عمرو موسى لـ«الشرق الأوسط»: الجرح لم يلتئم بعد وسوء التقدير السياسي وراء سقوط العراق

قال إن طموحات صدام «لم تكن لتتوقف عند الكويت... وسوريا كانت المحطة التالية على أجندة خطة التوسع»

عمرو موسى (غيتي)
عمرو موسى (غيتي)
TT

عمرو موسى لـ«الشرق الأوسط»: الجرح لم يلتئم بعد وسوء التقدير السياسي وراء سقوط العراق

عمرو موسى (غيتي)
عمرو موسى (غيتي)

يحمل اللقاء مع الدبلوماسي المخضرم، عمرو موسى، دائماً تفاصيل تضيء زوايا تاريخ لا يزال حياً. فقد كان موسى لعقود صانعاً وشاهداً على مجريات السياسة العربية، سواء خلال عقد على رأس الدبلوماسية المصرية (1991 - 2001) أو لعقد آخر (2001 - 2011) كان حافلاً بالأنواء، قضاه أميناً عاماً للجامعة العربية. في هذا اللقاء مع «الشرق الأوسط»، يُطل عمرو موسى من نافذة الزمن بعد عقدين على الغزو الأميركي للعراق (2003)، ذلك الحدث الفارق، الذي يقول: إن «جراحه لم تلتئم بعد»، يتأمل الطريق التي قادت إلى الغزو، والتشققات التي أصابت البنيان العربي بسببه. يعيد قراءة الحدث مازجاً بين حنكة السياسي وحكمة الدبلوماسي، وبين عقلانية المثقف وحماسة المواطن العربي وألمه.
ينطلق عمرو موسى في استعادته الغزو الأميركي للعراق من غزو أسبق، يراه لازماً لقراءة صحيحة لتطورات الأحداث، وهو الغزو العراقي للكويت (1990 – 1991)، الذي يشير إلى أنه «كشف عن حقيقة مشروع صدام حسين التوسعي، وأصاب النظام العربي باختلال واضح، وأشاع حالة من التشكك حتى لدى الدول التي سعى صدام إلى استقطابها لتكوين غطاء عربي لطموحاته التوسعية، وفي مقدمها مصر».
ويبدي موسى اعتقاداً بأن التحالف العربي والدولي الذي تكوّن لتحرير الكويت «أرسى واقعاً جديداً بشأن أمن المنطقة، ووضع حداً لطموحات صدام»، مؤكداً أن تلك الطموحات «لم تكن لتتوقف عند الكويت، وأن سوريا كانت المحطة التالية على أجندة خطة التوسع، لأسباب تتعلق بالهيمنة على تيار البعث، كما كانت هناك افتراضات شائعة لدى سياسيين ودبلوماسيين بأنه سيتحرك لاحقاً باتجاه جميع دول الخليج».

تحولات عميقة

ويتوقف موسى أمام بعض المتغيرات التي حملتها الفترة التالية لغزو الكويت وصولاً إلى الغزو الأميركي للعراق، فيقول: إن أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 كانت في صدارة تلك التحولات «التي لم يُجِد النظام العراقي آنذاك قراءتها»، مؤكداً أنها «غيّرت مسار السياسة الأميركية، وأدت إلى جنوح الولايات المتحدة إلى استخدام القوة».
وحول مدى الإدراك العربي لخطورة الموقف قبيل الغزو الأميركي، يقول موسى «كانت هناك معلومات واضحة أمام صانع القرار العربي، بل وظهر بعضها إلى العلن، تفيد بأن الولايات المتحدة تجهز لإتمام الغزو، وأن قيادات عراقية معارضة تنسق معها، وأجهزة الاستخبارات العربية كانت نشطة في هذا الاتجاه».
ويضيف «في ظني أن صدام حسين في تلك الآونة صار متواكلاً، وكان يعتقد أن واشنطن لن تنفذ تدخلها العسكري، وهذه مسألة غريبة، ومخاطرة بمصير شعب ودولة عريقة»، ويشير إلى أنه في المقابل «كان واضحاً أيضاً أن معظم القادة العرب إما أنهم لا يهتمون بمصير صدام، وإما أنهم يرون أنه يستحق ما سوف يجري له ويتوقعونه».

 أبواب جهنم

وحول الدور الذي لعبه كأمين عام للجامعة العربية في «سباق الزمن» لمحاولة تجنب الغزو الأميركي الذي رأى أن «القرار بشأنه قد اُتُخذ بالفعل في واشنطن»، يقول موسى: إنه تحرك في تلك الأجواء المشحونة بالتوتر وفق اعتبارات تنطلق من دور الجامعة العربية ورسالتها في الدفاع عن المصلحة العربية الشاملة، وكان أولها التحذير العلني من خطورة الموقف. ويضيف «قلت في تصريح شهير تناقلته وسائل إعلام دولية عدة: إن غزو العراق سيفتح أبواب جهنم».

المسار الثاني كان التحرك قبل 14 شهراً من الغزو؛ إذ التقى الرئيس العراقي صدام حسين في يناير (كانون الثاني) 2002، في لقاء تم فيه «التأكيد على عدم امتلاك العراق أسلحة (دمار شامل) أو مفاعلات نووية»، وعلى ضرورة استئناف زيارات المفتشين الدوليين لتجنب أي استهداف للعراق. وردّ صدام قائلاً «يا أخ عمرو، أنا أثق في قوميتك وعروبتك، وأنك لن تتآمر على العراق». ويضيف موسى «يومها أبلغته (صدام) أنني سأنقل هذه الرسالة (عدم امتلاك العراق أسلحة دمار) بصفتي أميناً للجامعة العربية إلى سكرتير عام الأمم المتحدة، وكان وقتها كوفي أنان. فقال لي: أنت مفوّض أن تتحدث باسم العراق».
وارتكز المسار الثالث، كما يقول موسى، على تنفيذ جملة من المشاورات والتحركات العربية والدولية لإنقاذ الموقف في خريف 2002، بينما كان الأميركيون يتحركون نحو تهيئة الرأي العام العالمي لقرار الحرب، ويؤكد «نجحنا بفضل تلك الجهود في إبعاد الخطر وليس في إنهائه».
وحول الأجواء داخل الجامعة العربية، عند انطلاق الغزو ليلة 19-20 مارس (آذار) 2003، يقول موسى «كان مجلس الجامعة العربية في حالة انعقاد دائم بناءً على طلبي، وفي يوم الغزو، كنا نتابع الأخبار التي ترد إلينا بمشاعر متباينة، فبينما أخبار المقاومة تثير حماس الحاضرين، كانت تعليقات وزير الإعلام العراقي، محمد سعيد الصحاف، تضحكهم، لكننا جميعاً كنا نستشعر أن ما يجري سيقود إلى مصير واحد، وهو ما حدث بعد نحو أسبوعين بسقوط بغداد».
وحول سبب استدعائه ذكرى نكسة يونيو (حزيران) 1967 عند الحديث عن الغزو الأميركي للعراق، يقول موسى «المشترك بينهما هو سوء التقدير السياسي... سوء التقدير في1967، تم تداركه بالإعداد والتخطيط الجيد لحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، بينما سوء التقدير السياسي في حالة صدام حسين، كان موجوداً طوال الوقت».

جنود أميركيون في مطار بغداد مع صورة لصدام حسين بعد إطاحة نظامه يوم 14 أبريل 2003 (أ.ف.ب)

«اختطاف» العراق

وتطرق الأمين العام الأسبق للجامعة العربية إلى «حالة الفوضى العارمة» التي دخلها العراق عقب الغزو، وتحدث عن يقينه بـ«وجود مخطط لاختطاف العراق»، ويقول «المؤكد لدي أن محاولة اختطاف العراق، وانتزاع هويته العربية جرت بقوة وقسوة من داخل العراق على يد بعض مكوناته السياسية، ومن جيرة العراق، وأعني هنا إيران، ليصبح عراقاً آخر غير الذي نعرفه، وقد كان تمكين إيران من العراق خطأً استراتيجياً كبيراً».
ويضيف «كانت الهوية أول ما اصطدم به العراقيون بعد الغزو». ويتابع، أن الجامعة العربية لعبت آنذاك دوراً محورياً في جمع كل مكونات العراق للمرة الأولى. ويستعيد، في هذا السياق، تدخله شخصياً للإبقاء على الهوية العربية في الدستور العراقي، الذي كانت تجري مناقشته في تلك الفترة، ونجاحه بالتنسيق مع «قادة العراق الجدد» على اختلاف تياراتهم السياسية وانتماءاتهم المذهبية في «الحفاظ على الوجه العربي للعراق». ويسجل أنهم «كانوا جميعاً يقرّون بذلك الانتماء العربي، ويرون أنه ليس من المصلحة إنكاره أو طمسه».
وحول ما إذا كانت «جراح الغزو الأميركي» قد التأمت بعد 20 عاماً، يجيب عمرو موسى بحسم «بالتأكيد... لا». ويضيف «العراق تعرّض لهدم مؤسساته وتمزيق مكوناته، وإعادة البناء تتطلب وقتاً». ويستطرد قائلاً «العراق يسير اليوم في طريق واضحة، وهناك رغبة جادة في إصلاحه، وأحد الأعمدة الرئيسية في هذا الإصلاح يكمن في أن يعتبر نفسه جزءاً من العالم العربي».
ويدعو موسى إلى «تقديم تصور جديد للقومية العربية يناسب متغيرات القرن الـ21، ويقوم على المصلحة المشتركة»، مضيفاً «ما أراه أننا أفقنا، وأن العواطف والهتافات والشعارات، وتهييج الشوارع أصبحت من الماضي، وأن المستقبل ينبغي أن يقوم على أعمدة مثل المصلحة المشتركة، وإصلاح أحوال المواطن العربي، والحكم الرشيد»، مشدداً على أن «غياب الحكم الرشيد جعل العالم العربي أرضاً خصبة لصناعة الفوضى الخلاقة».
وحول ما إذا كان غزو العراق يمكن أن يتكرر إقليمياً، في ظل سياقات التوتر الحالية بين الغرب وإيران، يقول الأمين العام الأسبق للجامعة العربية: إن «سوء التقدير السياسي يؤدي إلى نفس النتائج، فمن غير المتصور أن يرتكب أحد نفس الأخطاء، ويتوقع نتائج إيجابية».
ويضيف «إيران الآن تحت المجهر، وهناك مطالبات من جانب الحكومة الإسرائيلية وبعض الدوائر التي تسير في الاتجاه نفسه، بضرب إيران»، مبدياً اعتقاده بأن درس الغزو الأميركي للعراق، «لا يزال صالحاً للجميع»، وهو ضرورة ألا «يبالغ أي حاكم أو دولة في تقدير قوته، ويجب تجنب الغرور بالقوة؛ فاللعب مع الكبار خطر، وفي لحظات الحسم لن يحميك إلا القبول العام في وطنك وفي المنطقة».
ويستطرد موسى، مؤكداً، أن «السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار بالمنطقة لا يمكن قبوله»، وأن حديث الإيرانيين عن أنهم يديرون أربع عواصم عربية «إهانة غير مقبولة للعرب، وحتى الآن لم يعتذر أحد عنها». ويتابع «لا أعتقد أنه ستكون هناك عاصمة عربية خامسة تُدار من طهران».
وحول المشهدين الإقليمي والدولي بعد 20 عاماً من الغزو الأميركي للعراق، يقول: إن هناك «حرباً باردة قادمة. حرب غربية - روسية، وأخرى أميركية – صينية، وحروب مختلفة». ويستطرد «الدول العربية حالياً ضعيفة من حيث الوزن السياسي عالمياً، ولا بد أن نكون جزءاً من حركة عالمية أكبر، هي حركة الجنوب العالمي Global South، وسنجد إلى جوارنا في هذا المسار دولاً مثل الهند والبرازيل وغيرهما»، مشيراً إلى أن «هذه التجمعات لا تزال في مرحلة الإنضاج».


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)
TT

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

اندلع سجال مفاجئ بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري على خلفية المفاوضات مع إسرائيل، بعد أن قال عون إنه نسق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك».

وكان عون قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة نواف سلام، على عكس ما يحكى في الإعلام» وهو ما رد عليه بري سريعاً، قائلاً في بيان: «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، إلا أن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان عون قال إنه «يبذل كل جهد ممكن للوصول إلى حل بعيداً عن العنف والدماء الزكية التي تهرق على أرض الجنوب، وهذا الحل يتحقق بالمفاوضات، التي هي حرب بلا دماء».

«كل خطوة اتخذتها كانت بالتنسيق مع بري وسلام»

وفي ظل الحملة التي يتعرض لها عون، على خلفية قرار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، أكد عون «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة نواف سلام، على عكس ما يحكى في الإعلام».

وأضاف: «أما بالنسبة للانتقادات بأن لبنان وافق من خلال البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، فأقول إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتُمد في تشرين الثاني 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».

تطبيق وقف النار بشكل كامل قبل المفاوضات

وشدد الرئيس عون على أنه إذا اعتقدت إسرائيل أنها من خلال الانتهاكات وتدمير القرى الحدودية، بإمكانها الحصول على الأمن، فهي مخطئة؛ لأنها جربت ذلك قبلاً دون نتيجة، مضيفاً: «الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحمي الحدود هو عندما تكون الدولة اللبنانية بكامل قوتها موجودة في كامل الجنوب وحتى الحدود الدولية». وقال: «على إسرائيل أن تدرك بشكل نهائي أن الطريق الوحيد للأمن هو عبر المفاوضات، لكن عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات».

بانتظار تحديد موعد للمفاوضات وملف لبنان على طاولة ترمب

وتحدث عون عن «صعوبات كثيرة تعترضنا لتحقيق ذلك، ونعمل قدر المستطاع للتخفيف من تبعات الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ونقوم باتصالات مكثفة من أجل ذلك، فلا يجوز أن تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على حالها بعد إعلان وقف إطلاق النار».

وقال: «نحن الآن بانتظار تحديد موعد من قِبَل الولايات المتحدة لبدء المفاوضات. دول الاتحاد الأوروبي بأسرها والدول العربية معها، دعمت خيارنا بالمفاوضات، وهناك إجماع على مستوى الشعب اللبناني، وخاصة أهل الجنوب، على ضرورة الانتهاء من الحرب».

واعتبر الرئيس عون أن هناك أمراً إيجابياً قد تحقق، وهو أن الملف اللبناني بات اليوم على طاولة الرئيس الأميركي، «الذي يحمل مكانة خاصة للبنان، وقد أشاد خلال الاتصال الهاتفي بيننا بشكل مؤثر بلبنان وشعبه، وهذه فرصة لنا علينا الاستفادة منها للعبور ببلدنا إلى شاطئ الأمان والسلام».


«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
TT

«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)

قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، إن قضية المتهم الرئيسي في مجازر التضامن، أمجد يوسف، وصلت إلى «مرحلة متقدمة».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه ستتم إحالة المتهم إلى محكمة الجنايات الرابعة بدمشق التي يمثل أمامها رئيس فرع المخابرات العسكرية بدرعا عاطف نجيب، وذلك «سواء تم إقرار قانون العدالة الانتقالية أم لا».

ولا تزال قضية أمجد يوسف تتفاعل في الشارع السوري مع تجدد فتح ملف المفقودين والمغيبين قسرياً، لا سيما في «حي التضامن» الذي عاد إلى دائرة الاهتمام الإعلامي.

ومع انطلاق المحاكمات، قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، رديف مصطفى، إن ملف قضية أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجازر التضامن 2013، «يشهد تقدماً واضحاً بعد إلقاء القبض عليه»، وذلك رداً على سؤال «الشرق الأوسط» عما إذا كانت محاكمة المتهم قريبة.

وأوضح مصطفى أن «هناك عملاً مستمراً على استكمال التحقيقات وتجهيز الملف القضائي وفق الأصول القانونية»، لافتاً إلى أنه بعد الانتهاء من التحقيقات سيتم تحويل يوسف إلى النيابة العامة للادعاء عليه، ثم سيتم تحويله إلى قاضي التحقيق وإصدار القرار الظني، ومن ثم إحالته لقاضي الإحالة ليصدر القرار الاتهامي بتحويله إلى المحكمة المتخصصة بالعدالة الانتقالية.

سكان حي التضامن الدمشقي يتحدثون إلى وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا

ورأى مصطفى أن الحديث عن «موعد محدد للمحاكمة يبقى مرتبطاً باستكمال الإجراءات وضمان جاهزية الملف بشكل متكامل»، مع التأكيد على أن «القضية انتقلت إلى مرحلة متقدمة ضمن مسار المساءلة».

وزار وفد من الهيئة موقع مجزرة التضامن، أمس الثلاثاء، «ضمن مسار كشف الحقيقة والتواصل المباشر مع الضحايا وذويهم، والاطلاع الميداني على الموقع المرتبط بالجريمة، إضافة إلى الاستماع للشهادات والإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بالمسارات القانونية».

وهدفت الزيارة إلى «تعزيز ثقة الأهالي بمسار العدالة الانتقالية، والتأكيد أن هذه الملفات تُتابع بشكل جدي ومباشر»، وفق مصطفى، الذي أشار إلى العمل على «تنظيم وتمكين الضحايا وتقديم المساعدة القانونية المجانية لهم وتسهيل آليات رفع الدعاوى من قبل المتضررين وذوي الضحايا، بما يضمن السير بالإجراءات بشكل قانوني ومنظم، ويساعد في دعم ملفات المساءلة بالأدلة والشهادات اللازمة»، وذلك رداً على سؤال عما إذا تم بالفعل تنظيم رفع دعاوى من ذوي الضحايا بحق المتهم، وكم بلغ عددها؟

سيدة من أهالي ضحايا مجزرة التضامن تتحدث لوفد هيئة العدالة

وأكد «وجود دعاوى وإفادات وشهادات تم العمل عليها ضمن عدد من الملفات المرتبطة بالانتهاكات والجرائم الجسيمة، لكن في هذه المرحلة لا يتم الإعلان عن الأرقام الدقيقة أو تفاصيل بعض الإجراءات، حفاظاً على سرية التحقيقات وسلامة المسار القضائي».

خلال زيارته الميدانية إلى موقع «مجزرة التضامن»، شرح وفد هيئة العدالة لأهالي الضحايا آليات رفع الدعاوى بحق مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة، إلى جانب الإجابة عن استفساراتهم المتعلقة بالمسارات القانونية والإجراءات المتبعة ضمن إطار العدالة الانتقالية. ويطالب أهالي الضحايا في «حي التضامن»، بالإنصاف وإخراج رفاة شهدائهم ونقلها إلى قبور تحمل أسمائهم، كما يطالبون بالقصاص من المجرمين وتحقيق العدالة.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وفيما يتعلق بالمحكمة المختصة بالعدالة الانتقالية التي سيمثل أمامها المتهم والقانون الذي سيحاكم على أساسه، سيما وأن القانون الخاص بالعدالة الانتقالية لم يصدر بعد؟ قال مصطفى إن «المتهم سيمثل أمام محكمة الجنايات الرابعة فور الانتهاء من الإجراءات القانونية المذكورة أعلاه»، وستتم إحالة المتهم أمجد يوسف إلى المحكمة نفسها التي أحيل إليها عاطف نجيب، «سواء تم إقرار قانون العدالة الانتقالية أم لا، ولكن نحن نأمل ومقتنعون بأن أمجد سيحاكم وفق قانون.

يشار إلى أن قانون العقوبات السوري الذي تعمل به المحاكم السورية، وبدأت بموجبه محاكمة رموز النظام البائد، غير منصوص فيه على جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وفي محاكمة عاطف نجيب «عمل قاضي التحقيق مواءمة ما بين قانون العقوبات السوري والقوانين والأعراف الدولية في جرائم الإرهاب وجرائم الحرب والإبادة الجماعية»، وفق تصريحات سابقة لنقيب المحامين في سوريا، محمد علي الطويل.

وألقت السلطات السورية القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي في قضية «مجازر التضامن 2013» وراح ضحيتها نحو 500 مدني بينهم نساء وأطفال، حسب اعترافات متورطين في تلك المجازر تم القبض عليهم العام الماضي.

وكشف مقطع فيديو مسرب لإحدى المجازر عام 2022 في تحقيق نشرته صحيفة «الغارديان» عن أمجد يوسف مع رفاقه يقتلون نحو أربعين شخصاً بإطلاق النار عليهم ثم حرق جثثهم في حفرة أعدت مسبقاً لدفنهم.

وبين حين وآخر يعثر أهالي الحي على رفاة وعظام بشرية مبعثرة في الأزقة الترابية والحارات قيد الإنشاء، في الوقت الذي لا يزال مصير العشرات من أبناء الحي مجهولاً.


بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
TT

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري، بوصفها أحد العوامل الأساسية المؤثرة في مسار القرار الداخلي. وبينما يفرض الواقع تواصلاً مستمراً وتنسيقاً على مستوى المؤسسات، تكشف التطورات الأخيرة عن تباينات واضحة في المقاربات السياسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتفاوض مع إسرائيل لوقف الحرب، وهو ما يضع العلاقة أمام اختبار فعلي في ظل تعقيدات المرحلة والتحديات المتزايدة على الداخل اللبناني والمسؤولين في بيروت.

وفيما كان لافتاً كلام رئيس الجمهورية، الأربعاء، بتأكيده أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام»، يتقاطع التباين بين عون وبري من موقع كل منهما ضمن التموضع السياسي للأفرقاء اللبنانيين، حيث يرتبط بري بتحالف وثيق مع «حزب الله» الذي يقود حملة ضد الرئيس عون على خلفية التفاوض مع إسرائيل، في حين يسعى الأخير إلى تقديم مقاربة أكثر مرونة تجاه المجتمع الدولي ولا تدفع باتجاه مواجهة داخلية، ما يضع العلاقة بينهما ضمن إطار «شدّ الحبال» السياسي المستمر.

من الاطمئنان إلى الخلاف

وآخر لقاء كان قد جمع بري وعون كان في 23 مارس (آذار) الماضي، خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، وعبّر حينها عن ثقته بما يقوم به الرئيس عون عند سؤاله عما إذا كان مطمئناً للوضع الداخلي، قائلاً: «بوجود فخامة الرئيس أنا مطمئن».

أما اليوم، ومع التبدلات التي طرأت على الوضع الداخلي اللبناني، والاختلاف في مقاربة بعض الأمور الأساسية بين الطرفين، وعلى رأسها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهي التي أعلن بري رفضه لها، يطرح السؤال عما إذا كان بري لا يزال مطمئناً أم أن التوتّر دخل إلى العلاقة بينهما، لا سيما بعد تأجيل الاجتماع الثلاثي الذي كان مقرراً الأربعاء في القصر الرئاسي ليجمع بين عون وبري ورئيس الحكومة نواف سلام للبحث في المفاوضات مع إسرائيل، بحيث أشارت بعض المعلومات إلى أن السبب كان الخطاب الأخير للرئيس عون الذي توجه به إلى «حزب الله» رداً على حملات التخوين ضده قائلاً: «الخائن من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية».

مبنى مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة صور (رويترز)

تواصل مستمر ولقاء مؤجل

ومع إقرارها بالاختلاف في وجهات النظر، تصف مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية العلاقة بين عون وبري بـ«الجيدة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات مستمرة بينهما، وأن آخر اتصال بينهما كان مساء الثلاثاء.

وهذا الأمر يؤكده النائب في كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري، علي خريس، رابطاً اللقاء بوقف إطلاق النار، ويقول: «الاتصالات بين الطرفين لم تنقطع، وكان آخرها مساء الثلاثاء بحيث الأولوية تبقى لتكريس وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أنه بعد ذلك قد يحصل اللقاء.

ويوضح خريس: «ليس هناك تباعد أو انقطاع بين الطرفين، إنما هو اختلاف في وجهات النظر حول آلية التفاوض، بحيث ندعم خيار المفاوضات غير المباشرة، في حين أخذ رئيس الجمهورية خيار المفاوضات المباشرة».

من هنا، يشير خريس إلى أن المشاورات مستمرة بوتيرة مكثفة، بانتظار ما ستسفر عنه في المرحلة المقبلة، مؤكداً «أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو وقف العدوان على لبنان وترسيخ التهدئة، خصوصاً في ظل استمرار سقوط ضحايا من المدنيين والصحافيين وعناصر الدفاع المدني، بما يعكس واقعاً ميدانياً يتناقض مع الحديث عن وقف لإطلاق النار ولا يمت إليه بصلة».

بدورها، تؤكد المصادر الوزارية أن جهود الرئيس عون تنصب لتكريس وقف إطلاق النار، مؤكدة «أن اللقاء سيحصل في وقته».

سيدة تصلي أمام تمثال مار شربل على مقربة من صور معلقة في الشارع دعماً لرئيس الجمهورية جوزيف عون (أ.ف.ب)

منسى موفداً من عون وسلام إلى المجلس الشيعي

وسجل يوم الثلاثاء زيارة وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، كما إلى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ناقلاً تحيات رئيسي الجمهورية والحكومة.

وقال منسى إنه «يقوم بجولة على القيادات الروحية للمساهمة في جمع البلد على كلمة واحدة»، فيما أكد الخطيب «ضرورة التفاهم الوطني على كل الأمور؛ لأننا لن نصل إلى نتيجة من دون هذا التفاهم ومن خلال المبادرات الفردية».

وفي إشارة واضحة إلى الخلاف حول المفاوضات مع إسرائيل، قال الخطيب: «نحن نريد النجاح لفخامة الرئيس، وقد أيدناه ودعمناه، ولكن يجب أن تحظى كل خطوة بإجماع وطني، وننصحه بالاستعانة بخبرة وحكمة دولة الرئيس نبيه بري».