فرنسا: ساحة حرب في «الكونكورد» ومصير رئيسة الحكومة على المحك

تعيش في أزمة متعددة الأشكال... وإقرار قانون التقاعد لن يضع حداً لها

متظاهرون ضد الحكومة في ساحة الكونكورد أول من أمس (د.ب.أ)
متظاهرون ضد الحكومة في ساحة الكونكورد أول من أمس (د.ب.أ)
TT

فرنسا: ساحة حرب في «الكونكورد» ومصير رئيسة الحكومة على المحك

متظاهرون ضد الحكومة في ساحة الكونكورد أول من أمس (د.ب.أ)
متظاهرون ضد الحكومة في ساحة الكونكورد أول من أمس (د.ب.أ)

قطعاً، سيفاجأ زائر العاصمة الفرنسية هذه الأيام بما يراه. لا شك أنه سيتذكر الأيام السوداء التي عرفتها باريس زمن حراك من يسمون «السترات الصفراء».
فساحة «الكونكورد» هي أرحب الساحات الباريسية وأشهرها، لأن المسلة الفرعونية تحتل وسطها وتطل على نهر السين وتواجه مبنى البرلمان، وفيها يقع فندق «لو كريون»، وتحتل طرفها الشمالي السفارة الأميركية، ومنها تنطلق جادة الشانزليزيه لتصل إلى ساحة «الإتوال»، وهي على رمية حجر من قصر الإليزيه.
باختصار، هذه الساحة تحولت منذ الخميس الماضي إلى «ساحة حرب» بين المتظاهرين ورجال الأمن. والشرارة انطلقت مباشرة بعدما أعلنت رئيسة الحكومة إليزابيت بورن، أنها لن تمر بتصويت النواب من أجل إقرار مشروع قانون إصلاح نظام التقاعد، فاتحة بذلك أزمة سياسية حادة يصعب اليوم التكهن بنهاياتها.
خلال الليالي الثلاث الأخيرة، دارت صور حرب الكر والفر والحرائق ودخان القنابل المسيلة للدموع وواجهات المحال المهشمة والحواجز المقامة وهجمات رجال الأمن لتفريق المتظاهرين على كل شاشات التلفزة في العالم، مستعيدةً صوراً سابقة من النوع نفسه نهاية عام 2018 وفي عام 2019 زمن «السترات الصفراء»، عندما كانت باريس مسرحاً لمواجهات واشتباكات جدية بين المتظاهرين والقوى الأمنية.
ولا تتوقف الأمور عند هذا الحد. ذلك أن الشوارع المتصلة بساحة الكونكورد شكلت هي أيضاً ميادين تسابق وتشابك، لأن القوى الأمنية التي زودتها رئيسة الحكومة بتعليمات صارمة تعمل على تفريق المتظاهرين، وبينهم مشاغبون، عبر السعي لتقسيمهم إلى مجموعات صغيرة تسهل مطاردتها.
وليل الخميس وحده، تجمع أكثر من 6 آلاف شخص في ساحة الكونكورد للاحتجاج على الخطط الحكومية. وألقت الشرطة الفرنسية القبض على 217 شخصاً جراء اندلاع أعمال شغب.
وما تعرفه باريس عرفته مدن أخرى مثل مدينة ليون، ثاني المدن الفرنسية، ومرسيليا الساحلية، والعشرات غيرها التي تعرف منذ أواسط يناير (كانون الثاني) الماضي تعبئة نقابية وشعبية واسعة رفضاً لخطط الحكومة.
تجدر الإشارة إلى أن المتظاهرين اقتحموا أحد مقرات البلدية في مدينة ليون، وبعثروا محتوياتها على غرار ما فعل أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عندما اقتحموا مبنى الكونغرس لمنع التصديق على انتخاب الرئيس جو بايدن بداية عام 2021.
بالطبع، الزائر الباريسي لن يتوقف عند هذه الظاهرة وحدها، لا بل إنه سيتساءل عما إذا كان حقيقة في «عاصمة الأنوار» عندما تصدمه يرتطم بجبال القمامة المرمية على الأرصفة التي ضاقت بها، ومنها تفوح الروائح الكريهة، وتسرح وتمرح بينها الجرذان. فاليوم، من الصعب لعشاق باريس وهندستها المعمارية ومطاعمها ومقاهيها ومحلاتها الفاخرة أن يمارس رياضة المشي. القمامة لا ترفع من الشوارع بسبب إضراب العمال، وصم الحكومة أذنيها عن مطالبهم الخاصة بشأن التقاعد.
هناك ما لا يقل عن 9 آلاف طن من القمامة المتراكمة في الشوارع. عمال النظافة يرفضون القاعدة العامة التي تقول إنه يتعين العمل حتى سن الـ64 عاماً (بدلاً من 62 عاماً حالياً) لأنهم يمارسون «مهنة صعبة»، ويريدون استثناءهم، كما غيرهم، من هذه القاعدة الجديدة.
وإذا قدّر للزائر أن يتنقل بسيارة بين المدن وداخلها، سيفاجأ أن بعضها قد أغلقه المتظاهرون. ثم علينا ألا ننسى أن قطاعات رئيسية في فرنسا، مثل الطاقة والنقل بكافة أنواعه والتعليم ومصافي تكرير المحروقات وإنتاج الكهرباء، بما فيها العاملة بالقوة النووية، وكثير غيرها، تعاني من الإضرابات المتلاحقة. حركة القطارات ليست مشلولة، لكنها لم تعد منتظمة، وكثير منها إما أُجل أو ألغي. وذهب المتظاهرون في مدينتي بوردو (جنوب غرب) وتولون (جنوب) إلى حد النزول إلى خطوط السكك الحديد من أجل تعطيل تحرك القطارات.
كذلك، فإن ما بين 20 إلى 30 في المائة من الرحلات الجوية من المطارات الرئيسية وإليها، ومنها مطارا العاصمة «أورلي» و«رواسي شارل ديغول»، عرفت المصير نفسه. وأول من أمس، جرى اعتراض حركة تنقل الموظفين في وسط باريس بشكل مؤقت بعد دعوة بتنظيم إضراب أطلقتها إحدى النقابات العمالية.
وفي مدن أخرى مثل رين وبريست، أغلق المتظاهرون الطرق بشكل مؤقت. كما جرى إغلاق المدارس والجامعات جزئياً من جانب الشباب المتظاهر، بما في ذلك في كليرمون - فيران وليل. وأعلنت بعض المصافي تجديد الإضرابات أو تمديدها.
ما سبق يعكس صورة أمنية للوضع في باريس والمناطق الفرنسية. ويبدو اليوم بوضوح أن الأمور لن تعود إلى مجاريها في الأيام القليلة المقبلة. ذلك أن هناك استحقاقاً رئيسياً سيحل الاثنين المقبل عندما سيصوت النواب على عريضتين منفصلتين لسحب الثقة من حكومة إليزابيت بورن، بعد أن سمح لها مجلس الوزراء بأن تقفز فوق تصويت النواب والسير بمشروع قانون التقاعد. ذلك أن النقابات الثمانية الرئيسية قررت مواصلة الحراك مهما تكون نتائج التصويت، إن نجحت الحكومة بالمحافظة على الثقة أو سقطت. وحددت النقابات يوم الخميس المقبل موعداً للتعبئة الشعبية الجديدة على غرار ما حصل في الأيام الثمانية المشابهة التي انطلقت منذ منتصف يناير.
حقيقة الأمر أن مصير الحكومة مرهون بتصويت نواب اليمين التقليدي ممثلاً بحزب «الجمهوريون» الذي تمتع في البرلمان بـ61 مقعداً. ولأن الحكومة لا تتمتع بالأكثرية المطلقة التي لو توافرت لها لما واجهت الصعوبات التي تواجهها اليوم، لذا فإنها بحاجة إلى إسنادٍ لا يمكن أن يأتي إلا من نواب «الجمهوريون» المنقسمين على أنفسهم. ورغم «التنازلات» التي قدمتها بورن لهم من خلال الاستجابة لمطالبهم، وللتعديلات التي طرحوها في مجلس الشيوخ، حيث السيطرة لليمين، إلا أن الحراك الشعبي وضع الحزب ومناصريه في وضع حرج، خصوصاً أن ثلاثة أرباع الفرنسيين يرفضون المشروع الحكومي، وما يزيد على 60 في المائة يؤيدون مواصلة الحراك الاحتجاجي. ويجد الحزب المذكور نفسه في وضع حرج للغاية ومصلحته المباشرة ألا تسقط الحكومة، لأن سقوطها قد يدفع الرئيس ماكرون إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة لن تكون قطعاً لصالح «الجمهوريون».
وثمة احتمال ضئيل، إن لم يكن معدوماً، أن تسقط الحكومة، لأن ذلك يعني أن يصوت نصف نواب «الجمهوريون» لصالح إحدى العريضتين الداعيتين لحجب الثقة.
واستبق أريك سيوتي، رئيس الحزب، استحقاق الاثنين المقبل بتحذير نوابه من أن أي اصطفاف إلى جانب المعارضة سيعني الإبعاد عن الحزب. وعادت مؤخراً إلى الواجهة دعوات من داخل الحزب لعقد اتفاق رسمي مع الرئيس ماكرون وحزبه «النهضة» للسنوات الأربع المقبلة، بحيث يلتزم الحزب بدعم مشروعات الحكومة في إطار ما يسمى «اتفاق حكم». لكن هذه الدعوة تلاقي رفضاً من بعض القواعد التي تريد أن يبقى الحزب في المعارضة، وألا يتحول إلى «عكازة سياسية» لماكرون. وتفيد الأرقام بأنه منذ انطلاق الجمهورية الخامسة في عام 1958، زاد عدد العرائض لحجب الثقة عن الحكومات المتعاقبة على المائة، وأن بورن وحدها واجهت 12 محاولة لإسقاطها في البرلمان، وكلها فشلت.
يبقى أن الأزمة الراهنة كشفت هشاشة ماكرون السياسية وعزلته، كما أن حكومته خرجت مثخنة بالجراح. وثمة توقعات بأن يعمد ماكرون إلى الاستغناء عن خدمات بورن في أقرب فرصة، لأن صورتها مهشمة لدى الرأي العام ومرتبطة بقانون التقاعد، فيما هو راغب بقلب هذه الصفحة في أقرب وقت ممكن.
كذلك تبين الأزمة الحالية أن الرهان على اليمين ليس أمراً مضموناً. وطيلة أسابيع، كانت الرئاسة والحكومة واثقتين من القدرة على إنفاذ قانون التقاعد من غير الحاجة إلى القفز فوق تصويت النواب.
ورغم الاجتماعات الطارئة التي استضافها قصر الإليزيه، والضغوط التي مورست على عدد من نواب اليمين، والوعود التي قطعت بالسير بقانون التقاعد وفق الطريقة الكلاسيكية، إلا أن الخوف من الفشل دفع ماكرون وبورن إلى اللجوء إلى الخيار الوحيد المتبقي وهو الأسوأ. وإحدى نتائج الأزمة الراهنة أنها أعادت إحياء الحركة الاحتجاجية، وأخرجت المظاهرات التي كانت سلمية ولم تشبها إلا بعض الأحداث الهامشية في دوامة من العنف الذي يولد العنف. وأخيراً، يتعين النظر في معنى أن يشارك تلامذة لا تزيد أعمارهم عن 17 عاماً في مظاهرات عن سن التقاعد، وهي مرحلة لن يصلوا إليها قبل خمسين عاماً.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
TT

لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

مع تراجع الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، تتطلع الجماعة عبر البحر الأحمر إلى الجماعة الإرهابية الأوسع شهرة في الصومال «حركة الشباب»، وذلك وفقاً للمحللة السياسية إميلي ميليكين، نائبة مدير مؤسسة «إن7» الفكرية والكاتبة المختصة في شؤون الخليج العربي واليمن وليبيا.

وقالت ميليكين، في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه على مدى سنوات كانت العلاقة المتنامية بين الحوثيين في اليمن و«حركة الشباب» الصومالية تعدّ أمراً ثانوياً، حيث طغت عليها الحروب في قطاع غزة ولبنان والبحر الأحمر. ولكن مع ازدياد الضغوط على إيران وشبكتها الإقليمية، يبرز هذا التحالف بوصفه علامة تحذيرية من أمر أكبر؛ هو أن الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي قد تتكيف إذا لم تعد طهران قادرة على دعم وكلائها كما كانت تفعل سابقاً.

مقاتلون من «حركة الشباب» (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن «يعملون على تعميق علاقاتهم بـ(حركة الشباب)؛ فرع تنظيم (القاعدة) في الصومال، بطرق قد تزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بشكل دائم، وتعرض للخطر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وربما الأمر الأهم من ذلك، هو أن هذه الشراكة المتنامية قد تعكس تحولاً أوسع نطاقاً داخل ما يسمى (محور المقاومة الإيراني)».

ورسمت التقارير الأخيرة صورة مثيرة للقلق، فقد قالت مصادر للجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إن «عشرات من مقاتلي (حركة الشباب)، بينهم قادة بارزون، سافروا إلى اليمن، وتحديداً إلى محافظتي شبوة ومأرب، ويسهّلون عمل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الصومال. وربما تكون هناك عناصر من الحوثيين داخل الصومال، حيث يدربون مقاتلي (حركة الشباب) على حرب الطائرات المسيّرة والمتفجرات، وغيرها من أساليب القتال التي أتقنوها على مدى سنوات من التدرّب على أيدي مستشارين من إيران و(حزب الله)» اللبناني.

عناصر من «حركة الشباب» الإرهابية الصومالية (أ.ب)

تدريبات

وترى ميليكين أن هذا التطور يأتي في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الحوثيين؛ «حيث تعرضت شبكة حلفاء إيران ووكلائها إلى نكسات متتالية منذ عام 2024، وتراجعت قوة (حزب الله) بشكل كبير، وأطيح نظام بشار الأسد في سوريا، وتواجه الميليشيات العراقية قيوداً داخلية وسياسية متصاعدة، وأصبحت حركة (حماس) شبه مدمرة. وفي الوقت نفسه، تواجه طهران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متنامية من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين».

ومع ذلك، فقد خرج الحوثيون من هذه الفترة أجرأ. ورغم الضربات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية المتواصلة، فإن الجماعة واصلت إظهار قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية، وضرب إسرائيل، وترسيخ مكانتها لاعباً رئيسياً في انعدام الأمن بالبحر الأحمر. علاوة على ذلك، وعلى عكس كثير من حلفائهم، لا تزال القيادة العليا للحوثيين سليمة.

بالنسبة إلى الحوثيين، «توفر العلاقات بشبكات التهريب والمسلحين الصومالية الفرصةَ والنفوذ في خليج عدن. ويتيح التعاون مع (حركة الشباب) والجهات الإجرامية المرتبطة بها الوصولَ إلى طرق الملاحة البحرية غير المشروعة وشبكات الاستخبارات، وممرات تهريب الأسلحة، والبنية التحتية اللوجستية، على الجانب الأفريقي من مضيق باب المندب». وفي الوقت الذي يتعرض فيه داعموهم الرئيسيون لضغط دولي مكثف، فإن تنويع الشراكات يسمح للحوثيين بتقليل اعتمادهم على طهران مع توسيع نطاق عملياتهم في عمق المحيط الهندي الغربي.

أنظمة صاروخية حديثة لدى الحوثيين (وسائل إعلام)

وبالنسبة إلى «حركة الشباب»، تعني الشراكة مع الحوثيين الوصولَ إلى أنظمة أسلحة أعلى تطوراً، وخبرات في مجال الطائرات المسيرة، وقدرات بحرية، وأهمية إقليمية أكبر. ويُعتقد أن الحوثيين قد نقلوا بالفعل طائرات مسيّرة مسلحة، كما يتردد أن «حركة الشباب» طلبت في يوم ما إضافة صواريخ موجهة. ويمكن أن يكون عدم الاستقرار البحري المرتبط بهذا التحالف مربحاً لها من حيث ممارسة القرصنة والتهريب، فضلاً عن فرض الضرائب على الموانئ وابتزاز التجار وشركات الشحن.

وقالت ميليكين إن عواقب هذه العلاقة تتجاوز حدود اليمن والصومال. وأشارت إلى أن «هذا التعاون المتنامي بين الحوثيين و(حركة الشباب) يهدد بازدياد هشاشة الاقتصاد العالمي الهش بالفعل»... فقد أجبرت هجمات الحوثيين، التي بدأت أواخر عام 2023، كثيراً من شركات الشحن الكبرى على تغيير مسارها إلى «رأس الرجاء الصالح» لتجنب عبور البحر الأحمر. ويعني هذا القرار حدوث تأخيرات طويلة في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الوقود، وتضخم أقساط التأمين... والنتيجة هي ارتفاع الأسعار على المستهلكين في كل مكان، إلا إن أسواق الطاقة تظل الأكبر اضطراباً. لكن هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تحول أوسع في علاقة إيران بالمتمردين.

ومع ضعف شبكة إيران الإقليمية، انتهز الحوثيون الفرصة لتأكيد أنهم كيان مستقل. كما أن تواصلهم مع جهات فاعلة، مثل روسيا والصين، إضافة إلى فروع تنظيم «القاعدة»، مثل «حركة الشباب»، و«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وحتى مع قراصنة الصومال، يعكس جهداً لتنويع العلاقات، وتقليل الاعتماد على طهران، وبناء نفوذ يتجاوز حدود اليمن. وقد يكون تحالفهم مع «حركة الشباب» مؤشراً مبكراً على كيفية تطور شبكة وكلاء إيران تحت الضغط.

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة للمرشد الإيراني علي خامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

ومع استمرار إيران في مواجهة ضغوط عسكرية واقتصادية وداخلية، فقد يضطر بعض شركائها - خصوصاً أولئك الذين يتعافون من فقدان القيادة ومخازن الأسلحة - إلى البحث عن مصادر تمويل وأسلحة ونفوذ إقليمي بديلة، بدلاً من الاعتماد فقط على طهران. ولهذا الغرض؛ فقد تبدأ هذه الجماعات تبني استراتيجيات أكبرَ عملية وواقعية والعمل خارج الخطوط الآيديولوجية التقليدية، مثلما يفعل الحوثيون.

واختتمت ميليكين تحليلها بالقول إن «هذه نتيجة ينبغي أن تُقلق صانعي السياسات أكثر بكثير مما كانت عليه الحال مع نموذج الوكالة التقليدي. فالضغط المطول على إيران وشبكتها الإقليمية قد يؤدي إلى أنظمة مسلحة أوسعَ تشرذماً، وأكبرَ استقلالية، ولا يمكن التنبؤ بها، في جميع أنحاء الشرق الأوسط».


ميلوني ومودي… «أشهر ثنائي على إنستغرام»: ما القصة؟

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
TT

ميلوني ومودي… «أشهر ثنائي على إنستغرام»: ما القصة؟

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)

في مشهد غير تقليدي على هامش القمم الدولية، خطف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيرته الإيطالية جورجيا ميلوني الأنظار بتفاعلاتهما الودية والمرحة، التي تجاوزت البروتوكول الرسمي لتتحول إلى ظاهرة لافتة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتا يُوصفان بـ«أشهر ثنائي على إنستغرام».

وخلال قمة مجموعة السبع في فرنسا، تبادل الزعيمان لحظات من الدعابة أثناء وصولهما لالتقاط الصورة الجماعية التقليدية في مدينة إيفيان لي بان. وأظهر مقطع فيديو لحظة تحيتهما لبعضهما البعض، بينما مازح مودي نظيرته بشأن شهرتهما على منصات التواصل الاجتماعي.

وكان رد ميلوني واضحاً عبر الميكروفون، إذ قالت مبتسمة: «نعم، نحن أشهر ثنائي على إنستغرام».

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال جلسة عمل في قمة مجموعة السبع بفرنسا (أ.ب)

هذه التفاعلات الودية، التي تتكرر بين الزعيمين على هامش اللقاءات الدولية، أثارت موجة واسعة من التفاعل عبر الإنترنت، شملت صوراً ساخرة، وتعديلات من المعجبين، ومنشورات انتشرت على نطاق واسع، بل وولّدت اتجاهاً خاصاً حمل اسم «Melodi» (ميلودي)، وهو دمج بين اسمي عائلتيهما.

وبدأت هذه الظاهرة عندما التقى الزعيمان للمرة الأولى خلال قمة مجموعة العشرين في بالي عام 2023، ثم تجدد اللقاء في نيودلهي لاحقاً في العام نفسه. وبلغ التفاعل ذروته في ديسمبر (كانون الأول) 2023، حين نشرت ميلوني صورة «سيلفي» تجمعها مع مودي خلال مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين في دبي، مرفقة بوسم #Melodi.

وفي تطور لافت مؤخراً، أهدى مودي الزعيمة الإيطالية كيساً من حلوى «ميلودي» الهندية الشهيرة خلال زيارته إلى روما، في لفتة طريفة أثارت تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأظهر مقطع فيديو نشرته ميلوني مودي وهو يسلّمها الحلوى وسط أجواء من الضحك، بينما علّقت قائلة: «شكراً لك على الهدية». وسرعان ما انتشر الفيديو على نطاق واسع.

ويُعدّ الزعيمان من بين أكثر الشخصيات حضوراً وشعبية على الإنترنت؛ إذ يتابع مودي نحو 107 ملايين شخص على منصة «إكس»، في حين تحظى ميلوني بمتابعة تقارب 3.3 مليون شخص. ويُسهم ظهورهما المشترك في تعزيز حضورهما الإعلامي، بوصفهما من القادة الذين يجيدون توظيف المنصات الرقمية للتواصل مع الجمهور.


«أنا الزعيم» و«هل لديكِ لصقة نيكوتين؟»... أحاديث جانبية طريفة لقادة قمة السبع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال غداء عمل مع قادة مجموعة السبع (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال غداء عمل مع قادة مجموعة السبع (أ.ب)
TT

«أنا الزعيم» و«هل لديكِ لصقة نيكوتين؟»... أحاديث جانبية طريفة لقادة قمة السبع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال غداء عمل مع قادة مجموعة السبع (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال غداء عمل مع قادة مجموعة السبع (أ.ب)

في وقت انشغل فيه قادة الدول الصناعية السبع الكبرى بمناقشة ملفات عالمية شائكة تتعلق بالحروب والتجارة والاقتصاد، كشفت الميكروفونات المفتوحة في أروقة القمة عن أحاديث عفوية ولحظات طريفة أظهرت جانباً مختلفاً بعيداً عن أجواء الاجتماعات الرسمية.

وقد نقلت وكالة أنباء «أسوشييتد برس» أبرز الأحاديث الجانبية الطريفة التي التقطها الميكروفونات خلال القمة وهي كما يلي:

ترمب يمازح القادة: «أنا الزعيم»

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب متأخراً إلى الجلسة الصباحية في اليوم الختامي للقمة، اليوم (الأربعاء)، قبل أن يكسر الأجواء الرسمية بعبارة مازحة: «أنا الزعيم»، موجّهاً حديثه إلى القادة الجالسين حول الطاولة البيضاوية، ما أثار موجة من الضحك بين الحاضرين.

ميلوني تعلن الإقلاع عن التدخين

شهدت القمة أمس (الثلاثاء) لحظة لافتة عندما سأل المستشار الألماني فريدريش ميرتس رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عما إذا كانت قد دخنت سيجارة صباح ذلك اليوم، لتكشف أنها لم تدخن منذ الأول من مايو (أيار) الماضي.

وأثار هذا الإعلان موجة من التهاني والتشجيع من قادة كندا وبريطانيا واليابان والاتحاد الأوروبي، فيما مازحها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني متسائلاً وهو يمسك بذراعه: «هل لديكِ لصقة نيكوتين؟»، في إشارة إلى اللاصقات التي تستخدم للمساعدة على الإقلاع عن التدخين.

نقاشات رياضية

لم تخلُ القمة من النقاشات الرياضية، خصوصاً مع تزامنها مع منافسات كأس العالم لكرة القدم.

وخلال تجمع القادة على مائدة الغداء يوم الثلاثاء، أدلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وآخرون بآرائهم في المباريات، وهتف أحدهم «هيا يا زرق!»، وهو الهتاف الموجه للمنتخب الفرنسي.

كما سُمع قائد آخر يتحدث عن فوز باريس سان جيرمان الأخير بدوري أبطال أوروبا.

من جانبه، تحدث ترمب بحماس عن حضوره فعالية للفنون القتالية المختلطة أقيمت في البيت الأبيض يوم الأحد، في حين أبدى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إعجابه بالتعادل المفاجئ الذي حققه منتخب الرأس الأخضر أمام إسبانيا.

إشارة غامضة إلى غرينلاند

ومن بين أكثر اللحظات إثارة للفضول، التقطت الميكروفونات دحديثاً مقتضباً بين ترمب ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، قال خلاله الرئيس الأميركي: «هل تفهم؟» قبل أن يتوقف وينظر مباشرةً إلى كوستا ثم يقول: «غرينلاند»، دون أن يتضح سياق الحديث أو تفاصيله.

وأعادت هذه الإشارة إلى الأذهان الجدل الذي أثارته تصريحات ترمب السابقة بشأن رغبته في ضم الجزيرة التابعة للدنمارك.

ماكرون ينسى ساعته

كما شهدت القمة موقفاً طريفاً عندما اكتشف القادة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نسي ساعته بعد مغادرته غداء العمل يوم الثلاثاء.

وعندما أشار مارك كارني إلى الأمر، تدخل ترمب مازحاً طالباً الاحتفاظ بالساعة، ما دفع الحاضرين إلى الضحك.

القادة يتبادلون الهدايا

وعلى هامش الاجتماعات، تبادل القادة عدداً من الهدايا الرمزية.

فقد أهدى ماكرون نظراءه السبعة دراجات هوائية مُخصصة للترويج لبطولة العالم للدراجات الهوائية المُقرر إقامتها العام المقبل في جبال الألب الفرنسية، وذلك وفقاً لما ذكره ديفيد لابارتيان، رئيس الاتحاد الدولي للدراجات، على مواقع التواصل الاجتماعي.

كما قدم المستشار الألماني فريدريش ميرتس للرئيس الأميركي قميص المنتخب الألماني لكرة القدم يحمل اسم ترمب ورقم 47، في إشارة إلى منصبه الرئاسي، ورفع ترمب القميص وابتسم لالتقاط صورة قبل أن يضعه جانباً.

ونشر ميرتس صورةً للهدية على مواقع التواصل الاجتماعي، مُرفقاً إياها برسالةٍ مُوجزة: «في النهاية، نحن في فريق واحد».

عاجل مونديال 2026: سويسرا تقسو على البوسنة 4-1 وتقترب من دور الـ32