إبراهيم بودربالة... رئيس البرلمان التونسي نقيب محامين سابق وصديق لـ«حزب الإدارة»

{عروبي} تحالف مع الرئيس سعيّد ضد معارضيه

إبراهيم بودربالة... رئيس البرلمان التونسي نقيب محامين سابق وصديق لـ«حزب الإدارة»
TT

إبراهيم بودربالة... رئيس البرلمان التونسي نقيب محامين سابق وصديق لـ«حزب الإدارة»

إبراهيم بودربالة... رئيس البرلمان التونسي نقيب محامين سابق وصديق لـ«حزب الإدارة»

فاجأ نقيب المحامين السابق والسياسي المستقل إبراهيم بودربالة المراقبين بفوزه برئاسة مجلس النواب التونسي الجديد، متغلباً على مرشح مبادرة «لينتصر الشعب» المحسوبة على «الدائرة الضيّقة» المقربة من الرئيس قيس سعيّد. ثم بعد انتخابه بساعات استقبله الرئيس سعيّد في قصر قرطاج بصفته الجديدة ما يجعل منه «ثالث الشخصيات الأهم في الدولة» - بعد رئيسي الجمهورية والحكومة - على الرغم من الانتقادات الحادة التي توجّهها قيادات المعارضة التونسية له وللمجلس النيابي الجديد. وهذا بينما يتمسّك بودربالة وأنصاره بتحالفهم مع «حزب الإدارة»، أي مع كل كوادر الدولة بعيداً عن الاعتبارات الآيديولوجية والحزبية. أيضاً، رغم المواقف السياسية المثيرة للجدل التي عبر عنها بودربالة إثر انحيازه الكامل لرئيس الجمهورية منذ 25 يوليو (تموز) 2021 ضد معارضيه، فإن بعض التنسيقيات والمجموعات السياسية التي تزعم أنها الأقرب إلى الرئيس سعيّد ومشروعه السياسي، ذكرت أنها عارضت ترشح عميد المحامين السابق لرئاسة البرلمان الجديد، واعتبرت أنه «لم يكن من بين أعضاء فريق قيس سعيّد ومبادرته السياسية والقانونية» التي بدأها منذ 2013 مع مجموعات من أنصاره. واتهم صلاح الدين الداودي، القيادي في مبادرة «لينتصر الشعب» - المحسوبة على رئيس الجمهورية - الرئيس الجديد للبرلمان بـ«القفر... وركوب الحراك المساند لسعيّد».
عُرف إبراهيم بودربالة منذ مباشرته ممارسة المحاماة عام 1977 باستقلاليته عن كل الأحزاب السياسية القانونية وغير القانونية، وبانفتاحه على كل التيارات ورفض الدخول في صدام مع أي من رموز الحكم والمعارضة، مع انحياز فكري سياسي لأنصار التيار الوحدوي العربي (العروبي)، عموماً، وللتيار القومي الناصري خصوصاً.
في المقابل انخرط بودربالة خلال السنوات الـ45 الماضية في عدد من منظمات المجتمع المدني، بدءاً من الجمعيات والنقابات التي تدافع عن حقوق المحامين وعن الأسرة القضائية الموسعة. ولم ينتم إطلاقاً إلى الحزب الحاكم في عهد الرئيسين الحبيب بورقيبة (1955 - 1987) وزين العابدين بن علي (1987 - 2010)، بل كان له منذ عقود حضور كبير في وسائل الإعلام المستقلة والمعارضة والقريبة من السلطة.
في المقابل، يعتبر رئيس المجلس النيابي الجديد قريباً، فكرياً وسياسياً، من الرئيس التونسي قيس سعيّد الذي لم ينتم بدوره أبداً إلى حزب سياسي، لكنه تعاطف منذ مرحلة دراسته في الجامعة مع أنصار التيار القومي العربي، ومع أفكار بعض زعمائه ورموزه؛ مثل عصمت سيف الدولة، ومع الكتّاب و«المفكرين العروبيين والمسلمين المستقلين»؛ مثل عباس محمود العقاد.
ابن الجنوب التونسي
من الجوانب اللافتة في السيرة الذاتية لإبراهيم بودربالة أن أصوله تعود لمدينة الحامة، في محافظة قابس بالجنوب التونسي، مثل رئيس البرلمان المنحل راشد الغنوشي، وأيضاً جلولي فارس الزعيم الوطني الذي ترأس أول برلمان لتونس بعد استقلالها عن فرنسا (بين 1956 و1964).
وحقاً، تتميّز الحامة، التي تنحدر منها عائلة بودربالة، بكونها كانت طوال قرون موطن كثير من زعماء الثورات وحركات التمرد على السلطات المركزية. كذلك ولد فيها عدد من رموز الكفاح الوطني ضد الاستعمار في ليبيا وتونس؛ مثل محمد علي الدغباجي، الذي أعدمته قوات الاحتلال الفرنسي عام 1924 أمام أهله في الحامة بعد 4 سنوات من قيادته الكفاح المسلح في ليبيا وتونس.
أيضاً كانت الحامة موطن الزعيم النقابي محمد علي الحامي الذي توفي منفياً في 1928 بعد 3 سنوات من تأسيس أول نقابة عمالية وطنية تونسية، كما أنها موطن الشيخ الطاهر الحدّاد، المفكّر الإسلامي المجدّد وأول داعية لتحرير المرأة والأسرة التونسية والعربية، ومؤلف كتاب «امرأتنا بين الشريعة والمجتمع»، الذي أصبح مرجعاً فكرياً للحبيب بورقيبة وقادة تيار الإصلاح في تونس وفي العالم العربي.

سيرة شخصية
ولد إبراهيم بودربالة في أغسطس (آب) 1952 في حي شعبي وفقير بمنطقة باب الفلة، خارج أسوار مدينة تونس العاصمة. وهي منطقة كانت تقيم فيها أسرته الآتية من الحامة، مثل كثير من عائلات المهاجرين الفارين من البؤس والفقر والبطالة والجفاف في الجنوب، وبقية المحافظات المهمشة والفقيرة. وهو الابن الأصغر في أسرته التي كانت تقيم في أحد الأزقة في الحي الذي يربط بين أسوار مدينة تونس القديمة ومقبرة الجلاّز والأراضي الزراعية التي حوله.
درس بودربالة منذ أواسط ستينات القرن الماضي في ثانوية عصرية عوّضت مدارس جامعة الزيتونة تحمل اسم «معهد ابن شرف»، نسبة إلى العلامة والشاعر التونسي الأندلسي ابن شرف القيرواني.
وحصل في يونيو (حزيران) 1972 على شهادة الثانوية - أي البكالوريا حسب النظام التونسي الفرنسي - فالتحق بكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بتونس العاصمة. وكانت الكلية قد فتحت أبوابها قبل سنة، وكانت من بين أكثر المعاهد التونسية اضطراباً بسبب نشاط المجموعات السياسية والنقابية والمواجهات بين قوات الأمن والحركة الطلابية اليسارية التي تمرّدت على حكم بورقيبة منذ 1971.
غير أن بودربالة لم يتعرض إلى الإيقاف والطرد أو التجنيد مثل نشطاء التيارات السياسية في كلية الحقوق، فتخرج في يونيو 1976، وبعد سنة حصل على شهادة «الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة». وضمّ في جدول المحامين المتدرّبين في 6 مايو (أيار) 1977، وأدى اليمين القانونية بعد ستة أيام من ذلك، وبدأ تدريبه وممارسة مهنة المحاماة في مكتب المحامييْن الكبيرين الصادق مرزوق ومحمد عزوز.

مسيرة العمل النقابي
في أواخر السبعينات كانت تونس تغلي، وشهدت محاكمات بالجملة لقيادات من المعارضة السياسية والنقابية منها قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي نظم إضراباً عاماً تطوّر إلى مواجهات دامية في يناير (كانون الثاني) 1978، وشجّعت هذه الأجواء بودربالة على الانخراط مبكراً في الشأن العام والعمل النقابي. وفعلاً، انتخب عام 1979 عضوا في الهيئة المديرة لمنظمة المحامين الشّبان. وأعيد انتخابه في مؤتمرها عام 1981 وأسند له منصب أمين عام الجمعية، قبل انتخابه رئيسا لها في مؤتمرها المنعقد عام 1983،
وبعد ذلك بأربع سنوات، رُسم بودربالة في جدول المحامين المخّول لهم المرافعة أمام محكمة التعقيب (محكمة النقض). ومكنته هذه الترقية من الترشّح في المؤتمر العام لـ«الهيئة الوطنية للمحامين». وفي 8 مايو 1987 انتخب عضواً في القيادة العليا للنقابة الوطنية، وصار رئيس محاضرات التدريب. وأعيد انتخابه عام 1989 بالهيئة نفسها، وحافظ على منصبه طيلة 5 سنوات.
وفي مؤتمر المحامين التونسيين يوم 5 يوليو 1992 انتخب إبراهيم بودربالة رئيساً لفرع المحامين بمحاكم تونس الكبرى، التي تشرف على غالبية محاكم البلاد. وأعيد انتخابه في عام 1995 لعهدة ثانية امتدت إلى عام 1998.
بعد هذه النجاحات التي لقي فيها بودربالة دعماً من نقيب المحامين عبد الوهاب الباهي (القومي العربي المقرّب للسلطات) قرّر الترشح لمنصب نقيب المحامين التونسيين (الهيئة الوطنية للمحامين)، لكنه فشل لأنه لم يحظ بدعم المعارضة والسلطة. وبعدها، ظل بودربالة طوال 20 سنة يترّشح دون جدوى لمنصب النقيب إلى أن حالفه الحظ في المرة الثامنة، خلال المؤتمر الوطني الذي عقد عام 2019.

محطة 2021
عام 2021 تحديداً في شهر يوليو، شهدت تونس منعرجاً سياسياً وأمنياً، وازداد الاهتمام بملفات المحاكم والمحامين والقضاء. وهكذا فتحت أبواب قصر قرطاج الرئاسي أمام نقيب المحامين، بينما اتهمه خصومه بالتحالف «المبالغ فيه» مع السلطات ضد المعارضين.
وخلافاً لمواقف غالبية المحامين والسياسيين انحاز بودربالة مبكراً لـ«المشروع السياسي الجديد للرئيس قيس سعيّد». ووافق على أن يكون ضمن الثلاثي الذي كلّف بصياغة مشروع الدستور الجديد مع عميد كلية الحقوق السابق الصادق بلعيد، والخبير في القانون الدستوري الأكاديمي اليساري أمين محفوظ. ومع أن بلعيد ومحفوظ انقلبا لاحقاً على «مشروع» سعيّد، ظل نقيب المحامين داعماً للرئيس وفريقه بلا تحفظ تقريباً.
وبعد انعقاد المؤتمر الجديد لنقابة المحامين مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، انخرط بودربالة أكثر في مسار دعم الرئيس سعيّد وخريطة الطريق الانتخابية. وترشح لعضوية المجلس النيابي (البرلمان) الجديد غير مبالٍ بانتقادات خصومه والحملات الإعلامية التي استهدفته. وبالفعل، توّج هذا المشوار بانتخابه رئيسا لهذا المجلس.
استقلالية... ولكن
يتساءل مراقبون هنا: هل يعني تسلّم بودربالة رئاسة البرلمان انخراطاً نهائياً في المشروع السياسي لرئيس الجمهورية و«النظام المجالسي» الذي كشفته سلسلة المراسيم الرئاسية التي صدرت أخيراً، ونصّت على حل المجالس البلدية المنتخبة والدعوة إلى تأسيس مجالس محلية وأخرى بلدية وجهوية ووطنية بينها غرفة ثانية للبرلمان؟
كل الفرضيّات واردة. لكن مشوار بودربالة المهني والسياسي يبيّن أنه لم يكن من المحامين والسياسيين المساندين للسلطات بلا قيد أو شرط. إذ كان أحد المحامين الذين شاركوا في الدفاع عن المتهمين البارزين في عدة قضايا سياسية ونقابية رُفعت أمام محكمة أمن الدولة والمحاكم العسكرية والمدنية.
أيضاً كان من فريق المحامين الذين تطوّعوا للدفاع في القضايا التي رفعتها السلطات ضد قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل عام 1978، ثم عام 1980 ضد المجموعة المسلحة التي تدرّبت في ليبيا ودخلت جنوب تونس من الجزائر وخاضت مواجهات مسلحة مع قوات الأمن والجيش التونسي.
أكثر من هذا، كان بودربالة بين المحامين الذين دافعوا عن الموقوفين والمساجين في قضايا سياسية في عهدي بورقيبة وبن علي، منهم مجموعات اليسار وحزب العمال برئاسة حمّة الهمامي ومساجين حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة لاحقاً) في محاكمات 1981 و1987، إلا أنه انسحب إلى الصفوف الثانية في المحاكمات السياسية التي وقعت خلال عهد بن علي ثم بعد ثورة 2011، ولم ينخرط مع المحامين الذين دافعوا عن المعارضين السياسيين والنقابيين والمحامين الذين وضعوا قيد الإقامة الجبرية أو تعرضوا للإيقاف بعد منعرج 25 يوليو 2021 الذي تعتبره المعارضة «انقلاباً على الشرعية الدستورية والانتخابية»، بينما يراه بودربالة وأنصار الرئيس سعيّد «حركة تصحيح للمسار».
في ضوء هذه المواقف عيّن الرئيس نقيب المحامين السابق رئيسا للجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية ضمن «الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة». ومثلما تزايد مناصرو بودربالة بعد فوزه برئاسة البرلمان، تضاعف عدد خصومه ومعارضيه من داخل نقابة المحامين ومعظم الأحزاب السياسية التقليدية والجديدة.
بالتالي، فإن الكرسي الجديد الذي يجلس عليه بودربالة يبدو «هشّاً»، لأن نائبي رئيس البرلمان (سوسن المبروك والأنور المرزوقي) ينتميان إلى «الجناح الراديكالي» بين المجموعات المحسوبة على «مشروع» سعيّد. في حين ينتمي عشرات النواب في هذا البرلمان إلى الأطراف السياسية التي تحكم تونس منذ عهد زين العابدين بن علي، وتحديدا من حزب «نداء تونس» الذي تزعمه الرئيس السابق الباجي قائد السبسي.
التحديات كثيرة أمام بودربالة في قصر باردو (مقر البرلمان)، الذي شاءت الأقدار أن يرأسه لأول مرة كهل في الـ71 من عمره اختار منذ شبابه أن يمتنع عن الزواج والتحرّر من قيود العائلة.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

وزير التعليم بـ«الوحدة» الليبية: الانقسام السياسي يعمّق أزمات القطاع

وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة» موسى المقريف (الشرق الأوسط)
وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة» موسى المقريف (الشرق الأوسط)
TT

وزير التعليم بـ«الوحدة» الليبية: الانقسام السياسي يعمّق أزمات القطاع

وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة» موسى المقريف (الشرق الأوسط)
وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة» موسى المقريف (الشرق الأوسط)

تحدث وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، موسى المقريف، عن «وجود مشاكل عدة بقطاع التعليم لا يمكن فصلها عن الانقسام الحكومي راهناً؛ بجانب الأوضاع السياسية والاجتماعية والأمنية التي سادت ليبيا على مدار السنوات الماضية»، مؤكداً على «العدالة في اعتماد رواتب المعلمين بالبلاد».

وقال المقريف لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومة ضاعفت رواتب المعلمين أكثر من مرة خلال الفترة الماضية، لافتاً إلى أن ما يتقاضاه المعلم يتراوح بين 1500 و2300 دينار (الدولار يعادل 4.83 دينار في السوق الرسمية).

وحرص المقريف على الإشارة إلى جهود وزارته وتنسيقها مع الأسرة التربوية في عموم البلاد «لتقليص تداعيات الانقسام الحكومي على العملية التعليمية»، قائلاً: «منذ أن توليت مسؤولية الوزارة نجحنا مع زملائنا بالمنطقة الشرقية في توحيد موعد الدراسة والامتحانات».

ولفت إلى أن وزارته «أبقت الاعتماد على النظام السنغافوري المطبق في ليبيا منذ 2009، وذلك للتخوف من وجود اعتراضات من الطرف الآخر على أي نظام تعليمي جديد»، في إشارة إلى الحكومة المكلفة من مجلس النواب. ونوه إلى أن إجمالي عدد المعلمين في ليبيا يقارب 700 ألف شخص، لكنه أقر بأن «قطاعاً غير هين منهم يفتقر للمهارات التربوية والتقنية، إلى جانب قلة عدد المتخصصين منهم ببعض المواد العلمية».

الدبيبة خلال افتتاح مدرسة في غريان غرب ليبيا (المكتب الإعلامي للدبيبة)

توفير الكتاب المدرسي

وعلى مدار الأعوام الماضية، يتأخر توفير الكتاب المدرسي في ليبيا إلى ما يقارب انتهاء الفصل الدراسي الأول. وتسببت هذه الأزمة خلال العام الدراسي (2021-2022) في غضب الطلاب وأولياء الأمور، مما أدى إلى حبس المقريف احتياطياً ثلاثة أشهر؛ «لمسؤوليته عن تأخر طبع الكتاب وتسليمه للطلاب».

ورغم حرصه على التوسع بالتعليم الإلكتروني، شدد المقريف على أن عدد المدارس في ليبيا حالياً 6400 مدرسة بين عام وخاص، «وهو رقم غير متكافئ على الإطلاق مع عدد الطلبة الذي يقترب من مليونين و300 ألف طالب».

وتحدث الوزير عن ظاهرة التسرّب من التعليم، التي رُصدت بوضوح بشريحة الذكور وخاصة مرحلتي التعليم الثانوي والجامعي خلال السنوات الست الأولى على ثورة 17 فبراير (شباط)، و«كيف أن دافعها الرئيسي كان الالتحاق بالتشكيلات المسلحة للحصول على رواتب مغرية في ظل سعي كل طرف من الأطراف المتصارعة على السلطة لتقوية جبهته»، لكنه لفت إلى أن «تلك النسبة كانت محدودة، على عكس ما يتردد». وقال إن «هناك نسبة زيادة سنوية للالتحاق بالعملية التعليمية تقدر بـ150 ألف طالب، فضلاً عن التحاق أبناء الوافدين من دول أخرى، والتعليم متاح للجميع بالمجان».

ليبيون مسنون يؤدون امتحان مرحلة التعليم الأساسي (وزارة التربية والتعليم)

الاستياء الشعبي

وأبدى المقريف تفهماً للغضب والاستياء الشعبي الذي ثار عقب الإعلان عن «خروج ليبيا عن التصنيف الدولي لجودة التعليم وفق ما أظهر مؤشر المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) عام 2022»، مرجعاً ذلك «لعدم تسلم المسؤولين عن مركز الإحصاء بالمنتدى الدولي لبيانات وإحصاءات العملية التعليمية في ليبيا بتوقيت مناسب، وليس لأي سبب آخر». وأكد أنه «تم تدارك الأمر العام الماضي والمسارعة بإرسال كافة البيانات ليقوم مسؤولو المؤشر بتحليلها بوقت مناسب وقياس جودة التعليم الليبي»، متوقعاً أن «تحظى بلاده بموقع جيد بترتيب هذا المؤشر، رغم كل ما تواجهه من تحديات».

وأشار إلى انفتاح الأجيال الصغيرة على عالم التكنولوجيا بما يضمه من منصات تعليمية ومواقع ذكاء اصطناعي، فضلاً عن تفاعلهم النشط بمواقع التواصل الاجتماعي؛ بات يشكل تحدياً جديداً للعملية التعليمية في بلاده؛ لما يفرضه ذلك «من ضرورة تحديث المناهج الدراسية، وتطوير الكادر التعليمي، وكذلك نظم إيصال المقررات والمواد العلمية». وقال إن «الطالب الآن أصبح يتفوق من حيث مهاراته التقنية والتكنولوجية على المعلم بالمدرسة؛ وللأسف الدورات التي قُدمت لتطوير المعلم كانت خجولة جداً، وخاصة في فترة الصراعات السياسية والمسلحة التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، لعدم وجود ميزانيات».

التحول للتعليم الإلكتروني

وشدد المقريف على أهمية التحول للتعليم الإلكتروني الذي بات ركيزة المشهد التعليمي بالعالم، واصفاً بالمقابل الكتاب المدرسي المطبوع بكونه «لم يعد يشكل إلا جزءاً بسيطاً من العملية التعليمية»، معوّلاً على أن يسهم تدشين منصة «مستقبلي بيدي» التعليمية في تعزيز اقتناع المجتمع بالتعليم الإلكتروني.

وكان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» (المؤقتة)، عبد الحميد الدبيبة، قد أعلن شروع حكومته في إنشاء 500 مدرسة قبيل انتهاء العام الحالي، وذلك في إطار مشروع وطني لبناء 1500 مدرسة لمعالجة إشكالات مثل «الاكتظاظ، وعدم وجود مدارس في بعض المناطق، ووجود (مدارس الصفيح)».

حول المخصصات المالية للتعليم، أكد المقريف «على أنها محدودة»، داعياً السلطة التشريعية لدراسة وسرعة البت بمقترح تقدمت به وزارته لتخصيص قرابة 20 في المائة للإنفاق على قطاع التعليم من الباب الثالث لميزانية الدولة.

وتتنافس على السلطة في ليبيا حكومتان؛ الأولى تتمركز في غرب البلاد بقيادة الدبيبة، والثانية شكّلها مجلس النواب بداية عام 2022 وتسيطر على شرق البلاد ويرأسها أسامة حماد.


السودان يستنكر انعقاد مؤتمر باريس دون التنسيق مع حكومته

الدخان يتصاعد فوق مباني الخرطوم مع استمرار القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (أ.ب)
الدخان يتصاعد فوق مباني الخرطوم مع استمرار القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (أ.ب)
TT

السودان يستنكر انعقاد مؤتمر باريس دون التنسيق مع حكومته

الدخان يتصاعد فوق مباني الخرطوم مع استمرار القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (أ.ب)
الدخان يتصاعد فوق مباني الخرطوم مع استمرار القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (أ.ب)

عبرت وزارة الخارجية السودانية، اليوم الجمعة، عن بالغ دهشتها واستنكارها لانعقاد مؤتمر باريس حول السودان دون التشاور أو التنسيق مع حكومتها ودون مشاركتها، واصفة ذلك بأنه «استخفاف» بمبدأ سيادة الدول.

وأوضحت الوزارة، في بيان، أن الحكومة «هي حصرياً التي تمثل البلاد دولياً، وفي شتى الهيئات والمنظمات والمحافل الإقليمية والدولية، وتتبادل التمثيل الدبلوماسي مع مختلف دول العالم بما فيها فرنسا نفسها».

ورأت الخارجية السودانية أن هذا المسلك يمثل «استخفافاً بالغاً» بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبدأ سيادة الدول، مضيفة أنه «لهذا ينبغي تذكير منظمي ذلك الاجتماع أن نظام الوصاية الدولية قد تمت تصفيته قبل عقود من الزمان، وأنه أصلاً لم يكن ينطبق على الدول الأعضاء بالأمم المتحدة مثل السودان».

وأشار البيان إلى أن ما وصفه بالاختباء خلف ذريعة الحياد بين من يسميهما المنظمون «طرفي نزاع» لتبرير تجاهل السودان في تنظيم هذا الاجتماع، «حجة لا قيمة لها وأمر مرفوض وسابقة خطيرة في العلاقات الدولية».

وأكد أن المساواة بين الحكومة والجيش من جهة و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى «من شأنها تقويض أسس الأمن الإقليمي والدولي»، متهماً «قوات الدعم» بأنها «تستهدف مؤسسة الدولة نفسها وتمارس الإبادة الجماعية وأسوأ انتهاكات حقوق الإنسان».

وأوضحت الوزارة أن هذه المساواة سوف تشجع الحركات المسلحة في أفريقيا والشرق الأوسط على «تصعيد أنشطتها الإجرامية؛ لأنها ستكون ذريعة لقوى غربية لتجاهل سيادة الدول المتضررة وحكوماتها الشرعية بدعوى الحياد، هذا مع العلم أن رعاة الميليشيا الإقليميين وجناحها السياسي سيشاركون في الاجتماع».

ولفتت الخارجية السودانية إلى انعقاد المؤتمر الدولي للمساعدات الإنسانية للسودان في جنيف في يونيو (حزيران) 2023 بمبادرة من الحكومة ومشاركة عدد من الدول الصديقة، والذي جرى خلال تقديم تعهدات كبيرة بالمساعدات.

وأضافت أنه من أجل حث المجتمع الدولي على الوفاء بتلك التعهدات، انعقد الاجتماع الدولي الرفيع المستوى في نيويورك في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بالتعاون بين حكومة السودان والأمم المتحدة، إلا أن نسبة الوفاء بهذه التعهدات حتى الآن لم تتجاوز خمسة في المائة.

وأردفت بالقول: «في ضوء ذلك، فإن المطلوب هو الوفاء بالتعهدات السابقة بدلاً من تبديد الموارد والجهود في عقد مؤتمرات جديدة لن تعدو أن تكون مجرد مهرجانات سياسية ودعائية، ربما يستغلها رعاة الميليشيا لإعادة تسويقها وغسل جرائمها وتقديم الدعم لها تحت غطاء المساعدات الإنسانية».

وشدد البيان على أن أقصر الطرق إلى إنهاء المعاناة الإنسانية في السودان هو عبر إلزام من وصفهم برعاة «قوات الدعم السريع» «بالتوقف عن تزويدها بالسلاح والمرتزقة والأموال؛ لأن ذلك الدعم هو وحده ما يمكنها من مواصلة وتصعيد عدوانها على الشعب السوداني».

كما أكدت الخارجية ضرورة اتخاذ المجتمع الدولي موقفاً حازماً ضد ما وصفته باستهداف الدعم السريع المعلن لقوافل المساعدات الإنسانية عبر المسارات التي تم الاتفاق عليها بين السودان والأمم المتحدة.

وتستضيف العاصمة الفرنسية باريس، الاثنين المقبل، اجتماعاً يتناول الوضع في السودان على الصعيدين السياسي والإنساني، والذي تنظمه بالتعاون مع ألمانيا والاتحاد الأوروبي، وذلك تزامناً مع الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الصراع بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023.


خبراء: لا مخرج في الأفق لأزمة السودان بعد عام على الحرب

تصاعد الدخان جراء اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية- أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

خبراء: لا مخرج في الأفق لأزمة السودان بعد عام على الحرب

تصاعد الدخان جراء اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية- أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية- أ.ف.ب)

اندلعت الحرب في السودان قبل عام بين قائدين عسكريين كانا يتقاسمان السلطة والنفوذ، وتسببت بأوضاع مأسوية تشمل المجاعة والنزوح والعنف الجنسي والنزاعات العرقية المسلحة، وفق خبراء وموظفي إغاثة، في غياب أي مخرج في الأفق.

تقول الأمم المتحدة إن السودان الذي كان، حتى قبل الحرب، أحد أفقر بلدان العالم، يشهد «واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم، وهو مرشح لأن يشهد قريباً أسوأ أزمة جوع في العالم».

واندلعت المعارك في الخرطوم في 15 أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه في ذلك الحين قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي». وأودت هذه الاشتباكات التي باتت تغطي مساحات واسعة من البلاد، إلى مقتل آلاف الأشخاص، من بينهم 10 آلاف إلى 15 ألفاً في مدينة واحدة بإقليم دارفور غرب البلاد، وفق الأمم المتحدة.

واضطر ستة ملايين ونصف المليون سوداني إلى النزوح من ديارهم، بينما لجأ مليونان ونصف مليون آخرون إلى الدول المجاورة.

ويعاني 18 مليون سوداني، من بين إجمالي السكان البالغ عددهم 48 مليوناً، من نقض حاد في الغذاء.

وبات مئات الآلاف من النساء والأطفال معرضين للموت جوعاً، في أزمات يشعر العاملون في المجال الإغاثي بالعجز حيالها، بسبب رفض منحهم تأشيرات دخول وفرض رسوم جمركية باهظة على المواد الغذائية، إضافة إلى نهب المخازن وصعوبة الوصول إلى العالقين قرب جبهات القتال.

وانهار النظام الصحي بشكل شبه كامل في السودان. وتقدّر الخرطوم الخسائر في هذا القطاع بقرابة 11 مليار دولار.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية)

أما القطاع الزراعي الذي كان يعمل فيه العدد الأكبر من السودانيين في بلد كان يُعدّ سلة غلال أفريقيا، فاستحال أراضي محروقة. حتى المصانع القليلة تمّ قصفها.

تؤكد الدولة أنها فقدت 80 في المائة من مواردها. وقد يؤدي استمرار المعارك إلى وقف تصدير نفط جنوب السودان الذي يعود على حكومة الخرطوم بعائدات تُقدَّر بعشرات الملايين من الدولارات شهرياً.

لم يتبقَّ للسكان إلا «لجان المقاومة»، المجموعات التي كانت تنظم المظاهرات المطالبة بالديمقراطية قبل أعوام، وأصبحت تتولى إدارة مراكز العلاج الصغيرة والمطابخ العامة في الأحياء التي أسسها متطوعون، ويتم تمويلها بتبرعات السودانيين في الخارج.

فتيان يحملون دلاء مملوءة بالماء في أحد شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)

النصر «مستحيل»

يقول الخبير في الشأن السوداني أليكس دو فال إنه «ليس هناك أي مؤشر على أننا نتجه نحو نهاية الحرب».

ويضيف أنه حتى في حال توقفها «سيكون السبيل نحو إعادة بناء الدولة التي تهدمت، طويلاً وصعباً».

لم تشهد خريطة السيطرة في الميدان تبدلاً كبيراً على امتداد الحرب. والبيانات التي تصدر بين الحين والآخر من كلا الطرفين لتعلن إحراز أحدهما تقدماً ميدانياً، لا تنطلي على أحد.

ويؤكد الصحافي محمد لطيف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «تحقيق أي من الطرفين نصراً في المرحلة الحالية مستحيل، فقواتهما ضعيفة ومنهكة بسبب صعوبة الحصول على إمدادات».

على الأرض، تمسك «قوات الدعم السريع» بالأرض، خصوصاً في الخرطوم وإقليم دارفور حيث قامت نواتها في مطلع القرن الحالي، أي «ميليشيا الجنجويد»، التي أسسها دقلو، وحاربت إلى جانب نظام الرئيس السابق عمر البشير.

أما الجيش، فيسيطر على الأجواء لكونه الوحيد المزود بالطيران الحربي. وتقوم طائراته بقصف «قوات الدعم السريع»، لكنه من دون سيطرة برية، ما يجعل «أي انتصار غير ممكن»، وفق ضابط سابق طلب عدم الكشف عن هويته.

وفي حرب المدن التي يستخدم خلالها الطرفان أسلحة راكماها على مر السنين، يدفع المدنيون الثمن.

فمَن نجوا من الموت فقدوا بيوتهم التي احتلتها «قوات الدعم السريع». ويقوم الجيش بالأمر ذاته حالياً في أم درمان، ضاحية الخرطوم التي استعادها أخيراً من «قوات الدعم»، وفق لجنة من المحامين المستقلين المطالبين بالديمقراطية.

وتسجل هذه اللجنة وغيرها من المنظمات المحلية والدولية الانتهاكات التي يرتكبها الطرفان، مثل القتل لأسباب عرقية أحياناً، وتجنيد الأطفال والعنف الجنسي ضد النساء «الذي بات يُستخدم كسلاح في الحرب»، وفق الأمم المتحدة.

«ليس من مصلحة أحد»

وتراجع زخم جهود الوساطة التي كانت تقوم بها هيئات إقليمية، مثل الاتحاد الأفريقي أو «الإيغاد» (منظمة تضم دول شرق أفريقيا) أو الجامعة العربية، وسعت للتوصل إلى حل تفاوضي للنزاع.

مع ذلك، وعدت الولايات المتحدة باستئناف جهودها مع السعودية وأعلنت أن جولة مفاوضات جديدة ستُعقد في مدينة جدة 18 أبريل.

ورغم تعثّر الوساطات، يقول دو فال إنه «ليس من الصعب تحقيق إجماع في أفريقيا والشرق الأوسط على أن انهيار السودان ليس من مصلحة أحد».

ويوضح أن سقوط السودان «الذي يُعدّ بؤرة لنزاعات عابرة للحدود وللتنافس الدولي (على النفوذ) يمكن أن يؤدي إلى إشعال المنطقة».

ورغم تحذيرات المجتمع الدولي والأمم المتحدة المتكررة من احتمالات تفاقم الأزمة الإنسانية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، يتمسك كل من البرهان ودقلو المعروف بحميدتي، بموقفيهما. ويصف كل طرف الآخر بـ«الإرهابيين».


فرنسا تستبعد طرفي الحرب في السودان من مؤتمر باريس

تصاعد الدخان جراء اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية- أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستبعد طرفي الحرب في السودان من مؤتمر باريس

تصاعد الدخان جراء اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية- أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية- أ.ف.ب)

كشفت فرنسا أمس (الخميس) عن الأهداف الرئيسية المتوخاة من مؤتمر تستضيفه باريس الاثنين المقبل ويتناول الوضع في السودان. وسيغيب التمثيل الرسمي السوداني عن المؤتمر الذي يُنظّم بالتعاون مع ألمانيا والاتحاد الأوروبي، في خطوة لها دلالاتها، كما يبدو.

وجاء اختيار يوم 15 أبريل (نيسان) لاستضافة المؤتمر؛ كونه يصادف الذكرى الأولى للحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» التي ضربت كل ما جاءت به المرحلة الانتقالية الديمقراطية.

وقالت الخارجية الفرنسية، أمس، إن المطلوب من المؤتمر تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية؛ أولها «الالتزام بتمويل الاستجابة الدولية للحاجات الإنسانية الضرورية للسودان»، وثانيها إحراز تقدم في ضمان وصول المساعدات من دون عوائق، وثالثها ضرورة «ألا يطغى عدم الاستقرار في النظام الدولي» على الأزمات التي تؤثر في الأفارقة، بما في ذلك السودان.

من جهته، أعرب سفير السودان لدى فرنسا خالد فرح عن دهشته واستنكاره لغياب حكومة بلاده عن المؤتمر، مشيراً إلى أنها لم تدعَ للمشاركة فيه، فيما دعت فرنسا تنسيقية «تقدم» بزعامة عبد الله حمدوك.


البرهان و«حميدتي» يصعّدان... والمعارضة المدنية تنتقد

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية)
TT

البرهان و«حميدتي» يصعّدان... والمعارضة المدنية تنتقد

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية)

طغت اللغة التصعيدية العسكرية على الخطابات التي أدلى بها قائدا الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بمناسبة عيد الفطر المبارك، بينما عبرت القوى السياسية عن مخاوفها من أن مثل هذه الخطابات التهديدية قد تطيل أمد الحرب، التي وصفتها بأنها «عبثية»، ولن تحسم بقوة السلاح.

البرهان، جدد في خطابه عشية العيد التأكيد على الاستمرار في الحرب، حتى إنهاء تمرد «الدعم السريع»، بينما أكد «حميدتي» أن الخيار الأوحد هو تحقيق النصر، مباركاً «الانتصارات العظيمة» لقواته في جميع المحاور، وعلى وجه الخصوص في ولاية الجزيرة وغرب سنار والفاو.

ويأتي خطابا البرهان و«حميدتي» بينما تجري معارك ضارية بين قواتهما على أكثر من محور في ولاية الجزيرة، التي حشد الجيش الآلاف من قواته وقوات الحركات المسلحة المؤيدة له، لاستعادتها من «الدعم السريع».

تنسيقية «تقدم» تنتقد

وقال المتحدث الرسمي باسم «تنسيقية القوى الديمقراطية والمدنية» (تقدم) بكري الجاك، إن «المأساة في خطابي البرهان و(حميدتي)، تشير إلى أن الطرفين ليس لديهما أي رؤية إيجابية وتقدير لحجم المآسي والأذى الذي يدفع ثمنه الشعب السوداني بسبب الحرب».

رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك في برلين 14 فبراير 2020 (رويترز)

وأضاف: «المخيف أن هذه الحرب لا إمكانية فيها للنصر، وحتى لو حدث، فسيكون على حساب موت الملايين وانهيار البلاد بالكامل». ورأى الجاك في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار الحرب سيؤدي إلى ازدياد حدة الانقسام المجتمعي والاصطفاف العرقي والإثني، وسيقود البلاد إلى التقسيم، وهي رسالة مخيفة للشعب السوداني.

وقال: «نأمل في أن يكون خطابا البرهان و(حميدتي) تصعيداً من أجل التفاوض، وألا تكون لديهما نوايا حقيقية لمواصلة هذه الحرب». وأكد الجاك أن تنسيقية «تقدم» ستبذل أكبر جهد لوقف الحرب، كما ستعمل مع الشركاء الدوليين والإقليميين بهدف عودة الاستقرار.

بدوره، قال رئيس المكتب التنفيذي لـ«التجمع الاتحادي»، بابكر فيصل، لـ«الشرق الأوسط»، إن التصعيد ربما يكون محاولة لتحسين الموقف التفاوضي. وأضاف: «كل يوم يمر تتفاقم فيه معاناة الملايين من السودانيين».

التصعيد يغلق أبواب الأمل

وفي السياق ذاته، علق القيادي في «حزب المؤتمر السوداني»، أحد مكونات تنسيقية «تقدم»، خالد عمر يوسف، بالقول إن البرهان وحميدتي «أغلقا أبواب الأمل بالحلول السلمية». وأضاف في منشور على حسابه بمنصة «إكس»، أن «إنهاء الحرب غير ممكن دون توفر الإرادة من قبل الأطراف المتقاتلة، وهو الأمر الذي يغيب كلياً الآن».

خالد عمر يوسف وزير شؤون الرئاسة في حكومة حمدوك الأولى (سونا)

إلى ذلك، قالت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان، الخميس، إن الشعب السوداني سئم النزاع المدمر مع دخول الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع» عامها الثاني. وشددت البعثة الأممية على ضرورة التزام طرفي النزاع بوقف فوري لإطلاق النار، وإنهاء الهجمات على المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. وقال رئيس البعثة المستقلة، محمد شاندي عثمان: «حان الوقت لتتوقف هذه الحرب المدمّرة». وأضاف: «لقد تحمل الشعب السوداني ما يكفي، وعلى الأطراف المتحاربة إيجاد طريق للسلام واحترام حقوق الإنسان».

وقال عثمان، وهو رئيس المحكمة العليا السابق في تنزانيا، إن «الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم يبديا اهتماماً يذكر بحماية المدنيين»، وإن البعثة تحقق في تقارير عن هجمات متكررة على المدنيين والمدارس والمستشفيات. كما أشارت البعثة إلى تقارير عن هجمات على قوافل المساعدات.

وقالت منى رشماوي، وهي من المحققين الثلاثة في البعثة: «تثابر وكالات الإغاثة في عملها على الرغم من الهجمات على القوافل الإنسانية والموظفين الإنسانيين والمستودعات الإنسانية، ونهبها». وأضافت: «نحقق أيضاً في تعمّد عرقلة المساعدات الإنسانية الموجّهة إلى المدنيين الموجودين في مناطق يسيطر عليها الطرف الآخر».

وتحدثت البعثة أيضاً عن مخاوف بشأن ضعف المحاصيل وارتفاع أسعار الحبوب وخطر حدوث كارثة غذائية، ودعت الجانبين إلى الالتزام بعملية سلام شاملة. وستقدم البعثة تقريراً شاملاً إلى مجلس حقوق الإنسان بدورته التي ستعقد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المقبلين.


مؤتمر باريس حول السودان «الاثنين» في غياب طرفَي النزاع

الرئيس ماكرون مرحّباً برئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان خلال مؤتمر باريس 17 مايو 2021 (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون مرحّباً برئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان خلال مؤتمر باريس 17 مايو 2021 (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر باريس حول السودان «الاثنين» في غياب طرفَي النزاع

الرئيس ماكرون مرحّباً برئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان خلال مؤتمر باريس 17 مايو 2021 (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون مرحّباً برئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان خلال مؤتمر باريس 17 مايو 2021 (أ.ف.ب)

تضع باريس اللمسات الأخيرة على حدث مزدوج تستضيفه الاثنين المقبل، 15 أبريل (نيسان)، يتناول الوضع السوداني في جانبيه السياسي والإنساني، وهي تنظمه بالتعاون مع ألمانيا والاتحاد الأوروبي، في غياب التمثيل الرسمي السوداني.

في الجانب السياسي، يلتئم اجتماع صباح الاثنين على المستوى الوزاري في المقر التاريخي للخارجية الفرنسية المطلّ على نهر السين برئاسة مشتركة فرنسية - ألمانية – أوروبية، وغرضه، وفق بيان صادر عن الخارجية، «دعم مبادرات السلام الإقليمية والدولية» الهادفة إلى وضع حد للحرب المندلعة في السودان منذ عام كامل. وجاء اختيار يوم الخامس عشر من أبريل لأنه يصادف الذكرى الأولى للحرب التي شرَّدت ملايين السودانيين، وأوجدت انقسامات يصعب اليوم تجاوزها، فضلاً عن ضرب كل ما جاءت به المرحلة الانتقالية الديمقراطية. وبعد الاجتماع السياسي، يلتئم المؤتمر الإنساني في مقر رديف للخارجية، بعد الظهر، برئاسة الوزيرين الفرنسي والألماني: ستيفان سيجورنيه، وأنالينا بيربوك، ومسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، والمفوض الأوروبي لإدارة الأزمات يانيز لينارسيتش، إلى جانب «السلطات الأفريقية والأوروبية، ومسؤولي المنظمات الدولية والمجتمع المدني».

أنالينا بيربوك ستشارك سيجورنيه إدارة المؤتمر... وهي في الصورة مع الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ (إ.ب.أ)

ثلاثة أهداف

وقالت الخارجية الفرنسية أمس، في إطار مؤتمرها الصحافي الأسبوعي، إن المطلوب من المؤتمر تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية؛ أولها «الالتزام بتمويل الاستجابة الدولية للحاجات الإنسانية الضرورية للسودان»، ولكن أيضاً لدول الجوار المعنية بالأزمة السودانية. والهدف الثاني إحراز تقدم في ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وآمن ودون عوائق إلى جميع أنحاء السودان. أما الهدف الثالث، وهو لا يقل أهمية عن الهدفين السابقين فعنوانه «ألا يطغى عدم الاستقرار في النظام الدولي على الأزمات التي تؤثر في الأفارقة: سواء في السودان، حيث نزح نحو 8 ملايين شخص، أو في الأزمة التي تؤثر في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية». ولدى سؤال المسؤول في الخارجية عن مشاركة ممثل للدولة السودانية أو المعارضة في الاجتماعين السياسي والإنساني، كان الجواب أن «الهدف من مؤتمر السودان هو الجمع بين جميع الشركاء المعنيين وجميع الشركاء المفيدين. وهذا يعني أن جميع دول المنطقة ستتم دعوتها». بيد أن الخارجية الفرنسية لم تكن قادرة على توفير لائحة كاملة للمشاركين في المؤتمر بانتظار تلقيها الأجوبة كافة على الدعوات التي وجَّهتها منذ شهر فبراير (شباط) الماضي.

وباختصار، فإن توفير الأموال الضرورية للاستجابة للوضع الإنساني الدراماتيكي في السودان وفي الدول المجاورة، ودعوة أطراف النزاع «لوضع حد للقتال الدائر وضمان الوصول الآمن للمساعدات الإنسانية»، سيشكّلان المحورين الأساسيين للمؤتمر.

جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي سيحضر مؤتمر باريس بشأن السودان (إ.ب.أ)

اللافت في المقاربة الفرنسية هو تغييب الجهات الرسمية السودانية عن المؤتمر، فيما سيكون هناك حضور للمجتمع المدني. وفي هذا الإطار أعرب سفير السودان لدى فرنسا، الدكتور خالد فرح، عن دهشته واستنكاره لغياب حكومة بلاده عن المؤتمر. وقال «المؤتمر يتعلق بشأن يخص دولة مستقلة وذات سيادة، جرى الترتيب له دون استشارة السودان تماماً، فضلاً عن أن حكومته التي تمثل الشرعية، ولها شخصيتها الاعتبارية والقانونية، لم تدعَ للمشاركة فيه أصلاً على أي مستوى من المستويات».

احتجاج سوداني

وانتقد الدبلوماسي السوداني مساواة حكومته بـ«ميليشيا الدعم السريع المتمردة»، رافضاً بعض العبارات السائرة التي ظلت تتردد بتوصيف الحرب الدائرة في السودان بـ«الطرفين المتحاربين» أو «طرفي الصراع» أو «الحرب بين جنرالين»، وأسوأ من ذلك وصف الوضع بأنه «حرب أهلية». وأوضح أن «الأمر هو ببساطة محاولة انقلاب عسكري فاشلة بغرض الاستيلاء على السلطة، بدعم وتواطؤ من بعض الدوائر الإقليمية والدولية».وأشار السفير السوداني إلى أن «أحد الطرفين، وهو بالتحديد (ميليشيا الدعم السريع) المتمردة، سيكون وحده الحاضر ضمناً، والمشارك بقوة في هذا المؤتمر، من خلال مشاركة حلفائه السياسيين والمتعاطفين معه، الذين تمت دعوتهم بالفعل للمشاركة فيه، مثل ما يسمى بـ(تنسيقية القوى الديمقراطية والمدنية - تقدم)، (يقودها رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك)، وغيرها من المنظمات غير الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني، وممثلي بعض التنظيمات السياسية والأفراد، بل من خلال مشاركة بعض الدول الأجنبية المشاركة في المؤتمر، المساندة للميليشيا المتمردة، سواء علناً أم سراً». وقال: «إننا نخشى بشدة من أن يتمخض هذا المؤتمر في المحصلة النهائية عن مجرد مهرجان دعائي وترويجي، ومنشط سياسي وإعلامي ودبلوماسي، واستنفار مالي، هدفه الأوحد هو تقديم الدعم والمساندة المادية والمعنوية لـ(ميليشيا الدعم السريع) المتمردة، وحليفها السياسي، تحت ستار الاهتمام بمأساة الشعب السوداني».

حمدوك ربما يشارك باسم تنسيقية «تقدم» في مؤتمر باريس الإثنين (رويترز)

ويختلف المؤتمر المقبل عن القمة الدولية التي نظّمتها باريس في شهر مايو (أيار) 2021، تحت شعار «دعم الانتقال الديمقراطي» في السودان والتي مثَّل السودان فيها رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك، ورئيس مجلس السيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان. ورغم الدعم الدولي والاقتصادي والمالي الذي وفّرته القمة المشار إليها لعملية الانتقال الديمقراطي، فإن السودان أضاع الفرصة المقدمة إليه وجاءت الحرب المندلعة منذ عام بين الجيش من جهة و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى لتحرم السودان من الحضور الرسمي في مؤتمر هدفه إخراج البلاد من أتون الحرب المشتعلة.

ولا شيء يشي بأن مؤتمر الاثنين المقبل سيمثل خطوة إخراج السودان من أتون الحرب. واللافت ما آلت إليه المواجهة الحاصلة ميدانياً بين روسيا من جهة، ممثلةً بميليشيا «فاغنر» الداعمة لـ«قوات الدعم السريع»، وبين أوكرانيا التي أرسلت مجموعة من خبرائها لمساعدة وتدريب القوات السودانية، خصوصاً لجهة استخدام المُسيرات التي نقلت أعداداً منها إلى السودان.

إعادة أزمة السودان إلى الواجهة الدولية

تريد باريس ألا تتدحرج الحرب في السودان إلى دهاليز النسيان، وألا يعتاد عليها العالم إلى درجة أن يفقد أي اهتمام بها رغم المآسي التي تستولدها. والخميس، وصفت الخارجية الفرنسية ما يدور في السودان بأنه «أزمة إنسانية بالغة الخطورة»، وأن الشق السياسي غرضه «محاولة إيجاد حل للنزاع»، فيما الجانب الإنساني يستهدف «إيجاد حلول للمسائل الإنسانية الملحّة» ليس فقط على الأراضي السودانية، ولكن أيضاً في دول الجيران، حيث نزح مئات الآلاف من السودانيين هرباً من الحرب ومآسيها. وتفيد تقارير الأمم المتحدة بأن الحرب أدّت إلى نزوح ثمانية ملايين شخص، فيما الخطر الأكبر بالنسبة إلى فرنسا أن تتحول حرب السودان إلى «أزمة منسية». وحسب باريس، فإن المؤتمر «سيوفر للسودانيين وللأسرة الدولية فرصة التعبير عن التطلع إلى السلام وإلى الحوكمة الديمقراطية».

يسعى مؤتمر باريس لإعادة الأزمة السودانية إلى الواجهة الدولية وألا تتدحرج إلى دهاليز النسيان (أ.ف.ب)

وخلال جلسة في البرلمان الفرنسي، منتصف مارس (آذار)، قالت وزيرة شؤون التنمية والشراكات الدولية كريسولا زاكاروبولو، رداً على سؤال للنائب كريستوف ماريون، من مجموعة الصداقة البرلمانية «فرنسا - السودان»، إن الحرب الدائرة في السودان «تسببت في إحدى كبرى الأزمات الإنسانية في العالم»، وأن موقف باريس يقوم على «التنديد بتواصل القتال وبالانتهاكات التي ترتكبها القوات السودانية و(قوات الدعم السريع) لحقوق الإنسان»، وأنه «إزاء الوضع الراهن، فإن فرنسا تتحمل مسؤولياتها». وأضافت الوزيرة الفرنسية أن المؤتمر سيضم الأسرة الدولية والمنظمات الفاعلة في الحقل الإنساني الدولية والمحلية على السواء لتعبئة الموارد المالية ولدفع الأطراف المتناحرة إلى تسهيل الوصول الحرّ والآمن للمساعدات واحترام منطوق القانون الدولي الإنساني. وإذ أشارت إلى أن فرنسا وفَّرت العام الماضي 50 مليون يورو من المساعدات الإنسانية المختلفة، فقد أكدت أنها ستواصل توفير الدعم للأطراف التي شاركت في مؤتمر جدة للدعم الإنساني، للوفاء بتعهداتها.

أما في المجال السياسي، فقد أشارت الوزيرة الفرنسية إلى أن باريس «تدعم مجمل مبادرات السلام الإقليمية والدولية وتعمل مع شركائها على تنسيق جهود السلام» في السودان. ولم تفت الوزيرة الإشارة إلى أن الحرب الدائرة «يجب ألا تُخرج من دائرة الانتباه وجود مجتمع مدني سوداني يتطلع إلى السلام، ولذا علينا أن نكون متيقظين وأن نأخذ بعين الاعتبار تطلعاته».


«الاستقرار» لتدشين مشروعات جديدة تستهدف ربوع ليبيا

درنة تشهد إعادة إعمار بعد عاصفة «دانيال» (حكومة الاستقرار)
درنة تشهد إعادة إعمار بعد عاصفة «دانيال» (حكومة الاستقرار)
TT

«الاستقرار» لتدشين مشروعات جديدة تستهدف ربوع ليبيا

درنة تشهد إعادة إعمار بعد عاصفة «دانيال» (حكومة الاستقرار)
درنة تشهد إعادة إعمار بعد عاصفة «دانيال» (حكومة الاستقرار)

أعلنت حكومة الاستقرار «الموازية» في ليبيا إطلاق حزمة من المشاريع في ربوع ليبيا كلها، عقب الانتهاء من مشاريع إعمار درنة، التي تضررت بشدة من إعصار «دانيال» في سبتمبر (أيلول) الماضي، بينما تواصل حكومة الوحدة «المؤقتة» تأمين معبر «رأس جدير» الحدودي مع تونس عقب الاضطرابات التي شهدها منذ بدايات مارس (آذار) الماضي.

وقال رئيس حكومة «الاستقرار» المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، إن حكومته بصدد وضع خطة لمشاريع في كل ربوع ليبيا عقب عيد الفطر، وذكر خلال جولة بمدينة درنة إنه «جرى تحديد موعد الانتهاء من أغلب مشروعات إعمار درنة نهاية العام الحالي». وأضاف حماد، مساء الأربعاء، أن «مدينة درنة لها خصوصية، لذلك جرى إنشاء صندوق إعادة إعمار درنة والمناطق المتضررة»، مشيراً إلى أن «حكومته تقوم بدورها على أكمل وجه وبكل الإمكانات المتاحة، ولا تزال تعمل في سبيل توفير الاحتياجات الضرورية للمواطنين».

واطلع حماد على سير أعمال إعادة إعمار درنة، بحضور مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بالقاسم حفتر، والمجلس الاجتماعي بدرنة، مثمناً «جهود القيادة العامة للقوات المسلحة ومجلس النواب وصندوق التنمية الذي جعل مدينة درنة تشهد تنمية غير مسبوقة»، وفق بيان نشرته حكومة «الاستقرار» على صفحتها بـ«فيسبوك».

وكانت العاصفة «دانيال» قد ضربت مدينة درنة شمال شرقي ليبيا في سبتمبر الماضي، وأدت إلى مقتل أكثر من 11 ألف شخص، وأكثر من 10 آلاف مفقود، ونزوح نحو 40 ألف مواطن، وفق إحصاءات أممية، فضلاً عن تضرر 1500 مبنى من إجمالي 6142 مبنى بالمدينة.

ورأى الكاتب والأكاديمي الليبي، علي بوقرين، أن «المشروعات التنموية في ليبيا يُمكنها أن تُسهم في استقرار البلاد وتوحيد الصف»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه من «الضروري الاستعانة بدول الجوار لمساعدة ليبيا في إعادة الإعمار، والاستفادة بما لدى هذه الدول من إمكانات وخبرات في البناء والتشييد والبنية التحتية»، مشيراً إلى أن «ما يحدث في درنة وبنغازي حالياً من تنمية وإعادة إعمار أمر مُبشر».

حماد خلال لقاء في مدنية درنة (حكومة الاستقرار)

إضافة إلى ذلك، استمرت قوى إنفاذ القانون في تأمين المعبر الحدودي بين ليبيا وتونس «رأس جدير»، وفق ما ذكرته وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة»، الخميس.

وكان رئيس الغرفة الأمنية الليبية المشتركة، عبد الحكيم الخيتوني، قد أعلن في 4 أبريل (نيسان) الحالي، تسلم مهام تأمين المنفذ الحدودي من رئاسة الأركان العامة، لتؤول مسؤوليته لقوات حكومة الوحدة الوطنية. وأكد الخيتوني الذي يرأس إدارة إنفاذ القانون بحكومة الوحدة، أن «وزير الداخلية، عماد الطرابلسي كلف الإدارة بالبقاء في المنفذ لحين تسليمه للأجهزة المعنية المكلفة بصيانته وإعادة هيكلته وتشغيله من جديد».

ولا يزال معبر «رأس جدير» مغلقاً منذ 19 مارس الماضي، إثر قرار الطرابلسي، الذي جاء على خلفية اشتباكات مسلحة شهدها المعبر في 18 مارس الماضي، عقب وصول قوة تابعة لإدارة إنفاذ القانون للمعبر الحدودي، واتهمت بلدية زوارة (التابع لها المعبر) حينها القوة بـ«اقتحامه دون أي تنسيق مع إدارة المعبر أو الجهات المعنية في البلدية».

اصطفاف السيارات أمام معبر «رأس جدير» الحدودي بين ليبيا وتونس (أرشيفية - وزارة الداخلية بحكومة الدبيبة)

وعقب هذه الأحداث، أصدر وزير الداخلية في حكومة الوحدة قراراً يقضي بتشكيل غرفة مشتركة بالتنسيق مع رئاسة الأركان العامة ومكتب النائب العام، تتولى مسؤولية تأمين وتنظيم المنطقة الحدودية مع تونس، الممتدة من البحر المتوسط في الشمال حتى حدود منطقة العسة في الجنوب.

وحدد وزير الداخلية قوة الغرفة بواقع 20 دورية مجهزة من جهاز الأمن الداخلي، وعدد كافٍ من جهاز الردع، و50 دورية من جهاز دعم الاستقرار، وعدد كافٍ من جهاز الطيران الإلكتروني، و50 دورية لجهاز الأمن العام، ومثلها من جهاز دعم المديريات، وجهاز مكافحة «الهجرة غير المشروعة، و30 دورية من جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، بالإضافة لعدد من الدوريات التابعة لإدارات أخرى مثل حرس الحدود».

وكانت السلطات الليبية قد أعلنت أكثر من مرة عن قرب افتتاح المعبر الحدودي من جديد بعد تأمينه بالاتفاق مع الجانب التونسي، إلا أن هذه الخطوة ما زالت قيد التأجيل، رغم تحركات دبلوماسية كثيرة من الجانب التونسي لإعادة فتح المعبر ذي الأبعاد الاقتصادية المهمة للبلدين، حيث بلغ حجم التبادل التجاري عبر المعبر عام 2023 «نحو 976 مليون دولار بزيادة نحو 300 مليون دولار عن عام 2022»، وفق تقارير محلية.


«القوة المشتركة» في دارفور تعلن القتال إلى جانب الجيش السوداني

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يحيي العسكريين خلال زيارته للمصابين الذين يتلقون العلاج في مستشفى بولاية القضارف بجنوب شرقي البلاد في أول أيام عيد الفطر... 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يحيي العسكريين خلال زيارته للمصابين الذين يتلقون العلاج في مستشفى بولاية القضارف بجنوب شرقي البلاد في أول أيام عيد الفطر... 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)
TT

«القوة المشتركة» في دارفور تعلن القتال إلى جانب الجيش السوداني

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يحيي العسكريين خلال زيارته للمصابين الذين يتلقون العلاج في مستشفى بولاية القضارف بجنوب شرقي البلاد في أول أيام عيد الفطر... 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يحيي العسكريين خلال زيارته للمصابين الذين يتلقون العلاج في مستشفى بولاية القضارف بجنوب شرقي البلاد في أول أيام عيد الفطر... 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)

أعلنت «القوة المشتركة» في إقليم دارفور، اليوم (الخميس)، خروجها عن الحياد، والقتال إلى جانب الجيش السوداني ضد «قوات الدعم السريع» «أينما وُجدت»، حسبما أفادت «وكالة أنباء العالم العربي». وقالت «القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح»، وهي قوة تكوّنت من الحركات المسلحة في دارفور عقب اندلاع الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» ومعنية بحماية المدنيين في الإقليم في بيان: «لا حياد بعد الآن، وسنقاتل مع حلفائنا والوطنيين وقواتنا المسلحة ضد الدعم السريع وأعوانهم من المأجورين». وشدد البيان على أن «القوة المشتركة» لن تنتظر لكي تكون في الدفاع «وإنما خير وسيلة للدفاع هي الهجوم».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يزور المصابين الذين يتلقون العلاج في مستشفى بولاية القضارف جنوب شرقي السودان في أول أيام عيد الفطر... 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)

وأبدت «القوة المشتركة» أسفها على الصمت الطويل لما قالت إنها «استفزازات وانتهاكات الدعم السريع، لا سيما الصمت على تطاولات ألسنة الميليشيا وأعوانهم من محاولات وتصريحات أعلنوا عبرها تهديد الحركات المسلحة، ومنعها من التحرك، وقطع الطريق أمام وصول المساعدات الإنسانية». كما اتهم البيان «قوات الدعم السريع» باستهداف بعض المحطات التأمينية التابعة لـ«القوة المشتركة» وحرقها شعاراتها. وأكدت «القوة المشتركة» تحركها في فتح الطرق والمعابر؛ لضمان وصول المساعدات الإنسانية. وأضافت: «مَن أراد غير ذلك فالميدان والقتال لهما كلمتهما العليا».

على الصعيد الدولي، قالت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان، اليوم (الخميس)، إن الشعب السوداني سئم النزاع المدمر مع دخول الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» عامها الثاني.

وشددت البعثة الأممية على ضرورة التزام طرفَي النزاع بوقف فوري لإطلاق النار، وإنهاء الهجمات على المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

لاجئون سودانيون ينتظرون دورهم لجلب المياه من الآبار التي وفرتها منظمة «أطباء بلا حدود» غير الحكومية في مخيم فرشانا للاجئين بالقرب من حدود شرق تشاد مع السودان في 7 أبريل 2024 (إ.ب.أ)

وقال رئيس البعثة المستقلة محمد شاندي عثمان: «حان الوقت لتتوقف هذه الحرب المدمّرة»، وفق بيان للبعثة نُشرت نسخة منه بالعربية.

وأضاف: «لقد تحمّل الشعب السوداني ما يكفي، ولا بدّ على الأطراف المتحاربة إيجاد طريق للسلام، واحترام حقوق الإنسان».

اندلع القتال في السودان في 15 أبريل (نيسان) من العام الماضي بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، وأدى الصراع إلى مقتل الآلاف، وتسبب في كارثة إنسانية.

في أكتوبر (تشرين الأول)، أنشأ «مجلس حقوق الإنسان»، التابع للأمم المتحدة، بعثة لتقصي الحقائق بشأن كل الانتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي خلال النزاع.

أطفال يحملون حزماً من المساعدات الإنسانية في مدرسة تؤوي نازحين سودانيين فروا من العنف في السودان... الصورة بالقرب من مدينة القضارف الشرقية في 10 مارس 2024 (أ.ف.ب)

وقال عثمان، وهو رئيس المحكمة العليا السابق في تنزانيا، إن الجيش السوداني، و«قوات الدعم السريع» لم يبديا اهتماماً يذكر بحماية المدنيين، وإن البعثة تحقق في تقارير عن هجمات متكررة على المدنيين والمدارس والمستشفيات.

كما أشارت البعثة إلى تقارير عن هجمات على قوافل المساعدات.

وقالت منى رشماوي، وهي من المحققين الثلاثة في البعثة، «تثابر وكالات الإغاثة في عملها على الرغم من الهجمات على القوافل الإنسانية والموظفين الإنسانيين والمستودعات الإنسانية، ونهبها».

وأضافت: «نحقق أيضاً في تعمّد عرقلة المساعدات الإنسانية الموجّهة إلى المدنيين الموجودين في مناطق يسيطر عليها الطرف الآخر».

أثارت البعثة أيضاً مخاوف بشأن ضعف المحاصيل وارتفاع، أسعار الحبوب، وخطر حدوث كارثة غذائية.

ودعت الجانبين إلى الالتزام بعملية سلام شاملة.

أطفال سودانيون نازحون يلعبون بالقرب من الخيام في مخيم في ولاية القضارف الجنوبية للأشخاص الذين فروا من ولايتي الخرطوم والجزيرة في السودان الذي مزقته الحرب... 20 مارس 2024 (أ.ف.ب)

وستقدم البعثة تقريراً شاملاً إلى «مجلس حقوق الإنسان» في دورته التي ستُعقد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر.

ونزح أكثر من 8.5 مليون شخص عن منازلهم منذ اندلاع القتال، وفرّ نحو 1.8 مليون سوداني إلى خارج البلاد.

من جهتها، قالت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» (الثلاثاء) إن آلاف السودانيين ما زالوا يفرون من البلاد يومياً.

ومن المقرر أن يعقد مؤتمر إنساني دولي من أجل السودان والدول المجاورة له في باريس (الاثنين).

ويهدف المؤتمر، الذي تستضيفه فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، إلى معالجة النقص في التمويل، فقد تم حتى الآن جمع 6 في المائة فقط من المبلغ المقدر بنحو 2.7 مليار دولار لمعالجة الأزمة.


مصر تشدد حملتها الأمنية ضد «تجار العملة»

عملات مصرية من فئة 200 جنيه أمام فئات من العملة الأميركية (إ.ب.أ)
عملات مصرية من فئة 200 جنيه أمام فئات من العملة الأميركية (إ.ب.أ)
TT

مصر تشدد حملتها الأمنية ضد «تجار العملة»

عملات مصرية من فئة 200 جنيه أمام فئات من العملة الأميركية (إ.ب.أ)
عملات مصرية من فئة 200 جنيه أمام فئات من العملة الأميركية (إ.ب.أ)

شددت السلطات المصرية حملتها الأمنية ضد «تجار العملة». وأعلنت وزارة الداخلية المصرية «ضبط أكثر من ملياري جنيه خلال 70 يوماً» (الدولار يساوي 47.55 جنيه في البنوك المصرية). وأكد مصدر أمني بوزارة الداخلية المصرية، أن «الأجهزة الأمنية نجحت خلال الـ70 يوماً الماضية، في ضبط عدد من قضايا الاتجار في النقد الأجنبي خارج نطاق السوق المصرفية»، موضحاً أن «إجمالي المبالغ المالية المضبوطة خلال تلك القضايا بلغ نحو مليارين و83 مليون جنيه».

وتأتي جهود «الداخلية» المصرية في وقت تواصل فيه الحكومة المصرية جهودها لـ«ضبط الأسعار بالأسواق المصرية»، فضلاً عن التوسع في شبكة الحماية الاجتماعية للمواطنين الأولى بالرعاية والأكثر احتياجاً. وقال وزير المالية المصري، محمد معيط، الخميس، إن «الحكومة تعمل على تخفيف الأعباء عن المواطنين في إطار سياسات التعامل مع تداعيات الأزمات العالمية والإقليمية المتتالية وآثارها السلبية على الاقتصاد المصري».

إلى ذلك، أكدت وزارة الداخلية، الخميس، استمرار شن حملات أمنية مكثفة ضد «جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي، والمضاربة بأسعار العملات، عن طريق إخفائها عن التداول، والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية»، وذكرت الوزارة، الخميس، أنه تم «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية نحو 27 مليون جنيه خلال 24 ساعة».

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة «الداخلية» المصرية على «فيسبوك»)

ودعا رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في وقت سابق، وزارة الداخلية المصرية، إلى «الضرب بيد من حديد» على يد كل تجار «السوق السوداء». ووصف مدبولي حالة الاستنفار الحالية ضد «السوق السوداء»، بأنها «حرب» لإعادة «التوازن إلى الاقتصاد المصري، والقضاء على سوق العملة».

من جهته، قال المصدر الأمني بوزارة الداخلية، بحسب ما أوردت وكالة أنباء «الشرق الأوسط» الرسمية في مصر، الخميس، إن «القضايا التي تم ضبطها تنوعت ما بين الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي، والمضاربة بأسعار العملات، سواء من خلال إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، أو تجميع مدخرات العاملين بالخارج، وإرسال قيمتها بالجنيه المصري إلى ذويهم بالبلاد، فيما يعرف بأسلوب (المقاصة)، فضلاً عن ضبط قضايا غسل أموال ناجمة عن اتجار غير مشروع بالنقد الأجنبي».

ومطلع مارس (آذار) الماضي، سمح البنك المركزي المصري للجنيه بالانخفاض، وإعلان التحول إلى نظام صرف مرن، وفق «آليات السوق». وأعلنت مصر نهاية فبراير (شباط) الماضي، توقيع صفقة تستهدف تنمية مدينة «رأس الحكمة» على الساحل الشمالي، مع أحد صناديق الثروة السيادية الإماراتية، من شأنها توفير 35 مليار دولار على مدى شهرين. كما أعلنت الحكومة المصرية الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على زيادة قيمة القرض إلى 8 مليارات دولار، بدلاً من 3 مليارات دولار في السابق.

مصريون أمام أحد محال الصرافة بوسط القاهرة (أرشيفية - إ.ب.أ)

وأكد المصدر الأمني، الخميس، أن وزير الداخلية المصري، محمود توفيق، وجه القطاعات الأمنية المعنية كافة بتكثيف الجهود للتصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي، والمضاربة بأسعار العملات. وشدد على أن «وزارة الداخلية لن تتوانى عن ملاحقة مثل ذلك النوع من الجرائم، لما يمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي للبلاد».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه، ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه أو المبلغ محل الجريمة، أيهما أكبر، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.


وزير السياحة بـ«الوحدة»: ليبيا للتعافي من «وصمة» الفوضى الأمنية

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس (حكومة الوحدة)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس (حكومة الوحدة)
TT

وزير السياحة بـ«الوحدة»: ليبيا للتعافي من «وصمة» الفوضى الأمنية

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس (حكومة الوحدة)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس (حكومة الوحدة)

قال وزير السياحة بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، نصر الدين الفزاني، إن ليبيا باتجاهها للتعافي بعد وصمها بأنها «بلد صراعات سياسية وفوضى أمنية»، وذلك من خلال إخراجها من «قائمة السفر الحمراء» لبعض الدول.

وبينما أشار إلى أن «الأمن تَحسّن بصورة كبيرة منذ 3 سنوات»، لفت إلى أن «قطاع السياحة حساس جداً، وأي اضطراب أو اختراق أمني يقع يعود بالبلاد إلى نقطة البداية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن الخسارة الحقيقية التي تكبدتها بلاده في فترة الصراعات التي شهدتها خلال السنوات الماضية، «لا تتمثل فقط في تبدد الإيرادات السياحية التي كان يمكن أن تصل إلى مليارات الدولارات، إنما أيضاً في ترسيخ صورة ذهنية لدى كثير عنها ووصمها - حتى يومنا الراهن - بأنها بلد صراعات وفوضى أمنية».

وزير السياحة في حكومة «الوحدة» الليبية نصر الدين الفزاني (حكومة الوحدة)

وبعدما قدّر الفزاني، حجم ما كانت تستقبله ليبيا سنوياً قبل عام 2011 بنحو 120 ألف سائح، قبل تهاوي القطاع جراء تداعيات الصراعات السياسية والمسلحة، قال، إن الحركة السياحية بدأت تعود لنشاطها من خلال «تسخير الحكومة طاقاتها كلها خدمةً لتعافي القطاع في أسرع وقت»، معبّراً عن ثقته في إمكانية حصول ليبيا على حصة وازنة بحركة السياحة العالمية خلال السنوات القليلة المقبلة.

وأكد الفزاني أنه «قبل عام 2011، كانت هناك مؤشرات، وطلب كبير من شركات سياحة دولية للعمل والاستثمار داخل ليبيا، ولكن بطبيعة الحال الصراعات والأزمات في أي مكان بالعالم تؤثر بشكل سلبي كبير في السياحة»، متابعاً: «خلال فترات الصراعات التي شهدتها ليبيا تضررت عوامل ضرورية لصناعة السياح، منها البنية التحتية من شبكات مياه وكهرباء، ووسائل نقل وإقامة وترفيه، وبعض المعالم الأثرية، والمناطق الطبيعية».

وتولت حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إدارة البلاد في فبراير (شباط) عام 2021 بعد حوار سياسي رعته الأمم المتحدة، إلا أن البرلمان الذي يتخذ من الشرق مقراً له، قام بسحب الثقة منها بعد 6 أشهر، وأعلن في بداية عام 2022 انتهاء ولايتها وتكليف حكومة جديدة، تدير حالياً المنطقتين الشرقية والجنوبية.

ولم يتردد الفزاني خلال إجابته عن تساؤل حول أهم العوائق التي تواجه تطوير السياحة في ليبيا، بالتأكيد على أن «العامل الأمني لا يزال يمثل التحدي الرئيسي رغم كل ما بُذل من جهود، مقارنة بالانقسام والتنازع الحكومي على السلطة التنفيذية بالبلاد».

صورة جوية لجانب من الساحل في طرابلس (مواقع التواصل)

وضرب مثالاً «بالاشتباكات التي تحدث بين بعض المجموعات المسلحة بالعاصمة أو بأي مدينة، وكيف يتم تسليط الضوء على عدد الضحايا الذين سقطوا فيها، الذي ربما يكون مقارباً، أو أقل، من عدد ضحايا أي حادث إرهابي في أي بلد آخر، ويتم التغافل عن مسارعة الجميع من حكومة ووسطاء لاحتواء هذه الخلافات». ولفت إلى أنه «يتم التغافل أيضاً عن انخفاض معدل الجريمة في ليبيا مقارنة بدول أخرى بالمنطقة لم تعانِ مثلها من الانزلاق لدوامة الصراعات والانقسامات وانتشار السلاح».

ورغم ذلك، فإن الفزاني دلل على تحسن الوضع الأمني، «بعودة سفارات دول عربية وغربية للعمل من العاصمة طرابلس، واستئناف رحلات شركات الطيران، بالإضافة لشهادات السياح أنفسهم بأن نظرتهم لليبيا تغيرت 180 درجة بعد تجولهم في مدنها سواء بطرابلس أو بالشرق والجنوب».

وكان تقرير «المعهد الدولي للاقتصاد والسلام» لعام 2024، أشار إلى «خروج ليبيا من صدارة الدول المتأثرة بالإرهاب، وانتقالها لمراتب أقل خطورة لأول مرة منذ إسقاط نظام معمر القذافي».

من الآثار التاريخية في ليبيا (مواقع التواصل)

وعدّ الفزاني استقطاب أكبر نسبة من السياح العرب والأجانب في السنوات القليلة المقبلة «أولوية لوزارته»، وقال: «عدد السياح خلال العام الماضي بلغ 35 ألفاً، ولكننا نطمح لمضاعفة هذا الرقم لعشرة أضعاف خلال فترة زمنية قصيرة»، متابعاً: «خلال سنوات قليلة قد يمكننا الحديث عن استقطاب ملايين السياح». واستند إلى ما تتمتع به ليبيا من تنوع جغرافي واسع، ما بين شاطئ يمتد لأكثر من 1900 كيلومتر على البحر المتوسط، وصحراء واسعة، ومناطق طبيعة خلابة مثل مدن الجبل الأخضر بالشرق الليبي.

وبشأن سرقة وتبدد كثير من الآثار الليبية خلال فترة الصراعات الماضية، قال الفزاني: «كل بلد تندلع فيه صراعات كبرى، يُخترق من قبل عصابات كبرى منظمة تضطلع بجرائم تهريب بشر وسرقة آثار وأموال، وليبيا ليست استثناءً. وبالتالي تضررنا سواء بسرقة بعض الآثار، أو أيضاً بالانتقادات التي وُجهت للدولة جراء تهريب تلك العصابات للبشر عبر شواطئنا». وشدد على مسارعة وزارته «لحصر ما تمت سرقته، واسترداد جزء كبير منه فعلياً، مع التنسيق مع الأجهزة الأمنية لتأمين مختلف المواقع الأثرية».