مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»

الكوارث الإنشائية في تركيا وسوريا تفتح ملف إعادة النظر في تشريعات التشييد العمراني بالمنطقة العربية

مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»
TT

مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»

مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»

فتح زلزال تركيا وسوريا، الذي ضرب المنطقة خلال فبراير (شباط) الحالي، وخلّفَ نحو 44 ألف قتيل، ملف إعادة النظر في قطاع التشييد وإنشاءات المباني بالمنطقة، ومدى متانة المباني وقدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية كالزلازل والهزات الأرضية، وكذلك متابعة السلطات التشريعية للمقاولين والتزامهم بمتطلبات السلامة العامة وأكواد البناء والاشتراطات الهندسية، بالإضافة إلى مدى جاهزية البنية التحتية المقاومة للكوارث الطبيعية في المدن الكبرى والمزدحمة.
وأكد مختصون لـ«الشرق الأوسط» على وجوب تشدد الدول والسلطات التشريعية في قطاع الإنشاءات، وعدم التهاون في الالتزام بأكواد التصميم الزلزالي، والتخطيط الجيد والمستمر لإدارة مخاطر الزلازل، وتطوير أكواد التصميم الإنشائي، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال، وإنتاج خرائط الخطورة الزلزالية الضرورية وتقييمها بشكل دوري، بالإضافة إلى تحديث تشريعات البناء وتوافقها مع التغيرات والظواهر المناخية.
- ضبط قطاع الإنشاءات
قال الدكتور أنيس الشطناوي، عضو نقابة المهندسين، أستاذ الهندسة الإنشائية وهندسة الزلازل في الجامعة الأردنية، إن من واجب الدولة والسلطات المعنية من أجل الحفاظ على أرواح البشر وعلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، الذي قد يتعرض لضرر واختلال كبير جراء الزلازل، التشدد في قطاع الإنشاءات لأقصى حد ممكن، وعدم التهاون، لضمان تلافي أي قصور في التشييد أو حدوث أي اختلالات في مراحل الإنشاء، مشيراً إلى أن معظم المباني القديمة في الدول العربية أنشئت قبل ظهور أكواد التصميم الزلزالي، ولم تأخذ في الاعتبار مقاومة أفعال الزلازل، بالإضافة إلى تقادم بنائها القائم وتأثره بالعوامل البيئية المؤثرة سلباً على خصائص مواد البناء من تآكل وضعف في الخرسانة القديمة، وصدأ لفولاذ التسليح، وعدم تشييدها باختيار النظام الإنشائي الملائم لمقاومة الزلازل، وعدم توفر جدران القص المقاومة للقوى الجانبية الناتجة عن حركة الأرض.
ودعا الدكتور الشطناوي السلطات التشريعية إلى التخطيط الجيد والمستمر لإدارة مخاطر الزلازل، وتطوير أكواد التصميم الإنشائي، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال، من خلال إنتاج خرائط الخطورة الزلزالية الضرورية، وتقييمها بشكل دوري، وإنتاج تصاميم هندسية مناسبة، يتبعها تدقيق مستقل للتحقق من سلامة وأمان التصميم، ووضع مواصفات قياسية مناسبة لمواد الإنشاء وفحصها، وتطبيق معايير ومنهجيات دقيقة للتنفيذ من قبل المقاولين المؤهلين والمصنفين، مع وجود نظام إشراف هندسي مستمر على كل مرحلة من مراحل المشروع، يرافقه نظام مراقبة وتفتيش من طرف آخر مستقل، يعنى بضمان جودة ونوعية المواد والنظام الإنشائي ومنهجية التنفيذ.
- تحدي النمو السكاني
أوضح الدكتور الشطناوي أنه منذ نشأة الدول العربية في القرن الماضي وتحدي اضطراد النمو السكاني فيها، لم تكن هنالك معايير ومتطلبات واشتراطات قانونية للتصميم الزلزالي للمنشآت، ولم يكن هنالك اهتمام بخرائط الخطورة الزلزالية، وما يتطلبه الأمر من إجراءات تقييم وتنظيم للمناطق السكنية وحسن توزيعها، لافتاً إلى أنه حتى فترة قريبة من مطلع القرن الحالي، بدأ معظم الدول باستصدار أكواد بناء تعنى بموضوع القوى الزلزالية الناشئة على المباني وتفاصيل التصميم الهندسي المقاوم للزلازل، وتحسين أمور تنظيم البناء، والتخطيط من خلال إدارة المخاطر الزلزالية للمنشآت، والاهتمام بنوعية وجودة المواد والأنظمة الإنشائية المستخدمة لزيادة مقاومة المنشآت الحديثة لقوى الزلازل وقدرتها على الاستجابة للحركة الجانبية.
وبيّن الدكتور الشطناوي أنه مع الاهتمام العلمي بعلوم وهندسة الزلازل، بدأت الدول بالدراسات والأبحاث المتعلقة بحركة الأرض وتأثيراتها على الإنسان، وعلى جميع نشاطاته الأخرى، فوق وتحت الأرض، من منشآت ومبانٍ وسدود، وبنية تحتية من جسور وطرق وسكك حديدية وغيرها، وذلك من خلال تحديد مستويات الخطر الزلزالي للمنشآت عبر 3 عوامل أساسية.
ولفت إلى أن تلك العوامل هي الحد من ضعف المباني، عبر وضع معايير واشتراطات ومتطلبات الحد الأدنى لمقاومة أفعال الزلازل، الذي لا يتأتى إلا عبر أكواد التصميم الزلزالي، للوصول إلى تصميم آمن يؤدي إلى تقوية المنشآت وزيادة مقاومتها والوصول إلى تخفيف أضرار الزلزال، وتحديد مستويات الخطورة الزلزالية للأرض والمناطق، عبر إجراء التقييم اللازم للحركات الأرضية والفوالق والتربة لفهم مستويات الخطورة الزلزالية على سطح الأرض وتصنيفها إلى مناطق أو إحداثيات تبين ذلك المستوى من الخطورة الزلزالية الطبيعية، وإنتاج خرائط الخطورة الزلزالية.
وكذلك التخطيط الجيد لتحديد مواقع الأبنية والمنشآت وتوسع المدن الموجودة أو المدن المستحدثة وتنظيمها بتقليل الاكتظاظات السكنية والسكانية وتحديد المسارات المناسبة للطرق والسكك الحديدية ومواقع السدود وغيرها، بحيث يتم تقليل مستوى التعرض أو الانكشاف لأثر الزلازل، وبالتالي الحد من أضرارها الممكنة.
- الصفيحة التكتونية
ولفت أستاذ الهندسة الإنشائية وهندسة الزلازل الأردني الشطناوي إلى مخاطر الزلازل في المنطقة حيث أفاد أن الدول العربية في غرب آسيا تقع على الصفيحة التكتونية العربية، المجاورة للصفيحة الأفريقية من الغرب، وصفيحة الأناضول الشرقية من الشمال، وصفيحة يورآسيا (الإيرانية) والصفيحة الهندية من الغرب، مضيفاً أن الصفيحة العربية تتحرك باتجاه شمال - غرب، بمعدل 10 إلى 15 مليمتراً سنوياً على حدود فالق البحر الميت، الذي يمتد من بحر العرب عبر منتصف البحر الأحمر، إلى العقبة والبحر الميت، فشمال الأردن عبر لبنان وسوريا، وصولاً إلى جنوب تركيا حيث يلتقي ويصطدم بفالق صفيحة الأناضول الشرقية.
واستطرد: «تتحرك الصفيحة الأفريقية المجاورة باتجاه الشمال تقريباً، بموازاة حركة الصفيحة العربية، لتصطدم مع صفيحة الأناضول الشمالية... وهذه الحركة للصفيحة العربية مع الصفيحة الأفريقية هي من نوع الحركة الانزلاقية الجانبية على التوازي، ما يحفز حدوث الزلازل على امتداد فالق البحر الميت، ويؤدي إلى ابتعاد الصفيحتين إحداهما عن الأخرى نحو 5 مليمترات سنوياً».
وأشار الدكتور الشطناوي إلى أن منطقتنا العربية في آسيا معرضة للزلازل «الضحلة العمق»، وهي من النوع الانزلاقي السطحي الأكثر ضرراً على المباني والمنشآت، ما قد يسبب خسائر بشرية وضرراً كبيراً للمنشآت والاقتصاديات الوطنية للدول وللمواطنين، إذا ما حدث زلزال بمقدار كبير، وما تترتب عليه من آثار اجتماعية سلبية وخيمة.
- الأحمال العمودية
من جانبه، أوضح الدكتور عبد الله العبد الكريم، أستاذ الهندسة الإنشائية في جامعة الملك سعود بالسعودية، أن المباني الخرسانية بشكل عام مصممة لمقاومة الأحمال العمودية كوزن الخرسانة والأسقف، والأحمال الحيّة كالأثاث والأشخاص، ولا تأخذ في الحسبان عادة الأحمال والقوى الجانبية كالزلازل والحركة الأفقية للقشرة الأرضية، مضيفاً: «إننا في منطقة غير مهددة بالزلازل».
وأضاف العبد الكريم أن كود البناء السعودي الذي يلزم المقاولين بالتقيد فيه، يركز على وضع اشتراطات خاصة حول كمية حديد «التسليح» وتوصيل الأعمدة بالقواعد أو بالأسقف وطريقة ربط الزوايا وأبعاد الحديد والزيادة في مقاطع العناصر الخرسانية، بسبب أن نقطة التقاء الأعمدة بالأسقف أو بالقواعد هي أضعف وأخطر نقطة أثناء حدوث الزلزال.
- 4 تقنيات
وأشار الدكتور العبد الكريم إلى وجود 4 تقنيات بناء عامة تستخدم لمقاومة الزلازل والتخفيف منها، وهي استخدام جدران القص الخرسانية المسلحة وتوزيعها من أسفل المبنى حتى أعلاه في الاتجاهين، من أجل جعل حركة المبنى والمفاصل واحدة أثناء الاهتزاز، واستخدام دعامات مائلة بين الأعمدة بشكل هيكلي، بحيث تمتص القوى الأفقية وتحولها للأعمدة، وكذلك استخدام الحديد بشكل مكثف، كما في جميع العناصر الخرسانية، بحيث تساعد على توحيد حركة المبنى، بالإضافة إلى عزل القواعد باستخدام أساسات مرنة لامتصاص القوى الأفقية، وإعطاء حرية أكبر للمبنى للحركة بشكل أفقي أثناء تعرّضه للزلزال.
تكثيف الرقابة
ودعا الدكتور العبد الكريم إلى تكثيف الرقابة والمتابعة لأداء مقاولي البناء ومدى التزامهم بمتطلبات السلامة العامة وبتراخيص وأكواد البناء، مضيفاً: «إن الإهمال الحاصل من قبل بعض المقاولين وانعدام الأمانة عند بعضهم وإخلالهم باشتراطات البناء، وخصوصاً استخدام بعضهم لكثير من الأعمدة (المزروعة) غير الممتدة إلى القواعد، وكذلك البروزات الطويلة، ما يشكل خطراً كبيراً في حال وقوع أي حركة أفقية للمبنى».
- إعادة النظر
من جهته، شدد المستشار الهندسي يزيد العرفج على أهمية إعادة النظر في ملف الإنشاءات والتشييد بالمنطقة، وتحديثه بشكل مستمر، بما يتوافق مع التغيرات والظواهر المناخية في المنطقة، مؤكداً مساهمة ذلك في حماية أرواح البشر، وتقليل الخسائر المادية والمعنوية، والأضرار التي قد تلحق بالمباني والمناطق المتأثرة بالكوارث الطبيعية.
وعرج المهندس العرفج على اهتمام كود البناء السعودي، على سبيل المثال، بمقاومة أحمال الرياح والزلازل وتطبيقه لمعادلات خاصة بذلك، بالإضافة إلى التحديثات المستمرة في الكود، ما سهل على المختصين والمهندسين في تطبيق النمذجة خلال مرحلة تصميم المباني، مضيفاً أن المملكة اهتمت في تشريعات البناء بتحسين معاملات الزلازل والرياح وتوافقها مع الطبيعة المناخية للمملكة، كما ساعد كود البناء السعودي المكاتب الهندسية بتفاصيل إنشائية وتقسيم المباني لدرجات متفاوتة، حسب درجة خطورة المباني، وطبيعة النشاط الزلزالي فيها.
- دور الفساد وإهمال الالتزام بالقوانين المستحدثة
فتح زلزال تركيا باباً واسعاً للحديث عن دور الفساد، إذ أقدمت الحكومة التركية على فتح ملفات فساد كثير من المقاولين والمهندسين المعماريين، وعن الرداءة في إنشاء البنايات والشقق السكنية والغش في جودة مواد البناء المستخدمة فيها، حيث تحركت وزارة العدل التركية، بعد أيام من وقوع الزلزال، ونفذت السلطات حملة اعتقالات طالت أكثر من 100 مقاول في جميع أنحاء المقاطعات العشر المتضررة من الزلزال حيث تطولهم اتهامات بمسؤولية انهيار المباني.
وذكرت وكالة أنباء الأناضول الحكومية أن وزارة العدل التركية أمرت المسؤولين في تلك المقاطعات بإنشاء «وحدات للتحقيق في جرائم الزلزال»، كما أمرت بتعيين مدعين عامين لتوجيه تهم جنائية ضد جميع المقاولين والمسؤولين عن انهيار المباني التي أخفقت في تلبية القوانين الحالية المستحدثة بعد زلزال كارثي مماثل وقع عام 1999.
ووفق ما نقلته الوكالة عن وزير العدل بكر بوزداغ، أخيراً، هناك 245 مشتبهاً به، تم اتخاذ إجراءات بحقهم، مضيفاً أنه «يتم تقييم خطأ كل شخص مسؤول عن البناء والتحكم والاستخدام، بشكل منفصل».
ووضعت تركيا قوانين بناء جديدة بعد زلزال عام 1999، إلا أن السلطات التركية تعتقد أن المقاولين لم يلتزموا في كثير من الأحيان بتلك القوانين والتشريعات التنظيمية، بهدف كسب مزيد من المال، باللجوء لمواد أولية رخيصة من بين أشياء أخرى. وأرجعت السلطات أسباب الدمار الهائل، الذي خلّفه الزلزال، لعوامل عدة. من الأبنية الشاهقة، إلى منح تصاريح بناء في عدة مناطق لم تستوفِ الاشتراطات.


مقالات ذات صلة

«البنك الدولي» يتوقع بلوغ شح المياه أدناه في الشرق الأوسط

الاقتصاد «البنك الدولي» يتوقع بلوغ شح المياه أدناه في الشرق الأوسط

«البنك الدولي» يتوقع بلوغ شح المياه أدناه في الشرق الأوسط

توقع تقرير جديد لـ«البنك الدولي»، أن تواجه الشعوب في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، شحّاً غير مسبوق في المياه، داعياً إلى سلسلة من الإصلاحات بشأن إدارة الموارد تتضمن إصلاحيات مؤسساتية، للتخفيف من حدة الضغوط المائية في المنطقة. وأشار التقرير الذي صدر بعنوان «اقتصاديات شح المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - حلول مؤسساتية»، إلى أنه، بنهاية العقد الحالي، ستنخفض كمية المياه المتاحة للفرد سنوياً عن الحد المطلق لشح المياه، البالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً. ووفق التقديرات الواردة في التقرير، فإنه، بحلول عام 2050، ستكون هناك حاجة إلى 25 مليار متر مكعب إضافية من المياه سنوياً، لتل

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد {النقد الدولي} يحذر الشرق الأوسط من 4 تحديات

{النقد الدولي} يحذر الشرق الأوسط من 4 تحديات

قال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في «صندوق النقد الدولي» جهاد أزعور، إن نمو الناتج المحلي الإجمالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيتباطأ إلى 3.1 في المئة خلال 2023، من 5.3 في المئة خلال العام السابق. وأكد أزعور، في إفادة صحافية، أن النمو في الدول المصدرة للنفط بالمنطقة سيتباطأ إلى 3.1 في المائة أيضاً خلال 2023، من 5.7 في المائة خلال 2022، مع توقعات بأن يكون القطاع غير النفطي المحرك الرئيسي للنمو.

أحمد الغمراوي (القاهرة)
الاقتصاد الضغوطات تحيط بموائد الإفطار في الدول العربية

الضغوطات تحيط بموائد الإفطار في الدول العربية

سجلت حالة الرصد الأولية ضغوطات تواجه موائد الإفطار الرمضانية في المنطقة العربية التي تواجه إشكالية بالغة في توفير السلع خلال شهر رمضان المبارك؛ حيث يرتفع الطلب على مجموعات سلع غذائية يبرز منها القمح واللحوم بأشكالها المختلفة، مقابل قدرة إنفاق محدودة. وساهم ضعف الإصلاحات وتقلبات العملات العربية في تقلص إمكانيات الإنفاق على المائدة العربية، يضيف إليها مسؤول تنمية عربي أن الظروف الحالية للأزمات الأمنية والسياسية في البلدان العربية فاقمت الموقف. - نقص المعروض ووفقا للتقديرات، يسجل شهر رمضان المبارك للعام الحالي تراجعا ملحوظا في الإنفاق من دولة لأخرى في الإقليم العربي مقارنة بمواسم ماضية، خاصة في

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد مخاوف من اتساع تداعيات إفلاس «سيليكون فالي» إلى المنطقة العربية

مخاوف من اتساع تداعيات إفلاس «سيليكون فالي» إلى المنطقة العربية

في وقت زرع فيه الإعلان عن إفلاس بنك سيليكون فالي الأميركي مخاوف في أوساط العملاء والمودعين والشركات التكنولوجية المقترضة والمودعة في البنك على المستوى الاقتصاد الأميركي، ربما يدفع ذلك إلى مزيد من التداعيات بمناطق أوسع في العالم. ولا تبدو المنطقة العربية بمنأى عن التداعيات، إذ أفصحت بنوك في الكويت عن انكشافات ضئيلة على إفلاس البنك الأميركي، إلا أن هناك تحرزاً من الإعلان في بقع كثيرة من قطاعات البنوك والمصارف ومؤسسات الاستثمار في العالم العربي. - اتساع الرقعة وتوقع مختصون، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، اتساع رقعة تداعيات إفلاس البنك الأميركي وتأثيرها على بيئة الأعمال والقطاع المصرفي على مستوى العال

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد صورة إعلان لسيارة «نيو» المغربية المرتقبة قريباً في الأسواق (متداولة)

«نيو»... سيارة مغربية الصنع ستبصر النور قريباً

أثار إعلان وزير الصناعة والتجارة المغربي رياض مزور مؤخراً عن مشروع إنشاء مصنع سيارات مغربي بحت، تساؤلات بين الفاعلين في القطاع. تم تداول هذا الموضوع في الصحافة المغربية في نهاية عام 2022، ومن المفترض أن ترى العلامة التجارية الأولى للسيارة «المغربية» النور قريباً. وفقاً لتقرير أعدته مجلّة «جون أفريك» (أفريقيا الشابة)، ونشرته أمس (الثلاثاء)، كان وزير الصناعة والتجارة المغربي، قد أعلن في بيان أدلى به لموقع «الشرق بلومبرغ»، أنه من المقرر توقيع اتفاقية استثمار في يناير (كانون الثاني) (الفائت) لإنشاء مصنع إنتاج لهذه العلامة التجارية المحلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

في أقوى إشارة من نوعها... وارش يفتح الباب أمام رفع الفائدة الأميركية

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
TT

في أقوى إشارة من نوعها... وارش يفتح الباب أمام رفع الفائدة الأميركية

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)

وجه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وارش، أقوى إشارة حتى الآن إلى احتمال الحاجة لرفع أسعار الفائدة إذا استمر التضخم فوق المستوى المستهدف، مؤكداً أن البنك المركزي سيكون أمامه «عمل يتعين القيام به» ما لم يقتنع صناع السياسة بأن الضغوط السعرية الأساسية تتجه بوضوح وبسرعة كافية نحو هدف 2 في المائة.

وجاءت تصريحات وارش، الجمعة، خلال أول خطاب رئيسي له في ندوة «جاكسون هول» الاقتصادية منذ توليه رئاسة «الفيدرالي»، لتمنح الأسواق بعض الإجابات عن موقفه من التضخم، وإن تجنب تقديم جدول زمني لرفع الفائدة أو صياغة مسار محدد للسياسة النقدية.

وقال وارش: «يجب أن نكون واثقين بأن التضخم الأساسي يتحرك نحو هدفنا، بوضوح وبسرعة كافية. وإلا فسيكون أمامنا عمل يتعين القيام به. هذه وظيفتنا ومهمتنا والتكليف الذي يجب أن نلتزم به». وتكتسب هذه الرسالة أهمية كبيرة بعدما أبقى «الفيدرالي» سعر الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول)، في وقت لم يظهر فيه التضخم تقدماً كافياً نحو هدف البنك المركزي.

وحسب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس المفضل لدى «الفيدرالي»، بلغ التضخم 3.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز). وقال وارش إن التقدم المحقق في خفض التضخم خلال العامين الماضيين كان «متواضعاً»، وإن البيانات الأخيرة لا تشير إلى تحسن جوهري في الاتجاهات الأساسية للأسعار. ولفت إلى أن نحو نصف مكونات سلة السلع والخدمات في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي ترتفع حالياً بمعدل سنوي يتجاوز 3 في المائة. ورغم أن هذه النسبة أقل مما سجل خلال موجة التضخم التي أعقبت جائحة «كوفيد-19»، فإنها تظل أعلى من المعدلات التي كانت سائدة قبل الجائحة.

هذه القراءة دفعت وارش إلى الاقتراب أكثر من طرح إمكانية تشديد السياسة النقدية، خصوصاً بعدما أقر بأن الظروف المالية الحالية لا تبدو مقيدة بدرجة كبيرة للنشاط الاقتصادي. وقال إن الاقتصاد الأميركي لا يزال يظهر قدرة على الصمود، وإن أسواق الائتمان والقروض لا تقدم سوى «إشارات قليلة» إلى أن السياسة النقدية الحالية تمارس قيوداً قوية. ويمكن أن تشكل هذه الملاحظة أساساً لحجة داخل «الفيدرالي» مفادها أن سعر الفائدة الحالي ليس مرتفعاً بما يكفي لإعادة التضخم إلى الهدف.

وأكد وارش أيضاً أن أسعار الفائدة قصيرة الأجل تظل «الأداة الرئيسية» لتحقيق التفويض المزدوج للبنك المركزي، والمتمثل في استقرار الأسعار ودعم سوق العمل، وهو تصريح يكتسب أهمية بعدما ركز في الأشهر الأولى من رئاسته على مراجعة الإطار الأوسع للسياسة النقدية والتغيرات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد.

وكان وارش قد شكل 5 فرق عمل لدراسة قضايا طويلة الأجل، من بينها التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكنه شدد على أن توصيات هذه الفرق ستصدر لاحقاً ولن يكون لها تأثير على القرارات المطلوبة في الظروف الحالية، في محاولة للفصل بين إعادة التفكير في مستقبل السياسة النقدية وبين الحاجة الفورية للتعامل مع التضخم.

واستجابت الأسواق سريعاً للرسالة. فقد رفع المتعاملون احتمالات زيادة الفائدة في اجتماع «الفيدرالي» يومي 15 و16 سبتمبر (أيلول) إلى نحو 50 في المائة، مقارنة بنحو 40 في المائة في وقت سابق الجمعة. وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، إلى أعلى مستوى له في نحو شهر، فيما وسعت الأسهم الأميركية مكاسبها بشكل طفيف.

وقبل الخطاب، كانت الأسواق تمنح احتمالاً بنحو الثلث لرفع الفائدة الشهر المقبل، في حين كانت احتمالات حدوث زيادة بحلول اجتماع 8 و9 ديسمبر تتجاوز 90 في المائة.

ويعكس تحول التسعير في الأسواق إدراك المستثمرين أن النقاش داخل «الفيدرالي» لم يعد يدور فقط حول المدة التي يجب أن تبقى فيها الفائدة مرتفعة، وإنما حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى تشديد إضافي. وكان اجتماع يوليو قد كشف بالفعل عن انقسام متزايد، بعدما عارض ثلاثة من صناع السياسة قرار الإبقاء على الفائدة دون تغيير، مفضلين تشديد السياسة النقدية.

ورغم لهجته الأكثر صرامة، حرص وارش على عدم إلزام البنك المركزي بمسار مسبق. وأكد أن تصريحاته لا ينبغي تفسيرها باعتبارها «توجيهاً مستقبلياً»، كما رفض تقديم ما يسميه المستثمرون «دالة رد فعل» تحدد مسبقاً كيفية استجابة «الفيدرالي» لمختلف البيانات الاقتصادية.

ويرى وارش أن مثل هذه الالتزامات قد لا تكون مناسبة أو قابلة للتطبيق بدقة في بيئة اقتصادية سريعة التغير. لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية أن يحصل البنك المركزي على إشارات سوقية «واضحة وغير مصفاة قدر الإمكان» عند تحديد السياسة النقدية. وتأتي هذه الملاحظة في وقت تحظى فيه العلاقة بين السياسة النقدية وأسواق السندات باهتمام متزايد، إلا أن وارش لم يتطرق مباشرة إلى تدخلات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الأخيرة في الأسواق.

وفي ملف آخر بالغ الحساسية، قال وارش إن توقعات التضخم لا تزال مستقرة في الوقت الراهن، لكنه شدد على ضرورة مراقبتها عن كثب. وأكد أن من مسؤولية «الفيدرالي» منع توقعات المستهلكين والشركات للأسعار من الانفلات؛ لأن فقدان الثقة في قدرة البنك المركزي على إعادة التضخم إلى 2 في المائة قد يجعل المهمة أكثر صعوبة وكلفة.

وهذا ما يجعل بيانات أغسطس (آب) المقبلة حاسمة. فمن المقرر صدور أرقام البطالة ونمو الوظائف والتضخم الاستهلاكي في أوائل سبتمبر، وستشكل آخر مجموعة كبيرة من المؤشرات قبل اجتماع البنك المركزي. فإذا أظهرت البيانات استمرار قوة الاقتصاد وسوق العمل بالتزامن مع ثبات التضخم عند مستويات مرتفعة، فقد تتعزز الحجج المؤيدة لرفع الفائدة إلى نطاق 3.75 إلى 4 في المائة. أما إذا ظهرت علامات واضحة على تباطؤ النشاط أو سوق العمل، فقد يصبح القرار أكثر تعقيداً.

ويبدو أن الرسالة الأساسية من «جاكسون هول» هي أن وارش لا يريد منح الأسواق مساراً مضموناً للفائدة، لكنه في الوقت نفسه لم يعد يخفي قلقه من ضعف التقدم في مكافحة التضخم.

وبين اقتصاد لا يزال متماسكاً، وأسواق ائتمان لا تبدو مقيدة، وتضخم يفوق الهدف منذ أكثر من خمس سنوات، أصبح خيار رفع الفائدة مطروحاً بصورة أكثر وضوحاً. وهكذا ينتقل الاختبار الآن من خطاب «جاكسون هول» إلى بيانات أغسطس. فإذا أكدت الأرقام أن التضخم لا يتحرك نحو 2 في المائة «بسرعة كافية»، فإن عبارة وارش بأن أمام «الفيدرالي عملاً يتعين القيام به» قد تتحول سريعاً من تحذير للأسواق إلى قرار فعلي برفع تكلفة الاقتراض.


«هيئة العقار» لـ«الشرق الأوسط»: اهتمام كبير من المستثمرين الدوليين بالسوق السعودية

TT

«هيئة العقار» لـ«الشرق الأوسط»: اهتمام كبير من المستثمرين الدوليين بالسوق السعودية

مشاركون في معرض العقارات السعودية الفاخرة بلندن يستمعون إلى شرح حول أحد المشروعات (الشرق الأوسط)
مشاركون في معرض العقارات السعودية الفاخرة بلندن يستمعون إلى شرح حول أحد المشروعات (الشرق الأوسط)

تدخل السوق العقارية السعودية مرحلة جديدة من الانفتاح على رؤوس الأموال الدولية، مدفوعة بالتنظيمات الجديدة لتملك غير السعوديين للعقار وتحديد النطاقات الجغرافية المشمولة بالتملك، في خطوة تعزز مساعي المملكة لترسيخ موقعها وجهةً عالمية للاستثمار العقاري، وسط اهتمام متزايد من المستثمرين الدوليين والصناديق الاستثمارية.

وتتطلع جهات حكومية وعدد من شركات التطوير العقاري لجذب مستثمرين للسوق السعودي من خلال المشاركة في النسخة الأولى من «معرض العقارات السعودية الفاخرة»، وذلك بشراكة استراتيجية مع الهيئة العامة للعقار، وبمشاركة عدد من المطورين العقاريين السعوديين، إلى جانب مستثمرين ومكاتب عائلية ومختصين في القطاع من بريطانيا والأسواق الدولية.

وقال تيسير المفرج، المتحدث الرسمي للهيئة العامة للعقار، إن مشاركة الهيئة في معرض العقارات السعودية الفاخرة تأتي انطلاقاً من دورها في رفع مستوى الوعي بالمنظومة العقارية الجديدة، ولا سيما نظام تملك غير السعوديين للعقار، الذي أُقر أخيراً في المملكة، إلى جانب التعريف بالنطاقات الجغرافية الخاصة بالتملك.

وأوضح المفرج في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحضور في المعرض يتجاوز التعريف بالنظام إلى التواصل المباشر مع المستثمرين والإجابة عن استفساراتهم، وتوضيح المسار الذي يمر به المستفيد، سواء كان مشترياً أو مستثمراً أو وسيطاً عقارياً، وصولاً إلى إتمام التعاملات المرتبطة بتملك غير السعوديين.

وأشار إلى أن منصة «عقارات السعودية» تمثل قناة رئيسية للتعاملات العقارية المرتبطة بالنظام، موضحاً أن الهيئة تعمل من خلال مشاركتها على تعريف المستثمرين بـ«رحلة العميل» وآليات التعامل مع المنصة، بما يوفر صورة أكثر وضوحاً للراغبين في دخول السوق السعودية والاستفادة من الفرص المتاحة فيها.

اهتمام الصناديق الدولية

ولم تقتصر مشاركة الهيئة على جناحها في المعرض، إذ نظمت على هامشه سلسلة من ورش العمل والجلسات والطاولات المستديرة الموجهة بصورة مباشرة إلى المستثمرين، بالتعاون مع عدد من الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص في السعودية.

وكشف المفرج عن تنظيم طاولة مستديرة خصصت للمستثمرين من الصناديق الاستثمارية الدولية، بمشاركة مجلس الأعمال السعودي البريطاني، في مؤشر على الاهتمام المتنامي باستقطاب رؤوس الأموال المؤسسية إلى القطاع العقاري السعودي، بالتوازي مع توسيع قاعدة المستثمرين المستهدفين من التنظيمات الجديدة.

وقال إن هذه اللقاءات أتاحت فرصة للحوار المباشر مع المستثمرين والاستماع إلى استفساراتهم بشأن آليات التملك والفرص المتاحة وطبيعة السوق، في وقت تشهد فيه البيئة التنظيمية للقطاع تحولات تستهدف تعزيز الشفافية ورفع جاذبية السوق أمام المستثمرين من داخل المملكة وخارجها.

جانب من معرض العقارات السعودية الفاخرة الذي انطلق في العاصمة البريطانية لندن (الشرق الأوسط)

الرياض وجدة... ومكة والمدينة

وحسب المفرج، أظهرت مشاركة الهيئة مستوى مرتفعاً من الاهتمام بنظام تملك غير السعوديين، سواء من جانب المستثمرين أو زوار المعرض والباحثين عن عقارات في المملكة.

ولفت إلى أن الاهتمام لا يتركز على الرياض وجدة فحسب، بل يمتد إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، اللتين تحظيان باهتمام خاص بالنظر إلى مكانتهما الدينية وطبيعة الطلب العقاري فيهما.

وقال: «لمسنا أثراً كبيراً جداً في رفع الوعي من المستثمرين والزوار وحتى الباحثين عن العقارات في المملكة»، مشيراً إلى أن الاستفسارات شملت المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الرياض وجدة، إضافة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية مع سعي السعودية إلى توسيع مساهمة القطاع العقاري في الاقتصاد وتنويع قنوات الاستثمار، بالتزامن مع المشروعات الكبرى والتوسع الحضري والنمو السكاني والاقتصادي الذي تشهده مدن المملكة.

«وجهة للاستثمار العقاري في العالم»

ووصف المفرج مستوى الإقبال على المعرض بأنه مرتفع، مشيراً إلى حضور لافت للمستثمرين ووسائل الإعلام والمؤثرين، وهو ما اعتبره انعكاساً للتحول الذي تشهده صورة السوق العقارية السعودية لدى المستثمرين من الخارج.

وقال إن ما شهده المعرض «يدل فعلياً على أن المملكة العربية السعودية أصبحت وجهة للاستثمار العقاري في العالم»، لافتاً إلى وجود رغبة كبيرة لدى المستثمرين والباحثين عن العقارات، سواء لأغراض الاستثمار أو التملك والسكن.

ويأتي الاهتمام الدولي بالقطاع في مرحلة تشهد فيها السوق العقارية السعودية إعادة تشكيل واسعة لمنظومتها التنظيمية والاستثمارية، مع انتقال التركيز من مجرد توفير الفرص العقارية إلى بناء بيئة أكثر وضوحاً للمستثمر، تبدأ من معرفة المناطق المتاحة للتملك وتمتد إلى الإجراءات والمنصات التي تمر عبرها العملية الاستثمارية.

ويرى المفرج أن توقيت المعرض يتزامن مع هذه التحولات، ما جعله منصة لرفع الوعي بالتنظيمات الجديدة والتواصل المباشر مع المستثمرين، مؤكداً أن الفعالية جاءت «في وقت وزمان مناسب جداً»، وأسهمت في التعريف بنظام التملك في المملكة.

ويعكس الحضور المتزايد للمستثمرين الدوليين تحولاً أوسع في السوق السعودية، إذ لم تعد الفرص العقارية مرتبطة بالطلب المحلي وحده، بل باتت المملكة تسعى إلى تقديم قطاعها العقاري بوصفه إحدى قنوات جذب الاستثمار الدولي، مستفيدة من الإصلاحات التنظيمية والمشروعات الكبرى والتحولات التي تشهدها المدن السعودية في إطار مستهدفات «رؤية السعودية 2030».


الصين تراهن على «الروبوتات البشرية» قبل نضج السوق

روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)
روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)
TT

الصين تراهن على «الروبوتات البشرية» قبل نضج السوق

روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)
روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)

تراهن الصين على أن الروبوتات البشرية ستكون واحدة من الصناعات التي تعيد تشكيل اقتصادها وسوق العمل خلال العقد المقبل، لكن الواقع الحالي يكشف فجوة كبيرة بين الطموح والقدرة الفعلية لهذه الآلات على العمل بكفاءة خارج العروض الاستعراضية والمهام البسيطة؛ ففي مراكز التدريب الصينية، يجري إنفاق ملايين الدولارات على تعليم الروبوتات كيفية فرز الصناديق وتعبئة المنتجات وإعداد القهوة، لكن الأداء لا يزال بطيئاً ومحدوداً.

وفي أحد مراكز التدريب بمدينة ليوتشو، يمكن للمدرب المبتدئ أن يحتاج إلى مئات المحاولات للحصول على حركة واحدة قابلة للاستخدام، بينما لا تزال الروبوتات عاجزة عن التكيف بسهولة عندما تتغير الإضاءة أو زاوية الرؤية أو الأدوات أو بيئة العمل. وهنا تظهر المشكلة الأساسية؛ وهي أن الصين تمتلك بعضاً من أفضل سلاسل توريد الروبوتات في العالم، لكنها لم تحل بعد معضلة «العقل» الذي يجعل هذه الآلات قادرة على التصرف بمرونة مثل الإنسان، بحسب تقرير لـ«رويترز».

وقال تانغ وينبين، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «يوانلي لينغجي»، إن «معدل ذكاء هذه الروبوتات منخفض للغاية»، مضيفاً أن كثيراً مما يظهر في العروض العامة ليس سوى «رقص مقنع بالعمل».

• صناعة تسبق طلبها

يبلغ عدد شركات الروبوتات البشرية في الصين أكثر من 150 شركة، وهو رقم يتجاوز عدد العلامات التجارية الصينية للسيارات الكهربائية. وفي العام الماضي، شحنت الصناعة نحو 20 ألف روبوت بشري عالمياً، استحوذت الشركات الصينية على 95 في المائة منها، وفق تقديرات «بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش».

وتتوقع الصين إنتاج أكثر من 100 ألف روبوت بشري هذا العام، بينما يتوقع «بنك أوف أميركا» أن تصل الشحنات العالمية السنوية إلى 1.2 مليون وحدة بحلول 2030.

لكن هذه الأرقام تخفي سؤالاً اقتصادياً أكثر حساسية: «من يشتري هذه الروبوتات اليوم، ولماذا؟». وحتى الآن، يعتمد جانب كبير من الطلب على المشتريات الحكومية والدعم، وليس على الشركات التي توصلت إلى جدوى اقتصادية واضحة من استخدامها.

وأظهرت بيانات المشتريات العامة أن الحكومات الوطنية والإقليمية والمحلية أنفقت ما لا يقل عن 230 مليون دولار على الروبوتات البشرية والمعدات المرتبطة بها خلال النصف الأول من العام، مقارنة بـ62 مليون دولار قبل عام، و6 ملايين دولار فقط في الفترة نفسها من 2024.

كما تخطط «ستيت غريد» لإنفاق نحو مليار دولار على روبوتات بشرية وكلاب آلية وأنظمة ثنائية الذراع لصيانة الشبكات وفحص المحطات، فيما تستهدف شنتشن إنشاء مجمع صناعي للروبوتات بقيمة 15 مليار دولار يضم أكثر من 1200 شركة بحلول العام المقبل.

• تكرار نموذج

السيارات الكهربائية الاستراتيجية الصينية مألوفة؛ فقد استخدمت بكين نهجاً مشابهاً في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية، من دعم قطاع استراتيجي، وزيادة الطاقة الإنتاجية سريعاً، وإشعال منافسة محلية قوية، ثم دفع الأسعار إلى الانخفاض حتى تظهر مجموعة محدودة من الشركات القادرة على المنافسة عالمياً.

لكن الاختلاف هذه المرة أن السيارات الكهربائية والألواح الشمسية كانت تقنيات أكثر نضجاً عندما بدأت الصين توسعها الكبير، بينما لا تزال الروبوتات البشرية في مرحلة مبكرة، وتعاني من مشكلات في الموثوقية والذكاء والمهارة والتكلفة. ولهذا تعتبر ليزي لي، الباحثة في الاقتصاد الصيني بـ«معهد سياسات جمعية آسيا»، أن الهدر ليس مجرد نتيجة جانبية للنموذج الصناعي الصيني، بل جزء من آلية اكتشاف الشركات الأقوى... إلا أنها حذرت من أن فائض الطاقة الإنتاجية «سهل الإنشاء وصعب التفكيك».

وقد تبدأ عملية دمج واسعة في القطاع بدءاً من أواخر 2026 أو 2027، عندما يقل الدعم وتتجه السلطات إلى تركيز مواردها على اللاعبين الأكثر قدرة على البقاء.

• أين الجدوى الاقتصادية؟

في المصانع، تظل الروبوتات الصناعية التقليدية أكثر كفاءة في كثير من المهام؛ فهي أسرع وأسهل في البرمجة وأكثر موثوقية من الروبوتات البشرية، خصوصاً في خطوط الإنتاج المتكررة. وفي مصنع «شاومي» للسيارات الكهربائية في بكين، تتم أتمتة نحو 91 في المائة من عمليات التجميع، باستخدام مئات الروبوتات الصناعية التقليدية. كما تقول «جيلي» إن الأذرع الروبوتية والمركبات الآلية لا تزال تتولى المهام الرئيسية في خطوط الإنتاج، رغم اختبارها روبوتات بشرية في مهام فرز المواد ونقل الصناديق.

ويرى محللون أن الاستخدام الأقرب للجدوى في الأجل القصير سيكون في المهام الخطرة والمتكررة والمنظمة، وليس في الأعمال العامة التي تحتاج إلى حدس بشري. ويظهر بعض التطبيقات التجارية المبكرة في الصيدليات، حيث تستخدم شركة «غالْبوت» روبوتات لاختيار المنتجات من الأرفف وتجهيز الطلبات. وتقول الشركة إن معدل نجاحها يتجاوز 95 في المائة، لكن هذه التطبيقات تظل محدودة ومصممة لمهام متكررة في بيئات شبه منظمة.

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في بناء جسم الروبوت، بل في تدريبه؛ فالروبوت البشري يحتاج إلى ما يسمى نماذج «الرؤية - اللغة - الحركة»، التي يجب أن ترى العالم وتفهمه، ثم تحول ذلك إلى حركة دقيقة. وهذه النماذج أصعب بكثير من النماذج اللغوية التي تشغل روبوتات المحادثة. وبحسب تقديرات قطاعية، لا يتوفر حالياً سوى نحو 500 ألف ساعة من بيانات التدريب عالية الجودة، بينما قد تحتاج الصناعة إلى نحو 100 مليون ساعة للوصول إلى مستوى حقيقي من الذكاء الفيزيائي. وهذا يفسر اندفاع الصين إلى بناء قواعد ضخمة من الروبوتات ومراكز التدريب؛ فكل روبوت إضافي يعني مزيداً من البيانات التي يمكن استخدامها لتحسين النماذج.

• فقاعة أم استثمار استراتيجي؟

الأسواق المالية دخلت أيضاً في موجة الحماس، فقد قفز سهم «يونيتري» بأكثر من 5 أضعاف في أول يوم تداول في شنغهاي هذا الشهر، قبل أن يتراجع لاحقاً، ما أثار مخاوف بشأن تضخم التقييمات. ويرى بعض المؤسسين والمستثمرين أن القطاع يشبه «فقاعة»، لكنهم في الوقت نفسه لا يستبعدون أن يخرج منها عدد محدود من الشركات الصينية القوية، كما حدث في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية. وتتراجع الأسعار بالفعل بسرعة؛ إذ تتوقع «مورغان ستانلي» انخفاض متوسط سعر الروبوت البشري بنحو 15 في المائة هذا العام، بينما هبطت أسعار تأجير روبوتات العروض الراقصة إلى ما بين 440 و600 دولار يومياً مقارنة بنحو 1500 دولار سابقاً. ومع ذلك، قد تستفيد الصين حتى من الانهيارات المستقبلية في السوق؛ فإذا فشلت شركات عديدة، فستبقى سلاسل التوريد والمكونات وخبرات التصنيع داخل البلاد، ما قد يمنح الشركات الناجية ميزة يصعب على المنافسين الأجانب مجاراتها.

ولهذا فإن رهان الصين على الروبوتات البشرية لا يبدو رهاناً على ربح سريع، بل على السيطرة المبكرة على سلسلة توريد قد تصبح استراتيجية في المستقبل. لكن السؤال يبقى مفتوحاً: «هل تستطيع الصين تحويل هذا التفوق الصناعي إلى روبوتات قادرة فعلاً على العمل بكفاءة؟ أم أن وفرة رأس المال والمصانع ستسبق الذكاء والطلب لسنوات؟». وحتى الآن، توحي التجربة بأن الروبوتات البشرية ليست جاهزة لأخذ وظائف البشر على نطاق واسع. لكنها قد تصبح، خلال السنوات القليلة المقبلة، أكثر قدرة على تولي المهام المتكررة والخطرة، وهو ما يجعل المرحلة الحالية أقل شبهاً بثورة مكتملة، وأكثر شبهاً بسباق مكلف لاكتشاف من سيظل واقفاً عندما تنحسر موجة الدعم والحماس.