً نابضاً بالحياة، تتقاطع فيه الطرق التجارية والثقافية، وتتشكّل فيه هوية مصر الجنوبية عبر العصور.

وكانت وزارة السياحة والآثار المصرية قد أعلنت، في منتصف العام الماضي، اكتشاف 3 مقابر أثرية منحوتة في الصخر بجبانة «قبة الهواء»، ووصفت الكشف بأنه إضافة علمية مهمة، كونه يُلقي الضوء على فترة انتقالية حرجة بين نهاية الدولة القديمة وبداية عصر الانتقال الأول.

ومن جانبه، أكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، في البيان، أن هذه الاكتشافات الأثرية تسهم في تعزيز جاذبية منتج السياحة الثقافية لدى محبي الحضارة المصرية القديمة حول العالم، بما يعزز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية الدولية.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه أحد ركائز الدخل القومي، وتسعى إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)

تحتفي دار الأوبرا المصرية بطقوس شهر رمضان من خلال برنامج حافل يتضمن حفلات موسيقية وسهرات لفرق فنية من الدول العربية والإسلامية، إلى جانب حفلات للإنشاد الديني وعروض فرقة الحضرة. وينطلق البرنامج يوم الخميس 26 فبراير (شباط) الحالي، ويستمر حتى الاثنين 9 مارس (آذار) المقبل، على المسرح الصغير والمسرح المكشوف، فضلاً عن مسارح الجمهورية ومعهد الموسيقى العربية.

كما أعلنت وزارة الثقافة المصرية إطلاق النسخة العاشرة من برنامج الاحتفالات الرمضانية «هل هلالك»، الذي يُقام في ساحة الهناجر بدار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير حتى 13 مارس، تزامناً مع ذكرى العاشر من رمضان، التي شهدت نصر السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

ويتضمن برنامج العام الحالي حفلات متنوعة بمشاركة نجوم الطرب والغناء، من بينهم ماهر محمود ومدّاح الرسول محمد الكحلاوي، على أن يختتم المنشد محمود التهامي فعاليات «هل هلالك» يوم الجمعة 23 رمضان، الموافق 13 مارس.

«هل هلالك» يصل محطته العاشرة (الشرق الأوسط)

ومثل كل عام، يشارك البيت الفني للمسرح بأوبريت العرائس الشهير «الليلة الكبيرة»، رائعة الشاعر صلاح جاهين والموسيقار سيد مكاوي، من إنتاج مسرح القاهرة للعرائس، حيث يُعرض الأوبريت يومياً طوال فترة إقامة البرنامج.

كما يشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بعدد من الحفلات التي تقدمها الفرق الفنية التابعة له؛ إذ تقدم الفرقة القومية للفنون الشعبية حفلتها يوم الأحد 1 مارس، وتحيي فرقة أنغام الشباب حفلتها يوم الأربعاء 4 مارس، فيما تتغنى شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء 11 مارس، ويختتم البيت حفلاته ضمن البرنامج بحفل فرقة رضا للفنون الشعبية يوم الخميس 12 مارس.

واحتفالاً بـ«يوم الشهيد»، يقدم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية حفلاً فنياً للفرقة الموسيقية التابعة له، يتغنى خلاله نجوم الفرقة بأشهر الأغاني الوطنية التي قدّمها كبار نجوم الطرب في مصر، وذلك يوم 9 مارس.

جانب من عروض برنامج «هل هلالك» في السنوات الماضية (الشرق الأوسط)

وكانت وزارة الثقافة قد أعلنت في وقت سابق برنامجاً للاحتفالات الرمضانية عبر مختلف قطاعاتها، لا سيما الهيئة العامة لقصور الثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة للكتاب، وقطاع المسرح، والمجلس الأعلى للثقافة، وغيرها من الهيئات. وتضمنت الفعاليات حفلات متنوعة بطابع تراثي وديني وشعبي، إذ تُقام معظمها في بيوت تراثية مثل بيت السحيمي، وبيت الهراوي، وقبة الغوري، وقصر الأمير طاز، وغيرها من المواقع التراثية.

كما أعلن البيت الفني للمسرح تقديم العرض المسرحي الشعبي «يا أهل الأمانة» على المسرح القومي لمدة أسبوعين خلال شهر رمضان، وهو عرض يستند إلى أشعار فؤاد حداد، ويقدم تجربة فنية تمزج بين التراث الشعبي والوجدان المصري الأصيل.


هوس «العضلات المثالية» على الإنترنت يجرُّ الشباب نحو المنشطات

وسائل التواصل تجذب الشباب لاستخدام منشطات بناء العضلات (جامعة هارفارد)
وسائل التواصل تجذب الشباب لاستخدام منشطات بناء العضلات (جامعة هارفارد)
TT

هوس «العضلات المثالية» على الإنترنت يجرُّ الشباب نحو المنشطات

وسائل التواصل تجذب الشباب لاستخدام منشطات بناء العضلات (جامعة هارفارد)
وسائل التواصل تجذب الشباب لاستخدام منشطات بناء العضلات (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة كندية حديثة عن وجود علاقة مقلقة بين الوقت الذي يقضيه الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، وزيادة رغبتهم في استخدام منشطات بناء العضلات، خصوصاً عند تعرضهم لمحتوى يركّز على «العضلات المثالية» والمقارنات الجسدية مع الآخرين.

وأوضح الباحثون من جامعة تورنتو أن التعرض المستمر للمحتوى الذي يروّج للأجساد العضلية المثالية، إلى جانب المقارنات الاجتماعية المتكررة، يعزز التفكير في استخدام هذه المواد الخطرة، ونشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Body Image».

ويُعد إدمان وسائل التواصل الاجتماعي من الظواهر المتزايدة في العصر الرقمي؛ حيث يقضي الأفراد ساعات طويلة يومياً في التصفح والمشاهدة والتفاعل على المنصات المختلفة، ويمكن لهذا الإدمان أن يؤثر في الصحة النفسية والجسدية، مسبّباً شعوراً بالقلق والتوتر والعزلة الاجتماعية، بالإضافة إلى اضطرابات النوم والتركيز. وغالباً ما يرتبط الإدمان بالرغبة المستمرة في متابعة تحديثات الآخرين والمقارنات الاجتماعية؛ ما يجعل من الصعب الابتعاد عن هذه المنصات حتى عند الرغبة في تقليل استخدامها.

وشملت الدراسة أكثر من 1500 مشارك من الشباب، وركّزت على المشاركين الذين لم يسبق لهم استخدام المنشطات. وهدفت إلى دراسة العلاقة بين أنواع مختلفة من وقت الشاشة والمشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي ونيات استخدام منشطات بناء العضلات. وبلغ متوسط الوقت الذي يقضيه المشاركون على وسائل التواصل الاجتماعي نحو ساعتين يومياً، وهو مشابه للوقت الذي يقضونه في مشاهدة الفيديوهات أو تصفح الإنترنت، إلا أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كان العامل الأكثر تأثيراً في النتائج.

وأظهرت النتائج أن نوعية المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي وسلوكيات التفاعل الرقمي كانت أكثر تأثيراً على نية استخدام المنشطات من مجرد الوقت المستغرق على الإنترنت.

ووجد الباحثون أن الشباب الذين يشاهدون صور رجال مفتولي العضلات ورياضيين، بالإضافة إلى الإعلانات والمحتوى الذي يروّج لمنشطات ومكملات بناء العضلات، كانوا أكثر ميلاً للتفكير في استخدام المنشطات، وكان التعرض المباشر لمحتوى يروّج للمنشطات هو العامل الأقوى تأثيراً.

كما أظهرت الدراسة أن الشباب الذين يقارنون أجسامهم بشكل متكرر بأجسام الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي كانوا أكثر ميلاً لاستخدام هذه المواد. وحذّر الباحثون من أن استخدام منشطات بناء العضلات يحمل مخاطر صحية كبيرة تشمل اضطرابات هرمونية، ومشكلات قلبية، وتغييرات مزاجية، وإمكانية الإدمان.

وأكدوا أن جهود الوقاية يجب ألا تقتصر على تقليل وقت الشاشة فقط، بل يجب أن تشمل التثقيف الإعلامي، ورفع وعي الشباب بممارسات التسويق الرقمي، وتعزيز الفهم الصحي للعضلات وصورة الجسم.

وخلص الفريق إلى أن هذه الدراسة تضيف دليلاً مهماً على أن المحتوى الرقمي الذي يروّج للعضلات المثالية قد يشكل خطراً على صحة الشباب النفسية والجسدية، ويزيد الميل لاستخدام المنشطات؛ ما يبرز الحاجة إلى برامج توعوية وإرشادية فعّالة لمواجهة هذه الظاهرة.