العلاقات الاقتصادية بين روسيا والصين تتزايد... لكن هل تستمر؟

حجم التجارة بينهما يبلغ 190 مليار دولار

الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال استقباله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين فبراير 2022 (أ.ف.ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال استقباله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين فبراير 2022 (أ.ف.ب)
TT

العلاقات الاقتصادية بين روسيا والصين تتزايد... لكن هل تستمر؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال استقباله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين فبراير 2022 (أ.ف.ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال استقباله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين فبراير 2022 (أ.ف.ب)

بعد عزلها بشكل واسع عن أوروبا منذ الغزو الذي شنّته على أوكرانيا، قامت روسيا بتوجيه اقتصادها على نطاق واسع نحو الصين، مجازِفة بأن تجد نفسها في «علاقة غير متوازنة» مع بكين، وفي موقف ضعيف أمامها.
قبل ثلاثة أسابيع من بداية تدخّل الكرملين في أوكرانيا، لوّح فلاديمير بوتين وشي جينبينغ بشراكة «غير محدودة» بين روسيا والصين. وكانت الرسالة: الظهور كثقل موازن للغرب.
ومنذ ذلك الحين، تكثّفت التبادلات التجارية رغم العقوبات الدولية على روسيا، ومغادرة الكثير من الشركات الأجنبية أراضيها. وبلغ حجم التجارة الثنائية العام الماضي 190 مليار دولار، وفقاً للجمارك الصينية، فيما يشكّل رقماً قياسياً.
كذلك، ارتفعت حصّة اليوان في العملات المستخدمة في التجارة الخارجية الروسية، لتنتقل من 0.5 في المائة إلى 16 في المائة، ما أدّى إلى انخفاض كبير لحصّة اليورو والدولار في الصادرات الروسية (48 في المائة الآن).
وعلى مستوى الطاقة التي تعدّ المصدر الرئيسي للتبادل بينهما، سرّعت موسكو وبكين أيضاً التقارب بينهما.
ويشير اقتصاديون من معهد التمويل الدولي إلى أنّ «الصين والهند حلّتا محل الاتحاد الأوروبي كسوقي تصدير رئيسيتين» للنفط الروسي؛ إذ مثلتا «في الربع الرابع من عام 2022، مع تركيا، ثلثي صادرات الخام الروسية».
وتقول إيلينا رباكوفي نائبة كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي، وفق وكالة الصحافة الفرنسية: «من المهم جداً بالنسبة لروسيا أن تكون قريبة من الصين؛ لأنّ روسيا ليس لديها الكثير من الأصدقاء التجاريين».
ويشير سيرغي تسيبلاكوف الخبير في العلاقات الاقتصادية الروسية - الصينية في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، إلى أنّه في غضون عام واحد «استولت الشركات الصينية على المنافذ التي حرّرتها شركات غربية غادرت روسيا».
وهذه وجهة نظر مشتركة مع آنا كيريفا الباحثة في معهد «إم جي آي إم أو» للعلاقات الدولية في روسيا، التي قالت لوكالة الصحافة الفرنسية: «كان من الضروري العثور على مصادر بديلة للواردات أيضاً، خصوصاً في مجال الآلات والإلكترونيات ومختلف أجزاء ومكوّنات السيارات وغيرها من المركبات».
ولكنّها تضيف أنّ «معظم الشركات الصينية الكبرى المندمجة جيداً في الأسواق الغربية، اختارت وقف أنشطتها في روسيا؛ خوفاً من عقوبات محتملة».
ومن جانبه يؤكد المحلّل تيموثي آش لوكالة الصحافة الفرنسية أنّ «بوتين يريد علاقة متوازنة مع الصين، مثل توأمين، ولكن الأمر ليس كذلك». ويقول: «ليس لروسيا خيار آخر» سوى اللجوء إلى الصين.
ويرى تيمور أوماروف الباحث في مؤسسة «كارنيغي» للأبحاث، أنّ الاستقرار الاقتصادي لروسيا «يعتمد على الصين». ويقول: «إنه يمنح بكين أداة أخرى ووسيلة أخرى للتأثير على روسيا من الداخل»، غير أنّ الكرملين ينفي وجود أيّ تفاوت.
وقال المساعد الرئاسي يوري أوشاكوف للصحافيين: «لا يوجد زعيم ولا تابع في العلاقات بين روسيا والصين»، مشيراً إلى أنهما «شريكَان يثقان ببعضهما البعض، ويتشاركان إلى حدّ كبير الأهداف نفسها».
بيد أنه لا تزال هناك بعض المشكلات اللوجيستية التي تعوق تنمية التجارة بين بكين وموسكو. وفي هذا السياق، تشير كيريفا إلى أنّ خطوط السكك الحديدية في أقصى شرق روسيا باتت قديمة، وسيستغرق تحديثها بعض الوقت.
الأمر نفسه ينطبق على البنية التحتية المخصّصة للوقود في هذه المنطقة، مثل ميناء النفط الروسي (كوزمينو) الواقع على ساحل بحر اليابان. فضلاً على ذلك، فإنّ روسيا مضطرّة إلى بيع نفطها بأسعار أرخص من المعتاد إلى الصين أو الهند للحفاظ على حجم المبيعات.
وباتت عواقب التخفيضات القسرية هذه تظهر على ميزانيتها؛ فقد تراجعت عائدات النفط بنسبة 42 في المائة على أساس سنوي في فبراير (شباط)، وفق ما أفادت به الوكالة الدولية للطاقة.
ويقول تيموثي آش إنّ وجود عدد أقل من الشركاء يترك روسيا في وضع ضعيف مقارنة بالصين، التي لا تزال منافساً لها.
لكن ما الذي يزيد من إضعاف الموقف الروسي أمام بكين؟ يؤكد آش أنّ «القوّتَين متنافستان أبعد من كونهما حليفتَين مفترضتين». ويضيف أنّ «بكين تفضّل أن ترى روسيا ضعيفة حتى تتمكن من استغلالها».
ومن جهته، يقول تيمور أوماروف: «نحن فقط في بداية عملية الاعتماد الاقتصادي الروسي على الصين». ويضيف: «لكن في غضون عدّة سنوات أو عقود، يمكن أن تتحول هذه الرافعة الاقتصادية إلى رافعة سياسية أكثر قوة».


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

السوق السعودية تسجل أعلى إغلاق منذ مايو بمكاسب 5.5 % خلال أغسطس

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
TT

السوق السعودية تسجل أعلى إغلاق منذ مايو بمكاسب 5.5 % خلال أغسطس

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية «تاسي» جلسة الاثنين مرتفعاً بنسبة 0.9 في المائة، ليغلق عند 11174 نقطة، بمكاسب 95 نقطة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ مايو (أيار) الماضي، وسط تداولات بلغت نحو 6 مليارات ريال.

وسجل المؤشر أعلى مستوى عند 11188 نقطة، وأدنى مستوى عند 11077 نقطة. وبمكاسب اليوم، ارتفع المؤشر بنحو 600 نقطة منذ بداية أغسطس (آب)، ما يعادل 5.5 في المائة.

وارتفع سهما «أرامكو السعودية» و«مصرف الراجحي» بنسبة 1 في المائة و2 في المائة عند 26.58 ريال و67.25 ريال على التوالي، بينما صعد سهم «أكوا باور» بأكثر من 2 في المائة.

وقفزت أسهم «الفخارية» و«الإعادة السعودية» و«الخليجية العامة» و«الأبحاث والإعلام» و«نسيج» و«متكاملة» بنسب تراوحت بين 5 و10 في المائة.

وارتفع سهم «أسمنت الشمالية» بنسبة 6 في المائة عند 7.06 ريال، وسط تداولات بلغت نحو 2.7 مليون سهم، عقب إعلان الشركة توزيعات نقدية على المساهمين.

في المقابل، أغلق سهم «الغاز القابضة» عند 59.50 ريال، منخفضاً بنسبة 3 في المائة، عقب نهاية أحقية توزيعات نقدية على المساهمين.

وتصدر سهم «رعاية» الشركات المتراجعة بنسبة 4 في المائة.


وزير الاستثمار السعودي: اقتصادنا يوفر فرصاً كبيرة أمام الشركات الفرنسية

السيف وإلى جانبه وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور (الشرق الأوسط)
السيف وإلى جانبه وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور (الشرق الأوسط)
TT

وزير الاستثمار السعودي: اقتصادنا يوفر فرصاً كبيرة أمام الشركات الفرنسية

السيف وإلى جانبه وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور (الشرق الأوسط)
السيف وإلى جانبه وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور (الشرق الأوسط)

أكد وزير الاستثمار السعودي فهد السيف أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الفرنسي في السعودية بلغ 16.3 مليار يورو، مشيراً إلى أن فرنسا تعد رابع أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة في المملكة، في وقت يتسع فيه حضور الشركات الفرنسية ليشمل أكثر من 18 قطاعًا.

وقال السيف، خلال كلمته الافتتاحية في اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي–السعودي للاستثمار الذي تستضيفه باريس اليوم والذي يحضره أيضاً وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور، إن الشركات الفرنسية لديها نحو 650 رخصة استثمارية في المملكة، بما يعكس اتساع قاعدة الأعمال الفرنسية وتنامي الفرص المتاحة أمامها في الاقتصاد السعودي.

ويأتي الاجتماع في إطار الزيارة الرسمية لولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، وتنظمه وزارة الاستثمار بمشاركة مسؤولين حكوميين وقادة أعمال ورؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات من البلدين. ويتناول الاجتماع فرص تطوير الشراكات في قطاعات تشمل الصناعة، والنقل والخدمات اللوجستية، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب قطاعات أخرى، مع توقع توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة.

الطاقة تتصدر مجالات التعاون

وأشار وزير الاستثمار إلى أن قطاع النفط والغاز يأتي في مقدمة القطاعات المرشحة للاستفادة من تعزيز العلاقات السعودية–الفرنسية، في ظل الحضور التاريخي للشركات الفرنسية في قطاع الطاقة بالمملكة.

ويمتد التعاون إلى مجالات أوسع في منظومة الطاقة، بما يشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين والبنية التحتية للشبكات، بالتوازي مع استمرار الشركات الفرنسية في تعزيز حضورها في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والبناء والتشييد والمياه والخدمات.

وتعد الطاقة من أبرز مجالات الحضور الفرنسي في السعودية، إلى جانب تنامي فرص التعاون في قطاعات جديدة ترتبط مباشرة بمسار التنويع الاقتصادي الذي تقوده رؤية السعودية 2030.

من الطاقة والصناعة إلى الذكاء الاصطناعي

وتتجه الشراكة الاستثمارية بين البلدين إلى تجاوز القطاعات التقليدية نحو مجالات الاقتصاد الجديد، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والثقافة والصناعات الإبداعية والتعدين.

ويعكس إدراج هذه القطاعات على جدول أعمال الطاولة المستديرة توجه الجانبين إلى تحويل العلاقات الاقتصادية القائمة إلى شراكات استثمارية في القطاعات الأسرع نموًا، مستفيدين من الطلب المتزايد في السوق السعودية ومن القدرات التقنية والصناعية للشركات الفرنسية.

وتعمل شركات فرنسية بالفعل في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والمياه والبيئة والضيافة والصحة، فيما يفتح توسع الاقتصاد السعودي فرصاً إضافية أمامها في مجالات التكنولوجيا والصناعة المتقدمة.


الخزانة الأميركية قد تستخدم 950 مليار دولار لدعم سوق السندات

مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

الخزانة الأميركية قد تستخدم 950 مليار دولار لدعم سوق السندات

مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

تدرس وزارة الخزانة الأميركية الاستفادة من رصيد حسابها العام لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، البالغ نحو 950 مليار دولار، لتمويل عمليات شراء السندات الحكومية، في خطوة يمكن أن تمنح الوزير سكوت بيسنت قدرة أكبر على التأثير في عوائد الديون طويلة الأجل، بعدما أثارت عمليات إعادة الشراء التي أعلنتها الوزارة الأسبوع الماضي شكوكاً بشأن محدودية حجمها.

ونقلت شبكة «سي إن بي سي» عن مسؤولين كبيرين في وزارة الخزانة، أن الحساب العام للخزانة، المعروف باسم Treasury General Account (TGA)، يُعد مصدراً متاحاً لتمويل مشتريات السندات. ولم يحدد المسؤولون مقدار الأموال التي قد تستخدمها الوزارة، ولا موعد أي تحرك من هذا النوع، ولكنهم أوضحوا أن الرصيد يُنظر إليه بوصفه متاحاً لهذا الغرض.

ويأتي ذلك بعد أن فاجأت الخزانة الأسواق الأسبوع الماضي بإعلانها مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، مقارنة بنحو ملياري دولار سابقاً. وقال بيسنت لاحقاً إن قيمة العمليات قد تتجاوز هذا الحد.

حساب بـ950 مليار دولار يغيِّر حسابات السوق

يُعد حساب الخزانة العام بمنزلة الحساب النقدي للحكومة الأميركية لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، وتُحفظ فيه الإيرادات الحكومية، بما في ذلك حصيلة الضرائب. وقد رفع بيسنت رصيد الحساب إلى نحو 950 مليار دولار، مقارنة بهدف تراوح بين 550 و600 مليار دولار خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وفق المسؤولين الذين تحدثوا إلى «سي إن بي سي».

ومن شأن الاستفادة من جزء من هذا الرصيد أن تمنح الخزانة قوة أكبر من الاعتماد فقط على إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل، لتمويل عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.

وكان بيسنت قد وصف استراتيجية الخزانة بأنها «انعطافة للخزانة» في إشارة إلى عمليات يجري فيها شراء السندات طويلة الأجل وتمويلها بإصدارات قصيرة الأجل. وهذا الأسلوب من شأنه إعادة تشكيل هيكل الدين من دون زيادة مباشرة في إجمالي الدين القائم.

لكن المسؤولين لم يستبعدوا استمرار استخدام أذون الخزانة قصيرة الأجل إلى جانب حساب الخزانة العام.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)

خطوة تتجاوز تأثير عملية الـ4 مليارات دولار

خطوة تتجاوز تأثير عملية الـ4 مليارات دولار

جاء التفكير في استخدام حساب الخزانة بعدما تلاشى سريعاً التأثير الأولي لإعلان زيادة عمليات إعادة الشراء. فقد هبطت عوائد السندات عقب الإعلان، قبل أن تعود إلى الارتفاع، وسط شكوك في الأسواق بشأن قدرة عمليات بقيمة بضعة مليارات من الدولارات على التأثير بصورة مستدامة في سوق الخزانة الأميركية الضخمة.

وتراجعت عوائد السندات الأميركية مجدداً اليوم بعد تقرير «سي إن بي سي» بشأن احتمال استخدام حساب الخزانة، مع انخفاض عائد السندات لأجل 10 سنوات بنحو 3 نقاط أساس. كما تراجعت عوائد الآجال الطويلة وسط توقعات بإجراءات إضافية من وزارة الخزانة.

ويعكس ذلك حساسية السوق تجاه حجم القوة النارية التي يمكن أن تستخدمها الخزانة. فمجرد الإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى جزء من رصيد يقترب من تريليون دولار، قد تكون لها آثار أكبر على توقعات المستثمرين من برنامج إعادة شراء محدود.

لا حاجة إلى «الاحتياطي الفيدرالي»

ومن شأن استخدام حساب الخزانة أيضاً أن يخفف المخاوف بشأن احتمال طلب مساعدة «الاحتياطي الفيدرالي» في دعم سوق السندات. فـ«الاحتياطي الفيدرالي» يحتفظ بحساب الخزانة العام، ولكنه لا يعتبره أداة من أدوات السياسة النقدية. وبالتالي، فإن استخدام أموال الحساب لشراء السندات سيكون تحركاً من جانب وزارة الخزانة، وليس برنامجاً لشراء الأصول من جانب البنك المركزي.

ويكتسب هذا التفصيل أهمية خاصة في ظل التباين بين أهداف وزارة الخزانة وسياسة «الاحتياطي الفيدرالي»؛ إذ قد يؤدي انخفاض عوائد السندات طويلة الأجل بفعل عمليات شراء حكومية واسعة إلى ظروف مالية أكثر تيسيراً، في وقت يظل فيه البنك المركزي حريصاً على إبقاء التضخم تحت السيطرة. وقد حذَّر محللون بالفعل من أن تدخل الخزانة في سوق السندات قد يعقِّد مهمة «الاحتياطي الفيدرالي».

مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

مساحة للمناورة قبل أزمة سقف الدين

ولا يبدو أن خفض رصيد حساب الخزانة قليلاً سيشكل خطراً فورياً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها. ويمنح التوقيت الحالي وزارة الخزانة مساحة للمناورة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن سقف الدين الأميركي لن يشكل قيداً ملحّاً قبل الشتاء المقبل، وربما حتى أوائل الربيع، ما يتيح للحكومة وقتاً لإعادة بناء الرصيد إذا قررت استخدام جزء منه.

وحسب المسؤولين، فإن الهدف من الاحتفاظ بمستوى مرتفع من السيولة يتمثل في ضمان قدرة الحكومة على مواجهة احتياجاتها النقدية، وليس بالضرورة الحفاظ على رقم ثابت للحساب في جميع الأوقات.

وبالتالي، فإن استخدام جزء من الـ950 مليار دولار يمكن أن يوفر للخزانة أداة مؤقتة لدعم سوق السندات، مع إمكانية إعادة تكوين الرصيد لاحقاً من خلال إصدار سندات جديدة.

ارتفاع الدين يضع بيسنت أمام اختبار صعب

ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه سوق سندات الخزانة ضغوطاً قوية، بعدما تجاوز إجمالي الدين الحكومي الأميركي 40 تريليون دولار، بينما تقترب تكاليف خدمة الدين من مستويات قياسية.

وقد بلغت مدفوعات الفائدة على الدين الحكومي خلال السنة المالية الحالية نحو 1.2 تريليون دولار، وفق تصريحات بيسنت التي نقلتها «رويترز»، مع بقاء شهرين على نهاية السنة المالية. كما أدى ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل إلى زيادة تكاليف الاقتراض للحكومة والشركات والأسر على حد سواء.

وكان عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً قد اقترب الأسبوع الماضي من أعلى مستوياته منذ عام 2007، قبل أن تتدخل الخزانة من خلال زيادة عمليات إعادة الشراء. إلا أن أثر الخطوة كان قصير الأجل؛ إذ عادت العوائد للارتفاع سريعاً مع استمرار المخاوف بشأن حجم الدين والعجز وحجم الإصدارات الحكومية المقبلة.

«أداة» جديدة في ترسانة الخزانة

ولا يعني احتمال استخدام حساب الخزانة أن الوزارة قررت ضخ مئات المليارات في سوق السندات. فالمسؤولون لم يحددوا مبلغاً ولا جدولاً زمنياً، كما لم يشيروا إلى استخدام الرصيد خارج نطاق السندات التي تستهدفها عمليات إعادة الشراء الحالية.

لكن مجرد إدخال حساب الخزانة العام في معادلة السوق يوسع نطاق الأدوات المتاحة أمام بيسنت، الذي قال إن لدى الوزارة «مجموعة كبيرة من الأدوات» للتعامل مع ارتفاع العوائد، معتبراً أن المستويات الحالية لا تعكس بصورة كاملة قوة الاقتصاد الأميركي.

وتتركز عمليات إعادة الشراء الحالية على السندات طويلة الأجل التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، بهدف تحسين السيولة في أجزاء أقل تداولاً من السوق، ودعم الطلب على هذه السندات.

وفي المقابل، لا تعالج هذه الإجراءات الأسباب الهيكلية وراء ارتفاع العوائد، وفي مقدمتها ضخامة العجز المالي، وارتفاع حجم الاقتراض الحكومي، وازدياد الطلب على رأس المال من شركات التكنولوجيا ومشروعات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

الخزانة أمام معادلة دقيقة

إذا استخدمت وزارة الخزانة جزءاً من رصيدها البالغ نحو 950 مليار دولار، فقد تتمكن من منح سوق السندات دعماً أكبر من برنامج إعادة الشراء الحالي، وربما تهدئة العوائد في الأجل القصير.

لكن نجاح الاستراتيجية على المدى الأطول سيظل مرتبطاً بقدرة واشنطن على معالجة العجز والدين؛ إذ لا يمكن لعمليات إعادة الشراء وحدها تغيير حجم الاحتياجات التمويلية للحكومة الأميركية.

وبذلك، يتحول حساب الخزانة العام الذي كان يُنظر إليه أساساً كاحتياطي نقدي للحكومة، إلى ورقة محتملة في معركة بيسنت لاحتواء عوائد السندات طويلة الأجل، في وقت تزداد فيه حساسية الأسواق تجاه قدرة واشنطن على إدارة دين يتجاوز 40 تريليون دولار.