حيدر حيدر... عناد الأمل

«يوميات الضوء والمنفى» ولدت من مخاض نصف قرن

حيدر حيدر
حيدر حيدر
TT

حيدر حيدر... عناد الأمل

حيدر حيدر
حيدر حيدر

في كتابه «يوميات الضوء والمنفى»، الصادر حديثاً عن دار «ورد»، يبدو حيدر حيدر «جلجامش» حديثاً، ناضل، سافر، كتب. وفي كل ما يعمل يبحث عن المستحيل، رأى الكثير ولم يفقد عناده. في رحلته تآكل الوطن من تحت قدميه ولم يبق له سوى حصين البحر وطناً مؤكَّداً؛ تلك القرية الصغيرة التي أنجبته وأنجبت سعد الله ونوس، هي حصنه الأخير المؤكَّد حيث كان يعود إليها كل مرة، وحيث يعيش الآن منذ عودته النهائية إلى سوريا عام 1986.
بالمولد (1936) يبدو حيدر طليعة مَن سيُعرَفون بعد ذلك بـ«جيل الستينيات» الأدبي العربي؛ ذلك الجيل الذي تعانقت في حياته السياسة والكتابة بشكل كبير. ولعلَّها مصادفة أن يولَد صنع الله إبراهيم بعده بعام، وأن يكونا أكثر الأدباء العرب تمسكاً بالسياسة ممارسة ونصاً إلى اليوم.
يُلخص حيدر رؤيته ورؤية الكثيرين من كُتّاب جيله في الستينيات والسبعينيات: «ما كان الأدب يوماً إلا مَعبراً وجسراً للعمل الثوري»، يعود في موضع آخر ليقرر: «مياه كثيرة مرت تحت الجسر. وفي السماء عبَرت غيوم، وأنا الآن أعبر حالة مراجعة»، ثم يقرر: «الآن أنتمي إلى الأدب بكُلّيتي. هناك أشياء أرغب في قولها في هذه الآونة. رغم أن وطن العرب محكوم بالفاشية العسكرية. وزمن الكتابة والأدب مطوَّق بأنشوطات الإعدام».
هذا الاقتباس الذي سُقته للتو يتعلق بوضعه ورؤيته عام 1977، وفي الجملة نفسها نتبيّن أنه ليس منقطعاً بكُلّيته للأدب، بالإضافة إلى أنه كان منخرطًا في العمل بإدارة الإعلام الفلسطيني في بيروت، لكننا يمكن أن نفهم «الانقطاع» هنا بمعنى الممارسة لا الرؤية. الانقطاع عن العمل الثوري السري وقول ما يريده عبر الأدب، وليس الانصراف التام عن السياسة. في النص نفسه نقرأ: «لست وحيداً. المستقبل والقادمون والمقاومة تضيء. أرى الضوء رغم الظلام الحالك».
عناد الأمل، سمة طبعت حياة حيدر حيدر. بسبب العناد وبفضله لا نكاد نلمح تخلياً سياسياً أو تغييراً في الموقع الذي اختاره حيدر حيدر لنفسه من البداية. وأما الضوء في عنوان الكتاب فنرى انعكاساته هنا وهناك داخل المسيرة. ومض سريع يبرق للمحاصَرين تحت ظلام كثيف ثم يختفي.
في تقديمه يؤكد الكاتب أن هذه (اليوميات/ الاعترافات) وُلدت من مخاض نصف قرن: «ما كنت لأفكر بنشرها في هذه المرحلة الصعبة والوحشية جراء الرقابة وحساسية السلطة السياسية إزاء النقد وكشف المستور». في جملته هذه مفارقة ساخرة؛ فالدول تفرج حتى عن وثائقها بعد مرور عقدين أو أكثر قليلاً، بينما لا يجد الكاتب العربي ما يكفي من حرية لرواية ذكريات عمرها خمسون سنة، في ظل سلطة تراخت قبضتها عن كثير من الأشياء باستثناء الثقافة!
يوجه الكاتب شكره لزوجته أسمى التي أخرجت له خمسة دفاتر عمرها أكثر من خمسين عاماً عمل عليها مراجعة وتحريراً من جانبه، وعملت عليها تنضيداً لمدة شهرين، وجرى حذف لأسباب سياسية، وجرت إضافة.
من يتجاوز هذا التقديم يصعب عليه التسليم باستقرار الكتاب في جنس اليوميات الوارد في العنوان؛ ذلك النوع الذي يُدوَّن عبر الزمن حاملاً وعي المراحل المختلفة تاركًا للقارئ رؤية تطور تلك المسيرة. لكن السرد في «يوميات الضوء والمنفى» أقرب إلى السيرة المتناغمة أسلوبياً بما يتميز به سرد حيدر حيدر من لغة شاعرية في تجلّيها المتقدم، كما نستشعر، في القسم الأكبر من الكتاب، روح النظرة إلى الماضي من اللحظة الحاضرة.
هناك محطات من السرد تحمل تواريخ محددة، باليوم، لكنها قليلة تُخلي موقعها لجنس المذكرات بما تحمل من طعم الذكرى والتفكير في المصائر.
الكتاب، الذي يقع في 310 صفحات، مقسم إلى أربعة أقسام متفاوتة الطول تصنع مساراً دائرياً، من الطفولة في حصين البحر والمراهقة، ثم العودة إلى القرية نفسها، وبين الرحيل والعودة دوران متكرر بين بيروت، والجزائر، وفرنسا، وقبرص.
حظي حيدر بطفولة عادية لكنها قاسية، ليس بها شيء خارق، مقتضَبة طولًا في الكتاب، كما في الحياة. أب محبوب مثقف بمعايير زمانه ومكانه يختطفه الموت، ويترك طفله الشرس مع أم قاسية، ثم نُزوح إلى المدينة للدراسة من بعد المرحلة الابتدائية مباشرة، فلا يعود يعرف من بيت الطفولة سوى فصل الصيف، ولا يتذكر منه سوى حب الطفولة الذي كان مزيجاً من الحب والأخوّة والصداقة.
بصفته كاتباً، حقق حيدر حيدر معجزة الانتشار من قريته منذ العودة والاستقرار فيها، دون أن يضطر للنزوح إلى مدينة كبيرة، ولا يبدو الأمر مصادفة بقدر ما هو عقيدة فكرية وروحية. يكتب: «على أبواب المدن تنتهي حدود البراري، ينتهي عالم الحرية الطلق ليبدأ عالم السجن والخوف وفقدان الأمن والتدجين»، هذه الكلمات كتبها ضد مدينة صغيرة هادئة، لا مدينة مليونية، فما رآه الصبي لم يكن سوى طرطوس. ومن طرطوس إلى معهد المعلمين في حلب وبداية الاهتمام بالسياسة والعمل الثوري، ثم ولع الكتابة الذي سيتضافر فيما يلي من مراحل مع الاهتمام السياسي. وفي الستينيات سيعرف دمشق. كتابة وقراءة وعيش كثيف، بين المسرح والحانات الرخيصة. وتهتز الأرض على وقع الهزيمة العربية المروِّعة في يونيو (حزيران) 1967.
المسؤولون المباشرون سوَّغوا الهزيمة، أما الشعب فلا. تطوَّع الشاب وانخرط في التدريب الفدائي، سبتمبر (أيلول) 1968، ضمن عناصر حزبية، وكانت رؤيته أن الإفساح لحرب العصابات مع إسرائيل هو الحل، لكن الأنظمة العربية في طوق المواجهة فضّلت حروب الجيوش النظامية، وانتصرت في الحزب شراهة السلطة لا التضحية.
هذا الإحباط هو الذي سيحمله إلى الجزائر معلمًا في مدرسة لأبناء الشهداء وسط غابة على مشارف عنَّابة، هنا يسطع النور مجدداً، نور من السماء يستمده المسافر من حالة السفر حيث «خفقة القلب بنشوة السفر كخفقان القلب بوردة الحب. ثمة رائحة تنتشر وتعبق. اهتزازات لا مرئية تهز شغاف الروح». مستبشراً يرى السفر والهجرة حرية وكسراً للقضبان، لكن الوافد فقَد أجنحته عندما نزل إلى الأرض. في الجزائر لا ينظرون للغرباء بارتياح؛ لأنه يذكّرهم بالوجه الكبير للمستعمر الذي خرج مطروداً.
لم تمرَّ الثورة الجزائرية العظيمة على النفوس دون أثر: «كل شيء في الجزائر منوَّر عدا البشر» المجتمع كتيم، والمدرسة حريصة على التعريب بأي ثمن؛ نكاية في المستعمر، فكان الارتماء في الجانب المحافظ من الفكر الإسلامي، ولهذا كانت إقامة حيدر هشة ومهدَّدة دائماً. يستدعيه مدير المدرسة لينبهه إلى الالتزام بحدود المنهج وعدم الخوض في السياسة مع التلاميذ بعد وشاية من أحدهم.
ولم تكن عين الوافد على الجزائر تحديداً، بل على الدول التي تحررت من الاستعمار وتسلَّمها الضباط. عينه في الأساس على مصر وسوريا، وإحباطه من برجوازية عسكرية لا تتمسك بشيء سوى بالسلطة، ولبيروت مكانة خاصة؛ فهي الحلقة الضعيفة المختارة للفوضى دوماً، والتي ظلّت جرحاً شخصياً، يشعر بأنه خانها كلما اضطر لمغادرتها.
كان الانتقال من دولة إلى أخرى ومن مدينة إلى مدينة مرتبطاً بمهمة سرّية، حيث يضيق الوقت على الكتابة دائماً ويتقلص، في فترات طويلة، إلى تسجيل اليوميات.
لا يبدو حيدر غاضباً إلا في مواجهة السلطة العسكرية المعنية بالبقاء أكثر من عنايتها بتقدم أو نصر، وفي مواجهة الإحساس بالعجز أمام اجتياح بيروت. في رسالة إلى ابنه مجد (أكتوبر 1982) يصف قسوة الاجتياح وإحباطه الكبير: «هناك أشياء كثيرة سقطت. أكاذيب وخدائع وانفعالات وديكورات ثورية، وليس هذا السقوط محزناً بقدر ما هو موقظ». هكذا لا يغيب عناد الأمل في أكثر اللحظات قسوة.
في مقابل الغضب السياسي، لا نلمح حيدر الرجل أو الكاتب غاضباً. في الحب يتفهم الطرف الآخر تماماً، يصف الأخطاء المشتركة التي أودت بعلاقة. وفيما يخص رفاق القلم، لا نعثر على صورة سلبية لكاتب من مجايليه إلا مرة واحدة مع كاتب بصفته ناشر أعماله، وغير ذلك لا نرى سوى المودّة الشديدة لأدونيس، والصحبة الحسنة لهاني الراهب وسعد الله ونوس الذي خاطر بنفسه وشارك في تهريبه إلى بيروت، بينما كان مطلوباً من السلطات.
ويأتي يوم تنتهي فيه حياة الهروب، يعود إلى مطار دمشق من لارناكا بجواز سفر يمني في مايو (أيار) 1986، غير مطمئن تماماً، لكنه قال لنفسه: «بعد خسارة بيروت، لا خسارة أخرى تهمّ». والتقى المواطن اليمني المزيف بأسرته الحقيقية ولم يصدِّق نفسه حين عانقهم في مطار دمشق.
لكنه سيصدّق نفسه حين عودته إلى حصين البحر مباشرة بعد حفلٍ أقامه الأصدقاء في دمشق يوم وصوله. وإلى اليوم يعيش كاتباً كسولاً خلفه خيبات الجماعة، يكتب كل عام أو عامين، وإنساناً يحيا، يقرأ، يصطاد، ويتأمل. ولا ينهي «يوميات الضوء والمنفى» إلا بغضبة ضد ما طرأ على ساحة الأدب من تسليع وسباقات.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
TT

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار. ذلك الشعور المفاجئ بالذعر والإحراج الذي يجتاحك في تلك اللحظة هو إحساس مرّ به معظم الآباء والأمهات.

بصفتها أماً ومربية أطفال (جليسة أطفال) سابقة ومؤلفة كتاب «تغيير مرحلة الطفولة المبكرة»، تقول ديفون كونزمان إنها شهدت مختلف أشكال السلوكيات لدى الأطفال. فكل نوبة غضب أو صراع قد يجعل الوالدين يشعران وكأنهما ارتكبا فشلاً شخصياً. كما أن الخوف من نظرات الآخرين أو أحكامهم، وما يصاحبه من شعور بالعار، قد يُزعزع ثبات حتى أكثر الأشخاص هدوءاً.

إلا أن ما تؤكد عليه كونزمان، بصفتها مدربة في مجال التربية، هو أن كل نوبة غضب تمثل فرصة لفهم العلاقة بينك وبين طفلك بصورة أعمق وتعزيزها. وتعرض أربع خطوات عملية للتعامل مع هذه المواقف:

1. انتقل إلى مكان أكثر خصوصية

إذا بدأ طفلك في فقدان السيطرة في مكان عام، فاحرص أولاً على نقله إلى بيئة آمنة تتيح له تفريغ مشاعره بعيداً عن الضوضاء والازدحام. ففي متجر البقالة مثلاً، يمكن التوجه إلى ممر أكثر هدوءاً أو إلى دورة المياه.

خذ نفساً عميقاً، وحافظ على هدوئك، وذكّر نفسك بأن الموقف ليس حالة طارئة. الحفاظ على هدوئك هو أقوى ما يمكنك فعله أثناء نوبة الغضب، بعد التأكد من سلامة طفلك. فوجودك الهادئ والمستقر يُعد عنصراً أساسياً لمساعدته على تنظيم مشاعره.

2. انتبه لحدوده فيما يتعلق بالتواصل الجسدي

عند محاولة تهدئة طفلك في لحظات التوتر، من المهم أن تتبع رغبته في مستوى التقارب الجسدي. راقب مدى تحمّله للمسّ أو الاحتضان أثناء نوبة الغضب، إذ قد يكون القليل من القرب أفضل من الإكثار منه.

يمكنك عرض عناق أو الجلوس بالقرب منه إذا بدا متقبلاً لذلك. أما إذا كان يضربك، فقد تميل إلى الإمساك بيديه لمنعه، غير أن ذلك قد يشعره بالتقييد ويزيد من انفعاله. إحدى الطرق لمساعدته على إدراك حدوده الجسدية هي الجلوس معه ووضع وسادة أو حقيبة بينكما لتحديد مساحة شخصية أوضح.

3. استخدم لغة بسيطة وواضحة

إذا صدر عن الطفل سلوك غير آمن، فضع حداً لهدوء وحزم، باستخدام عبارات واضحة مثل: «لن أسمح لك بالضرب».

أما إذا كانت نوبة الغضب ناتجة عن الإرهاق أو الإحباط، فحاول التعبير عن تفهمك بعبارات مثل: «أعلم أن هذا مُزعج» أو «أنا هنا لمساعدتك».

احرص على أن تكون كلماتك واضحة ومتوقعة، ثم شجّعه على التعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. وعندما تبدأ حدة الموقف في الانخفاض، قدّم له خيارات محددة تقع ضمن الحدود التي تضعها، بحيث يشعر بشيء من السيطرة.

في متجر البقالة، مثلاً، يمكن أن تقول: «هل ترغب في الجلوس في عربة التسوق أم الإمساك بيدي؟» أو «هل تودّ حمل قائمة المشتريات أم مساعدتي في دفع العربة؟». هذه الخيارات البسيطة والمناسبة لعمره تمنحه إحساساً بالمشاركة بدل العجز.

4. خصص وقتاً لتهدئة مشاعرك أيضاً

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره، بل يشمل كذلك قدرتك أنت على ضبط مشاعرك.

في الأماكن العامة، قد يلتفت الناس وينظرون إليك. وحتى إن كان ذلك بدافع الفضول، فقد تشعر وكأنهم يصدرون أحكاماً عليك. قبل أن تسمح لهذا الشعور بالتأثير فيك، ركّز على ما يمكنك التحكم فيه في تلك اللحظة.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. تذكّر أن نوبة غضب طفلك لا تعكس قيمتك كوالد أو أسلوبك في التربية. وبدلاً من الاعتقاد بأن طفلك يتعمّد إثارة الفوضى، افهم أنه يمرّ بوقت صعب ويحتاج إلى دعمك.

يمكنك اختيار تجاهل نظرات الآخرين أو الردّ بهدوء وتعاطف. عبارة بسيطة مثل «أنا أبذل قصارى جهدي» قد تكون كافية.

كما أن من المهم إدارة شعورك بالإرهاق. فإذا شعرت بأن الموقف في مكان عام أصبح مرهقاً لك بشدة، فلا بأس من الانتقال إلى مكان هادئ، والسماح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، ومنح نفسك لحظة لالتقاط أنفاسك. قد يعني ذلك ترك عربة التسوق لدى خدمة العملاء أو في أحد الممرات والخروج، أو التوجه إلى السيارة لتهدئة أعصابك قبل استكمال يومك.


لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
TT

لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)

أصبح بمقدور العلماء الآن وضع خرائط لأماكن انتشار العقارب السامَّة، مما يمنح البشر أداة جديدة في مواجهة إحدى أخطر الحشرات التي تشكل تهديداً للصحة والسلامة العامة. وقد طوَّر فريق من الباحثين نهجاً علمياً جديداً للتعرُّف على مواقع انتشار بعض فصائل هذه الحشرة المميتة والتنبؤ بها، واستطاعوا، من خلال تحليل الظروف البيئية، تحديد العوامل التي تساعد في بقاء العقارب على قيد الحياة وانتشارها. وقد تساعد هذه النتائج الجهات المعنيّة على رصد الأماكن التي تتزايد فيها احتمالات وقوع حوادث لدغات العقارب، في مختلف المناطق الاستوائية حول العالم، حتى يتسنى لها اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للتصدي لهذه المشكلة.

اعتمد الفريق البحثي المشترك من جامعتي جالواي في آيرلندا وابن زهر في المغرب على سلسلة من الدراسات الميدانية ونموذج حاسوبي لتحديد مناطق تمركز أخطر فصائل العقارب حول العالم، فضلاً عن الأسباب الكامنة وراء الانتشار الجغرافي لهذه الحشرات.

وخلصت نتائج الدراسة إلى تحديد نمط واضح لانتشار العقارب، فتبيَّن أنّ نوع التربة يُعد من أقوى العوامل المؤثّرة في انتشارها، في حين تلعب درجات الحرارة والرطوبة دوراً رئيسياً في رسم خرائط انتشار بعض أنواعها.

ويقول الباحثون إن العقارب، على اختلاف أنواعها، لا تتفاعل مع البيئة بالطريقة نفسها، إذ إنّ بعضها يمتلك قدرات أعلى على التأقلم، مما يمنحه نطاقاً أوسع للانتشار، في حين يقتصر وجود فصائل أخرى على مناطق محدودة، ممّا يخلق بؤراً خطرة تتزايد فيها احتمالات التعرُّض للدغات بصفة خاصة.

خرائط جديدة لتقليل الألم الذي كان يحدث بلا إنذار (شاترستوك)

وركزت الدراسة، التي نشرتها الدورية العلمية «اتصالات بحوث البيئة» المتخصصة في الدراسات البيئية، ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، على مناطق وسط المغرب، لكونها من أخطر مناطق تمركز العقارب حول العالم، وكانت تهدف إلى تحسين إجراءات الوقاية ودعم إمكان تطوير أدوات أكثر فاعلية لتشخيص هذه المشكلة وابتكار أمصال أفضل لعلاج اللدغات. ويقول رئيس مختبر علاج السموم بجامعة غالواي ورئيس فريق الدراسة، الباحث مايكل دوغون، إنّ «هذه النتائج قد تسهم في إنقاذ الأرواح، إذ يمكن، من خلال تحديد أماكن تمركز العقارب بدقة، أو الأماكن التي يُحتمل أن تظهر فيها، أن تتمكن السلطات الصحية من تنظيم حملات توعية وتدريب الأطقم الطبية المتخصّصة، وتنفيذ إجراءات وقائية في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر التعرُّض للدغات العقارب، وحماية الأطفال خصوصاً». وأضاف، في تصريحات نقلها موقع علمي متخصّص في البحوث، أنّ «هذا النهج العلمي يمكن تطبيقه في أي دولة تعاني خطر العقارب، من البرازيل إلى الشرق الأوسط والهند».

ويؤكد الباحثون أنّ العقارب تشكل خطراً صحياً يُغفَل في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، حيث يتعرَّض أكثر من مليونَي شخص للدغاتها سنوياً. ورغم أنّ معظم اللدغات تؤدّي إلى آلام وتورمات، فإن لدغات بعض الفصائل قد تسبّب مشكلات صحية خطيرة وقد تفضي إلى الوفاة في بعض الحالات، لا سيما لدى الأطفال وكبار السنّ. وتشير الإحصاءات إلى أنّ نحو 3 آلاف طفل حول العالم يفقدون حياتهم بسبب لدغات العقارب كلّ عام. ورغم توافر أمصال مضادة لعدد من سموم العقارب، يواجه الأطباء تحدّيات كبيرة في علاج هذه الحالات، إذ يتعذَّر في كثير من الأحيان تحديد نوع العقرب الذي لدغ المصاب، ممّا يؤدّي إلى تأخير تقديم العلاج المناسب.

العلم يقترب من أماكن الخطر خطوةً خطوة (شاترستوك)

وفي إطار الدراسة، طبَّق الباحثون نموذجاً حاسوبياً يُعرف باسم «الانتروبيا القصوى»، يتيح التنبّؤ بالمناطق التي ترتفع فيها احتمالات وجود العقارب والظروف البيئية التي تفضّلها كلّ فصيلة. ومن خلال تحليل قواعد البيانات المتعلّقة بتركيبة التربة ودرجات الحرارة والظروف البيئية المختلفة، أثبت الفريق البحثي إمكانية تحديد الأماكن المُحتَملة لانتشار العقارب في دول أخرى خارج المغرب. وتنطوي هذه المعلومات على أهمية كبيرة بالنسبة إلى الدول الواقعة في المناطق المدارية، حيث لا تتوافر سجلات مفصَّلة عن أنواع العقارب المختلفة. وشارك في هذا المشروع علماء وباحثون حاصلون على درجة الدكتوراه من الجامعتين، إلى جانب طلاب من جامعة غالواي، يتوجّهون إلى المغرب سنوياً ضمن برنامج أكاديمي في مجال علم الحيوان.

ما كان عشوائياً صار قابلاً للتوقُّع (شاترستوك)

ويقول رئيس فريق الدراسة، مايكل دوغون: «بشكل عام، فإن معرفتنا بالعلوم البيئية الخاصة بالعقارب وسمومها وأفضل السبل لعلاج لدغاتها لا تزال محدودة، ويهدف هذا المشروع الدولي التعاوني إلى تطوير أدوات جديدة للوقاية من خطر اللدغات وتشخيصها وعلاجها حول العالم، ممّا يتطلَّب تعاون فرق متعدّدة التخصّص، تضم خبراء في الصحة العامة وعلم الحيوان، فضلاً عن أفراد من المجتمعات المحلّية».

ومن جانبه، قال الباحث في جامعتي ابن زهر وأغادير وأحد المشاركين في الدراسة، فؤاد صالحي، إنّ «هذا البحث يثبت أنّ البيانات المتعلّقة بالتنوّع البيئي يمكن أن تُسهم في صياغة سياسات الصحة العامة. وقد تمكنا، من خلال الجمع بين العمل الميداني والنماذج الحاسوبية البيئية، من تحديد المناطق التي ترتفع فيها احتمالات انتشار العقارب الخطيرة، ونأمل أن يسهم هذا البحث في دعم استراتيجيات الوقاية وتحسين الجاهزية الطبية، والمساعدة في الحدّ من أعباء لدغات العقارب، سواء داخل المغرب أو خارجه».


شرطة بانكوك تتنكَّر في زيّ «أسد» للإيقاع بلصّ مراوغ

العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
TT

شرطة بانكوك تتنكَّر في زيّ «أسد» للإيقاع بلصّ مراوغ

العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)

عندما واجه عناصر الشرطة التايلاندية صعوبة في القبض على لصّ متسلسل كان يفلت من بين أيديهم مراراً وتكراراً، ابتكروا خطة إبداعية: التنكُّر في زيّ أسد تقليدي للإيقاع بطريدتهم المراوغة.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية» نقلاً عن «أسوشييتد برس»، أظهرت لقطات فيديو نشرتها إدارة شرطة بانكوك ضباطاً متخفّين تحت زيّ أسد باللونين الأحمر والذهبي وهم يرقصون باتجاه المشتبه به، الأربعاء، بينما كان يتجوّل في معرض لرأس السنة القمرية في معبد في نونثابوري، وهي مقاطعة مجاورة لبانكوك. وبعد لحظات، اندفع الضابط الذي كان يمسك برأس الأسد المصنوع من الورق المقوى نحو المشتبه به وثبّته بسرعة على الأرض.

وتقول الشرطة إنّ المشتبه به، الذي حُدِّد على أنه رجل يبلغ 33 عاماً، متّهم باقتحام منزل قائد شرطة محلّي في بانكوك 3 مرات في وقت سابق من هذا الشهر، والفرار بمقتنيات ثمينة تبلغ قيمتها نحو مليونَي باهت (64 ألف دولار أميركي).

وفي بيان صحافي، قالت الشرطة إنها حاولت اعتقال الرجل مرات، لكنه كان سريعاً في رصد ضباط الشرطة والفرار. ولاحقاً، تمكنوا من التعرف إليه من خلال تتبُّع تمائم مسروقة كان قد باعها، وعلموا أنه يتردَّد باستمرار على المعابد في نونثابوري.

ورغم أنّ رأس السنة القمرية ليست عطلة رسمية في تايلاند، فإنّ الاحتفالات بها شائعة، وغالباً ما تكون رقصات الأسد جزءاً من المهرجانات، ممّا وفر غطاءً مثالياً للعملية.

وقالت الشرطة إنّ المشتبه به اعترف بعمليات السطو، قائلاً إنه سرق لشراء المخدرات ولعب القمار. وأضافت أنه سبق أن أُدين بجرائم متعلّقة بالمخدرات والسطو.