«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

عازف التشيللو الصيني جيان وانغ لـ«الشرق الأوسط»: التكنولوجيا مُخرِّبة

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
TT

«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»

تسدل الدورة العشرون لـ«مهرجان أبوظبي» الستارة على وَقْع تصفيق يشتعل بعد العروض. ما تابعناه فناً يحترم الذائقة ويؤثر في الأفكار. دورة شعارها «إرادة التطوّر توقٌ للريادة»، تحتفي بأنامل تعزف وحناجر تمتدّ على مساحات. وتمايلت الأجساد الراقصة في عرض «ابنة صياد اللؤلؤ»، مُنشغلة بإظهار تراث الإمارات. ليلة «شغف بوذا»، تأليف قائد الأوركسترا الصيني الحائز على «أوسكار» تان دون، بديعة لملامستها طبقة أعمق داخل العقل.
* «بيتهوفن» من الصين
حضرت «الشرق الأوسط» ليالي شاهدة على فن يأبى التلاطم بالرخاوة. هاوشين زانغ، عازف بيانو صيني، التقط الأنفاس بعزف منفرد لساعتين في «مركز الفنون بجامعة نيويورك أبوظبي». عمَّ صمتٌ إلا للأنامل البارعة، وهي تستعيد «سوناتا البيانو رقم 29 - هامركلافير» للودفيغ فان بيتهوفن. تصاعدَ النغم من الرقّة إلى التحريض على «الصفع»، وراح خدَّا الشاب الآتي من شرق آسيا يرتجّان، كدليل على الانجراف بتأثير موسيقى تدفع الرأس إلى التحرّك يميناً ويساراً، معلناً عدم الاكتفاء بانطلاق الأنامل. الجسد والروح في تلاقٍ مهيب.
أمام هاوشين زانغ طريق طويلة، وقدمه واثقة. حماسته الفوّارة تغلب حكمة الخبرة. يعدّل كرسيّه الأسود بلون البيانو، ليسلّمه للسحر. النغمات تمسك بالصخب وتفلته.
الشاب الذي قدّم عروضاً مع أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية وأوركسترا مهرجان لوسيرن، وأوركسترا إذاعة فرنسا الفيلهارمونية يصبح كله للموسيقى، حتى الأجزاء الثابتة بحُكم الجلوس. يُبحر ثم يعود، بما يحتويه الإبحار من خفقان وضَخّ وتفجُّر. يرفع يده في نهاية المقطوعة الثالثة «سوناتا البيانو رقم 32» ويعلو برأسه وروحه، كأنه يقدّم العزف للفضاء ويسلّم النغم للكون.

العازف الصيني الشاب هاوشن زانغ استعاد موسيقى بيتهوفن
*«من الغرب إلى الشرق أوديسة كلاسيكية»
تدخل «أوركسترا مسرح كوميونال دي مودينا بافاروتي فريني» لتتخذ مقاعدها. قائدها هو تان دون، نجم المهرجان. يقدّم وابن بلاده عازف التشيللو جيان وانغ مجموعة أيقونية من كلاسيكيات العباقرة: موتسارت وموسورسكي وتشايكوفسكي. أمام حضور رسمي ودبلوماسي في «قصر الإمارات»، وبإشراف مؤسِّسة «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون»، المؤسِّسة والمديرة الفنية لـ«مهرجان أبوظبي» هدى الخميس كانو، الحاضرة في جميع السهرات، أدّى العازفون «أوديسة الغرب والشرق»، وللمرة الأولى في الإمارات مقطوعة «كونشيرتو بيبا».
عزفٌ يضفي معنى لقيم التلاقي الثقافي، متجلياً بالأداء المتفوق لاثنين من أشهر عازفي الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة؛ تان دون وجيان وانغ. الأخير يُخبر «الشرق الأوسط»، بين البروفات، أنّ زيارته الإماراتية تحاكي ولعه بالتاريخ والثقافات. «موسيقاي هي اللغة المؤدّية إلى اكتمال الحوار. لغة بسيطة وشاملة، تمنحني زخماً من المشاعر»، يقول فنان التشيللو. تعنيه «العواطف الموحّدة»، وهو يشدّد على القواسم المشتركة بين البشر: «كل شيء آخر يخبرنا أننا مختلفون. الموسيقى والفنون استثناء. اهتمامنا بهما يتيح الإحساس بسعادة جامعة. أمامهما نتساوى».
الفنون بالنسبة إليه احتفاء كوني بهذه المشاعر العابرة للصغائر وانعكاس للجوانب الجميلة من أرواحنا. يتكلم عن خليط فني مثير يتيحه «مهرجان أبوظبي» المُشارك في فعالياته للمرة الأولى. مقابل ما يجمع، تستوقفه «التجربة المُخرِّبة» التي تكثّفها التكنولوجيا. فهي رغم تقريبها بشراً تُبعدهم المسافة، باتصال الفيديوهات؛ فإنّ ضريبتها تضاؤل التواصل الإنساني: «الناس لا يهرعون إلى التشاجر حين يكونون معاً. من خلف الشاشات، يحتدم الخناق. إحدى أكبر كوارث زمننا هي التكنولوجيا المؤدّية إلى تمادي البشاعة. وسائل التواصل تشهد».
عازف التشيللو الصيني جيان وانغ يؤمن بالتلاقي الثقافي
* «شغف بوذا»: بديع التجلّي الفلسفي
«شغف بوذا»، عرض مدهش صفّق له الحضور بحرارة لربع ساعة. التأليف الموسيقي والأوبرالي لتان دون المُكرَّم من المهرجان بعد ليلتين سلّمها للجمال. ستة فصول أوركسترالية تشكل عودة غنائية - موسيقية إلى آثار مدينة دونهوانغ وكهوفها القديمة في الصين. يُنشئ قائد الأوركسترا المُحلِّق بيد تمسك بعصا الإيقاعات وأخرى حرّة تضبط مسار الانسجام؛ عالماً ينسج الترانيم والقصص، محتفياً من خلال تجليات الفلسفة البوذية بالمفاهيم والقيم العظمى، أجملها التسامح والتضحية والحب والخلاص.
ستة فصول هي مسار عذابات بوذا وتصاعده الروحي نحو الـ«نيرفانا». من لوحة جدارية تسرد حكاية أمير صغير يتعلم أنّ جميع الأرواح متساوية، مقابل رجل خائن تطاله دورة الحياة (الكارما) بعد خذلانه «الغزلان ذات الألوان التسعة»، تبدأ الحكاية. بصوت حزين يشبه النايات، تغنّي السوبرانو لي تشو آلام «الأميرة مياوشان» رمز التضحية والفداء، ليشهد الفصل الثالث على جدلية المعنى السامي لمبدأ العطاء. وعلى طريق الحرير، ينجذب راهب إلى مصير امرأة تُحتضر، متلألئاً بالنعمة الأسطورية، ليجسّد رسالة بوذا الداعية إلى العطف.
يلخّص الملحمة كتيّب ينتظر الجالسين على مقاعدهم. ما تراه العين ويشهده العقل، مقام آخر لا يبلغه إلا الشهود على تلك الأمسية. تان دون يكتب للمداواة ويؤلف للخشوع والصلاة. في عرضه، يتساوى أحياء العالم، من الأصغر كالنمل إلى الأكبر كالديناصورات. الحب شغف ومُرشد. والموسيقى صحوة تُجدّد الإنسان الخلّاق أمام النور.
أسطورة الغزال والطمع البشري، اختزال للمرء المثير للشفقة. يتيقّن الغزال من خيانة الإنسان ومع ذلك ينقذه. الرمزية في نهايات مأساوية يلقاها الخائنون، وأسوأ «الكارما» في انتظار الملوَّثين بالأنانية. يموت «الغزال ذو الألوان التسعة» بطعنات السيف، ليحل العقاب العادل مهما يطول الزمن.
في المعزوفة مطر يبلل التلال الساكنة على الصخور، فنلمح انسياب الجدول. العذابات تتحرك كما الظلال، والعقل يستوطن الأبعد لكنه يعلو في الريح. الشجرة تتوق للراحة، وهذه الريح تواصل الهبوب. يعيش الإنسان بلا أعين وأذرع، لكنه يموت بلا قلب. لساعتين، والأوركسترا المذهلة تشقّ درباً نحو تحرّر العقول فتوقظ الحكمة في الطريق إلى الضفة الأخرى من رحلة الحياة.

قائد الأوركسترا الصيني تان دون يُبدع في عرض "شغف بوذا"
* «ابنة صياد اللؤلؤ»
عرض راقص تتعاون فيه الكاتبة الإماراتية ميثاء الخياط والمؤلفة الإماراتية إيمان الهاشمي مع شركة الرقص الأميركية «كومباني إي». تسرد الفنانة اللبنانية - الأميركية ميسا قرعة شغف صيادين إماراتيين بالبحث عن اللؤلؤ في مياه الخليج، فيما الأجساد ترسم مشهدية الغوص وعجائب البحر وحكايات الأُسر والتقاليد والمخاطرة. تمتزج ثلاثية الرقص والموسيقى والغناء، مع تقنيات التكنولوجيا، لتشهد على سرد مشوّق بطلته لآلئ الخليج وأمواجه وقصص البحارة. وقوع العرض في رتابة التمايُل، وخروج بعض الحركة الراقصة عن سكة المعنى، أرخيا إحساساً بالهفوة. عوّضت الموسيقى والكوريغرافيا ومتعة اكتشاف الإرث الإماراتي.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

الموت يُغيب المخرج والناقد المصري أحمد عاطف

المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)
المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)
TT

الموت يُغيب المخرج والناقد المصري أحمد عاطف

المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)
المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)

غَيَب الموت المخرج والناقد المصري أحمد عاطف عن عمر ناهز 55 عاماً، متأثراً بتداعيات إصابته بمرض السرطان، وشُيعت جنازته ظهر الثلاثاء بالقاهرة. وكان عاطف قد جمع في مسيرته بين النقد والإخراج السينمائي والعمل الصحافي بمؤسسة «الأهرام»، حيث كان الناقد السينمائي لصحيفة «الأهرام إبدو» التي تصدر بالفرنسية، وشارك بلجان تحكيم النقاد في كثير من المهرجانات ومن بينها «كليرمون فيران» بفرنسا و«قرطاج» بتونس.

كما أخرج 5 أفلام سينمائية، من بينها «عمر 2000» و«قبل الربيع» و«الغابة»، ومسلسلاً تلفزيونياً بعنوان «ستات قادرة»، إلى جانب مقالاته العديدة التي أسهمت في إثراء الحركة النقدية.

ونعت نقابة المهن السينمائية في مصر المخرج الراحل عبر بيان لها، كما نعاه عدد كبير من السينمائيين والنقاد عبر صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، وكتب المخرج أمير رمسيس عنه: «تخالفنا في الرأي والمواقف مراراً، لكن هذا لم يمنع وداً لم ينقطع حتى (قرطاج) الماضي، وداعاً أحمد عاطف»، كما نعاه المخرج شريف مندور واصفاً رحيله بأنه خبر حزين جداً، طالباً الدعاء له بالرحمة والمغفرة.

عاطف وطاقم أول أفلامه «عمر 2000» في كواليس التصوير (حساب مدير التصوير سعيد شيمي على فيسبوك)

وكتب الناقد طارق الشناوي: «تعودنا أن نلتقي سنوياً دون اتفاق في مهرجان (كان السينمائي)، ولم أكن أعلم أنه يواجه المرض الشرس، لقد كان يبدو دائماً في صحة جيدة، هكذا كنا نراه، بينما كان يخفي عن الجميع معاناته».

فيما كتب الناقد العراقي مهدي عباس: «غادرنا اليوم وبشكل مفاجئ المخرج والناقد والتشكيلي أحمد عاطف، وكنت قد رشحته لإقامة ورشة سينمائية على هامش الدورة الثانية لمهرجان بغداد السينمائي، وفعلاً قدم محاضرات جميلة في السينما، وهو إنسان مثقف خلوق وموسوعي».

وكتب السيناريست والممثل السوداني خالد علي ناعياً عاطف، مشيداً بدوره المؤثر داخل الاتحاد الأفريقي للسينما بشمال أفريقيا، حيث كرس جهوده لدعم الحركة السينمائية وتعزيز حضورها بدول الاتحاد.

ودرس أحمد عاطف الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة، كما تخرج في معهد السينما قسم إخراج، وبدأ رحلته مخرجاً عام 2000 بفيلم «عمر 2000» الذي كتبه أيضاً وأدى بطولته خالد النبوي ومنى زكي وأحمد حلمي، وتناول من خلاله أزمة الأجيال الشابة ما بين التطلع للهجرة إلى أميركا، والإحباط الذي يعانيه من تجاهل المجتمع له. وفي فيلمه الثاني «إزاي البنات تحبك» 2003 الذي قام ببطولته هاني سلامة ونور اللبنانية، قدم القالب الرومانسي من خلال قصة حب بين بطليه، وتطرق في فيلمه الثالث «الغابة» لمشكلة أولاد الشوارع، وفي فيلمه الرابع «قبل الربيع» 2013 تطرق لثورة يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر، وقام ببطولته أحمد وفيق وحنان مطاوع وهنا شيحة.

ملصق فيلمه «قبل الربيع» (حساب أحمد عاطف على فيسبوك)

كما امتد حماسه للربيع العربي ليقدم أول فيلم يؤرخ للثورة السورية بعنوان «باب شرقي» الذي كتبه وأخرجه ودارت أحداثه بين مصر وسوريا من خلال أسرة سورية منقسمة على نفسها بين الموالاة للنظام والمعارضة له، ومحاولة كل طرف إقناع الآخر برأيه.

كما كتب وأخرج عاطف مسلسل «ستات قادرة» الذي عُرض في 2016 من بطولة عبير صبري وريهام سعيد ونجلاء بدر، وقبل عامين أصدر المخرج الراحل رواية بعنوان «روح واحدة»، تطرق فيها للشخصية المصرية عبر العصور من خلال حكايات متخيلة مستوحاة من التاريخ المصري.

وقال الناقد الفني أسامة عبد الفتاح رفيق رحلته إن «المخرج الراحل قدم تجربة سينمائية لم تكتمل رغم بدايتها المبشرة بفيلم (عمر 2000) الذي كان تجربة واعدة، لكنه لم يحقق كثيراً من طموحاته»، حسبما يقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً: «مثله في ذلك مثل أجيال عديدة من صناع الأفلام غيبتهم ظروف الإنتاج السينمائي الصعبة رغماً عنهم، وقد كان متعدد المواهب، طموحاً للغاية، وأصدر دواوين شعر وروايات، كما أقام معرضاً لرسوماته»، ويكشف عبد الفتاح عن أن «المخرج الراحل كان يحلم بصناعة فيلم كبير عن الأندلس، وكان قد كتبه ويبحث عن إنتاج له، كما كانت لديه مشروعات سينمائية عديدة يطمح لإنجازها، لكن الموت كان أسرع».


تنظيم النسخة الـ12 من «قمرة السينمائي» بقطر افتراضياً بفعل الحرب

 أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)
أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)
TT

تنظيم النسخة الـ12 من «قمرة السينمائي» بقطر افتراضياً بفعل الحرب

 أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)
أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)

أعلنت «مؤسسة الدوحة للأفلام» عن تنظيم النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» افتراضياً بفعل الحرب، والتطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، حيث سيواصل «برنامج الملتقى» تقديم «فرص التواصل»، و«الدعم الإرشادي»، لـ49 مشروعاً من 39 دولة خلال جلسات عبر الإنترنت، في الفترة من 27 مارس (آذار) الحالي، وحتى 8 أبريل (نيسان) المقبل.

ويواصل «قمرة السينمائي» في هذه الدورة الاستثنائية، دعم صناع الأفلام الذين يخوضون تجاربهم الأولى أو الثانية، من خلال تقديم إرشاد خاص، وإتاحة الوصول إلى أهم خبراء الصناعة، والتطوير الإبداعي للمشاريع في مختلف مراحل الإنتاج.

وتعكس المشروعات المشاركة في نسخة هذا العام تنوع الحكايات ما بين «السرديات الشخصية»، و«القضايا التاريخية والأساطير»، و«قضايا الهوية»، من دول عدة من بينها، قطر، والسعودية، ومصر، والمغرب، والجزائر، وفرنسا، وأميركا، والعراق، ولبنان، وإيران، وغيرها.

الأفلام المشاركة في الملتقى تضمنت موضوعات متنوعة بين الواقع والفانتازيا (مؤسسة الدوحة للأفلام)

إلى ذلك، قالت فاطمة حسن الرميحي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «الدوحة للأفلام»: «في الوقت الذي نشعر فيه بحزنٍ عميق إزاء الظروف الراهنة في المنطقة، يأتي قرار تنظيم النسخة المقبلة من (قمرة السينمائي)، بصيغة افتراضية عبر الإنترنت ليعكس صمود دولة قطر، وتكيفها مع المستجدات والتزامها الراسخ بمواصلة برامجها ومبادراتها حتى في خضم التحديات الكبيرة».

وأضافت في بيان، الثلاثاء: «سنواصل التركيز على أولوياتنا لضمان مواصلة صناع الأفلام إنجاز مشاريعهم والاستفادة من الفرص القيّمة لتبادل المعرفة والخبرات، والإرشاد والتوجيه، ومجالات التواصل المختلفة»، لافتة إلى أن «اختيارات هذا العام تعكس شجاعة وطموح صناع الأفلام اليوم، وتسلط الضوء على القصص الآنية من واقعنا المعاصر، إلى جانب المشاركة المميزة للمشروعات القطرية، والرؤى المؤثرة من مختلف أنحاء العالم».

وتتضمن المشروعات المشاركة، 27 فيلماً طويلاً، و9 مسلسلات، و13 فيلماً قصيراً، كما تضم القائمة 15 مشروعاً لصنّاع أفلام قطريين.

وتشمل فئة الأفلام الروائية «الطويلة والوثائقية الطويلة أو التعبيرية»، في مرحلة التطوير أعمال «تكلّم»، و«الملكة الطاووس»، و«العسّاس»، و«الكوكب المفقود»، و«بنت الرياح»، و«بعد الأربعين»، و«قمرة»، و«إلى أين أنتمي؟»، و«كول بصل وانسى ما حصل»، و«أندريا»، وتضم فئة «الأفلام الروائية القصيرة»، بمرحلة التطوير، أفلام «بداية جديدة»، و«طقوس مموهة»، و«مذكرة تفاهم»، و«حذاء سارا»، و«إلى أن يتوقف المطر».

لقطة من أحد الأفلام المشاركة في ملتقى قمرة السينمائي 2026 (مؤسسة الدوحة للأفلام)

وفي فئة المسلسلات التلفزيونية والويب، بمرحلة التطوير أعمال: «أصداء»، و«حبّ عربي»، و«باب القيامة»، و«رؤى الغد»، و«ريشة في هوا»، وتضم مرحلة الإنتاج للتلفزيون أعمال: «عسل وجنون»، و«سعاد ولمين»، و«الشارع الأم»، و«كلّ ما لم تقله».

أما مرحلة الإنتاج للأفلام الروائية «الطويلة والوثائقية الطويلة أو التعبيرية»، فتشمل في النسخة المبدئية أعمال «ناس العزلة»، و» هاملت من عزبة الصفي»، و«في مهب الريح»، و«أنا وأمي»، «رقصة الطاغية»، و«حيث الشمس لا تغيب»، و«غفلة»، و«مزولة»، و» إرادة حمار»، و«نسيان»، و«الفندق المعزول».

بينما تضم «الـنسخة النهائية»، «قساطل»، و«فوكسي»، و«الراديستيزيا»، و«منزل الرياح»، و«الثوار لا يموتون أبداً»، و«باردي»، و«عندما تحطمك الأخبار»، و«كالشهاب»، و«أعماق الصمت»، و«خيوط المؤازرة»، و«كابتن شديد».

من جانبه، قال المخرج القطري، جمال راشد الخنجي، إن «صناع السينما بالعالم يتطلعون دائماً لملتقى (قمرة)، بوصفه فعالية مميزة يشارك بها خبراء من أنحاء العالم لتبادل الخبرات والآراء»، لافتاً إلى أن الظروف حتمت على المؤسسة إقامة الفعالية افتراضياً هذا العام.

وأضاف الخنجي لـ«الشرق الأوسط» أن «إصرار إدارة الملتقى على إقامته رغم الظروف الصعبة، يؤكد أهمية المحافظة عليه وما يبعثه من روح تفاؤل، وفرصة لإلقاء الضوء على الأوضاع الحالية في المنطقة عبر صناعة السينما، التي تلعب دوراً مهماً في الأحداث، ونعول عليها في كل وقت».


معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)
لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)
لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتُتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين، متضمناً مخطوطات وقطعاً أثرية وخرائط فلكية تكشف عن افتتان المصري القديم بالأبراج السماوية وعلم الفلك، وتوثيقه لمعرفته بهذا العلم في الآثار المختلفة.

يأتي هذا المعرض ضمن المعارض المؤقتة التي ينظمها المتحف المصري في برلين، ويستمر 6 أشهر، في إطار سلسلة من المعارض الدولية، وبالتعاون مع البعثة المصرية الألمانية العاملة في مشروع تسجيل وتوثيق وترميم معبد خنوم في مدينة إسنا بمحافظة الأقصر(جنوب مصر).

و«يأخذ المعرض زائريه في رحلة فريدة عبر نحو 4000 عام من التاريخ الفلكي، مستعرضاً نشأة الأبراج السماوية وتطورها في الحضارات القديمة، وعلى رأسها الحضارة المصرية القديمة، إلى جانب حضارات بلاد ما بين النهرين واليونان»، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وعدّ الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، هذا المعرض «نموذجاً ناجحاً للتعاون العلمي والأثري بين مصر وألمانيا، خصوصاً في مشروع ترميم معبد إسنا بصعيد مصر»، مضيفاً في كلمته خلال الافتتاح، الاثنين، أن عرض صور الأبراج السماوية المكتشفة والمُرممة حديثاً بسقف معبد خنوم يُعد إنجازاً علمياً وفنياً بارزاً، يعكس عمق المعرفة الفلكية لدى المصريين القدماء وشغفهم برصد السماء.

وقال إن المعرض لا يقتصر على عرض القطع الأثرية، بل يقدم تجربة معرفية متكاملة تكشف عن الجذور القديمة لعلم الأبراج وتأثيره الممتد على الثقافة الإنسانية عبر العصور، من خلال مجموعة نادرة من المخطوطات والقطع الأثرية والعروض الفلكية.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن كلاً من زودياك إسنا ودائرة أبراج دندرة شاهدان خالدان على عبقرية المصري القديم في علم الفلك، ويُجسدان واحدة من أندر وأهم الخرائط السماوية التي عرفها التاريخ، ولا تزال تثير إعجاب العالم حتى اليوم.

ويتضمن المعرض عرضاً مميزاً لمنظر الزودياك الذي تم الكشف عنه أخيراً بسقف معبد خنوم في إسنا، والذي يُجسد الأبراج الفلكية الاثني عشر من الحمل إلى الحوت، إلى جانب تصوير الكواكب الخارجية مثل المشتري وزحل والمريخ، فيما يُعرف بـ«السهام السبعة»، فضلاً عن عدد من النجوم والتكوينات الفلكية التي استخدمها المصري القديم في قياس الزمن.

افتتاح المعرض الأثري المصري في برلين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويُظهر المعرض كيف كان (الفراعنة) يراقبون السماء بدقة علمية فائقة، ويحولون رصدهم للنجوم والكواكب إلى معرفة عملية مرتبطة بالحياة اليومية والزراعة والدين والاحتفالات، وفق عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض يقدم أكثر من مجرد قطع أثرية؛ فهو تجربة معرفية متكاملة تكشف عن الجذور القديمة لعلم الأبراج وتأثيره على الحضارات اللاحقة»، عاداً الزودياك المكتشف أخيراً في معبد خنوم بإسنا، إلى جانب الأبراج السماوية في معبد دندرة، يشكّلان إحدى أندر وأهم الخرائط الفلكية في العالم القديم، ويعكسان مدى فهم المصريين القدماء للكون وقدرتهم على ربط الحركة السماوية بالمواقيت الزمنية والطقوس الدينية.

ويضم المعرض صوراً للأبراج السماوية الشهيرة بمعبد دندرة، والتي تعود إلى نحو 50 عاماً قبل الميلاد، وتُعد من أقدم وأعقد الخرائط الفلكية في العالم القديم، حيث تعكس مدى التقدم العلمي للمصريين القدماء وربطهم بين علم الفلك والمعتقدات الدينية.

ويرى عبد البصير أن هذا المعرض يؤكد أن المصري القديم لم يكن مجرد فنان أو بنّاء للأهرامات، بل كان عالماً وفلكياً بارعاً، واستطاع أن يوظف معرفته بالسماء في خدمة الحياة اليومية والدين والسياسة.

وكانت وزارة السياحة والآثار المصرية قد أعلنت عن اكتشاف منظر «الزودياك» أو الأبراج الفلكية كاملاً مرسوماً على سقف معبد إسنا بالأقصر عام 2023، متضمناً الأبراج السماوية من الحمل إلى الحوت، بالإضافة إلى رصد كواكب المشترى وزحل والمريخ وغيرها من الأجرام السماوية.

جانب من المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصفت المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، المعرض الأثري المقام في برلين بأنه «إضافة علمية مهمة لمجال دراسات علم المصريات؛ إذ يسلّط الضوء على جانب دقيق من الفكر الديني والعلمي في الحضارة المصرية القديمة، يتمثّل في ما يمكن وصفه بـ(الافتتان الكوني) أو الارتباط العميق بين الإنسان والسماء في العقيدة المصرية».

وأضافت سليمان لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض يعكس تطوّر المعرفة الفلكية لدى المصريين، حيث لم تكن السماء مجرد عنصر جمالي أو أسطوري، بل كانت نظاماً رمزياً دقيقاً يرتبط بحساب الزمن والتقويم الزراعي والطقوس الجنائزية. وقد مثّل رصد النجوم، خصوصاً النجوم التي لا تغيب، أساساً لفكرة الخلود، فقد ساد اعتقاد أن الملك بعد وفاته يصعد إلى السماء ليصير نجماً بين النجوم التي لا تفنى».

ويكتسب هذا المعرض أهميته من كونه يضم مخطوطات وقطعاً أثرية نادرة، إلى جانب عروض لخرائط فلكية قديمة، وهو ما يتيح للباحثين والجمهور على السواء إعادة قراءة الدور الذي لعبه علم الفلك في تشكيل التصورات الدينية والطقسية لدى المصريين القدماء؛ فقد ارتبطت حركة النجوم والكواكب لديهم بمفاهيم الخلق، والبعث، وتنظيم الزمن، كما ظهرت بوضوح في نصوص مثل نصوص الأهرام ونصوص التوابيت، وكذلك في الرسوم الفلكية التي تزيّن أسقف المقابر والمعابد، ومن أشهرها منظر السماء في مقبرة سننموت في عصر حتشبسوت»، وفق تصريحات المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم.

ويستعرض المعرض مجموعة من أدوات قياس الوقت والزمن، من بينها الساعات الشمسية على شكل حرف (L) والمعروفة باسم «مرخت»، ومنها ساعة تحمل اسم الفرعون تحتمس الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، وأخرى ترجع إلى العصر الصاوي (الأسرة السادسة والعشرين)، بما يعكس دقة النظام الزمني لدى المصريين القدماء.