«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

عازف التشيللو الصيني جيان وانغ لـ«الشرق الأوسط»: التكنولوجيا مُخرِّبة

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
TT

«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»

تسدل الدورة العشرون لـ«مهرجان أبوظبي» الستارة على وَقْع تصفيق يشتعل بعد العروض. ما تابعناه فناً يحترم الذائقة ويؤثر في الأفكار. دورة شعارها «إرادة التطوّر توقٌ للريادة»، تحتفي بأنامل تعزف وحناجر تمتدّ على مساحات. وتمايلت الأجساد الراقصة في عرض «ابنة صياد اللؤلؤ»، مُنشغلة بإظهار تراث الإمارات. ليلة «شغف بوذا»، تأليف قائد الأوركسترا الصيني الحائز على «أوسكار» تان دون، بديعة لملامستها طبقة أعمق داخل العقل.
* «بيتهوفن» من الصين
حضرت «الشرق الأوسط» ليالي شاهدة على فن يأبى التلاطم بالرخاوة. هاوشين زانغ، عازف بيانو صيني، التقط الأنفاس بعزف منفرد لساعتين في «مركز الفنون بجامعة نيويورك أبوظبي». عمَّ صمتٌ إلا للأنامل البارعة، وهي تستعيد «سوناتا البيانو رقم 29 - هامركلافير» للودفيغ فان بيتهوفن. تصاعدَ النغم من الرقّة إلى التحريض على «الصفع»، وراح خدَّا الشاب الآتي من شرق آسيا يرتجّان، كدليل على الانجراف بتأثير موسيقى تدفع الرأس إلى التحرّك يميناً ويساراً، معلناً عدم الاكتفاء بانطلاق الأنامل. الجسد والروح في تلاقٍ مهيب.
أمام هاوشين زانغ طريق طويلة، وقدمه واثقة. حماسته الفوّارة تغلب حكمة الخبرة. يعدّل كرسيّه الأسود بلون البيانو، ليسلّمه للسحر. النغمات تمسك بالصخب وتفلته.
الشاب الذي قدّم عروضاً مع أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية وأوركسترا مهرجان لوسيرن، وأوركسترا إذاعة فرنسا الفيلهارمونية يصبح كله للموسيقى، حتى الأجزاء الثابتة بحُكم الجلوس. يُبحر ثم يعود، بما يحتويه الإبحار من خفقان وضَخّ وتفجُّر. يرفع يده في نهاية المقطوعة الثالثة «سوناتا البيانو رقم 32» ويعلو برأسه وروحه، كأنه يقدّم العزف للفضاء ويسلّم النغم للكون.

العازف الصيني الشاب هاوشن زانغ استعاد موسيقى بيتهوفن
*«من الغرب إلى الشرق أوديسة كلاسيكية»
تدخل «أوركسترا مسرح كوميونال دي مودينا بافاروتي فريني» لتتخذ مقاعدها. قائدها هو تان دون، نجم المهرجان. يقدّم وابن بلاده عازف التشيللو جيان وانغ مجموعة أيقونية من كلاسيكيات العباقرة: موتسارت وموسورسكي وتشايكوفسكي. أمام حضور رسمي ودبلوماسي في «قصر الإمارات»، وبإشراف مؤسِّسة «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون»، المؤسِّسة والمديرة الفنية لـ«مهرجان أبوظبي» هدى الخميس كانو، الحاضرة في جميع السهرات، أدّى العازفون «أوديسة الغرب والشرق»، وللمرة الأولى في الإمارات مقطوعة «كونشيرتو بيبا».
عزفٌ يضفي معنى لقيم التلاقي الثقافي، متجلياً بالأداء المتفوق لاثنين من أشهر عازفي الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة؛ تان دون وجيان وانغ. الأخير يُخبر «الشرق الأوسط»، بين البروفات، أنّ زيارته الإماراتية تحاكي ولعه بالتاريخ والثقافات. «موسيقاي هي اللغة المؤدّية إلى اكتمال الحوار. لغة بسيطة وشاملة، تمنحني زخماً من المشاعر»، يقول فنان التشيللو. تعنيه «العواطف الموحّدة»، وهو يشدّد على القواسم المشتركة بين البشر: «كل شيء آخر يخبرنا أننا مختلفون. الموسيقى والفنون استثناء. اهتمامنا بهما يتيح الإحساس بسعادة جامعة. أمامهما نتساوى».
الفنون بالنسبة إليه احتفاء كوني بهذه المشاعر العابرة للصغائر وانعكاس للجوانب الجميلة من أرواحنا. يتكلم عن خليط فني مثير يتيحه «مهرجان أبوظبي» المُشارك في فعالياته للمرة الأولى. مقابل ما يجمع، تستوقفه «التجربة المُخرِّبة» التي تكثّفها التكنولوجيا. فهي رغم تقريبها بشراً تُبعدهم المسافة، باتصال الفيديوهات؛ فإنّ ضريبتها تضاؤل التواصل الإنساني: «الناس لا يهرعون إلى التشاجر حين يكونون معاً. من خلف الشاشات، يحتدم الخناق. إحدى أكبر كوارث زمننا هي التكنولوجيا المؤدّية إلى تمادي البشاعة. وسائل التواصل تشهد».
عازف التشيللو الصيني جيان وانغ يؤمن بالتلاقي الثقافي
* «شغف بوذا»: بديع التجلّي الفلسفي
«شغف بوذا»، عرض مدهش صفّق له الحضور بحرارة لربع ساعة. التأليف الموسيقي والأوبرالي لتان دون المُكرَّم من المهرجان بعد ليلتين سلّمها للجمال. ستة فصول أوركسترالية تشكل عودة غنائية - موسيقية إلى آثار مدينة دونهوانغ وكهوفها القديمة في الصين. يُنشئ قائد الأوركسترا المُحلِّق بيد تمسك بعصا الإيقاعات وأخرى حرّة تضبط مسار الانسجام؛ عالماً ينسج الترانيم والقصص، محتفياً من خلال تجليات الفلسفة البوذية بالمفاهيم والقيم العظمى، أجملها التسامح والتضحية والحب والخلاص.
ستة فصول هي مسار عذابات بوذا وتصاعده الروحي نحو الـ«نيرفانا». من لوحة جدارية تسرد حكاية أمير صغير يتعلم أنّ جميع الأرواح متساوية، مقابل رجل خائن تطاله دورة الحياة (الكارما) بعد خذلانه «الغزلان ذات الألوان التسعة»، تبدأ الحكاية. بصوت حزين يشبه النايات، تغنّي السوبرانو لي تشو آلام «الأميرة مياوشان» رمز التضحية والفداء، ليشهد الفصل الثالث على جدلية المعنى السامي لمبدأ العطاء. وعلى طريق الحرير، ينجذب راهب إلى مصير امرأة تُحتضر، متلألئاً بالنعمة الأسطورية، ليجسّد رسالة بوذا الداعية إلى العطف.
يلخّص الملحمة كتيّب ينتظر الجالسين على مقاعدهم. ما تراه العين ويشهده العقل، مقام آخر لا يبلغه إلا الشهود على تلك الأمسية. تان دون يكتب للمداواة ويؤلف للخشوع والصلاة. في عرضه، يتساوى أحياء العالم، من الأصغر كالنمل إلى الأكبر كالديناصورات. الحب شغف ومُرشد. والموسيقى صحوة تُجدّد الإنسان الخلّاق أمام النور.
أسطورة الغزال والطمع البشري، اختزال للمرء المثير للشفقة. يتيقّن الغزال من خيانة الإنسان ومع ذلك ينقذه. الرمزية في نهايات مأساوية يلقاها الخائنون، وأسوأ «الكارما» في انتظار الملوَّثين بالأنانية. يموت «الغزال ذو الألوان التسعة» بطعنات السيف، ليحل العقاب العادل مهما يطول الزمن.
في المعزوفة مطر يبلل التلال الساكنة على الصخور، فنلمح انسياب الجدول. العذابات تتحرك كما الظلال، والعقل يستوطن الأبعد لكنه يعلو في الريح. الشجرة تتوق للراحة، وهذه الريح تواصل الهبوب. يعيش الإنسان بلا أعين وأذرع، لكنه يموت بلا قلب. لساعتين، والأوركسترا المذهلة تشقّ درباً نحو تحرّر العقول فتوقظ الحكمة في الطريق إلى الضفة الأخرى من رحلة الحياة.

قائد الأوركسترا الصيني تان دون يُبدع في عرض "شغف بوذا"
* «ابنة صياد اللؤلؤ»
عرض راقص تتعاون فيه الكاتبة الإماراتية ميثاء الخياط والمؤلفة الإماراتية إيمان الهاشمي مع شركة الرقص الأميركية «كومباني إي». تسرد الفنانة اللبنانية - الأميركية ميسا قرعة شغف صيادين إماراتيين بالبحث عن اللؤلؤ في مياه الخليج، فيما الأجساد ترسم مشهدية الغوص وعجائب البحر وحكايات الأُسر والتقاليد والمخاطرة. تمتزج ثلاثية الرقص والموسيقى والغناء، مع تقنيات التكنولوجيا، لتشهد على سرد مشوّق بطلته لآلئ الخليج وأمواجه وقصص البحارة. وقوع العرض في رتابة التمايُل، وخروج بعض الحركة الراقصة عن سكة المعنى، أرخيا إحساساً بالهفوة. عوّضت الموسيقى والكوريغرافيا ومتعة اكتشاف الإرث الإماراتي.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

فنانة تايلاندية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)
الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)
TT

فنانة تايلاندية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)
الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

البساط الطائر، والمصباح السحري، والمارد الخارج من القمقم؛ مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء، وأحصنة وخراف تتفتح منها الورود، ودب صغير يتجول في أنحاء العالم السحري الذي صنعته الفنانة التايلاندية - المصرية سيسيليا فنج، في أحدث معارضها بغاليري «بيكاسو» في القاهرة.

يضم المعرض نحو 20 لوحة، تطغى عليها الألوان المبهجة والمشاهد الساحرة التي تضعها الفنانة في صلب فلسفتها الفنية؛ إذ ترى أن الفن مساحة رحبة يتحرر فيها الخيال من القيود، ليتمكن الفنان من صنع عالمه الخاص وفق رؤيته وأهوائه.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أنها استخدمت ثيمات محببة إليها، وكررتها في عدد من اللوحات، من بينها «الدب الصغير»، الذي يشبه ألعاب الأطفال. وقد رسمته غالباً باللون الأحمر، وجعلته يظهر في مواضع مختلفة من لوحاتها؛ بعضها واضح وبعضها الآخر خفي.

المعرض تضمن ثيمات من «ألف ليلة وليلة» (الشرق الأوسط)

تأثرت سيسيليا كثيراً بحكايات «ألف ليلة وليلة»، وتقول: «عشتُ فترة طويلة في مصر، لأن زوجي مصري، كما تنقّلنا وعشنا في دول عدة، من بينها دول عربية، فضلاً عن بلدي تايوان. وكان أكثر ما لفتني في تراث الحكايات الشرقية قصصُ (ألف ليلة وليلة)؛ إذ وجدتها متحررة تماماً من القيود، وتتمتع بخيال خصب وروح مرحة، وربما لهذا السبب تحوَّلت إلى ظاهرة عالمية».

الخيال المحرك الأول لأعمال الفنانة (الشرق الأوسط)

تنسجم المشاهد السحرية التي استلهمتها الفنانة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، بما توحي به من عالم يتجاوز حدود الواقع، إلى حد بعيد مع الحس السريالي الذي اعتادته واتخذته أسلوباً يميز أعمالها. وتقول في هذا السياق: «أرى أن إطلاق العنان للخيال هو جوهر الفن؛ إذ ينبغي ألا تُفرض قيود على مخيلة الفنان. لذلك، لم أجد مشكلة في رسم دلافين تسبح في السماء، أو طائر عملاق يحمل غصن زيتون تتدلى منه أرجوحة تجلس عليها فتاة، أو فتاة تمسك بقرني غزال وتحلق في الفضاء».

سيسيليا فنج تحدثت عن الخيال اللامحدود للفنان (الشرق الأوسط)

على مدى 4 عقود، مارست سيسيليا الفن، ودرست في أكاديمية فنية بإسبانيا، وكذلك في الولايات المتحدة، ونظّمت معارض في دول عدة حول العالم، شملت أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية. غير أن معرضها الحالي يحمل طابعاً خاصاً ومتفرداً، لما ينطوي عليه من رؤى وخيالات وذكريات حميمة بالنسبة إليها، وفق تعبيرها.

وتقول سيسيليا: «دائماً ما أشعر بالسعادة والامتنان تجاه الطبيعة؛ ولذلك تحضر باستمرار في أعمالي، ولا سيما الحيوانات، مثل الأحصنة والخراف والدببة والطيور والأسماك، التي تشكّل عنصراً رئيسياً في لوحاتي. وترتبط بعض الأعمال، التي استخدمت فيها ألواناً مبهجة ورسمت وروداً حمراء، بذكريات خاصة لديّ؛ فعندما تعرّض زوجي لحادث، أردت أن أخفف عنه، فرسمت الطبيعة والكائنات المحمّلة بالورود، لإدخال البهجة إلى نفسه، خصوصاً أنه من أكبر الداعمين لي طوال مسيرتي الفنية».

جانب من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

يُعدّ الورد البلدي أحد أبطال لوحات سيسيليا، التي تقول عنه: «أنا مغرمة بالورد البلدي؛ بألوانه الزاهية، وملمسه الناعم، ورائحته الخفيفة الرائقة التي تتسلل إلى مسام الروح، فتنشر البهجة في أنحاء الجسد. وأعدُّ هذا الورد أحد الأبطال الرئيسيين في لوحاتي؛ إذ تزخر أعمال كثيرة منه بورود موزعة في أماكن شتى، أو تتفتح من أجساد الحيوانات، أو تحيط بها في مشهد كرنفالي».


«يلّا أنماتش» مسرحية رومانسية ترفيهية تلامس هواجس الجيل الجديد

تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)
تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)
TT

«يلّا أنماتش» مسرحية رومانسية ترفيهية تلامس هواجس الجيل الجديد

تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)
تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)

يبلغ المسرح اللبناني اليوم ذروة نهضته، مع غزارة الأعمال التي يقدّمها وتنوّع الموضوعات التي يتطرّق إليها. وفي قصصه وحكاياته، يعكس هموم جيل اليوم وتطلعاته، فيلامس قضاياه من زوايا مختلفة، ويقدّم في الوقت نفسه مساحة للترفيه والابتعاد عن ثقل الواقع.

في مسرحية «يلّا أنماتش» (Yalla Unmatch)، من إنتاج جنى أبي غصن وبطولتها، نتابع عملاً مسرحياً حديثاً بامتياز، اختارت تقديمه في قالب خفيف وترفيهي. فهي ترى أن الناس اليوم يحتاجون إلى مساحة تجمع الابتسامة والضحك والرومانسية. ومن خلال فكرة شيّقة تحاكي الجيل الجديد، تتطرّق كاتبة العمل ريّسا البرجي إلى موضوعَي التواصل والحوار الغائبين عن علاقات جيل بأكمله. وتستند إلى عالم تطبيقات التعارف الإلكترونية ومواقع التواصل الشهيرة، مثل «فيسبوك» و«إنستغرام»، التي تسهّل اللقاءات بين الأشخاص، لتنطلق منها في بناء فكرة المسرحية.

نطلق عروض «يلّا أنماتش» في 17 سبتمبر (جنى أبي غصن)

يبدأ عرض المسرحية على خشبة «المونو» في بيروت، في 17 سبتمبر (أيلول) الحالي، ويستمر حتى 20 منه. ويستغرق العرض نحو 60 دقيقة، يمضيها الحضور في أجواء تنبض بالديناميكية والضحك. وتشير جنى أبي غصن إلى أنها استمعت إلى قصص حقيقية وأجرت بحوثاً دقيقة لتوليد عمل يعكس الواقع اللبناني اليوم. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كان من البديهي أن أبحث وأصغي إلى حكايات تحصل حولنا. وعندما ولدت الفكرة عندي، اتصلت بالكاتبة ريّسا البرجي، وطلبت منها حبكة مسرحية تتمتع بالتلقائية، بعيداً عن الخطاب والوعظ».

وتؤكد أن هذه التطبيقات رائجة اليوم في لبنان والعالم العربي، بسبب نقص ملحوظ في التواصل بين أبناء هذا الجيل. وتضيف أنّ النص الذي تتألّف منه المسرحية يرتكز على طبقات، مما يثريه بموضوعات تسلّط الضوء على العلاقات الاجتماعية بشكل عام. وتتابع: «جيل اليوم ينكبّ على متابعة الأخبار بشكل دائم عبر التطبيقات. وهو يرى فيها جسراً طبيعياً للتواصل مع الأصدقاء والأقرباء. وفي المقابل، نجده يواجه صعوبة في التواصل المباشر من خلال لقاءات تُعقد وجهاً لوجه. وقد تعمّقنا في هذه المشكلة وشرحنا تفاصيل صغيرة تواكبها، فجاء العمل نابعاً من الواقع بشكل واضح، فيشعر الحضور كأنه يخاطبهم بلسان حالهم».

وتهدف المسرحية إلى استقطاب جيل العشرينات، الذي يُعدّ الأكثر تعلّقاً بوسائل التواصل الاجتماعي. وتعلّق جنى أبي غصن: «رغبنا في إحداث تواصل مباشر بيننا وبين الجيل الجديد عبر هذه المسرحية. كما أن هذه الفئة بالذات هي الأقل ارتياداً للمسرح، فرأينا أن مخاطبتها مباشرةً بموضوع يهمّها قد تحضّها على ارتياده».

أما قصة العمل، فتحكي عن زوجين، يؤدّي دوريهما جنى أبي غصن وعمر فيّاض، يعودان من سهرة زفاف ويتشاركان الحديث في موضوع سبق أن أجّلا التطرّق إليه أكثر من مرة. ويطرحان أسئلة، مستعيدين أحداثاً وذكريات معيّنة، يتناولها كلّ منهما على طريقته. وتستطرد: «نلاحظ خلال الحوار اختلاف كلّ شخص في استعادة ذكرياته، فلكلّ منهما وجهة نظر معيّنة ينطلق منها. وعلى مدى ساعة، يضجّ المسرح بالترفيه والضحك ورسائل اجتماعية تميل إلى الرومانسية».

وعن سبب التباعد الاجتماعي الذي يعانيه جيل اليوم، تقول: «أعتقد أن كثيرين يوجدون خارج لبنان للدراسة أو العمل. وقد فاقم هذا الأمر النقص في العلاقات الثنائية، إذ لم تعد تتاح للشاب أو الفتاة فرصة التعرّف إلى أحد ضمن علاقة تنتهي بالارتباط. في العلاقات الطبيعية، المطلوب الوضوح واللقاء والتحاور. أما البُعد، فيغيّب هذه اللقاءات، وهو ما نسلّط الضوء عليه مباشرة في المسرحية».

وتؤكد جنى أبي غصن أن العمل سيحبّه جيل الشباب ومن هم أكبر سناً أيضاً، وأن الأهالي سيستمتعون بالتعرّف إلى ما يدور في أذهان أولادهم بهذا الشأن، فيطّلعون على رؤيتهم المستقبلية لعلاقاتهم الاجتماعية والرومانسية.

وعن الصعوبة التي واجهتها في ترجمته على المسرح، تجيب: «تفادي أسلوب الوعظ والنصائح، فألغيناه تماماً من النص، ليكون العمل انسيابياً ولا يملّ منه المتابع. فنحن لسنا بصدد حملة توعية، بل ننقل واقعاً نعيشه».

تؤدّي بطولة العمل جنى أبي غصن وعامر فيّاض (جنى أبي غصن)

وسبق أن شاركت جنى أبي غصن في أكثر من عمل مسرحي، بينها «سباحة بالهوا»، و«سجن النساء»، و«شهرزاد». ولكونها تخصّصت في المسرح والتمثيل، وجدت في الخشبة الوسيلة الأفضل لنقل الواقع. وتقول في هذا السياق: «الخشبة هي الساحة الأوسع للتعبير من دون قيود. كما أن الناس يفضّلون ارتياد المسرح لأنهم يشعرون بالتفاعل مع ممثليه وأبطاله. فالمسافة بين الجمهور والخشبة لا تتجاوز أمتاراً قليلة، مما يولّد أجواء تقرّب بين الطرفين».


المخرج المصري هاني لاشين: جيلنا مستبعد عمداً من السينما

يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)
يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)
TT

المخرج المصري هاني لاشين: جيلنا مستبعد عمداً من السينما

يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)
يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)

قال المخرج المصري هاني لاشين إنه لم يغب عن السينما، بل جرى تغييبه عمداً، إلى جانب كثير من كبار المخرجين والكتّاب من أبناء جيله، مؤكداً أنه لم يتوقف عن كتابة أفلامه، وأن لديه مشروعات عدة يتطلع إلى البدء في تنفيذها.

وأوضح، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن ترميم فيلمه «الأراجوز»، بعد 36 عاماً من إنتاجه، كان مهماً ليس له ولطاقم العمل فحسب، بل أيضاً لأجيال من الجمهور تشاهده للمرة الأولى. وأشار إلى أن الفنان الراحل عمر الشريف كان متردداً في قبول دوره، ولم تكن لديه أي مطالب تتعلق بأجره. كما تحدث لاشين عن علاقة الصداقة التي جمعته بالفنانة الكبيرة نجاة على مدى نحو 40 عاماً.

وعن غيابه عن الأعمال الفنية منذ سنوات، يقول لاشين: «أعتقد أنني، ومجموعة أخرى من كبار الكتّاب والمخرجين، جرى تغييبنا عمداً. نحن لسنا مبتعدين أو منسحبين؛ فكل منا لديه مشروعات يتطلع إلى تقديمها. وأنا أدوّن كل يوم أفكاراً جديدة ولا أتوقف، وأثق بأن اليوم الذي ستُنفَّذ فيه سيأتي».

واتجه لاشين إلى تدريس السينما، فوجد فيه تعويضاً نسبياً عن غيابه عن إخراج الأفلام، قائلاً: «التدريس جزء مقدس من هذه المهنة. وكما تعلمت من أساتذتي في معهد السينما، لا بد أن أنقل خبرتي بكل حب إلى الشباب، سواء في كليات ومعاهد السينما أو في الورش الفنية».

وعن ترميم فيلمه «الأراجوز» أخيراً، يقول: «أسعدني ترميمه كثيراً، وأتمنى ترميم جميع الأفلام المصرية؛ لأنها تمثّل تاريخاً يجب الحفاظ عليه للأجيال المقبلة، فضلاً عن حفظ النسخ الأصلية (النيغاتيف) بوسائل علمية حديثة، لأن معظمها محفوظ بطرق قديمة لا تواكب التطور الراهن».

ويصف لاشين مشاعره المختلطة لدى مشاهدة النسخة المرممة من الفيلم، قائلاً: «انتابتني مشاعر متباينة وأنا أشاهده؛ إذ أعدت اكتشاف الجهود التي بذلها صنّاعه. أُعجبت بديكورات رشدي حامد، وإبداعاته في تصميم الملابس، وببراعة مدير التصوير محسن أحمد، الذي قدّم صورة واقعية تلائم الموضوع، وكذلك بإكسسوارات عباس صابر، وماكياج محمد عشوب. كنت سعيداً جداً بحضورهم، وشعرت كما لو أنني أشاهد العرض الأول للفيلم».

عمر الشريف في أحد مشاهد فيلم «الأراجوز» (حساب المخرج هاني لاشين على فيسبوك)

يكشف المخرج الذي اخترق، قبل سنوات طويلة، دائرة النجم العالمي عمر الشريف، وقدّم معه فيلمي «أيوب» و«الأراجوز»، كيف تطورت علاقته بالنجم الراحل، والتي بدأت من خلال الأفلام التسجيلية، موضحاً: «قدّمنا معاً أفلاماً من بينها (الأيدي الذهبية) و(خطوات فوق الماء)، اللذان وثّقا الحضارة المصرية بأسلوب علمي، وأحدثا ردود فعل عالمية واسعة. بعد ذلك، عرضت عليه فيلم (أيوب)، المأخوذ عن قصة قصيرة للأديب نجيب محفوظ، فقرأ عمر الشريف السيناريو وأُعجب به، وقال لي: أنا معك. وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً».

ويتابع: «عندما عرضت فيلم (الأراجوز) على عمر الشريف، ظللنا نتناقش طويلاً؛ فقد كان متردداً بسبب طبيعة الشخصية التي يؤديها للمرة الأولى. وكنت أرى أنه يمتلك قدرات لا يعرفها هو نفسه، وأردت أن أدهشه بها. ولكي أقنعه، قلت له: لا أرى غيرك في شخصية محمد جاد الكريم، ولن أخرج الفيلم من دونك».

ويلفت هاني لاشين إلى أنه سافر، عقب الانتهاء من نسخة الفيلم، للقاء عمر الشريف في باريس، ويروي: «جلسنا نشاهد الفيلم في منزله، وكنت أتابع تفاعله مع كل مشهد. كان يمسح دموعه التي غطت زجاجي نظارته، وبعد انتهاء الفيلم قفز فرحاً كطفل صغير؛ فقد استطاع تقديم الدور ببراعة، ونال عنه جوائز داخل مصر وخارجها».

ويؤكد لاشين أن «عمر الشريف لم يكن مهتماً بالأجر؛ فقد تقاضى أجراً رمزياً عن فيلمي (الأراجوز) و(أيوب)، بل لم يكن يريد تقاضي أي أجر، لكن كان لا بد من توقيع عقد رسمي، لأن الفيلم من إنتاج التلفزيون، في حين كان أجره في السينما العالمية آنذاك يُقدّر بملايين الدولارات».

ويؤمن هاني لاشين بأن الأفلام ابنة زمنها؛ لذلك لا يقبل إعادة إنتاج هذا الفيلم أو أي من أفلامه، مؤكداً أن «الفيلم لا ينبغي المساس به بعدما أصبح جزءاً من التاريخ». ويصف العمل الفني بأنه «يمتلك إحساساً ونبضاً؛ فهو أشبه بسيمفونية لبيتهوفن تعزفها جميع أوركسترات العالم كما هي، وكذلك الأفلام، فهي تنتمي إلى زمنها».

المخرج المصري هاني لاشين قدم أعمالاً عدَّة (حسابه على فيسبوك)

ويرى هاني لاشين أن السينما المصرية لم تفقد هويتها، بل شهدت تطوراً واختلافاً في الأفكار، كما تأثرت بظهور وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار ما حدث للسينما الصامتة مع دخول الصوت، حين تغيّر كل شيء. ويضيف: «أتمنى فقط أن يكون صنّاع الأفلام مؤمنين بصدق بما يقدمونه، وأن يسألوا أنفسهم: هل يدعو ما يقدمونه الناس إلى التقدم والاستنارة، أم إلى التراجع والتخلف؟ هنا يكمن جوهر الأزمة».

وقدّم لاشين أفلاماً تلفزيونية لافتة، من بينها «أيوب»، و«الفرح»، و«العودة والعصفور»، و«في العشق والسفر». كما أخرج عدداً كبيراً من المسلسلات، مثل «زمن عماد الدين»، و«ويأخذنا تيار الحياة»، و«الباقي من الزمن ساعة»، وغيرها، خلال ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته.

وتربط هاني لاشين بالمطربة الكبيرة نجاة علاقة صداقة وثيقة؛ إذ أخرج لها أغنيات عدة، من بينها «أنا أنت»، من كلمات سعاد الصباح وألحان كمال الطويل. كما أصرت على أن يرافقها في حفل تكريمها بالسعودية. ويقول عنها: «نجاة صديقة عزيزة جداً، وتمتد علاقتنا على مدى 40 عاماً، وأكنّ لها كل الاحترام والتقدير. نحن محظوظون بوجود موهبة مثلها، وستُتوَّج قريباً بجائزة الشيخ زايد للكتاب، بصفتها شخصية العام، بعدما تأجل التكريم بسبب ظروف الحرب. إنها جائزة مهمة جداً، وأتمنى أن تحظى هذه الجوهرة بالتقدير الذي تستحقه».

ويترأس لاشين «مهرجان الفيوم لأفلام البيئة»، ويقول عنه: «هذا المهرجان ثمرة جهود عدد كبير من القائمين عليه، وقد اختاروني لرئاسته». ويضيف: «آمنت بالفكرة لأننا في حاجة ماسّة إلى الحفاظ على البيئة. وقد التقيت محافظ الفيوم ونائبه ورئيس جامعتها، في إطار التحضير للدورة الثالثة. وحققنا، خلال دورتين، الكثير على صعيد البيئة والسينما والترويج السياحي لمدينة الفيوم، وسنوسع نطاق العروض الجماهيرية بمشاركة طلاب جامعة الفيوم؛ إذ نهدف إلى رفع الوعي السينمائي واكتشاف المواهب».