فرنسا: ساحة حرب في «الكونكورد» ومصير رئيسة الحكومة على المحك

تعيش في أزمة متعددة الأشكال... وإقرار قانون التقاعد لن يضع حداً لها

متظاهرون ضد الحكومة في ساحة الكونكورد أول من أمس (د.ب.أ)
متظاهرون ضد الحكومة في ساحة الكونكورد أول من أمس (د.ب.أ)
TT

فرنسا: ساحة حرب في «الكونكورد» ومصير رئيسة الحكومة على المحك

متظاهرون ضد الحكومة في ساحة الكونكورد أول من أمس (د.ب.أ)
متظاهرون ضد الحكومة في ساحة الكونكورد أول من أمس (د.ب.أ)

قطعاً، سيفاجأ زائر العاصمة الفرنسية هذه الأيام بما يراه. لا شك أنه سيتذكر الأيام السوداء التي عرفتها باريس زمن حراك من يسمون «السترات الصفراء».
فساحة «الكونكورد» هي أرحب الساحات الباريسية وأشهرها، لأن المسلة الفرعونية تحتل وسطها وتطل على نهر السين وتواجه مبنى البرلمان، وفيها يقع فندق «لو كريون»، وتحتل طرفها الشمالي السفارة الأميركية، ومنها تنطلق جادة الشانزليزيه لتصل إلى ساحة «الإتوال»، وهي على رمية حجر من قصر الإليزيه.
باختصار، هذه الساحة تحولت منذ الخميس الماضي إلى «ساحة حرب» بين المتظاهرين ورجال الأمن. والشرارة انطلقت مباشرة بعدما أعلنت رئيسة الحكومة إليزابيت بورن، أنها لن تمر بتصويت النواب من أجل إقرار مشروع قانون إصلاح نظام التقاعد، فاتحة بذلك أزمة سياسية حادة يصعب اليوم التكهن بنهاياتها.
خلال الليالي الثلاث الأخيرة، دارت صور حرب الكر والفر والحرائق ودخان القنابل المسيلة للدموع وواجهات المحال المهشمة والحواجز المقامة وهجمات رجال الأمن لتفريق المتظاهرين على كل شاشات التلفزة في العالم، مستعيدةً صوراً سابقة من النوع نفسه نهاية عام 2018 وفي عام 2019 زمن «السترات الصفراء»، عندما كانت باريس مسرحاً لمواجهات واشتباكات جدية بين المتظاهرين والقوى الأمنية.
ولا تتوقف الأمور عند هذا الحد. ذلك أن الشوارع المتصلة بساحة الكونكورد شكلت هي أيضاً ميادين تسابق وتشابك، لأن القوى الأمنية التي زودتها رئيسة الحكومة بتعليمات صارمة تعمل على تفريق المتظاهرين، وبينهم مشاغبون، عبر السعي لتقسيمهم إلى مجموعات صغيرة تسهل مطاردتها.
وليل الخميس وحده، تجمع أكثر من 6 آلاف شخص في ساحة الكونكورد للاحتجاج على الخطط الحكومية. وألقت الشرطة الفرنسية القبض على 217 شخصاً جراء اندلاع أعمال شغب.
وما تعرفه باريس عرفته مدن أخرى مثل مدينة ليون، ثاني المدن الفرنسية، ومرسيليا الساحلية، والعشرات غيرها التي تعرف منذ أواسط يناير (كانون الثاني) الماضي تعبئة نقابية وشعبية واسعة رفضاً لخطط الحكومة.
تجدر الإشارة إلى أن المتظاهرين اقتحموا أحد مقرات البلدية في مدينة ليون، وبعثروا محتوياتها على غرار ما فعل أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عندما اقتحموا مبنى الكونغرس لمنع التصديق على انتخاب الرئيس جو بايدن بداية عام 2021.
بالطبع، الزائر الباريسي لن يتوقف عند هذه الظاهرة وحدها، لا بل إنه سيتساءل عما إذا كان حقيقة في «عاصمة الأنوار» عندما تصدمه يرتطم بجبال القمامة المرمية على الأرصفة التي ضاقت بها، ومنها تفوح الروائح الكريهة، وتسرح وتمرح بينها الجرذان. فاليوم، من الصعب لعشاق باريس وهندستها المعمارية ومطاعمها ومقاهيها ومحلاتها الفاخرة أن يمارس رياضة المشي. القمامة لا ترفع من الشوارع بسبب إضراب العمال، وصم الحكومة أذنيها عن مطالبهم الخاصة بشأن التقاعد.
هناك ما لا يقل عن 9 آلاف طن من القمامة المتراكمة في الشوارع. عمال النظافة يرفضون القاعدة العامة التي تقول إنه يتعين العمل حتى سن الـ64 عاماً (بدلاً من 62 عاماً حالياً) لأنهم يمارسون «مهنة صعبة»، ويريدون استثناءهم، كما غيرهم، من هذه القاعدة الجديدة.
وإذا قدّر للزائر أن يتنقل بسيارة بين المدن وداخلها، سيفاجأ أن بعضها قد أغلقه المتظاهرون. ثم علينا ألا ننسى أن قطاعات رئيسية في فرنسا، مثل الطاقة والنقل بكافة أنواعه والتعليم ومصافي تكرير المحروقات وإنتاج الكهرباء، بما فيها العاملة بالقوة النووية، وكثير غيرها، تعاني من الإضرابات المتلاحقة. حركة القطارات ليست مشلولة، لكنها لم تعد منتظمة، وكثير منها إما أُجل أو ألغي. وذهب المتظاهرون في مدينتي بوردو (جنوب غرب) وتولون (جنوب) إلى حد النزول إلى خطوط السكك الحديد من أجل تعطيل تحرك القطارات.
كذلك، فإن ما بين 20 إلى 30 في المائة من الرحلات الجوية من المطارات الرئيسية وإليها، ومنها مطارا العاصمة «أورلي» و«رواسي شارل ديغول»، عرفت المصير نفسه. وأول من أمس، جرى اعتراض حركة تنقل الموظفين في وسط باريس بشكل مؤقت بعد دعوة بتنظيم إضراب أطلقتها إحدى النقابات العمالية.
وفي مدن أخرى مثل رين وبريست، أغلق المتظاهرون الطرق بشكل مؤقت. كما جرى إغلاق المدارس والجامعات جزئياً من جانب الشباب المتظاهر، بما في ذلك في كليرمون - فيران وليل. وأعلنت بعض المصافي تجديد الإضرابات أو تمديدها.
ما سبق يعكس صورة أمنية للوضع في باريس والمناطق الفرنسية. ويبدو اليوم بوضوح أن الأمور لن تعود إلى مجاريها في الأيام القليلة المقبلة. ذلك أن هناك استحقاقاً رئيسياً سيحل الاثنين المقبل عندما سيصوت النواب على عريضتين منفصلتين لسحب الثقة من حكومة إليزابيت بورن، بعد أن سمح لها مجلس الوزراء بأن تقفز فوق تصويت النواب والسير بمشروع قانون التقاعد. ذلك أن النقابات الثمانية الرئيسية قررت مواصلة الحراك مهما تكون نتائج التصويت، إن نجحت الحكومة بالمحافظة على الثقة أو سقطت. وحددت النقابات يوم الخميس المقبل موعداً للتعبئة الشعبية الجديدة على غرار ما حصل في الأيام الثمانية المشابهة التي انطلقت منذ منتصف يناير.
حقيقة الأمر أن مصير الحكومة مرهون بتصويت نواب اليمين التقليدي ممثلاً بحزب «الجمهوريون» الذي تمتع في البرلمان بـ61 مقعداً. ولأن الحكومة لا تتمتع بالأكثرية المطلقة التي لو توافرت لها لما واجهت الصعوبات التي تواجهها اليوم، لذا فإنها بحاجة إلى إسنادٍ لا يمكن أن يأتي إلا من نواب «الجمهوريون» المنقسمين على أنفسهم. ورغم «التنازلات» التي قدمتها بورن لهم من خلال الاستجابة لمطالبهم، وللتعديلات التي طرحوها في مجلس الشيوخ، حيث السيطرة لليمين، إلا أن الحراك الشعبي وضع الحزب ومناصريه في وضع حرج، خصوصاً أن ثلاثة أرباع الفرنسيين يرفضون المشروع الحكومي، وما يزيد على 60 في المائة يؤيدون مواصلة الحراك الاحتجاجي. ويجد الحزب المذكور نفسه في وضع حرج للغاية ومصلحته المباشرة ألا تسقط الحكومة، لأن سقوطها قد يدفع الرئيس ماكرون إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة لن تكون قطعاً لصالح «الجمهوريون».
وثمة احتمال ضئيل، إن لم يكن معدوماً، أن تسقط الحكومة، لأن ذلك يعني أن يصوت نصف نواب «الجمهوريون» لصالح إحدى العريضتين الداعيتين لحجب الثقة.
واستبق أريك سيوتي، رئيس الحزب، استحقاق الاثنين المقبل بتحذير نوابه من أن أي اصطفاف إلى جانب المعارضة سيعني الإبعاد عن الحزب. وعادت مؤخراً إلى الواجهة دعوات من داخل الحزب لعقد اتفاق رسمي مع الرئيس ماكرون وحزبه «النهضة» للسنوات الأربع المقبلة، بحيث يلتزم الحزب بدعم مشروعات الحكومة في إطار ما يسمى «اتفاق حكم». لكن هذه الدعوة تلاقي رفضاً من بعض القواعد التي تريد أن يبقى الحزب في المعارضة، وألا يتحول إلى «عكازة سياسية» لماكرون. وتفيد الأرقام بأنه منذ انطلاق الجمهورية الخامسة في عام 1958، زاد عدد العرائض لحجب الثقة عن الحكومات المتعاقبة على المائة، وأن بورن وحدها واجهت 12 محاولة لإسقاطها في البرلمان، وكلها فشلت.
يبقى أن الأزمة الراهنة كشفت هشاشة ماكرون السياسية وعزلته، كما أن حكومته خرجت مثخنة بالجراح. وثمة توقعات بأن يعمد ماكرون إلى الاستغناء عن خدمات بورن في أقرب فرصة، لأن صورتها مهشمة لدى الرأي العام ومرتبطة بقانون التقاعد، فيما هو راغب بقلب هذه الصفحة في أقرب وقت ممكن.
كذلك تبين الأزمة الحالية أن الرهان على اليمين ليس أمراً مضموناً. وطيلة أسابيع، كانت الرئاسة والحكومة واثقتين من القدرة على إنفاذ قانون التقاعد من غير الحاجة إلى القفز فوق تصويت النواب.
ورغم الاجتماعات الطارئة التي استضافها قصر الإليزيه، والضغوط التي مورست على عدد من نواب اليمين، والوعود التي قطعت بالسير بقانون التقاعد وفق الطريقة الكلاسيكية، إلا أن الخوف من الفشل دفع ماكرون وبورن إلى اللجوء إلى الخيار الوحيد المتبقي وهو الأسوأ. وإحدى نتائج الأزمة الراهنة أنها أعادت إحياء الحركة الاحتجاجية، وأخرجت المظاهرات التي كانت سلمية ولم تشبها إلا بعض الأحداث الهامشية في دوامة من العنف الذي يولد العنف. وأخيراً، يتعين النظر في معنى أن يشارك تلامذة لا تزيد أعمارهم عن 17 عاماً في مظاهرات عن سن التقاعد، وهي مرحلة لن يصلوا إليها قبل خمسين عاماً.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
TT

أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)

فاز مارات كامبولوف، وهو مسؤول اتحادي روسي سابق، برئاسة أوسيتيا الجنوبية، الإقليم المنفصل عن جورجيا والمدعوم من روسيا، في انتخابات رحبت بها موسكو، اليوم (السبت)، باعتبارها دليلاً على رغبة الإقليم في توثيق علاقاته معها.

ويأتي الرئيس الجديد كامبولوف من أوسيتيا الشمالية، وهي جمهورية روسية تقع على الجانب الآخر من جبال القوقاز. وليس لكامبولوف أي صلات سابقة بأوسيتيا الجنوبية، التي انفصلت عن جورجيا خلال انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات، وحصلت لاحقاً على استقلال فعلي بدعم روسي. وأدت حرب قصيرة بين روسيا وجورجيا في عام 2008 إلى طرد القوات الجورجية من أجزاء من الإقليم كانت تسيطر عليها سابقاً.

تعميق التعاون

ورحبت موسكو بفوز كامبولوف. وقالت وزارة الخارجية: «تظهر النتائج الرغبة الواسعة النطاق لدى مجتمع أوسيتيا الجنوبية في الاستقرار السياسي الداخلي، والتقدم، والتطوير الشامل للعلاقات مع الاتحاد الروسي».

ووقّعت أوسيتيا الجنوبية وروسيا معاهدة في مايو (أيار) عمّقت التعاون في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والأمنية، ووضعت خططاً لدمج شبكات الطاقة وشبكات النقل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ونددت جورجيا بالمعاهدة باعتبارها محاولة من روسيا لترسيخ «ضمها الفعلي» لأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وهي منطقة جورجية منشقة أخرى مدعومة من روسيا.

وانتقدت تفليس أيضاً قرار روسيا فتح مراكز اقتراع في المنطقتين لانتخابات مجلس النواب (مجلس الدوما) الروسي التي تجري من 18 إلى 20 سبتمبر (أيلول) الحالي.

تهنئة من بوتين

شغل كامبولوف (61 عاماً) في السابق مناصب رفيعة في هيئات حكومية اتحادية روسية، من بينها وزارة التعليم. وعُين رئيساً لوزراء أوسيتيا الجنوبية في يونيو (حزيران) بعد تنحي آلان جاجلويف عن الرئاسة ليصبح مستشاراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهنّأ بوتين كامبولوف، اليوم (السبت)، في برقية نُشرت على الموقع الإلكتروني للكرملين. وتعهد كامبولوف، في خطاب الفوز الذي ألقاه في تسخينفالي عاصمة أوسيتيا الجنوبية، بتحسين مستويات المعيشة في الإقليم. وقال: «أمامنا قدر كبير من العمل. وبالتكاتف وحده يمكننا تغيير جمهوريتنا، تسخينفالي مدينتنا!».

وتعتمد أوسيتيا الجنوبية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، بدرجة كبيرة على روسيا في واردات الغذاء والمعدات والطاقة، ولديها قطاع صناعي محدود خاص بها.

وتمول موسكو أجور العاملين في القطاع العام والمعاشات ومشروعات البنية التحتية الرئيسية، وتدير قاعدة عسكرية في الإقليم.

وقالت وسائل إعلام روسية رسمية إن كامبولوف حصل على 85 في المائة من الأصوات في الانتخابات التي جرت أمس (الجمعة)، في حين نال منافسوه نسباً في خانة الآحاد. وبلغت نسبة الإقبال 73 في المائة.


نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
TT

نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)

يزور نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ، الولايات المتحدة، قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام صينية رسمية اليوم (السبت).

ويجري رئيسا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم محادثات بالبيت الأبيض في 24 سبتمبر (أيلول)، في لقاء يهدف إلى الحد من التوترات حول التجارة والتكنولوجيا ومسائل استراتيجية بصورة عامة.

وفي حين لا تزال الهدنة التجارية التي توصل إليها الطرفان قبل نحو عام صامدة، فإنهما لم ينجحا بعد في التوصل إلى اتفاق دائم.

ويترأس هي وفداً صينياً سيزور الولايات المتحدة من 19 إلى 23 سبتمبر، لإجراء محادثات حول «القضايا الاقتصادية والتجارية محلّ الاهتمام المشترك»، بحسب ما نقلته وكالة «شينخوا» الصينية للأنباء عن وزارة التجارة.

وأوضحت الوزارة أن المحادثات ستستند إلى «التوافق المهم» الذي توصل إليه شي وترمب في وقت سابق.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن هذا الأسبوع، أنه سيلتقي هي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وأشار إلى أن المناقشات قد تتطرق أيضاً إلى ملف إيران، فيما تثير العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين بكين وطهران استياء واشنطن، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتسري منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، هدنة هشة في حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض.


لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

نادراً ما تدخل دولة حرباً وهي تتوقع الهزيمة، أو تتخيل أن الصراع الذي بدأته سيتحول إلى كابوس طويل ونفق لا نهاية له. ومع ذلك، يبدو أن أحداً لا يستخلص العبر بل يكرر التاريخ - أو بالأحرى الإنسان - نفسه: قرارات تبدو في لحظتها محسوبة ومدروسة قد تقود إلى حروب استنزاف، وأهداف تتغير مع الوقت، وقادة يجدون أنفسهم عاجزين عن التراجع من دون دفع أثمان سياسية واستراتيجية باهظة.

يقول أستاذ العلاقات الدولية الأميركي ستيفن إم. والت، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، إن الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل. فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية، تبدأ بسوء فهم الخصم وقدراته، ثم تتفاقم بسبب نصائح مُغرضة، وأهداف خفيّة، وضغوط سياسية تجعل التراجع أكثر صعوبة من الاستمرار.

حفرة أحدثها صاروخ روسي سقط في كييف عاصمة أوكرانيا (أ.ب)

* علامات الخطر

أولى علامات الخطر هي الجهل؛ فالقوة العسكرية لا تعني بالضرورة فهماً للمجتمع الذي تتدخل فيه. وقد تملك دولة متفوقة عسكرياً معلومات دقيقة عن جيش خصمها، لكنها تجهل تاريخ هذا الخصم، وتركيبته السياسية والاجتماعية، وقدرته على المقاومة، أو طبيعة ردود فعل القوى المحيطة به جغرافياً. ومن هنا تبدأ المفارقة: الانتصار في المعركة قد يكون متاحاً، لكن توقع نتائجها والسيطرة عليها قد يكونان مستحيلَين...

في الطريق إلى الحرب، لا تتحدث كل الجهات التي تقدم المشورة إلى صانع القرار من الموقع نفسه. هناك من تكون له مصالح آيديولوجية أو اقتصادية أو جيوسياسية تدفعه إلى تضخيم فرص النجاح وخفض حجم الأخطار. وفي أحيان كثيرة، يميل القادة إلى تصديق التقييمات المتفائلة التي تؤكد ما يودّون سماعه، بدلاً من الإصغاء إلى التحذيرات الأكثر عقلانية.

طائرات على متن حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

ثم تأتي مشكلة الأهداف الهشة والمتغيرة؛ فقد تبدأ الحرب بهدف محدود، أو باعتقاد أن تحقيقه سيكون سريعاً وقليل التكلفة. لكن عندما يتعثر المسار، تتغير المهمة. الهدف الذي كان إسقاط نظام يصبح بناء نظام جديد، وما كان عملية عسكرية قصيرة يتحول إلى مشروع سياسي طويل. وهكذا تستمر الحرب حتى بعد أن يفقد الهدف الأصلي وضوحه.

* دوّامة التصعيد

الأخطر يحدث عندما تدخل الحرب دوامة التصعيد؛ فمع تزايد الخسائر، يصبح الاعتراف بالفشل مكلفاً سياسياً. ويبدأ القادة رفع الرهان بدلاً من تقليصه، أملاً في أن تحقق الجولة التالية ما لم تحققه الجولة السابقة. ويتداخل الضغط الداخلي مع التوتر الخارجي، إلى أن يصبح التراجع نفسه أسوأ من مواصلة القتال.

لكن هذه الديناميكية لا تفسر وحدها لماذا يندفع العالم نحو مزيد من الصراعات؛ فهناك عوامل أعمق: الخوف وعدم اليقين، وسوء تقدير نوايا الخصم وقدرته على الرد؛ وصراعات القوة التي ترافق انتقال النظام الدولي من قوة مهيمنة إلى أخرى صاعدة، وهو ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»؛ فضلاً عن القادة الذين لا يواجهون قيوداً سياسية كافية، فيصبح المجد الشخصي أو الآيديولوجيا أو الرغبة في الانتقام، جزءاً من حسابات الحرب.

ويزداد الخطر عندما تبدأ قواعد النظام الدولي نفسها في التآكل؛ فالقواعد والمؤسسات التي يفترض أن تساعد القوى الكبرى في إدارة خلافاتها تصبح أقل فاعلية عندما تتجاهلها الدول القوية، أو تستخدمها بصورة انتقائية. وعندما تتراجع الثقة بالقواعد والمؤسسات، يصبح سوء التقدير أكثر احتمالاً، والانتقال من أزمة إلى أخرى أسرع.

* نهايات الحروب

تكشف نهاية الحروب الكبرى أن الانتصار ليس دائماً الطريق الذي تنتهي به الصراعات؛ فقد تنتهي الحرب بهزيمة عسكرية كاملة وانهيار أحد أطرافها، كما حدث في الحرب العالمية الثانية. وقد تنتهي بالاستنزاف والانهيار العسكري والسياسي، كما حدث في الحرب العالمية الأولى. وقد تتوقف عبر تسوية تفاوضية لا تحل جذور النزاع، كما حدث في شبه الجزيرة الكورية عام 1953. أما الصراعات الطويلة بين القوى الكبرى، فيُحتمل أن تنتهي بانهيار أحد أطرافها من الداخل، كما حدث مع الاتحاد السوفياتي عام 1991.

مروحية ودبابات في تدريب للجيش البولندي (أ.ف.ب)

والواقع أن الطريقة التي تنتهي بها الحرب تكون أحياناً أهم من نهايتها نفسها؛ فالتسويات القاسية أو غير المتوازنة سوف تزرع بذور الصراع التالي. ومن هنا فإن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة إنهاء أسبابها.

* السؤال الملحّ

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟

لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات التي تجعل السؤال مشروعاً أصبحت أكثر وضوحاً؛ فالحدود بين الصراعات أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. لذا نرى أن الحرب في أوكرانيا، والتنافس الأميركي - الصيني، والتوتر في الشرق الأوسط، والصراع على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا، كلها تتحرك داخل بيئة دولية واحدة، وتتزايد نقاط التماس بينها.

ومع ذلك، هناك مفارقة تستحق التوقف عندها؛ ففي العقود الأخيرة، بدت الصين، مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، أكثر حذراً في الانخراط المباشر في حروب برية واسعة النطاق. وهذا لا يعني أنها بعيدة عن الصراع أو ترفض استخدام القوة، بل يشير إلى اعتمادها بدرجة أكبر على أدوات أخرى: الاقتصاد، والتجارة، والتكنولوجيا، والنفوذ السياسي، والضغط الاستراتيجي على المدى الطويل.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، قد لا يكون الخطر الأكبر أن يقرر زعيم ما إشعال حرب عالمية عمداً، بل أن تبدأ سلسلة من القرارات الصغيرة، المبنية على معلومات ناقصة وتقديرات خاطئة وضغوط سياسية، ثم يصبح التراجع في كل مرحلة أصعب من المرحلة التي سبقتها.

فالحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار كبير. أحياناً تبدأ بخطأ صغير (أو بحادث مدبّر بحيث يبدو كأن خطأ وقع) لا يعرف أحد، لحظة وقوعه، إلى أين سيقود.

مقاتلتان صينيتان (أرشيفية - رويترز)

* قالوا في الحرب

- عرّف كارل فون كلاوزفيتس - من بروسيا «سلف» ألمانيا الموحّدة - (1780 - 1831) الحرب من منظور فلسفي بوصفها أداةً عقلانية لسياسة الدولة، مشيراً إلى أنها ببساطة «استمرار للسياسة بوسائل أخرى».

- قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804): «يمكن تحقيق السلام الدائم من خلال تنمية التجارة الدولية، والجمهوريات الدستورية، واتحادات الدول الحرة التي تجعل القادة حذرين حيال تكاليف خوض الحروب». وفي كتابه «السلام الدائم»، أكد أن الحرب هي دورة عبثية لا طائل منها لأنها تعتمد على القوة بدلاً من الحق.

- قال الفيلسوف الهولندي إيراسموس (1466 - 1536): «السلام المجحف خيرٌ من أعدل الحروب».

- في الفلسفة الطاوية، يذكر كتاب «تاو تي جينغ» أن الانتصارات العسكرية هي مآسٍ وليست منجزات، مشيراً إلى أن «من يبتهج بالنصر، يبتهج بمذبحة للبشر». وتنظر الطاوية إلى الحرب على أنها اختلال في النظام الطبيعي لا ينتج عنه إلا مزيد من العنف.

- سخر الفرنسيّ المتنوّر فولتير في كتابه «المعجم الفلسفي» من الحرب، واصفاً إياها بأنها «مجزرة بطولية» لا تجلب سوى البؤس. كذلك، سخر من فكرة أن قتل الآلاف من الجيران الأبرياء بناءً على أوامر السلطة يمكن أن يُعدّ يوماً ما أمراً مفيداً أو مجيداً.

- أكد رائد الفلسفة الوجودية، الفرنسي جان بول سارتر، عبثية الحرب، وكتب مقولته الشهيرة: «عندما يحارب الأثرياء، يموت الفقراء». فقد كان يرى الحرب ممارسةً عديمة الفائدة، يجري فيها التلاعب بالمواطنين العاديين ليركضوا نحو حتفهم ويضحوا بأرواحهم من أجل مفاهيم مجردة لا تخدم في النهاية سوى السلطة.