بوتين «معزول» عالمياً وأمام «طريق مسدود» ... وروسيا خسرت أوكرانيا «إلى الأبد»

«الشرق الأوسط» تحاور 5 مراكز بحثية أميركية كبرى حول انعكاسات {الغزو على النظام الدولي}

أحد جسور كييف دمر في القصف الروسي (إ.ب.أ)
أحد جسور كييف دمر في القصف الروسي (إ.ب.أ)
TT

بوتين «معزول» عالمياً وأمام «طريق مسدود» ... وروسيا خسرت أوكرانيا «إلى الأبد»

أحد جسور كييف دمر في القصف الروسي (إ.ب.أ)
أحد جسور كييف دمر في القصف الروسي (إ.ب.أ)

يعتقد الباحثون الأميركيون الجادون في الشؤون الروسية والأوراسية أنه بمضي سنة كاملة على «العملية العسكرية الخاصة» التي أعلنها الرئيس فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، تبين أنه أخفق بما لا يدع مجالاً للشك في تحقيق أهدافه الرئيسية المعلنة، ومنها إزالة أوكرانيا كدولة قائمة بذاتها، بعد منعها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والناتو، ووضعها ضمن فلك النفوذ الروسي. على العكس، تبدو أوكرانيا اليوم «مصرة» على دخول الاتحاد الأوروبي، ويظهر الناتو أنه «صار في وضع يمكن أن يرحب بها»، بعدما أرغمت الحرب كلاً من السويد وفنلندا على «الارتماء في أحضان» التحالف الغربي العسكري القوي. أسقطت هذه الحرب نموذج «الحياد الفنلندي» الذي نشأ بعد عقود من الحروب والاضطرابات مع دول الجوار، ولا سيما مع الاتحاد السوفياتي.
سعياً وراء أجوبة من الولايات المتحدة، باعتبارها الجانب الأقوى في المعادلة الدولية التي لم ترتسم نهايتها بعد سنة كاملة من غزو روسيا لأوكرانيا، وجهت «الشرق الأوسط» أسئلة لخمسة من مراكز الأبحاث والدراسات الأميركية الكبرى، التي تعد جزءاً رئيسياً من عمليات صنع القرار في واشنطن. وشملت الأسئلة الزميل الرفيع لدى مجلس العلاقات الخارجية أستاذ العلاقات الدولية لدى جامعة جورجتاون البروفسور تشارلز كوبتشان، والباحث الدفاعي الدولي لدى مؤسسة «راند» كلينت ريتش، والزميل الرفيع لدى «معهد دراسات الحرب الأميركي» اللفتنانت جنرال المتقاعد الدكتور جيمس دوبيك، ورئيس «معهد الشرق الأوسط البحثي» في واشنطن البروفسور بول سالم، ومدير مركز التحليل السياسي العسكري لدى «معهد هادسون للدراسات» ريتشارد وايتز.

تشارلز كوبتشان

«طريق مسدود»
ورداً على سؤال عما إذا كان يوافق على تقييم صدر في بعض المنشورات الأميركية الوازنة ويخلص إلى أن «روسيا خسرت الحرب في أوكرانيا»، يجيب تشارلز كوبتشان بأنه «من نواحٍ مهمة، عانت روسيا بالفعل هزيمة استراتيجية مروعة»؛ إذ إنها «أخفقت في مساعيها من أجل إخضاع أوكرانيا وسحبها مرة أخرى إلى دائرة النفوذ الروسي»، وأضاف أن «الغزو بما سببه من موت ودمار أدى إلى عزل الغالبية العظمى من الأوكرانيين وإغضابهم بشكل لا رجعة فيه»، خالصاً إلى أن «روسيا خسرت أوكرانيا إلى الأبد».
لا يذهب بول سالم إلى هذا الحد في قراءته، مع أن روسيا «خسرت الكثير من الأشياء»، لكنها «لم تخسر الحرب بالمعنى التقني»، موضحاً أن هزيمة جيش ما تؤدي «إما إلى التراجع وإما إلى الاستسلام». ويضيف أن الروس «بالتأكيد لم ينتصروا، بل اضطروا إلى التراجع عن مناطق عديدة كانوا سيطروا عليها في المرحلة الأولى»، مستدركاً أنه «ينبغي عدم استثناء إمكانية أن يربحوا لاحقاً»؛ لأن «لديهم العمق والقدرات والإرادة»، علماً بأن الوضع الميداني الراهن وصل عسكرياً إلى «طريق مسدود». ومع ذلك، يرى أنه «من الناحية المعنوية، هذه هزيمة للروس؛ لأن الذي كان مرتقباً من دولة كبيرة وعظمى مثل روسيا هو أن تربح بسهولة دولة أصغر وأضعف مثل أوكرانيا».
ويقول الباحث الدفاعي كلينت ريتش، الذي عمل سنوات عديدة في البحرية الأميركية، إنه «من السابق لأوانه القول إن روسيا خسرت الحرب. فالحرب لا تزال مستمرة، ولدى روسيا قدرة احتياطية كبيرة يمكن أن تضعها في القتال بمرور الوقت. وينطبق الشيء نفسه على أوكرانيا وداعميها الغربيين».

ريتشارد وايتز

لا استعجال
يتفق معه في ذلك ريتشارد وايتز الذي يعتقد أنه «من السابق لأوانه» القول إن روسيا انهزمت، مشيراً إلى «وضع جديد الآن»؛ لأن روسيا «تحشد مئات الآلاف من القوات» على الجبهات. ويفترض أن موسكو «تعلمت درس السنة الأولى» حين لم تجرِ الأمور وفق الخطط والعمليات العسكرية التي وضعها قادة الجيش الروسي، مذكراً بأن «أمراً كهذا حصل من قبل» حين غزا الاتحاد السوفياتي فنلندا بين عامي 1939 و1940، معتقداً أنه «سيحقق انتصاراً سهلاً على فنلندا الصغيرة». لكن الفنلنديين أعاقوا القوات السوفياتية الغازية، مما أدى إلى «صدمة قادت إلى تطوير الجيش السوفياتي، وإلى إجراء إصلاحات». وإذ يذكر بأن ذلك قاد إلى «عمل أفضل بكثير ضد ألمانيا النازية»، لم يستبعد حصول ذلك مع القوات الجديدة التي تحشدها روسيا، مستفيدة من «معلومات إضافية وأفكار اكتسبوها حول الغرب، ومن خلال التدريب والتعرف على أخطائهم».
يرى كوبتشان أن روسيا «تسعى الآن إلى الحصول على جائزة ترضية من خلال الاستيلاء على جزء من الأراضي الأوكرانية الممتدة من دونباس إلى شبه جزيرة القرم»، معتبراً أنه «بعد هجومها الفاشل على كييف العام الماضي، شرعت في ضم 4 مقاطعات من البلاد»، هي: لوغانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، بالإضافة إلى القرم، علماً بأن «موسكو لا تملك حتى الآن سيطرة كاملة على الأراضي التي تطالب بها»، بل «فقدت مساحة كبيرة من الأرض التي احتلتها في بداية الغزو». ويؤكد أنه «حتى إذا انتهت هذه الحرب بسيطرة روسيا على جزء من الأراضي الأوكرانية، فإن هذه الحرب ستدرج في التاريخ باعتبارها نكسة تاريخية لروسيا»، ليس فقط لأنها مسؤولة عن الخسائر الفادحة في الأرواح بين طرفي النزاع، بل أيضاً لأن الرئيس بوتين فرض على بلاده «عقوبات اقتصادية شديدة وعزلة دبلوماسية شديدة»، مما دفع بالكثيرين من المواطنين الروس إلى الشوارع لمعارضة الغزو، أو إلى الفرار من وطنهم. وكذلك تسببت الحرب في اضطراب اقتصادي ونقص في الغذاء وارتفاع التضخم على نطاق عالمي.

تجنب التصعيد
وعن التصورات الأميركية لكيفية نهاية هذه الحرب، يربط بول سالم الأمر بإرادة كل من الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين وفلوديمير زيلينسكي، قائلاً إنه «على غرار كل الحروب، ستصل الأمور يوماً ما إلى وساطات وطاولات تفاوض، وبالتالي تتحول الأسئلة إلى الشروط التفاوضية لإنهاء الحرب»، ومنها جغرافياً مثلاً: «هل يقبل الأوكرانيون بأن يبقى الروس في شبه جزيرة القرم؟». ويلاحظ أن الأوكرانيين «يصرون على أنهم يريدون كل شبر من أوكرانيا»، علماً بأن المسؤولين في الولايات المتحدة والدول الأوروبية «يسعون إلى حل وسط ومقبول؛ لئلا نوصل بوتين وروسيا إلى تصعيد أكبر، ولئلا يشعر بوتين بأنه محشور ويهدد مجدداً بالسلاح النووي». ويلفت إلى وجود «خلاف» بين أوكرانيا وحلفائها حول هذه القضايا، معتبراً أن «نقاشاً سيحصل حول الوجود الميداني» لروسيا في أوكرانيا، على الرغم من أن «الموقف الأوكراني يفيد بأنه يجب على الروس أن ينسحبوا من كل الأراضي الأوكرانية»، مقابل «موقف روسي يشدد على البقاء في القرم والمقاطعات الأخرى التي ضمت إلى الأراضي الروسية».
لا يبدو وايتز مستعجلاً أي استنتاج في الوقت الراهن. يرى أن كل الخيارات متاحة أمام الرئيس بوتين، وهي تقنياً أنه «أولاً، يمكنه بشكل أساسي الاستسلام، وإعادة قواته إلى حيث كانت في بداية العام الماضي. وثانياً، يمكنه أن يحاول التفاوض مع الحكومة الأوكرانية من خلال تقديم بعض التنازلات. وثالثاً، يمكنه أن يوسع الحرب لتشمل دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تدعم أوكرانيا»، مرجحاً أن «يواصل بوتين القيام بما يفعله الآن، أي فقط تعبئة القوات والحفاظ على استمرار القتال» لعل ذلك يؤدي إلى «ما رأيناه مع الغرب في أفغانستان وسوريا. يأمل في أن يتخلى الغرب في النهاية (عن أوكرانيا) أو يفقد الاهتمام بها».

بول سالم

توسيع الحرب
بطبيعة الحال، يبدو الخيار الثالث المتعلق بتوسيع نطاق الحرب من أصعب الخيارات وأكثرها مرارة، بما في ذلك بالنسبة إلى الجنرالات. يؤكد اللفتنانت جنرال المتقاعد الدكتور جيمس دوبيك أن هذا الخيار «ينطوي على خطرين كبيرين: توسيع نطاق الحرب التقليدية إلى البلدان المجاورة لأوكرانيا، وتصعيد الحرب إلى المستوى النووي»، معتبراً أن الروس «لجأوا إلى القوة الغاشمة لأنهم يبدون غير قادرين على القيام بأي شيء آخر». وهذا ما «يقلل من إمكانية توسيع الحرب التقليدية، ولكنه يزيد المخاطر النووية». ويؤكد أن الولايات المتحدة «لا تريد أن تكون سبب حرب أوسع في أوروبا». ويرى أن التحدي الذي يواجهه المسؤولون الأميركيون «هو إنهاء الحرب، وليس جعلها أكبر، وهذا لا يعترف بالحلول والخيارات البيضاء والسوداء».

خيارات ضيقة
غير أن سالم يرى أنه خلال سنة من الحرب «حصل عكس ما كان يريده بوتين» الذي «صارت خياراته ضيقة للغاية»؛ لأن اقتصاد روسيا يساوي اقتصاد إسبانيا ليس إلا، وبالتالي فإن «قاعدته الاقتصادية العسكرية أصغر بكثير من القاعدة الاقتصادية العسكرية التي تدعم أوكرانيا». كما أن حجم الصناعة العسكرية والذخيرة والدبابات والطائرات في روسيا «يساوي نحو 4 في المائة» من حجم هذا القطاع في أميركا والدول الأوروبية، فضلاً عن وجود «إرادة قتال رهيبة» عند الأوكرانيين مقابل «إرادة مختلفة» عند المواطن أو العسكري أو المجرم الذي ترسله مجموعة «فاغنر» إلى الجبهة. ويستدرك أن عند بوتين «أفضلية تتمثل بأن عدد سكان روسيا أكبر من عدد سكان أوكرانيا»، كما أن عنده «ميزة (…) القصف العشوائي»، وهو «مرتاح داخل روسيا؛ لأن لا أحد يتحرك ضده». ومع ذلك «لا توجد لديه خيارات عسكرية كثيرة تمكّنه من أن ينتصر».
رغم الإخفاقات الروسية خلال السنة الأولى من الحرب، ولا سيما اضطرار القوات الروسية إلى التراجع عن الزحف في اتجاه كييف والانسحاب من خاركيف وبعدها من خيرسون، يؤكد سالم أن التصريحات الروسية النووية «ما هي إلا مجرد تهديد»، معتبراً أن حصول ذلك «سيؤدي إلى تسارع لإنهاء الحرب لا فتح مجالات جديدة لخوضها». ويذكر بأن «الصين والهند لديهما موقف واضح للغاية»؛ إذ إن المسؤولين الصينيين «قالوا لبوتين إن الموضوع النووي غير مقبول على الإطلاق». كما أن «الهند اتخذت موقفاً مشابهاً». وبالتالي فإن استخدام السلاح النووي «يمكن أن يكون الخرطوشة الأخيرة، لكنه سيؤدي إلى استكمال عزل روسيا»، فضلاً عن أنه «ليس حلاً، ولن يمنح (بوتين) نصراً ميدانياً».
يؤيده كوبتشان في أنه «بارتكابها عملاً عدوانياً أصلع، أضرت روسيا بشدة بمكانتها في العالم»، معتبراً أن «الأمر يستوجب سنوات حتى تتعافى روسيا من هذه النكسات». ويؤكد الباحث الدفاعي في «راند» التي أنشئت في الخمسينات من القرن الماضي كخلية تابعة لوزارة الدفاع الأميركية، قبل أن تتحول منذ عقود إلى مركز أبحاث تستعين بخبرائه حكومات الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى، أن «التداعيات المباشرة على النظام الدولي هي أن التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة موحد كما كان في بعض الأوقات»، مضيفاً أنه «إذا استمر هذا التماسك، فإن إضعاف الغرب الجماعي سيكون تحدياً صعباً أمام دول مثل روسيا التي تعاني الوضع الراهن».

لم تعد عظمى!
وعن انعكاس وضع كهذا على أزمات الشرق الأوسط وتوازناته، بما في ذلك سوريا حيث توجد قوات روسية، وليبيا حيث تنتشر قوات «فاغنر»، يرى بول سالم أن «الأثر الأول العام وقع على الناس بسبب ارتفاع أسعار النفط والغذاء»، موضحاً أن الحرب خلقت أزمات معيشية مؤلمة جداً للناس في بلدان تمتد من المغرب ومصر والأردن إلى سوريا ولبنان وتركيا وإيران وغيرها؛ لأن روسيا منتج أساسي للطاقة وانقطعت عن الأسواق العالمية، كما أن روسيا وأوكرانيا تنتجان نصف قمح العالم. ولكنه يرى أن «التأثير الجيوسياسي محدود»؛ لأن «روسيا تراجعت كثيراً ولم تعد تعتبر دولة عظمى»، موضحاً أنه قبل الحرب، كان ينظر إلى بوتين باعتباره زعيماً بعيد النظر لروسيا المستقرة وللاقتصاد الروسي المنفتح على العالم الذي كان يعتقد أن «السلاح الروسي فعال والجيش الروسي مهم، وأن روسيا خيار استراتيجي». غير أن «بوتين خسر قسماً كبيراً من ذلك، وصارت روسيا دولة معزولة عن الاقتصاد العالمي وعن الحياة العالمية»، فيما ينذر بأن تكون بلداً على شاكلة إيران أو كوريا الشمالية حالياً أو العراق في عهد الرئيس السابق صدام حسين.
لا يزال بوتين لاعباً كبيراً. لكنه صار «معزولاً ومستضعفاً» وسط تساؤلات علنية: إلى أين روسيا بعد بوتين، حتى لو بقي سنة، أو 5 سنوات أو أكثر؟ فهل وصل فعلاً إلى «طريق مسدود»؟
تغيّرت النظرة في مراكز الأبحاث الأميركية إلى روسيا، التي لا تزال - مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية - من الدول الأكثر إنتاجاً للنفط والغاز في العالم. وعلى الرغم من ذلك، ترغب دول مهمة في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية مع روسيا، حتى لو تكون كالصين أو أميركا. على عكس طموحات بوتين، يؤكد ريتش أن الإضافة المفترضة للسويد وفنلندا إلى الناتو «ستزيد من الإمكانات العسكرية للحل، وستكون روسيا أكثر عزلة عن غرب أوروبا على المدى القريب على الأقل، وربما في المستقبل»، مشيراً إلى أن «الأمر سيستغرق سنوات حتى تعيد روسيا بناء إمكاناتها القتالية المفقودة، مما قد يقلل من نفوذها ووجودها العالمي».
يعبر وايتز عن اعتقاده أن «النظام الدولي تغيّر» بفعل الحرب التي أدت إلى «تقسيم أوضح بكثير للتحالف المناهض لروسيا»، مضيفاً أن حلف الناتو «صار موحداً أكثر، وفاعلاً أكثر»، في وقت عززت فيه الولايات المتحدة الإنفاق الدفاعي، واقتربت الدول الآسيوية أكثر من حلف شمال الأطلسي. واستنتج: «نحن نقترب من عالم مكون من كتلتين».
بيد أن الجنرال دوبيك يقول إن «منع العدوان غير المبرر ضد الجيران، كما فعل بوتين في أوكرانيا، هو بالضبط سبب قيام القادة السياسيين والعسكريين الذين عانوا الحربين العالميتين بإنشاء النظام الدولي بعد عام 1945»، معتبراً أن «التجارب الحيّة علمتهم أنه من المهم وقف المتنمرين مثل بوتين». ويستدرك أن «هذا الترتيب متقادم ويحتاج إلى مراجعة»؛ لأن «عالم عام 2022 ليس كعالم عام 1945».

عالم متعدد الأقطاب؟
يرجح كوبتشان بالفعل أن يكون للحرب ثلاث عواقب رئيسية على النظام الدولي، تتمثل أُولاها في «عودة العالم إلى نظام من كتلتين يذكرنا بالحرب الباردة»، بحيث تكون الديمقراطيات الليبرالية في العالم «متماسكة بعضها مع بعض بواسطة نظام تحالفي تقوده الولايات المتحدة»، مقابل «كتلة استبدادية تمتد من أوروبا الشرقية إلى غرب المحيط الهادئ»، بزعامة روسيا والصين. ولا يستبعد أن «يمتنع كثيرون عن الانحياز» في كل من أميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوب شرقي آسيا، في ظل «تصاعد التوتر بين الكتلتين الرئيسيتين». ويعتبر أن «هذا النمط من عدم الانحياز يشير إلى أن العالم يتجه نحو تعددية قطبية، وليس إلى قطبية ثنائية على غرار تلك التي سادت خلال الحرب الباردة».
أما ثانية العواقب فتتمثل في «عودة التنافس العسكري بين القوى العظمى» بعدما «بقي معلقاً منذ نهاية الحرب الباردة»، ويؤكد أن الغزو الروسي «أعاد إشعال المنافسة العلنية بين القوى العظمى؛ إذ يعاد تقسيم أوروبا»، فيما «يتصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة، وبخاصة حول تايوان». ويعتبر أن ذلك سيدفع الولايات المتحدة إلى «تعزيز وجودها المتقدم في كل من أوروبا وآسيا في المستقبل المنظور».
ويرى أخيراً أن «العالم دخل في فترة تراجع العولمة»، مستدلاً على ذلك بـ«قطع المجتمع عبر الأطلسي فعلياً العلاقات التجارية مع روسيا»، في وقت «تتراجع فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها عن الترابط الاقتصادي مع الصين، ويسعون إلى تقدم تكنولوجي بطيء للصين». ويترافق ذلك مع «إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية. لقد ولّت أيام زيادة التجارة الحرة وتعميق الترابط العالمي». بالنسبة إلى سالم فيرى أنه «صار واضحاً أن أميركا والصين هما الجباران». أما روسيا التي «كانت تلعب وتقول إنها أيضاً جبارة» فليست في هذا الموقع بعدما «تبين أن السلاح الروسي فضيحة. ما عاد أحد يريد شراء معدات روسية (…) لا تقارن بالمعدات الأميركية».
يعتقد وايتز أن إدارة بايدن «أبلت بلاء حسناً» في التعامل مع غزو روسيا لأوكرانيا، خلافاً لـ«العمل السيئ» مع أفغانستان. ويرى أن المسؤولين الأميركيين «تمكنوا من تحقيق توازن بين الحاجة إلى مساعدة أوكرانيا على هزيمة روسيا، وضرورة تجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى حرب مع روسيا».

كيف تنتهي الحرب؟
يرى وايتز أن كل الاحتمالات واردة، بما في ذلك أن يبقى هذا النزاع فترة طويلة، على غرار الوضع بين سوريا وإسرائيل والنزاعات العربية، والحرب بين أذربيجان وأرمينيا، أي أن «تستمر هذه الحرب حتى لو توقف القتال وجمد مؤقتاً. لكنهم يعودون إلى القتال لاحقاً»، ويعبر عن اعتقاده بأن «الحل الدائم قد يتطلب رئيساً جديداً لروسيا، لذلك عندما يغادر بوتين ويأتي شخص آخر، قد تكون هناك فرصة لنوع ما من السلام الدائم». يعبر عن تشاؤمه بأنه «ما دام بوتين رئيساً لروسيا، فأعتقد أنه سيبقى ملتزماً للغاية بهذا المشروع. ستستمر الحرب ما دام موجوداً».
يؤكد دوبيك أن العالم «يواجه الآن أزمة تزداد سوءاً»، معتبراً أن «عدوانية روسيا وسلوكها الهمجي في أوكرانيا أوضحا بشكل مؤلم أن التأكد من خسارة بوتين ليس سوى بداية العمل الشاق الذي ينتظر الجميع».

الكرملين أمام انتصار بعيد... وهزيمة مستحيلة
زيلينسكي... الممثل الهزلي لعب أدواراً كوميدية بحضور بوتين
هل أعادت الحرب الحياة إلى «الناتو» أم أيقظته «مرحلياً»؟


مقالات ذات صلة

ترمب يصعّد ضد زيلينسكي ويدعو إلى قيادة أوكرانية جديدة

أوروبا جانب من لقاء مع ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)

ترمب يصعّد ضد زيلينسكي ويدعو إلى قيادة أوكرانية جديدة

اتّهم زيلينسكي روسيا بالرّد على اتفاق الديزل بين الرئيسين ترمب وبوتين بتكثيف ضرباتها على المدن الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن) «الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز) p-circle

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده.

«الشرق الأوسط» (موسكو- واشنطن)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

انتقد الرئيس الأوكراني، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها».

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في أثينا يوم 7 أكتوبر 2026 (رويترز) p-circle

ويتكوف وكوشنر يلتقيان مفاوضين أوكرانيين وأوروبيين

محادثات فلوريدا تختبر «هدنة الشتاء» وسط تحذيرات من تصعيد أخطر... زيلينسكي يرد على روبيو: «لسنا أمام طريق مسدود دبلوماسياً»

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم استخدمت إحدى الحملتين سبع هويات صحافية وهمية لنشر نحو 100 مقال في منصات إعلامية حول العالم وفق شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تحبط حملتَيْ تأثير مرتبطتَيْن بروسيا وإيران

حظرت «أوبن إيه آي» حسابات استخدمتها حملتان مرتبطتان بروسيا وإيران لإنشاء هويات صحافية وهمية ومركز أبحاث للترويج سراً لرسائل سياسية ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.