عز الدين ميهوبي: لا وجود لبطل من دون عدوّ

روايتان دفعة واحدة لوزير الثقافة الجزائري السابق

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي
TT

عز الدين ميهوبي: لا وجود لبطل من دون عدوّ

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي

بعد غياب طويل عن الساحة الأدبية بسبب انشغالاته السياسية والإدارية، خصوصاً أنه كان وزيراً للثقافة، يعود الروائي والشاعر عز الدين ميهوبي إلى عالم السرد، من خلال روايتين صدرتا مؤخراً، الأولى بعنوان «سيرة الأفعى» التي تتناول القضية الفلسطينية، والصادرة عن دار «العين» المصرية، والثانية «رقصة أوديسا... مكابدات أيوب الروسي» عن دار «الوطن اليوم» الجزائرية، في انتظار صدورها عربياً، وبمناسبة صدورهما التقت به «الشرق الأوسط»، وجاء هذا الحوار:

> كثير من الروايات العربية تناولت موضوع «القضية الفلسطينية» منذ منتصف القرن الماضي، فأي جديد تعتقد أن روايتك «سيرة الأفعى» قد أضافته؟
- أعتقدُ أنّ الإضافة يمكن أن يكشفَ عنها النّقاد أو القرّاء أو المتابعون للسرديات الأدبية التي تناولت القضيّة الفلسطينيّة، هم المؤهّلون للقيام بمقاربات بين مختلف النّصوص. فكرةُ هذه الرواية استمرّت تحفرُ في ذهني أكثر من عشر سنوات، بينما أخذت كتابتُها وتحريرُها أشهُراً قليلة، مع عمليّة التدقيق في الكمّ الهائل من المعلُومات التي شكّلت بتنوعها إسمنتاً لبناء نصّ يستجيبُ -كما أعتقد- لقضيّة يتداخلُ فيها الدين والآيديولوجيا والسياسة والتاريخ والتراث والأسطورة والجوسسة والمؤامرات والاستشراف والنبوءات... هي هكذا قضيّة فلسطين كما رأيتُها في نصّي الذي تجاوز 750 صفحة. روايةٌ ثقيلة ثقل القضيّة. قال لي أحدهم: «كان عليكَ أن تختصرها»، فأجبتُه: «لا يمكنُك أن تطلبَ من الشعبِ الفلسطيني أن يختزل نضاله في انتفاضة، أو عملية استشهادية في نابلس، بعد عقودٍ من التضحيات». ويكفي أنّ عدداً من الدّارسين عدُّوا «سيرة الأفعى» مرافعةً جريئة من أجل الحقّ الفلسطيني، ووصفها آخرون بالرواية/ الأطروحة، لما تضمّنتهُ من معلُومات ذات صلة بإيقاع الرواية وتفاصيل أحداثها. وما يعنيني أيضاً هو الرّهان الذي بنيتُ عليه رؤيتي لما سيكون عليه الغد الفلسطيني، وهو عدم تجزئة الكيان المقاوم، وأن يكونَ التحوُّل الحقيقي باستعادة قطاع 1948 حيويته وحضوره في مسار المقاومة؛ ذلك أن ثلاثة أرباع أحداث الرواية تجري في هذا القطاع، وأغلبُ أبطالها هم منه.
> الجوانب المعرفية التي تحدثت عنها، والتي خاضت في تفاصيل قد لا تعني إلا الباحث المتخصص؛ ألم تخشَ أن يؤثر ذلك سلباً على هذا العمل؛ خصوصاً فيما يتعلق بالإمتاع الذي من المفترض أن يكون أول غاية يسعى إليها أي كاتب من خلال كتاباته؟
- قناعتي الرّاسخة بأنّ أيّ عملٍ أدبيّ، وبدرجة أخصّ الرواية، يتناول قضيّة محدّدة، ويتكئُ على بنية تاريخيّة أو واقعيّة، عليه أن يبحثَ في التفاصيل التي تشكّل قيمة مضافة للنص، وعليه أن يُراعي ذكاء القارئ. والرواية التي لا توفّر للقارئ قدراً من متعة السرد والمعرفة لا يمكنها أن تشكّل حيّزاً استثمارياً في وعي المتلقي. بعض الذين قرأوا الرواية، أخبروني أنّهم احتاروا في تصنيفها، لدرجة أنّهم وقعوا في حالة التباس بين ما هو واقعي وما هو متخيّل أو افتراضي، فتأكدوا من دقّة المعلومات والتواريخ والوقائع، وكيف تمّ توظيفها بشكل يدعو إلى الحيرة. وهناك من تساءل كيف أمكنني كتابة نصّ بتفاصيل دقيقة في حيفا ويافا وتل أبيب والقدس وأشدود ومدن عالميّة لم أزرها، وكان جوابي بسيطاً هو أنّني استفدتُ طيلة عشر سنواتٍ من معرفة خرائط المدن والشوارع والساحات وأسماء الأعلام والأماكن على امتداد التّاريخ. هكذا قرأتُ فلسطين ومكوناتها، والكيان الصهيوني ومكوّناته، وعدتُ إلى المتون الدينية والتاريخيّة والمخططات، وأقمت بيني وبين شخوص الرواية، الذين تجاوز عددهم الخمسين، المسافة التي تجعلني قادراً على وضعهم في مسارات دقيقة دون أيّ انفلات. وجعلتُ البطلة ريناد حاملةً للخطاب الذي يستشعرُه كل مناضل صادقٍ من أجل قضية فلسطين دون إسفاف.
> تدعو في روايتك هذه إلى ضرورة التعرف على ثقافة «الآخر» خصوصاً ثقافة العدو المحتل، من أجل فهم حقيقيٍّ للواقع الفلسطيني، وبالتالي الواقع العربي. هل لهذا الجهل بالآخر علاقة بقدرتنا على إيجاد حل حقيقي للقضية الفلسطينية؟
- سقطَ كثيرٌ من أدبيات القضيّة الفلسطينيّة في شعبويّة، «نحنُ البطل»، وحين نبحث عن العدوّ لا نجدُ لهُ أثراً، وكأنّ حالة دُون كيشوتية سكنت بعض الأعمال الروائية، ما استدعى تغييب العدوّ في النصّ، في حين أنّ البطل لا يكون بطلاً إلّا بوجود طرفٍ آخر يسعى لتدميره، بينما هو يعمل على مقاومته؛ لهذا فإنّ ما يمكن قوله بشأن مضمون «سيرة الأفعى» ورؤيتها مستقبل القضية، هو أنها أخذت منحى ليس فيه أي التفاف، حيث أجهزة العدوّ بمخططاتها تأخذ حيّزاً كبيراً في بنية الرواية، وبالتالي لا جدوى من جعل شخصية العدو مضمرة، أو لا تكاد تظهر أمام بطل خرافي يطلع كطائر العنقاء ليستعيد الجوهرة المسروقة. هناكَ صراعٌ حقيقي تُستخدمُ فيه كلّ الأدوات، وعلينا أن نقرأه ونفهمه ونقاومه. وهذا ما دفعني إلى أن أقرأ كثيراً عن تركيبة المجتمع الإسرائيلي، وأوظّف قدراً من أدبياتِه السياسية ومخططاته في محاولة تفكيك الوطن العربي، وهي دقيقة وموثّقة، وعلى الأجيال أن تقرأها ولا تُهملها، ولو من خلال عملٍ روائي. وأعتقدُ أنّني لم أخطئ حين قلتُ إنّ روايتي تتكئُ على وقائع حقيقية ملقّحة بسرديات مبتكرة تقتربُ من الواقع. ومحصّلة الرواية أنّ علينا أن نقرأ كثيراً لنمسك بخيوط اللعبة، وأنّ السّلام الذي لا تلازمهُ القوّة هو الذي جعل فلسطين التّاريخيّة تنكمشُ كتنُّورة امرأة مستلبة؛ لهذا كنتُ أقول دائماً إنّني أسعى إلى أن أجعل من الزخم الذي تشهده هذه القضية، في أبعادها الدينية والآيديولوجية والسياسية والأمنية والعسكرية، أرضية أساسية للتعرف على واقع النضال الفلسطيني بتعقيداته، فضلاً عن فهم بنية المجتمع الإسرائيلي الطارئ، وهي المفردة التي تتكرّرُ في متنِ الرواية، والتي ترتكز على فكرة أن الله منح اليهود هذه الأرض، ولا يحق لأي قوّة أن تنازعهم فيها، وليس أدلّ على ذلك من أن منسوب التطرف يزيد يوماً بعد آخر، حتى صار المتطرفان: إيتمار بن غفير وزيراً للأمن الداخلي يجاهرُ بإنهاء وجود الفلسطينيين في أرضهم، وسموتريتش وزير الماليّة يدعو لمحو مدينة حوّارة الفلسطينيّة من الوجود، وبالتالي سيطرة الذهنية الأمنية، وانتشار النزعة الدينية والعنصرية وثقافة الابتزاز باسم معاداة السامية وتفوق العنصر الصهيوني... فرواية «سيرة الأفعى» مفتوحة على كل المرجعيات الدينية والسياسية التي تأخذ لبوساً مختلفة في تلك الأرض، حيث تتناطح الأديان وينتظر الأنجليكانيون معركة القيامة الأخيرة «هرمجدون» التي تنسف الجميع، وأمام هذا المنطق الانتحاري، اقتضت الحاجة وضع بدائل نضالية تتجاوز منطق التسوية والتنسيق الأمني، منطلقها أن تجدّد المقاومة الفلسطينية أدواتها، وتدرك بوعي كبير أنّ خريطة فلسطين التاريخية تتغيّر حدودها كل يوم، فالمقاومة باتت أمراً حتمياً لا مجرّد خيار، لأنها مسألةٌ شرعيّة من أجل استعادة حقّ مغتصب، فالعالم الدّاعمُ للكيان الصهيوني حتّى إن كان يُغمض عينيه إزاء ممارسات الاحتلال، يُدرك أنّ حبل الكذب قصير، وأنّ الطارئين سيرحلُون مهما طال الزّمن كما تنبّأ درويش وأحرار فلسطين، وكما تقول أدبيات حُكّام الكيان الغاصب.
> في سياق الحديث عن التعرف على الآخر، فإن ذلك يستحيل عملياً من دون ترجمة أدبياته. ما رأيك كأديب ومثقف عربي في الترجمة من وإلى العبرية؟
- تجتهدُ كثيرٌ من مراكز البحث الفلسطينيّة في تعريف الجمهور بما تُنتجه مختلف المنظومات الصهيونيّة، سياسيّة ودينيّة وإعلاميّة وثقافية، وهذا مهمُّ لمعرفة العدوّ ومخططاته، وهو أيضاً يذهبُ بعيداً في معرفة تفاصيل ما تنتجهُ المنظومات العربيّة... وبالتّالي عندما تسألني عن الترجمة من وإلى، هُم لا ينتظرون جواباً منّي أو من النخب العربيّة. نحنُ في نظرهم عدوٌّ يجبُ فهمه.
> تخوض روايتك الأخرى «رقصة أوديسا... مكابدات أيوب الروسي» التي صدرت قبل أيام، في الراهن الجزائري والدولي في آن واحد، ولعلّها تكون أول رواية عربية تتناول الحرب الروسية الأوكرانية الجارية أحداثها حالياً، ولكن بمنظور مقارباتيٍّ يظهر جليّاً من قفز السارد بين الداخل والخارج والـ«نحن» و«الآخر»... أليست هذه دعوة للنظر إلى الصورة الكبرى التي قد تجعلنا نعي حقيقة واقعنا بنحوٍ أقرب للحقيقة؟
- تستهويني الرواية «المُعوْلَمة»، التي تلامسُ تحوّلات العالم، بما يجعلُنا طرفاً فيه. يمكنُ للقارئ أن يجد هذا في «اعترافات أسكرام» و«إرهابيس» و«سيرة الأفعى» وأخيراً «رقصة أوديسا»، وهي مرافعة ضدّ الحرب، حتّى إن تداخلت مواقف أبطال الرواية، التي رأيتُ أن يكون بطلُها جزائريّاً درس الكوريغرافيا في الثمانينات بالبولشوي (موسكو) ويتزوّج من كلاريسا، وهي عازفة كمان أوكرانية، والدها يعيش على ذكرياته في الجيش السوفياتي، وأمها مناوئة للرّوس، وبينهم يجدُ أيّوب الجزائري نفسه في مأزق، لأنّ زوجته انتهت رهينة في آزوفستال... ولكن يوجد عالمٌ آخر، من الإرهاب والخوف، عاشه الزوجان في التسعينات بالجزائر، ومحاولة أيوب عبور البحر وما يكابده... في عالم اليوم ليس هناك آخر، لأنّ أنت الـ«نحنُ والآخر» في آن واحد. وفي اعتقادي، أنّ «رقصة أوديسا»، هي أوّلُ رواية عربية تلامسُ ما يحدثُ في أوكرانيا من زاوية زواج مختلط، بدأتُهُ افتراضياً، وتأكّد لي لاحقاً أنّهُ حقيقي.
> لم تختلف نظرتك في هذه الرواية حول ظاهرة «الحرقة» أو الهجرة غير الشرعية للجزائريين عبر قوارب الموت، عن النظرة السائدة في أنها خيار شخصي يهدف إلى محاولة النجاة من واقع اجتماعي ما. أليست هذه الظاهرة أيضاً ورقة ضغط مهمة توحي بوجود رغبة سياسية خفية تجعل من المستحيل القضاء عليها، وليست فقط خياراً شخصياً يعمد إليه المهاجر وإن كان مضطراً؟
- لم تعد «الحرقة» مجرّد ظاهرة أو ورقة يتم استخدامها سياسياً أو أمنياً، لكنّها لم تعد تختلفُ عن التحوّلات التي يشهدها العالم، كالتغيُّر المناخي، وسطوة الثورة الرقميّة والذكاء الاصطناعي، وبروز ثقافة الجَنْدر والتلاعب بالجنس؛ ذلك أنّ الهجرة لم تعد مقصورة على الجنوب المدفوع بالحاجة والجوع وطلب الأمان، بل هناك النزوح الذي فرضته الحروب، وهو أخطرُ من الهجرة السريّة، كون الدّافع فيه ليس الجوع ولكن السياسة. وأيّوب، في «رقصة أوديسا»، عندما غامر لإنقاذ زوجته وابنته، كان يواجهُ إفرازات حربٍ وصراع جيوسياسيّ في رقعة من العالم، هو يدفع فاتورة صراع الجبابرة، حتّى إن كان برفقتِه، في أثناء عبور البحر المتوسّط، شبابٌ أخذتهم الأحلام بعيداً، وانتهوا في قاع البحر، والتهمتهم الحيتان، بقيَ أيوب يقاوم ليبقى حيّاً، مُسلّحاً بالذكريات وألمِ فقْدِهِ من كانوا معه، فيصنعُ من حالة الوحدةِ والخوفِ عوالم لم يكن يفكّر بها، لكنّهُ مُكرَهٌ على أن يواجه البحرَ والحربَ معاً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.


الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.


مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».