مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»

الكوارث الإنشائية في تركيا وسوريا تفتح ملف إعادة النظر في تشريعات التشييد العمراني بالمنطقة العربية

مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»
TT

مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»

مطالب بتشديدات حكومية لفرض كود بناء «زلزالي»

فتح زلزال تركيا وسوريا، الذي ضرب المنطقة خلال فبراير (شباط) الحالي، وخلّفَ نحو 44 ألف قتيل، ملف إعادة النظر في قطاع التشييد وإنشاءات المباني بالمنطقة، ومدى متانة المباني وقدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية كالزلازل والهزات الأرضية، وكذلك متابعة السلطات التشريعية للمقاولين والتزامهم بمتطلبات السلامة العامة وأكواد البناء والاشتراطات الهندسية، بالإضافة إلى مدى جاهزية البنية التحتية المقاومة للكوارث الطبيعية في المدن الكبرى والمزدحمة.
وأكد مختصون لـ«الشرق الأوسط» على وجوب تشدد الدول والسلطات التشريعية في قطاع الإنشاءات، وعدم التهاون في الالتزام بأكواد التصميم الزلزالي، والتخطيط الجيد والمستمر لإدارة مخاطر الزلازل، وتطوير أكواد التصميم الإنشائي، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال، وإنتاج خرائط الخطورة الزلزالية الضرورية وتقييمها بشكل دوري، بالإضافة إلى تحديث تشريعات البناء وتوافقها مع التغيرات والظواهر المناخية.
- ضبط قطاع الإنشاءات
قال الدكتور أنيس الشطناوي، عضو نقابة المهندسين، أستاذ الهندسة الإنشائية وهندسة الزلازل في الجامعة الأردنية، إن من واجب الدولة والسلطات المعنية من أجل الحفاظ على أرواح البشر وعلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، الذي قد يتعرض لضرر واختلال كبير جراء الزلازل، التشدد في قطاع الإنشاءات لأقصى حد ممكن، وعدم التهاون، لضمان تلافي أي قصور في التشييد أو حدوث أي اختلالات في مراحل الإنشاء، مشيراً إلى أن معظم المباني القديمة في الدول العربية أنشئت قبل ظهور أكواد التصميم الزلزالي، ولم تأخذ في الاعتبار مقاومة أفعال الزلازل، بالإضافة إلى تقادم بنائها القائم وتأثره بالعوامل البيئية المؤثرة سلباً على خصائص مواد البناء من تآكل وضعف في الخرسانة القديمة، وصدأ لفولاذ التسليح، وعدم تشييدها باختيار النظام الإنشائي الملائم لمقاومة الزلازل، وعدم توفر جدران القص المقاومة للقوى الجانبية الناتجة عن حركة الأرض.
ودعا الدكتور الشطناوي السلطات التشريعية إلى التخطيط الجيد والمستمر لإدارة مخاطر الزلازل، وتطوير أكواد التصميم الإنشائي، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال، من خلال إنتاج خرائط الخطورة الزلزالية الضرورية، وتقييمها بشكل دوري، وإنتاج تصاميم هندسية مناسبة، يتبعها تدقيق مستقل للتحقق من سلامة وأمان التصميم، ووضع مواصفات قياسية مناسبة لمواد الإنشاء وفحصها، وتطبيق معايير ومنهجيات دقيقة للتنفيذ من قبل المقاولين المؤهلين والمصنفين، مع وجود نظام إشراف هندسي مستمر على كل مرحلة من مراحل المشروع، يرافقه نظام مراقبة وتفتيش من طرف آخر مستقل، يعنى بضمان جودة ونوعية المواد والنظام الإنشائي ومنهجية التنفيذ.
- تحدي النمو السكاني
أوضح الدكتور الشطناوي أنه منذ نشأة الدول العربية في القرن الماضي وتحدي اضطراد النمو السكاني فيها، لم تكن هنالك معايير ومتطلبات واشتراطات قانونية للتصميم الزلزالي للمنشآت، ولم يكن هنالك اهتمام بخرائط الخطورة الزلزالية، وما يتطلبه الأمر من إجراءات تقييم وتنظيم للمناطق السكنية وحسن توزيعها، لافتاً إلى أنه حتى فترة قريبة من مطلع القرن الحالي، بدأ معظم الدول باستصدار أكواد بناء تعنى بموضوع القوى الزلزالية الناشئة على المباني وتفاصيل التصميم الهندسي المقاوم للزلازل، وتحسين أمور تنظيم البناء، والتخطيط من خلال إدارة المخاطر الزلزالية للمنشآت، والاهتمام بنوعية وجودة المواد والأنظمة الإنشائية المستخدمة لزيادة مقاومة المنشآت الحديثة لقوى الزلازل وقدرتها على الاستجابة للحركة الجانبية.
وبيّن الدكتور الشطناوي أنه مع الاهتمام العلمي بعلوم وهندسة الزلازل، بدأت الدول بالدراسات والأبحاث المتعلقة بحركة الأرض وتأثيراتها على الإنسان، وعلى جميع نشاطاته الأخرى، فوق وتحت الأرض، من منشآت ومبانٍ وسدود، وبنية تحتية من جسور وطرق وسكك حديدية وغيرها، وذلك من خلال تحديد مستويات الخطر الزلزالي للمنشآت عبر 3 عوامل أساسية.
ولفت إلى أن تلك العوامل هي الحد من ضعف المباني، عبر وضع معايير واشتراطات ومتطلبات الحد الأدنى لمقاومة أفعال الزلازل، الذي لا يتأتى إلا عبر أكواد التصميم الزلزالي، للوصول إلى تصميم آمن يؤدي إلى تقوية المنشآت وزيادة مقاومتها والوصول إلى تخفيف أضرار الزلزال، وتحديد مستويات الخطورة الزلزالية للأرض والمناطق، عبر إجراء التقييم اللازم للحركات الأرضية والفوالق والتربة لفهم مستويات الخطورة الزلزالية على سطح الأرض وتصنيفها إلى مناطق أو إحداثيات تبين ذلك المستوى من الخطورة الزلزالية الطبيعية، وإنتاج خرائط الخطورة الزلزالية.
وكذلك التخطيط الجيد لتحديد مواقع الأبنية والمنشآت وتوسع المدن الموجودة أو المدن المستحدثة وتنظيمها بتقليل الاكتظاظات السكنية والسكانية وتحديد المسارات المناسبة للطرق والسكك الحديدية ومواقع السدود وغيرها، بحيث يتم تقليل مستوى التعرض أو الانكشاف لأثر الزلازل، وبالتالي الحد من أضرارها الممكنة.
- الصفيحة التكتونية
ولفت أستاذ الهندسة الإنشائية وهندسة الزلازل الأردني الشطناوي إلى مخاطر الزلازل في المنطقة حيث أفاد أن الدول العربية في غرب آسيا تقع على الصفيحة التكتونية العربية، المجاورة للصفيحة الأفريقية من الغرب، وصفيحة الأناضول الشرقية من الشمال، وصفيحة يورآسيا (الإيرانية) والصفيحة الهندية من الغرب، مضيفاً أن الصفيحة العربية تتحرك باتجاه شمال - غرب، بمعدل 10 إلى 15 مليمتراً سنوياً على حدود فالق البحر الميت، الذي يمتد من بحر العرب عبر منتصف البحر الأحمر، إلى العقبة والبحر الميت، فشمال الأردن عبر لبنان وسوريا، وصولاً إلى جنوب تركيا حيث يلتقي ويصطدم بفالق صفيحة الأناضول الشرقية.
واستطرد: «تتحرك الصفيحة الأفريقية المجاورة باتجاه الشمال تقريباً، بموازاة حركة الصفيحة العربية، لتصطدم مع صفيحة الأناضول الشمالية... وهذه الحركة للصفيحة العربية مع الصفيحة الأفريقية هي من نوع الحركة الانزلاقية الجانبية على التوازي، ما يحفز حدوث الزلازل على امتداد فالق البحر الميت، ويؤدي إلى ابتعاد الصفيحتين إحداهما عن الأخرى نحو 5 مليمترات سنوياً».
وأشار الدكتور الشطناوي إلى أن منطقتنا العربية في آسيا معرضة للزلازل «الضحلة العمق»، وهي من النوع الانزلاقي السطحي الأكثر ضرراً على المباني والمنشآت، ما قد يسبب خسائر بشرية وضرراً كبيراً للمنشآت والاقتصاديات الوطنية للدول وللمواطنين، إذا ما حدث زلزال بمقدار كبير، وما تترتب عليه من آثار اجتماعية سلبية وخيمة.
- الأحمال العمودية
من جانبه، أوضح الدكتور عبد الله العبد الكريم، أستاذ الهندسة الإنشائية في جامعة الملك سعود بالسعودية، أن المباني الخرسانية بشكل عام مصممة لمقاومة الأحمال العمودية كوزن الخرسانة والأسقف، والأحمال الحيّة كالأثاث والأشخاص، ولا تأخذ في الحسبان عادة الأحمال والقوى الجانبية كالزلازل والحركة الأفقية للقشرة الأرضية، مضيفاً: «إننا في منطقة غير مهددة بالزلازل».
وأضاف العبد الكريم أن كود البناء السعودي الذي يلزم المقاولين بالتقيد فيه، يركز على وضع اشتراطات خاصة حول كمية حديد «التسليح» وتوصيل الأعمدة بالقواعد أو بالأسقف وطريقة ربط الزوايا وأبعاد الحديد والزيادة في مقاطع العناصر الخرسانية، بسبب أن نقطة التقاء الأعمدة بالأسقف أو بالقواعد هي أضعف وأخطر نقطة أثناء حدوث الزلزال.
- 4 تقنيات
وأشار الدكتور العبد الكريم إلى وجود 4 تقنيات بناء عامة تستخدم لمقاومة الزلازل والتخفيف منها، وهي استخدام جدران القص الخرسانية المسلحة وتوزيعها من أسفل المبنى حتى أعلاه في الاتجاهين، من أجل جعل حركة المبنى والمفاصل واحدة أثناء الاهتزاز، واستخدام دعامات مائلة بين الأعمدة بشكل هيكلي، بحيث تمتص القوى الأفقية وتحولها للأعمدة، وكذلك استخدام الحديد بشكل مكثف، كما في جميع العناصر الخرسانية، بحيث تساعد على توحيد حركة المبنى، بالإضافة إلى عزل القواعد باستخدام أساسات مرنة لامتصاص القوى الأفقية، وإعطاء حرية أكبر للمبنى للحركة بشكل أفقي أثناء تعرّضه للزلزال.
تكثيف الرقابة
ودعا الدكتور العبد الكريم إلى تكثيف الرقابة والمتابعة لأداء مقاولي البناء ومدى التزامهم بمتطلبات السلامة العامة وبتراخيص وأكواد البناء، مضيفاً: «إن الإهمال الحاصل من قبل بعض المقاولين وانعدام الأمانة عند بعضهم وإخلالهم باشتراطات البناء، وخصوصاً استخدام بعضهم لكثير من الأعمدة (المزروعة) غير الممتدة إلى القواعد، وكذلك البروزات الطويلة، ما يشكل خطراً كبيراً في حال وقوع أي حركة أفقية للمبنى».
- إعادة النظر
من جهته، شدد المستشار الهندسي يزيد العرفج على أهمية إعادة النظر في ملف الإنشاءات والتشييد بالمنطقة، وتحديثه بشكل مستمر، بما يتوافق مع التغيرات والظواهر المناخية في المنطقة، مؤكداً مساهمة ذلك في حماية أرواح البشر، وتقليل الخسائر المادية والمعنوية، والأضرار التي قد تلحق بالمباني والمناطق المتأثرة بالكوارث الطبيعية.
وعرج المهندس العرفج على اهتمام كود البناء السعودي، على سبيل المثال، بمقاومة أحمال الرياح والزلازل وتطبيقه لمعادلات خاصة بذلك، بالإضافة إلى التحديثات المستمرة في الكود، ما سهل على المختصين والمهندسين في تطبيق النمذجة خلال مرحلة تصميم المباني، مضيفاً أن المملكة اهتمت في تشريعات البناء بتحسين معاملات الزلازل والرياح وتوافقها مع الطبيعة المناخية للمملكة، كما ساعد كود البناء السعودي المكاتب الهندسية بتفاصيل إنشائية وتقسيم المباني لدرجات متفاوتة، حسب درجة خطورة المباني، وطبيعة النشاط الزلزالي فيها.
- دور الفساد وإهمال الالتزام بالقوانين المستحدثة
فتح زلزال تركيا باباً واسعاً للحديث عن دور الفساد، إذ أقدمت الحكومة التركية على فتح ملفات فساد كثير من المقاولين والمهندسين المعماريين، وعن الرداءة في إنشاء البنايات والشقق السكنية والغش في جودة مواد البناء المستخدمة فيها، حيث تحركت وزارة العدل التركية، بعد أيام من وقوع الزلزال، ونفذت السلطات حملة اعتقالات طالت أكثر من 100 مقاول في جميع أنحاء المقاطعات العشر المتضررة من الزلزال حيث تطولهم اتهامات بمسؤولية انهيار المباني.
وذكرت وكالة أنباء الأناضول الحكومية أن وزارة العدل التركية أمرت المسؤولين في تلك المقاطعات بإنشاء «وحدات للتحقيق في جرائم الزلزال»، كما أمرت بتعيين مدعين عامين لتوجيه تهم جنائية ضد جميع المقاولين والمسؤولين عن انهيار المباني التي أخفقت في تلبية القوانين الحالية المستحدثة بعد زلزال كارثي مماثل وقع عام 1999.
ووفق ما نقلته الوكالة عن وزير العدل بكر بوزداغ، أخيراً، هناك 245 مشتبهاً به، تم اتخاذ إجراءات بحقهم، مضيفاً أنه «يتم تقييم خطأ كل شخص مسؤول عن البناء والتحكم والاستخدام، بشكل منفصل».
ووضعت تركيا قوانين بناء جديدة بعد زلزال عام 1999، إلا أن السلطات التركية تعتقد أن المقاولين لم يلتزموا في كثير من الأحيان بتلك القوانين والتشريعات التنظيمية، بهدف كسب مزيد من المال، باللجوء لمواد أولية رخيصة من بين أشياء أخرى. وأرجعت السلطات أسباب الدمار الهائل، الذي خلّفه الزلزال، لعوامل عدة. من الأبنية الشاهقة، إلى منح تصاريح بناء في عدة مناطق لم تستوفِ الاشتراطات.


مقالات ذات صلة

«البنك الدولي» يتوقع بلوغ شح المياه أدناه في الشرق الأوسط

الاقتصاد «البنك الدولي» يتوقع بلوغ شح المياه أدناه في الشرق الأوسط

«البنك الدولي» يتوقع بلوغ شح المياه أدناه في الشرق الأوسط

توقع تقرير جديد لـ«البنك الدولي»، أن تواجه الشعوب في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، شحّاً غير مسبوق في المياه، داعياً إلى سلسلة من الإصلاحات بشأن إدارة الموارد تتضمن إصلاحيات مؤسساتية، للتخفيف من حدة الضغوط المائية في المنطقة. وأشار التقرير الذي صدر بعنوان «اقتصاديات شح المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - حلول مؤسساتية»، إلى أنه، بنهاية العقد الحالي، ستنخفض كمية المياه المتاحة للفرد سنوياً عن الحد المطلق لشح المياه، البالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً. ووفق التقديرات الواردة في التقرير، فإنه، بحلول عام 2050، ستكون هناك حاجة إلى 25 مليار متر مكعب إضافية من المياه سنوياً، لتل

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد {النقد الدولي} يحذر الشرق الأوسط من 4 تحديات

{النقد الدولي} يحذر الشرق الأوسط من 4 تحديات

قال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في «صندوق النقد الدولي» جهاد أزعور، إن نمو الناتج المحلي الإجمالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيتباطأ إلى 3.1 في المئة خلال 2023، من 5.3 في المئة خلال العام السابق. وأكد أزعور، في إفادة صحافية، أن النمو في الدول المصدرة للنفط بالمنطقة سيتباطأ إلى 3.1 في المائة أيضاً خلال 2023، من 5.7 في المائة خلال 2022، مع توقعات بأن يكون القطاع غير النفطي المحرك الرئيسي للنمو.

أحمد الغمراوي (القاهرة)
الاقتصاد الضغوطات تحيط بموائد الإفطار في الدول العربية

الضغوطات تحيط بموائد الإفطار في الدول العربية

سجلت حالة الرصد الأولية ضغوطات تواجه موائد الإفطار الرمضانية في المنطقة العربية التي تواجه إشكالية بالغة في توفير السلع خلال شهر رمضان المبارك؛ حيث يرتفع الطلب على مجموعات سلع غذائية يبرز منها القمح واللحوم بأشكالها المختلفة، مقابل قدرة إنفاق محدودة. وساهم ضعف الإصلاحات وتقلبات العملات العربية في تقلص إمكانيات الإنفاق على المائدة العربية، يضيف إليها مسؤول تنمية عربي أن الظروف الحالية للأزمات الأمنية والسياسية في البلدان العربية فاقمت الموقف. - نقص المعروض ووفقا للتقديرات، يسجل شهر رمضان المبارك للعام الحالي تراجعا ملحوظا في الإنفاق من دولة لأخرى في الإقليم العربي مقارنة بمواسم ماضية، خاصة في

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد مخاوف من اتساع تداعيات إفلاس «سيليكون فالي» إلى المنطقة العربية

مخاوف من اتساع تداعيات إفلاس «سيليكون فالي» إلى المنطقة العربية

في وقت زرع فيه الإعلان عن إفلاس بنك سيليكون فالي الأميركي مخاوف في أوساط العملاء والمودعين والشركات التكنولوجية المقترضة والمودعة في البنك على المستوى الاقتصاد الأميركي، ربما يدفع ذلك إلى مزيد من التداعيات بمناطق أوسع في العالم. ولا تبدو المنطقة العربية بمنأى عن التداعيات، إذ أفصحت بنوك في الكويت عن انكشافات ضئيلة على إفلاس البنك الأميركي، إلا أن هناك تحرزاً من الإعلان في بقع كثيرة من قطاعات البنوك والمصارف ومؤسسات الاستثمار في العالم العربي. - اتساع الرقعة وتوقع مختصون، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، اتساع رقعة تداعيات إفلاس البنك الأميركي وتأثيرها على بيئة الأعمال والقطاع المصرفي على مستوى العال

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد صورة إعلان لسيارة «نيو» المغربية المرتقبة قريباً في الأسواق (متداولة)

«نيو»... سيارة مغربية الصنع ستبصر النور قريباً

أثار إعلان وزير الصناعة والتجارة المغربي رياض مزور مؤخراً عن مشروع إنشاء مصنع سيارات مغربي بحت، تساؤلات بين الفاعلين في القطاع. تم تداول هذا الموضوع في الصحافة المغربية في نهاية عام 2022، ومن المفترض أن ترى العلامة التجارية الأولى للسيارة «المغربية» النور قريباً. وفقاً لتقرير أعدته مجلّة «جون أفريك» (أفريقيا الشابة)، ونشرته أمس (الثلاثاء)، كان وزير الصناعة والتجارة المغربي، قد أعلن في بيان أدلى به لموقع «الشرق بلومبرغ»، أنه من المقرر توقيع اتفاقية استثمار في يناير (كانون الثاني) (الفائت) لإنشاء مصنع إنتاج لهذه العلامة التجارية المحلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

صافي أصول مصر الأجنبية يرتفع لمستوى قياسي عند 29.5 مليار دولار في يناير

بنايات على نيل القاهرة التي جذبت أعداداً كبيرة من السياحة خلال العام الماضي (تصوير: عبد الفتاح فرج)
بنايات على نيل القاهرة التي جذبت أعداداً كبيرة من السياحة خلال العام الماضي (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

صافي أصول مصر الأجنبية يرتفع لمستوى قياسي عند 29.5 مليار دولار في يناير

بنايات على نيل القاهرة التي جذبت أعداداً كبيرة من السياحة خلال العام الماضي (تصوير: عبد الفتاح فرج)
بنايات على نيل القاهرة التي جذبت أعداداً كبيرة من السياحة خلال العام الماضي (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أظهرت بيانات البنك المركزي المصري، الاثنين، أن صافي أصول مصر الأجنبية ارتفع 4.02 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) ليصل إلى مستوى قياسي عند 29.54 مليار دولار، بدعم من تدفقات الدولار بفضل الاستثمارات الخليجية وتحويلات العاملين في الخارج القوية وقطاع السياحة.

وارتفعت تحويلات العاملين في الخارج إلى مستوى قياسي بلغ أربعة مليارات دولار في ديسمبر (كانون الأول)، ليصل مجموعها في 2025 إلى 41.5 مليار، ارتفاعاً من 29.6 مليار في 2024.

وأظهرت بيانات البنك المركزي أن الأصول الأجنبية للبنوك التجارية قفزت بنحو 1.67 مليار دولار، في حين لم تشهد أصول البنك المركزي تغييراً تقريباً. وانخفض صافي الالتزامات الأجنبية لدى كل من البنوك التجارية والبنك المركزي.

وكان صافي الأصول الأجنبية في مصر، الذي يشمل الأصول لدى البنك المركزي والبنوك التجارية، قد تحول إلى السالب في فبراير (شباط) 2022 بعدما تدخل البنك المركزي لدعم العملة في مواجهة الدولار. ولم يعد إلى المنطقة الإيجابية إلا في مايو (أيار) 2024 عقب خفض حاد لقيمة العملة في مارس (آذار) 2024.


ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا 50 % بعد وقف قطر للإنتاج

ارتفع الغاز في أوروبا بأكثر من 48 % ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة بعد إعلان قطر توقفها عن الإنتاج (قطر للطاقة)
ارتفع الغاز في أوروبا بأكثر من 48 % ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة بعد إعلان قطر توقفها عن الإنتاج (قطر للطاقة)
TT

ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا 50 % بعد وقف قطر للإنتاج

ارتفع الغاز في أوروبا بأكثر من 48 % ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة بعد إعلان قطر توقفها عن الإنتاج (قطر للطاقة)
ارتفع الغاز في أوروبا بأكثر من 48 % ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة بعد إعلان قطر توقفها عن الإنتاج (قطر للطاقة)

ارتفع سعر الغاز في أوروبا بأكثر من 50 في المائة، خلال تعاملات النصف الثاني من جلسة يوم الاثنين، بعد أن أعلنت شركة قطر للطاقة تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال في أعقاب هجوم إيراني على مرافقها الإنتاجية.

وقرابة الساعة 12:55 بتوقيت غرينتش، ارتفع عقد «تي تي إف» الآجل، وهو يمثل المرجع الأوروبي، بأكثر من 48 في المائة ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة، وهذا أعلى مستوى له منذ فبراير (شباط) 2025 عندما بلغ 47.70 يورو للميغاواط/ساعة.

لكن هذا السعر لا يزال أقل بكثير من المستويات التي بلغها عام 2022 مع بداية الحرب في أوكرانيا، عندما تجاوز 300 يورو.


«شريان هرمز» تحت الحصار... صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة العالمية

أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«شريان هرمز» تحت الحصار... صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة العالمية

أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تعيش أسواق الطاقة حالة من الاستنفار القصوى في أعقاب التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط. فقد أدى اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى شل حركة الملاحة فعلياً في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يضخ أكثر من 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية، مما أثار مخاوف من «صدمة إمدادات».

يُعدُّ مدى سرعة عودة حركة ناقلات النفط إلى وضعها الطبيعي في مضيق هرمز أمراً بالغ الأهمية لأسواق الطاقة، إذ ينقل هذا المضيق خُمس إنتاج النفط العالمي ونسبة مماثلة من الغاز الطبيعي المسال. وتشير تقديرات «جي بي مورغان» إلى أن توقف حركة الناقلات لمدة 25 يوماً سيؤدي إلى امتلاء خزانات التخزين لدى الدول المنتجة، مما سيجبرها على خفض الإنتاج.

وشهد يوم الاثنين قفزات سعرية حادة في أول جلسة تداول منذ شن الهجوم يوم السبت، ارتفع سعر خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة تصل إلى 13 في المائة ليتجاوز 82 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

وفي الوقت ذاته، أعلنت شركات التأمين عن إلغاء بعض وثائق التأمين لتغطية السفن في المنطقة. بينما أعلنت وكالة «إس آند بي غلوبال بلاتس»، المتخصصة في تقارير أسعار النفط، تعليق عروض الشراء والبيع لتقييمات أسعار المنتجات المكررة في الشرق الأوسط التي تعبر مضيق هرمز؛ بسبب اضطرابات الشحن الناجمة عن النزاع الأميركي الإيراني. وأضافت الوكالة، التي تُعدّ من أكبر مزوِّدي معلومات الأسعار والمعاملات في أسواق النفط والوقود، أنها تُجري مراجعةً لآلية تسعير النفط الخام بالشرق الأوسط.

وعلى صعيد التوقعات، حذَّر محللو «سيتي غروب» من استقرار الأسعار في نطاق 80-90 دولاراً، بينما رفع «مورغان ستانلي» توقعاته للربع الثاني إلى 80 دولاراً للبرميل. وفي حال استمر إغلاق المضيق، حذَّرت «وود ماكنزي» من أن الطاقة الإنتاجية الفائضة لـ«أوبك بلس» ستصبح غير متاحة، مما قد يدفع الأسعار لتجاوز 100 دولار للبرميل.

أزمة الغاز

لم تتوقف الأزمة عند النفط، بل انتقلت إلى الغاز الطبيعي، حيث سادت حالة من الذعر في الأسواق الأوروبية مع قفزة تجاوزت 30 في المائة في أسعار الغاز، عقب إعلان «قطر للطاقة» تعليق عمليات الإنتاج والتصدير. وأكَّدت وزارة الدفاع القطرية أن طائرة مسيَّرة إيرانية استهدفت منشأة معالجة الغاز البرية في مدينة «رأس لفان» الصناعية، مما أدى إلى توقف العمليات.

منشأة لتخزين الغاز في قطر ⁠(قطر للطاقة)

وتُعد هذه الضربة قوية لأوروبا التي تعتمد على قطر كبديل استراتيجي للغاز الروسي. وأشار أولي هفالباي، محلل السلع في بنك «إس إي بي»، إلى أن اضطراب تدفقات هرمز -التي تمر عبرها 20 في المائة من إمدادات الغاز المسال عالمياً - سيؤدي إلى تنافس شرس بين المشترين الآسيويين والأوروبيين على شحنات الغاز الأميركية، مما سيؤدي لارتفاع الأسعار بشكل حاد في حوض الأطلسي.

وتتوقف بوصلة الأسعار على مدى استمرار هذه الحرب. ويرى محللون أن السيناريو الأساسي يعتمد على تطورات المشهد السياسي في طهران؛ حيث يأمل المجتمع الدولي في تغيير جوهري في القيادة أو تدخل دبلوماسي أميركي لخفض التصعيد خلال أسبوع إلى أسبوعين. ومع ذلك، فإن بقاء الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة يهدد بإشعال موجة تضخمية عالمية تضع البنوك المركزية في مأزق تاريخي بين مكافحة التضخم ودعم النمو.

الشمس تغرب خلف مضخة نفط بحقول النفط الصحراوية في الصخير - البحرين (أ.ب)

آسيا الأكثر انكشافاً

وفي السياق نفسه، تجد القارة الآسيوية، التي تعد «محرك النمو العالمي»، نفسها اليوم في قلب العاصفة؛ فهي الطرف الأكثر انكشافاً على تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، نظراً لكونها المعتمد الأول والأكبر على إمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج. إن ما يحدث ليس مجرد اضطراب تجاري، بل هو تهديد مباشر لـ«الأمن القومي للطاقة» في عواصم القارة.

وتعتمد دول مثل اليابان، كوريا الجنوبية، والهند بشكل شبه كلي على ممرات الشحن في الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها الأساسية. ففي اليابان، يمر حوالي 70 في المائة من النفط المستورد عبر مضيق هرمز، مما يجعلها «رهينة» لأي توتر جيوسياسي في هذا الممر. أما الصين، رغم تنوع مصادرها، فإنها تظل المشتري الأكبر للنفط الإيراني والغاز المسال القطري، مما يجعل من أمن هذه التدفقات مسألة حياة أو موت لصناعاتها الكبرى.

ولهذا الغرض، تسارع الحكومات الآسيوية حالياً إلى تقييم مخزوناتها الاستراتيجية. فبينما تمتلك اليابان مخزونات تكفي لقرابة 250 يوماً، وتتمتع كوريا الجنوبية بوضع مشابه بفضل احتياطيات القطاعين العام والخاص، غير أن هذه الأرقام تخفي وراءها «قلقاً استراتيجياً». فالمخزونات ليست أداة لتعويض الإنتاج على المدى الطويل، بل هي «صمام أمان» لمواجهة صدمات قصيرة الأجل. وفي حال تحول الصراع إلى «حرب استنزاف» طويلة الأمد، ستجد هذه الدول نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما استنزاف مخزوناتها التي قد لا تعوض بالسرعة الكافية، أو الرضوخ لأسعار السوق الفورية المشتعلة.

ومع تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر، بدأت آسيا تدخل في منافسة شرسة مع أوروبا على شحنات الغاز الأميركية والأسترالية. هذا التهافت على المصادر البديلة يؤدي إلى تضييق الخناق على المعروض العالمي، وهو ما يرفع الفواتير الطاقوية للأسواق الناشئة في آسيا بشكل جنوني. وبالنسبة للهند وبعض دول جنوب شرق آسيا، يعني ارتفاع الأسعار زيادة فورية في فاتورة الاستيراد، مما يضع ضغوطاً هائلة على موازين المدفوعات ويؤدي إلى تضخم مستورد قد ينهي طموحات النمو الاقتصادي للعام الحالي.

ولا تتوقف الأزمة عند النفط الخام؛ فالمصافي الآسيوية - التي تُعد الأضخم في العالم - تعتمد في عملياتها على خامات الشرق الأوسط الثقيلة والمتوسطة. ومن شأن تعطل تدفق هذه الخامات أن يدفع المصافي الآسيوية إلى خفض معدلات التكرير، مما سيؤدي إلى نقص حاد في الوقود المكرر (الديزل، والبنزين، ووقود الطائرات) داخل القارة نفسها، وهو ما يضرب قطاع النقل والخدمات اللوجيستية.