مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في مشروع بإحدى كنائس الأردن

عراقية تعمل في مشغل «رافدين» (أ.ف.ب)
عراقية تعمل في مشغل «رافدين» (أ.ف.ب)
TT

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

عراقية تعمل في مشغل «رافدين» (أ.ف.ب)
عراقية تعمل في مشغل «رافدين» (أ.ف.ب)

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش.
نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل.
تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص.
وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعمل في هذه الورشة منذ عام 2021: إن «الحياة هنا بالغة الصعوبة، وإذا لم نعمل لا نستطيع أن نعيش، فنحن عراقيون ممنوع علينا أن نعمل في أي مكان؛ لذا أعمل هنا فيما يعمل أخي في مطبخ الكنيسة. إنه مكان آمن».
تصطف في المكان طاولات بيضاء، الواحدة بجانب الأخرى وقد وضعت فوقها العديد من الملابس المصنوعة والمطوية. وفي الزوايا وضعت ماكينات الخياطة ولفائف قماش ملونة تنتظر القص.
وسارة واحدة من عشرات آلاف اللاجئين العراقيين الذين يقيمون في الأردن بعد أن فروا من العنف في بلدهم.
تدربت في مشروع خياطة ملابس يحمل اسم «رافدين - صنع فتيات عراقيات» أسسه عام 2016 ماريو كورنيولي، كاهن إيطالي مقيم في الأردن.
وقام هذا الكاهن بالتعاون مع مصممين وخياطين إيطاليين بتعليم أكثر من 120 فتاة مهنة الخياطة ومساعدتهن في كسب لقمة العيش.
فرت سارة وعائلتها من بلدة قرقوش المسيحية (30 كلم شرق الموصل) إلى أربيل شمالاً في 6 أغسطس (آب) 2014 بعد هجوم مقاتلي تنظيم «داعش».
مكثوا هناك لأربع سنوات، ولدى عودتهم تعرضوا للتهديد، فأُجبروا على الفرار مجدداً إلى أربيل لمدة عام ثم قرروا المجيء إلى عمان لطلب اللجوء من سفارة أستراليا، لكن طلبهم رُفض خمس مرات، حسبما تقول.
وحين أعلن التنظيم قيام «الخلافة الإسلامية» على مساحة تفوق 240 ألف كيلومتر مربع تمتدّ بين سوريا والعراق، تحكّم مقاتلوه بمصائر سبعة ملايين شخص.
وبثّ هؤلاء الرعب في مناطق سيطرتهم وفرضوا تطبيقاً صارماً جداً للشريعة الإسلامية، ونفّذوا اعتداءات وحشية قبل أن تتقلّص مساحة سيطرتهم تدريجياً.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2017، أعلن العراق الانتصار على التنظيم الذي قام بما سماه عمليات «تطهير ثقافي» عبر تدمير مواقع أثرية ورموز دينية مسيحية وإسلامية.
وتضيف سارة «والدي كبير في السن وأمي مريضة بالسرطان؛ لذلك توجّب علينا أن نعمل ونتدبر أمورنا لأن من الصعب أن نعود. لم يعد لدينا شيء هناك كي نعود إلى العراق»، البلد الذي كان يعد 1.5 مليون مسيحي قبل سقوط نظام صدام حسين عام 2003، وهم أقل اليوم من 500 ألف.
وتختم «أنا سعيدة، فإضافة إلى كوني خريجة دبلوم محاسبة صرت أتقن مهنة خياطة الملابس والجلود».
لمناسبة مرور سبعة أعوام على تأسيس هذا المشروع، أقيم احتفال في الورشة قدمت خلاله الفتيات بعض أعمالهن.
وأوضح الأب كورنيولي، مدير مؤسسة «حبيبي فالتيبيرينا» لوكالة الصحافة الفرنسية «هذه أفضل طريقة لمساعدة هاتيك اللاجئات لأننا نحاول مساعدتهن بكرامة حتى يتمكن من تعلم شيء من المهارات الوظيفية ومساعدة عائلاتهن».
وأشار إلى أن «كثيرات منهن هن الوحيدات اللواتي يعملن في أسرهن ويتمكنّ من خلال المال الذي يتلقينه من المشروع من إعالة أسرهن للبقاء على قيد الحياة».
وقال «هاتيك الفتيات تم طردهن من قراهن في سهل نينوى من قبل تنظيم داعش، في البداية ذهبن إلى كردستان ثم سمح لهن بالمجيء إلى هنا ودخول الأردن».
وأضاف «اعتقدن في البداية أنهن سيبقين في الأردن بضعة أشهر، لكنهن علقن هنا، بعض العائلات غادرت وبعضها لا يزال ينتظر هنا».
كما لفت إلى أن «هناك عائلات أخرى جديدة ما زالت تصل؛ لذا فهذه مشكلة مستمرة، لكن هذا المشروع سمح للاجئات بفعل شيء والبقاء على قيد الحياة».
ويعبّر عن سعادته «لأن هذا المشروع يمنح كثيرات من الفتيات فرصة لتعلم شيء ما، وربما يمكنهن استخدام هذه المهارات عندما يغادرن» المملكة؛ إذ ينتظرن الرحيل إلى بلد ثالث.
وأشار إلى «قصص نجاح» لبعض الفتيات اللواتي غادرن الأردن ووجدن عملاً في أستراليا أو كندا أو الولايات المتحدة.
تباع المنتجات التي تخيطها الفتيات وهي فساتين وسترات وأحزمة وربطات في إيطاليا ولمغتربين مقيمين في عمان.
لكن الأب كورنيولي يأمل أن يصبح للورشة علامة تجارية، وقال «حلم (رافدين) الآن هو أن يكون لها علامة تجارية بحيث نتوجه إلى السوق ونبيع المزيد؛ لأن المشروع يجب أن يتصف باستدامة ذاتية وأن يدعم الفتيات».
قبل أن تأتي إلى الأردن عام 2017 كانت ديانا نبيل (29 عاماً) وهي لاجئة مسيحية من بغداد تعمل محاسبة في شركة مقاولات.
أُتيح لها أن تكتسب بعض الخبرة في مجال الخياطة قبل ثلاثة أعوام من خلال فرصة عملها الأولى في هذه الورشة.
وقالت ديانا التي جاءت إلى الأردن برفقة والديها وعمتها تمهيدا للجوء إلى أستراليا، حيث تعيش شقيقتها «في البداية كنت أعرف أموراً قليلة عن الخياطة. هنا تعلمت أكثر وبدأت أخيط الأقمشة والجلود».
وأضافت «بعض أقاربنا يساعدوننا مالياً وأحياناً تساعدنا الأمم المتحدة قليلاً جداً، ومع عملي هنا نتدبر أمورنا».
ووفق ما قال وائل سليمان مدير منظمة «كاريتاس» في الأردن، التي تقدم مساعدات إنسانية وطبية للاجئين لوكالة الصحافة الأميركية «لا يزال ما بين 12 ألفاً و13 ألف لاجئ مسيحي عراقي في الأردن، وهؤلاء محبطون لأن لا حلول لمشكلتهم».
وأوضح، أنهم «يأملون باللجوء إلى بلد ثالث، لكن في ضوء الوضع وما يجري في العالم، تبدو الأبواب موصدة أمامهم».
وختم سليمان بالقول «هم يخافون المستقبل ولا أحد يمكنه أن يلومهم على ذلك».


مقالات ذات صلة

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

المشرق العربي اليمين الإسرائيلي يطالب بتدفيع الأردن ثمناً سياسياً مقابل تحرير العدوان

اليمين الإسرائيلي يطالب بتدفيع الأردن ثمناً سياسياً مقابل تحرير العدوان

خلال المفاوضات الجارية بين الحكومتين حول اعتقال النائب الأردني عماد العدوان، المشتبه به في محاولة تهريب كمية كبيرة من الأسلحة والذهب إلى الضفة الغربية، أبدت السلطات الإسرائيلية موقفاً متشدداً أوضحت فيه أنها لن تطلق سراحه قبل الانتهاء من محاكمته، فيما طالبت أوساط في اليمين الحاكم بأن يدفع الأردن ثمناً سياسياً ذا وزن ثقيل مقابل تحريره، مثل تخليه عن الوصاية الهاشمية على الحرم القدسي الشريف وبقية المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة. وقالت مصادر في اليمين إن «تهمة النائب الأردني خطيرة للغاية على الصعيدين الدبلوماسي والأمني على السواء، وكان يمكن له أن يتسبب في قتل إسرائيليين كثيرين لو نجحت خطته

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الأردن يؤكد أن ظروف توقيف العدوان في إسرائيل تحترم حقوقه القانونية والإنسانية

الأردن يؤكد أن ظروف توقيف العدوان في إسرائيل تحترم حقوقه القانونية والإنسانية

أكدت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، أن النائب عماد العدوان الذي أوقفته السلطات الإسرائيلية قبل أيام على خلفية قضية تهريب مزعومة لكميات من الأسلحة والذهب، بـ«صحة جيدة ولا يتعرض لأي ممارسات مسيئة جسدياً أو نفسياً»، لافتة إلى أنه «طلب طمأنة أسرته أنه بصحة جيدة». وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية وشؤون المغتربين السفير سنان المجالي، في بيان صحافي (الثلاثاء)، إن السفير الأردني في تل أبيب غسان المجالي، تحدث بشكل مفصل مع النائب العدوان حول ظروف توقيفه وإجراءات التحقيق معه، وتأكد منه أن ظروف توقيفه تحترم حقوقه القانونية والإنسانية.

المشرق العربي إسرائيل تحقق في وجهة أسلحة النائب الأردني

إسرائيل تحقق في وجهة أسلحة النائب الأردني

يحقق جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في وجهة الأسلحة التي كان ينقلها النائب الأردني، عماد العدوان، في سيارته إلى الضفة الغربية، فيما ستحدد المسألة إلى حد كبير كيف ستتعامل إسرائيل مع القضية التي زادت من حدة التوترات مع عمان. وفيما فرض «الشاباك» تعتيماً إعلامياً على القضية، فإنَّ التحقيق مع العدوان استمر أمس، لليوم الثاني، حول الأسلحة، وما إذا كانت متعلقة بالتجارة أم بدعم المقاومة الفلسطينية، وهل كانت المرة الأولى، ومن هم المتورطون في القضية. وكان العدوان اعتُقل الأحد على جسر «اللنبي» الإسرائيلي، بين الأردن والضفة الغربية، بعد معلومات قال وزير الخارجية الإسرائيلية إيلي كوهين، إنَّها استخبا

كفاح زبون (رام الله)
يوميات الشرق بيانات تعزية متواصلة لمصر في وفاة مساعد ملحقها الإداري بالخرطوم

بيانات تعزية متواصلة لمصر في وفاة مساعد ملحقها الإداري بالخرطوم

مع إعلان مصر، مساء الاثنين، «استشهاد» مساعد الملحق الإداري بسفارتها في الخرطو، توالت اليوم (الثلاثاء) بيانات عدد من الدول، في مقدمتها المملكة العربية السعودية، والأردن، وروسيا، للإعراب عن مواساتها للقاهرة في الحادث. في حين أكدت وزارة الخارجية المصرية أن «السفارة المصرية في الخرطوم وقنصليتي الخرطوم وبور سودان والمكتب القنصلي في وادي حلفا تواصل التنسيق مع المواطنين المصريين لإجلائهم». ونعت وزارة الخارجية المصرية وأعضاؤها ببالغ الحزن والأسى «شهيد الواجب» مساعد الملحق الإداري بسفارة مصر في الخرطوم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
TT

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)

تتصاعد منذ ثلاثة أيام عمليات استهداف حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية في محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب شمال سوريا، وتوجه الاتهامات لما تعرف بـ«الشبيبة الثورية» التابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

وبينما عدّ أحد شيوخ القبائل العربية في الحسكة هذه الممارسات أنها تهدف إلى «الضغط على الحكومة السورية لتقديم مزيد من التنازلات» في عملية تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، رأى مسؤول في «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، أن تلك الاعتداءات تندرج في إطار التصرفات «الفردية».

وشهد محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب في اليومين الماضيين توتراً أمنياً، على أثر سلسلة هجمات ضد حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية.

تعزيزات قوى الأمن الداخلي في محيط عين العرب (سانا)

وأفاد «تلفزيون سوريا»، بأن مجهولين استهدفوا، مساء الخميس، حاجزاً تابعاً لقوى الأمن الداخلي بقذائف «آر بي جي» قرب دوار جب الفرج في ناحية الشيوخ بمحيط مدينة عين العرب، دفعت على أثره قوى الأمن الداخلي بتعزيزات إلى المنطقة، وبدأت عمليات تمشيط وانتشار واسع بحثاً عن منفذي الهجوم، في حين لم ترد معلومات فورية عن وقوع إصابات أو حجم الأضرار الناجمة عن الاستهداف.

وسبق أن شهدت قريتا العونية وأشمة بريف عين العرب الغربي، الأربعاء الماضي، توتراً أمنياً، على أثر استهداف مجموعة مسلحة عدداً من المدنيين، تبعه مهاجمة أحد الحواجز الأمنية... وقد تعاملت قوى الأمن الداخلي مع الاعتداء، ونجحت في إحباط الهجوم والسيطرة التامة على الموقف، ونفذت حملة أمنية لتعقب المتورطين.

وأوضحت وزارة الداخلية السورية، في بيان، أن «قوى الأمن الداخلي ألقت القبض على 20 متورطاً في هذه الأعمال الخارجة عن القانون، وأعادت الهدوء والأمان إلى المنطقة، مع استمرار ملاحقة بقية الفارين لتقديمهم إلى العدالة».

قوى الأمن الداخلي قرب عين العرب (سانا)

وأكدت أن «أي اعتداء يطول أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، أو أي تصرف يخرج عن إطار القانون، يُعدّ اعتداءً على الدولة السورية. وستتعامل بأقصى درجات الحزم مع كل متجاوز، ولن تتهاون في اتخاذ الإجراءات الصارمة اللازمة لحماية مؤسسات الدولة وأمن المواطنين».

تلك التطورات تتزامن مع مواصلة الحكومة السورية و«قسد» تنفيذ اتفاق 29 يناير الماضي، الذي ينص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» الكردية بالحكومة السورية.

مضر حماد الأسعد أحد شيوخ القبائل العربية في محافظة الحسكة، رأى أن تنفيذ الاتفاق «يسير بشكل بطيء جداً بالنسبة للملفات التي تهم الحكومة السورية، في حين يسير بشكل سريع جداً بالنسبة للقضايا التي تهم الإدارة الذاتية الكردية». وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن عودة المهجرين الكرد والعرب التابعين لـ«قسد» إلى مدنهم مثال، على ذلك.

وفي إطار تنفيذ بنود اتفاق الدمج، عادت الأربعاء الدفعة الثامنة الأخيرة من مهجري عفرين (نحو 1300 عائلة)، إلى مناطقهم الأصلية. وذكر الأسعد، أن «دفعات الأهالي العائدين دخل ضمنها عناصر متطرفة من قسد و حزب العمال الكردستاني والشبيبة الثورية التابعة لقسد».

ناحية عين العرب (كوباني) بريف حلب (سانا)

واتهم الأسعد، تلك العناصر «بتنفيذ الاعتداءات على المواقع والحواجز الأمنية الحكومية في عين العرب وعفرين وبقية المناطق التي عادوا إليها، وقد حصل ذلك عشرات المرات، بهدف الضغط على الحكومة السورية للحصول على تنازلات إضافية منها في عملية الدمج».

وبحسب التصريحات الرسمية، تقدم نحو 9 آلاف من عناصر «قسد» بطلبات للانضمام إلى قوى الأمن الداخلي، وذلك في إطار تنفيذ اتفاق 29 يناير. وقال الأسعد: «نحن أبناء العرب نرفض انضمام هذا العدد الكبير من قسد إلى قوى الأمن الداخلي »، محذراً من أن «المنطقة مقبلة على بركان سينفجر في اللحظة المناسبة وستتم محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوري».

وشهدت عدة مناطق في شمال سوريا في الأيام الماضية، مظاهرات ضد «قسد» و«الشبيبة الثورية». وأوضح الأسعد، أن «العشائر العربية تريد من الحكومة الوقوف بوجه قسد، ومنع السيطرة تحت اسمها على محافظة الحسكة».

واتهم الأسعد «قسد» و«الشبيبة الثورية» بعرقلة تنفيذ اتفاق الدمج. وقال:«80 في المائة من الدوائر الرسمية لم يتم افتتاحها ولم تسلم للحكومة لأن قسد ترفض ذلك... بينما عندما أرادت الاندماج مع قوى الأمن الداخلي، قدمت الآلاف من عناصرها وبخاصة من عناصر (الشبيبة الثورية) لإعطائهم الشرعية الحكومية».

عناصر من «قسد» يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

وأكد الأسعد أن أبناء القبائل والعشائر العربية «ضد الحرب ونريد الأمن والأمان والاستقرار والازدهار وأن يعيش الجميع تحت كنف الحكومة والعمل يداً بيد، ولكن يبدو أن (الشبيبة الثورية) وقيادة (قسد) القنديلية لا يريدون ذلك، ويريدون الحصول على مكاسب شخصية وهذا ما يحصل على أرض الواقع».

في المقابل، عدّ «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، وهو بمثابة الواجهة السياسية لـ«الإدارة الذاتية» الكردية، ما يحدث من اعتداءات على مواقع وحواجز قوى الأمن الداخلي في مناطق تنتشر فيها «قسد» و«الشبيبة الثورية» في شمال سوريا، يندرج في إطار تصرفات «فردية».

وقال عضو علاقات «مسد» باقي حمزة لـ«الشرق الأوسط»:«ما يحصل هو تصرفات فردية وليست ضمن المخطط العام. (مسد) مع اتفاق 29 يناير الذي يجب أن يستمر».

وأشار إلى أن «عملية تنفيذ الاتفاق التي تسير ببطء تمر بتحديات وعوائق وتدخلات خارجية لإبطال هذا الاتفاق، ولكن هناك إرادة بأن يٌنفذ الاتفاق رغم الصعوبات والتجاوزات».

من أحد الاجتماعات السابقة في دمشق مع قيادة «قسد» (سانا)

وشدد حمزة على أنه «لا يمكن الرجوع عن تنفيذ اتفاق الدمج لأن البديل عن ذلك الحرب»، لافتاً إلى أنه «يجب أن تكون هناك عملية بناء ثقة تبدأ أولاً من خلال تقديم الخدمات والعمل على السلم الأهلي، من أجل أن تبدأ الخطوة التالية المتمثلة بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية بالحكومة».

وسألت «الشرق الأوسط»: «ألا يمكن لـ(قسد) وضع حد لهذه الاعتداءات؟». فأجاب حمزة: «قسد تقوم حالياً بعملية الاندماج والأسايش (قوى الأمن الداخلي الكردية) تريد الاندماج ولكن العملية لم تكتمل وهناك تنافس... الإرادة لدى شمال سوريا أن يتم الاندماج وعدم حصول هذه التصرفات».


حراك عربي لترتيبات توقف إطلاق النار في لبنان

من جلسة المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في مقر «الخارجية الأميركية» (أ.ف.ب)
من جلسة المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في مقر «الخارجية الأميركية» (أ.ف.ب)
TT

حراك عربي لترتيبات توقف إطلاق النار في لبنان

من جلسة المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في مقر «الخارجية الأميركية» (أ.ف.ب)
من جلسة المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في مقر «الخارجية الأميركية» (أ.ف.ب)

يواكب حراك عربي مباحثات باكستان، لتعزيز فرص فرض اتفاق وقف إطلاق نار في لبنان، بعد دخول لبنان منطقة التجاذب بين إيران والولايات المتحدة من جهة، وإسرائيل و«حزب الله» من جهة أخرى، وذلك في مسعى على مراحل، يبدأ من فرض وقف للنار، وخطة لتطبيق المراحل الأخرى، حسبما قالت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط».

وفيما لم يُعلن رسمياً عن تفاصيل التفاهم الإيراني - الأميركي بعد، وما إذا كان سيشمل لبنان وبأي صيغة، لم تعكس التسريبات الإسرائيلية أي تهدئة على الجبهة اللبنانية، إذ نقلت «القناة 14» عن مصدر إسرائيلي قوله إن «الوضع في لبنان سيبقى على حاله»، مؤكداً «الاحتفاظ بحرية التحرك ضد أي تهديد داخل الأراضي اللبنانية»، وأضاف أن «محاولات إيران لربط الساحات قد فشلت».

لكن المصادر اللبنانية، لا ترى، في الواقع، فصلاً بين الملفين، رغم أن لبنان يمضي بمسار مستقل عبر المفاوضات الثنائية مع إسرائيل في واشنطن، ويستعد لجولة جديدة من المحادثات.

وقالت المصادر إن أي تفاهم أميركي وإيراني، «سينعكس حكماً على الملف اللبناني، ونحن نأمل في ذلك»، موضحة أن الطرفين المعنيين «يستطيعان فرض ترتيبات، عبر ضغوط تُمارسها واشنطن على تل أبيب، وأخرى تمارسها طهران على (حزب الله)».

الوفد اللبناني المشارك في مفاوضات واشنطن مطلع الشهر الحالي (رويترز)

حراك عربي مساعد

وريثما تتبلور نتائج المحادثات الإيرانية - الأميركية، دخل عامل مساعِد على تهيئة الأرضية اللبنانية لتلقّف أي تطوّر في المباحثات الإيرانية. وقالت مصادر لبنانية مواكبة للاتصالات الدولية، إن هناك حراكاً عربياً صديقاً للبنان نشط خلال اليومين الماضيين، يعمل على ترتيب موقف يُساعد في المفاوضات، لافتة إلى أن التوصل إلى هذا الموقف «سيُمهّد للقاء ثلاثي، يجمع رؤساء الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام، لإجراء تقييم للوضع والمضي بخطة تبدأ من تطبيق وقف إطلاق النار، وتنفيذ مرحلة ما بعده».

وقالت المصادر إن الحراك «يعمل على عدة محاور، تبدأ من تنفيذ وقف لإطلاق النار، تليها خطوات أخرى مثل انسحابات من الجهتين، (أي الجيش الإسرائيلي ينسحب من الأراضي المحتلة و«حزب الله» يسحب مقاتليه أيضاً)، ودخول الجيش اللبناني، وتسليم سلاح (حزب الله)»، وذلك بضمانات دولية لعدم تجدد القتال، وتضمن عودة السكان والاستقرار في الجنوب.

وبرز موقف داخلي مساعد في الأسبوع الأخير، تمثّل في تفعيل التواصل بين الرئيسين عون وبري، علماً بأن رئيس البرلمان يتولى المحادثات الداخلية مع «حزب الله».

«تعنّت» إسرائيل وإصرار «حزب الله»

ورغم التطورات الإقليمية والدولية، يمضي لبنان بمساره التفاوضي مع إسرائيل في واشنطن، بهدف تحقيق وقف لإطلاق النار، وهو ما يصرّ عليه الرئيس اللبناني، إذ تُعقد جلسات أيام 22 و23 و24 يونيو (حزيران) الحالي، وسيكون الاجتماع الأول عسكرياً - دبلوماسياً، فيما تُخصص جلسات اليوم الثاني للمباحثات العسكرية فقط، أما جلسات اليوم الثالث فستكون دبلوماسية فقط، حسبما تقول مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط».

غير أن كل الإجراءات والمبادرات اصطدمت حتى الآن بـ«تعنّت» إسرائيلي، وتمسك «حزب الله» بالقتال. فمن جهة إسرائيل لم تقدم خلال الجلسات الماضية أي أجوبة عن المطالب اللبنانية، لدرجة أنه في الجلسة الأخيرة هدد سفير لبنان بمغادرة الجلسة، قبل أن يتدخل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهو ما أعلنته الرئاسة اللبنانية في الأسبوع الماضي.

وتقول المصادر إن الجانب الإسرائيلي «متعنّت، ولم يقدم ما يدفع التفاوض إلى الأمام»، في إشارة إلى إصراره على ربط أي خطوة، مثل وقف إطلاق النار أو تطبيق المنطقة النموذجية، بنزع سلاح «حزب الله» بشكل مسبق.

أما من جهة «حزب الله»، فإنه أبلغ الوسطاء بأنه لن يقدم أي أجوبة قبل وقف إطلاق نار شامل وكامل على الأراضي اللبنانية، في وقت أوقف التواصل مع الرئيس عون.

وبين الموقفين المتصادمين، دعم الموقف الأميركي لبنان لجهة تحييد بيروت وضاحيتها الجنوبية عن القصف، لكنه «لم يمارس ضغوطاً كبيرة في ملف وقف النار في الجنوب»، وتقول المصادر إن الجانب الإسرائيلي «لديه ما يكفي من حرية الحركة في الجنوب لمواصلة القصف والقتال»، في واقع بدا أن هناك مناطق مخصصة للقتال، أي الجنوب، وأخرى محيّدة عنه.

المنطقة النموذجية

وكانت جلسة المفاوضات السابقة قد اقترحت «منطقة تجريبية» لمنطقة نموذجية خالية من السلاح، وينسحب منها طرفا القتال، لكن هذا الاختبار لم يلقَ فرصته من النجاح، وذلك قبل اتضاح الخطة العملية لتنفيذه، إذ رفض «حزب الله» هذا المقترح، فيما ترفضه إسرائيل أيضاً، وفقاً لما تقوله المصادر.

وينطوي هذا المقترح على مخاطر على الجيش اللبناني، في حال جرى تطبيقه من غير وقف لإطلاق النار، لأنه سيحول دون تحرك قواته بأمان بين مناطق القتال ووسط القذائف المتطايرة، ما يضع العسكريين في منطقة الخطر.

أجوبة منتظرة من «حزب الله»

وفي ظل هذا التأزم، يتطلع لبنان إلى نتائج المحادثات الإيرانية - الأميركية، وانعكاساتها على الداخل اللبناني، وتقول مصادر مواكبة للحراك الداخلي إن «هامش المناورة لدى (حزب الله) يضيق، إذ بات لزاماً عليه أن يقدم إجابات عما إذا كان سينسحب من المناطق النموذجية المقترحة أم لا، وما إذا كان سيُسلم سلاحه تنفيذاً لأي مبادرة»، وسط ضبابية حول ما إذا كان سيقدم هذه الضمانات للدولة اللبنانية أم للمفاوض الإيراني، في حال موافقته. وتضيف المصادر: «وإذا كان رافضاً للنقطتين فعليه أن يُقدم البديل أيضاً لوقف الحرب».

وأدانت كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) الجمعة، «جولة المفاوضات المباشرة الأخيرة»، وجددت رفضها «جملةً وتفصيلاً لكل مخرجات اللقاء الجائرة التي فرضت التزامات أحادية الجانب على لبنان».

وأكدت «رفض الشروط والإملاءات التي طرحها العدو وتبناها الوفد اللبناني المفاوض رغم خلوّ الالتزامات من أي إشارة نحو ما ينبغي على العدو أن يلتزم به لجهة وقف العمليات العدائية، والانسحاب من أرضنا، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، التي تُشكل أولويات وثوابت وطنية لا ينبغي للسلطة السياسية التغافل عنها».


هل تخرج حكومة الزيدي من مظلة إيران تدريجياً؟

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)
TT

هل تخرج حكومة الزيدي من مظلة إيران تدريجياً؟

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)

اتخذت الحكومة العراقية خطوات تشير إلى إعادة تموضع تدريجية في السياسة الخارجية للبلاد، في وقت تسعى فيه بغداد إلى تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول العربية، بعد سنوات من النفوذ الإيراني الواسع على القرار السياسي والأمني العراقي.

وجاء ذلك بعد يوم واحد من دعوة الزيدي الرئيسَ السوري أحمد الشرع إلى إطلاق تنسيق جديد بين بغداد ودمشق، في وقت أصدرت فيه وزارة الخارجية العراقية بياناً أدانت فيه للمرة الأولى الضربات الصاروخية التي شنتها إيران على الكويت والبحرين والأردن رداً على هجمات أميركية استهدفت مواقع إيرانية.

وقالت «الخارجية العراقية» إن تلك الضربات تمثل تهديداً للاستقرار الإقليمي، محذرة من «خطر انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع؛ لما قد تتركه من تداعيات سلبية جسيمة على الأمن الإقليمي والدولي». ودعت إلى «تجنيب المنطقة مزيداً من التوتر وعدم الاستقرار في وقت تتطلب فيه الظروف الراهنة تغليب لغة الحوار والحكمة، وتكثيف الجهود الرامية إلى احتواء التوترات».

وأضاف البيان أن «استقرار الدول العربية والدول المجاورة يمثل جزءاً مهماً من استقرار العراق وأمنه الوطني»، مؤكداً أهمية الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية بين دول المنطقة وصون المصالح المشتركة التي تخدم التنمية والاستقرار.

ويرى مراقبون أن هذه الإدانة تأتي ضمن سلسلة خطوات تتخذها الحكومة الجديدة، من بينها الشروع في إجراءات تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة، فضلاً عن التحضير لزيارة مرتقبة للزيدي إلى واشنطن برفقة وفد يضم عدداً من رجال الأعمال العراقيين، في مسعى لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين بغداد وواشنطن.

وشهدت العلاقات العراقية - الأميركية خلال السنوات الماضية توترات متكررة بسبب الهجمات التي استهدفت المصالح الأميركية في العراق، بما في ذلك السفارة الأميركية في بغداد والقنصلية الأميركية في أربيل، وهي هجمات نُسبت إلى فصائل مسلحة موالية لإيران، الأمر الذي حدّ من فرص تطوير شراكة سياسية واقتصادية أوسع بين البلدين.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (واع)

ضغوط مالية متزايدة

تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه حكومة الزيدي تحديات اقتصادية ومالية حادة. ووفقاً لمصادر عراقية، تسلمت الحكومة الجديدة خزينة تعاني من نقص حاد في السيولة؛ إذ لا يتجاوز الاحتياطي المالي المتاح نحو مليار دولار، في حين تواجه التزامات مالية عاجلة تقدر بنحو 8 تريليونات دينار عراقي؛ أي ما يعادل نحو 6 مليارات دولار.

وأبلغ الزيدي قوى سياسية عراقية عزمه اتخاذ إجراءات اقتصادية صعبة لتفادي اندلاع موجة احتجاجات شعبية جديدة، على غرار احتجاجات عام 2019 المعروفة باسم «انتفاضة تشرين» التي اندلعت خلال ولاية رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي.

في هذا السياق، أقر زعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم، وهو أحد أبرز قادة «الإطار التنسيقي» الذي دعم تشكيل حكومة الزيدي، بأن «الضغوط المالية» التي تواجهها البلاد قد تؤدي إلى تأخير مستحقات بعض الفئات الاجتماعية، مرجعاً ذلك إلى استمرار التوترات الإقليمية والاضطرابات التي تؤثر على إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.

وفي مؤشر على حجم الأزمة التي تواجهها الطبقة السياسية العراقية، دعا رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع إيران، إلى تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، وإنجاح زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن.

أعضاء «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم إيذاناً ببدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)

إعادة توجيه السياسة الخارجية

يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي، أن التطورات الإقليمية الأخيرة دفعت العراق إلى إعادة النظر في موقعه ضمن التوازنات الإقليمية.

وقال الفيلي إن الحرب الأخيرة التي شهدتها المنطقة وأثرت على العراق جعلت من الضروري تعزيز استقلالية القرار الخارجي العراقي، خاصة أن العديد من الدول باتت تنظر إلى بغداد باعتبارها الأقرب إلى طهران.

وأضاف أن تحركات الزيدي تشير إلى رغبته في بناء علاقات متوازنة مع المحيط العربي والمجتمع الدولي، مع الأخذ في الاعتبار التحديات الداخلية التي تواجه حكومته.

واعتبر الفيلي أن إدانة بغداد الضربات الإيرانية ضد دول الخليج العربي تعكس بداية مرحلة جديدة في السياسة العراقية، مضيفاً أن التحولات الإقليمية والدولية الحالية جعلت استمرار تموضع العراق بالقرب من إيران أقل فائدة مما كان عليه في السابق.

وقال الفيلي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن هذا التوجه لم يعد يقتصر على رؤية الزيدي وحده، بل أصبح جزءاً من إدراك متزايد داخل المنظومة السياسية العراقية بأن المتغيرات الحالية لا تصب في مصلحة استمرار الارتباط الوثيق بطهران، لافتاً إلى أن من بين المطالب الأميركية المرتبطة بإعادة صياغة العلاقة مع بغداد معالجة ملف الفصائل المسلحة المدعومة من إيران.

وأضاف أن إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج تأتي في هذا السياق، وتعكس ما باتت الحكومة العراقية تعتبره مصلحة وطنية مباشرة.

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة غالب الدعمي، إن المؤشرات الحالية تدل على أن العراق يتجه بوتيرة متسارعة نحو تعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة والابتعاد تدريجياً عن تأثير المحور الإيراني.

وأضاف الدعمي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن أحد أبرز مظاهر هذا التحول يتمثل في الإجراءات الجارية لتفكيك نفوذ الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يشير إلى تغير فعلي في موازين القوة الداخلية.

وأوضح أن تعزيز دور المؤسسات الأمنية الرسمية مقابل تراجع نفوذ السلاح خارج إطار الدولة يمكن أن يسهم في بناء دولة أكثر استقراراً، ويوفر بيئة أفضل لدعم الاقتصاد العراقي، وتقليل تأثير الصراعات الإقليمية والمحاور المتنافسة على مسار التنمية في البلاد.