ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

واشنطن تراهن على خبرتها التفاوضية والعملية

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



مقالات ذات صلة

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي

حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)
حصاد الأسبوع ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً

علاء حموده (القاهرة)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.


أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)
مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)
TT

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)
مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي نحو شرق آسيا. غير أن هذا الجدل، رغم زخمه الإعلامي والسياسي، يتطلب قراءة معمّقة للثغرات البنيوية والاستراتيجيات المتغيّرة لدى الطرفين، بعيداً عن الانطباعات السطحية أو التصوّرات المسبقة. وهو ما يتطلّب قراءة للعلاقات الأميركية - الصينية في ضوء التحوّلات الاقتصادية والدفاعية، مع التركيز على الفجوة الهيكلية بين القوّتين، وأثر المتغيّرات الراهنة على أولويات واستراتيجيات كل طرف، واستشراف مستقبل ميزان القوى بينهما.

على الرغم من التقدّم الصيني الملحوظ في مجالات عدة، تظل الفجوة البنيوية بين الولايات المتحدة والصين عائقاً جوهرياً أمام ترجمة المكاسب التكتيكية الصينية إلى تحوّل استراتيجي شامل. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك منظومة اقتصادية هي الكبرى عالمياً، ونظاماً مالياً يهيمن على حركة رؤوس الأموال، إلى جانب شبكة تحالفات عسكرية واسعة تمدّها بعمق استراتيجي يصعب تعويضه.

على الجانب الآخر، تسجّل الصين إنجازات متسارعة في بعض القطاعات كالتكنولوجيا والنفوذ الإقليمي، لكنها تفتقر إلى تكامل القدرات على النحو الذي يسمح لها بتغيير قواعد اللعبة الدولية في الأمد المنظور. وهذا ما يمكن قراءته في الدور السياسي المهيمن الذي تلعبه واشنطن في العديد من ملفات السياسة الخارجية.

هذا التفاوت البنيوي لا يقتصر على فجوة الدخل القومي أو حجم الإنفاق الدفاعي فحسب، بل يطول أيضاً ديناميات الابتكار، ومرونة النظام السياسي، وقدرة كل طرف على امتصاص الصدمات. وبالنتيجة، تتّسم صورة المنافسة الراهنة بتركيبة معقدة: فالصين تصعّد بوتيرة لافتة، لكن الولايات المتحدة تحتفظ بأدوات ترجيح الكفة وتحصين مواقعها، ما يجعل أي تحوّل جذري في ميزان القوى عملية طويلة ومعقدة لا حدثاً فجائياً.

التكتيك العسكري الأميركي

يشهد الجيش الأميركي في السنوات الأخيرة تحوّلات عميقة في بنيته وتكتيكاته، مدفوعاً بضرورة الاستجابة إلى طبيعة المنافسة الجديدة مع الصين، لضمان تفوقه في أي صراع محتمل في المحيط الهادئ، وتحديداً في «سلسلة الجزر الأولى» التي تضم تايوان واليابان والفلبين.

واشنطن ما عادت تتعامل مع الصعود الصيني كظاهرة إعلامية أو سياسية، بل كتحدٍ عسكري استراتيجي يستوجب إعادة صياغة أدوات الحرب نفسها. والتدريبات الواسعة في هاواي (نوفمبر «تشرين الثاني» الماضي) لم تكن سوى مؤشر على هذا التحول؛ فبعد عقدين من حروب «مكافحة التمرّد» في العراق وأفغانستان، أظهر الجيش الأميركي استعداده لمواجهة خصم يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة وقاعدة صناعية قادرة على دعم حرب طويلة الأمد.

التحوّل الجوهري لا يتمثل في ارتفاع حجم الإنفاق العسكري الأميركي (أكثر من 900 مليار دولار في الميزانية التي أقرّها الكونغرس أخيراً، أي ما يفوق ثلاثة أضعاف الإنفاق الصيني)، بل في إعادة توجيه الإنفاق نحو أنظمة أكثر مرونة وفاعلية من حيث الكلفة. وبدلاً من الاقتصار على المنظومات المعقّدة والباهظة، بدأت القوات الأميركية تعتمد بشكل متزايد على الطائرات «المسيّرة» (المسيّرات)، وتقنيات الحرب الإلكترونية، ومنظومات قابلة للاستهلاك السريع.

وجاءت هذه المقاربة استجابة للدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، حيث أثبتت المسيّرات الرخيصة الثمن قدرتها على تحييد أنظمة متطوّرة بملايين الدولارات.

لكن الفارق البنيوي يبقى في أن واشنطن تدير هذا التحوّل ضمن «عقيدة عسكرية» متكاملة، مدعومة بإمكانات بحثٍ وتطوير وتحالفات عالمية متينة. وفي مقابل القوة الصلبة، غالباً ما يُغفَل عنصر التحالفات عند مقارنة واشنطن ببكين. إذ إن واشنطن لا تواجه الصين منفردة، بل ضمن «شبكة تحالفات» تمتد من اليابان وكوريا الجنوبية إلى أستراليا والفلبين وأوروبا.

والتدريبات أو المناورات العسكرية في المحيط الهادئ، التي شاركت فيها قوات من تايوان وفرنسا وماليزيا، تعكس هذا البعد المتعدّد الجنسيات، الذي يصعب على الصينيين موازنته. ورغم توسّع نفوذ بكين، فإنها ما زالت في طور بناء منظومتها العسكرية الحديثة، مع افتقارها لعمق الشراكات الدولية والدعم التقني على النحو الذي تملكه واشنطن.

كذلك لا تزال قدرة بكين على بناء تحالفات عسكرية متماسكة محدودة، ولذا تعتمد غالباً على علاقات ظرفية أو شراكات غير متكافئة. وبهذا المعنى، لا يعكس التحوّل الأميركي تراجعاً بقدر ما يمثل استجابة ديناميكية لمتطلبات ساحة الصراع الجديدة.

القوة الصناعية الصينية... وحدودها

طبعاً لا يصحّ إنكار التفوّق الصناعي الصيني الذي أضحى مصدر قلق للغرب. فوفق تقديرات عسكرية غربية، باتت قدرة الصين على إنتاج كميّات من الصواريخ و«المسيّرات» تفوق قدرة الولايات المتحدة وحلفائها مجتمعين في بعض الفئات. وهذا الزخم الصناعي منح بكين هامش مناورة أوسع في التنافس العسكري والتقني، وجعلهاً لاعباً يستحيل تجاهله في معادلات الصناعات الدفاعية المتقدمة.

بيد أن هذا التفوّق يصطدم اليوم بحدود بنيوية لا تخطئها العين؛ إذ إن الاقتصاد الصيني، رغم حجمه الهائل، يواجه تحديات متفاقمة على صعيد الاستدامة والنمو. فلقد سجل الاستثمار في الأصول الثابتة تراجعاً بنسبة 1.7 في المائة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي، في أول انكماش منذ أواخر الثمانينات. والأهم أن هذا التراجع طال القطاعات الثلاثة التي شكّلت لعقود محرّكات النمو الصيني، وهي: العقارات والبنية التحتية والتصنيع.

هذه المؤشرات تعكس أن القوة الصناعية الصينية ليست بمنأى عن التحديات البنيوية. إذ لم يَعُد الاستثمار، الذي كان يشكل أكثر من 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، «صمام الأمان» التقليدي في أوقات التباطؤ، بينما تواصل أزمة العقارات المستمرة منذ خمس سنوات إلقاء ظلالها على الأداء الاقتصادي.

وأيضاً، تواجه الحكومات المحلية ضغوط ديون متزايدة، في حين تتراجع ثقة القطاع الخاص، ما يحدّ من قدرة بكين على إطلاق حزَم تحفيز ضخمة كما فعلت في أزمات سابقة.

واشنطن لا تواجه الصين منفردة، بل ضمن «شبكة تحالفات» تمتد من اليابان وكوريا الجنوبية إلى أستراليا والفلبين وأوروبا

التحدّيات البنيوية الصينية

تكمن إشكالية النموذج الاقتصادي الصيني في اعتماده المفرط على الاستثمار والتصنيع الموجّه للتصدير، وهذه معادلة حقّقت نتائج باهرة في مرحلة الانطلاق، لكنها تصطدم اليوم بمحدّدات الاستدامة مع نضج الاقتصاد.

والمحركات التقليدية للنمو (العقارات والبنية التحتية والتصنيع) بدأت تفقد زخمها لصالح تحديات جديدة، أبرزها تقلّص الطلب المحلي، وبطء الإنتاجية، وشيخوخة السكان. وهذا ما حذّر منه كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أخيراً، مطالبين الصين بمعالجة الضغوط الانكماشية ومصادر الضعف الداخلي، وعلى رأسها هشاشة قطاع العقارات وضعف الطلب المحلي.

من جهة ثانية، تشير تقديرات مستقلة إلى أن النمو الفعلي للاقتصاد الصيني عام 2024 ربما يتراوح بين 2.4 في المائة و2.8 في المائة، أي أقل بكثير من الأهداف الرسمية التي وضعتها السلطات. وهذا الفارق ليس تقنياً بقدر ما يعكس فجوة في قراءة متانة الاقتصاد وقدرته على استيعاب الصدمات. ذلك أن المخاطر الكامنة في قطاع العقارات وتضخّم الديون وتآكل ثقة المستثمرين، عوامل تنذر بتحديات قد تحدّ من قدرة الصين على مواصلة الصعود بالوتيرة السابقة ذاتها.

في المقابل، لدى الولايات المتحدة أدوات متنوعة لامتصاص الصدمات الاقتصادية، منها مرونة السوق، وحرية انتقال رؤوس الأموال، وديناميكية الابتكار، ما يضفي على تفوقها الاقتصادي طابعاً بنيوياً يصعب على الصين تعويضه في المدى المنظور.

مكاسب تكتيكية في «لعبة التكنولوجيا»

على الصعيدين التكنولوجي والسياسي، حقّقت بكين مكاسب تكتيكية مؤقتة، مدفوعة بـ«الدبلوماسية القائمة على الصفقات» لإدارة الرئيس دونالد ترمب، التي يبدو أنها تُعطي الأولوية للمكاسب الاقتصادية القصيرة المدى على المصالح الأمنية والاستراتيجية. ولقد تجسد هذا في قرار إدارة ترمب السماح لشركة «إنفيديا»، صانعة الرقائق الأميركية، ببيع أشباه الموصلات المتقدمة الأقل قوة (ثاني أقوى شريحة) للصين. ثم إن استراتيجية الأمن القومي الجديدة للإدارة الأميركية ركّزت بشكل أكبر على المنافسة الاقتصادية بدلاً من الصراع الآيديولوجي أو الأمني. وفي سابقة منذ أكثر من 30 سنة، لم تنتقد الوثيقة الحكم الاستبدادي الصيني أو تضغط من أجل حقوق الإنسان.

هذه التنازلات عزّزت سردية بكين القائلة إن «الصعود التكنولوجي الصيني لا يمكن إيقافه» وإن واشنطن «لا تستطيع تحمل تكاليف المواجهة المطولة» مع الصين. فعندما وافقت واشنطن على تخفيف الرسوم الجمركية بعدما لوّحت بكين بورقة حجب صادرات العناصر الأرضية النادرة والمواد الحيوية الأخرى، بدت وكأنها تستجيب لـ«الابتزاز» الاقتصادي. لكن المحللين يشيرون إلى أن هذا التراجع قد يكون مجرد استراتيجية أميركية مؤقتة لإعادة التجمع وبناء القوة.

كذلك يرى آخرون أن ترمب قد يكون يستلهم مقولة الزعيم الصيني دينغ شياوبينغ «اخفِ قوتك وتريّث»، حيث تُركز واشنطن على إعادة بناء تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي المستقبلي. وجوهرياً، يظل الهدف الأميركي، وفقاً لهذه التفسيرات، الحفاظ على الوضع المهيمن ومنع واحتواء صعود الصين.

دور متزايد لـ«المسيّرات» في ترسانة الجيش الأميركي (رويترز)

التحولات الإقليمية والدولية

لقد فرضت التحولات البنيوية في القدرات الاقتصادية والعسكرية لكل من الولايات المتحدة والصين إعادة رسم الاستراتيجيات الإقليمية والدولية.

وتسعى واشنطن إلى تعميق تحالفاتها في آسيا والمحيط الهادئ، وتكثيف التعاون الدفاعي مع الحلفاء التقليديين (اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا)، مع التركيز على ضمان حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي وردع أي مغامرات صينية تهدد الوضع القائم. وفي الوقت عينه، تواصل الاستثمار في الابتكار التكنولوجي والبحث العلمي، بوصفهما رافعتين أساسيتين للحفاظ على تفوقها النوعي.

أما الصين، فتركز على تعزيز حضورها الإقليمي عبر مبادرة «الحزام والطريق»، وتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في جنوب شرقي آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. لكن محدودية التحالفات العسكرية والتحديات الاقتصادية الداخلية، تفرض عليها انتهاج سياسة خارجية أكثر حذراً، والسعي لتقليص الاعتماد المُفرط على الأسواق الغربية، وتطوير منظومات تكنولوجية وطنية.

في هذا السياق، لا تقتصر المنافسة على الجانب العسكري أو الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى ميادين الذكاء الاصطناعي، وأمن البيانات، والطاقة الخضراء، ما يؤشر إلى تعددية ساحات الصراع وتشابكها. ومن ثمّ، تبقى قدرة كل طرف على التكيّف مع هذه التحولات، وإعادة صياغة أولوياته، العامل الحاسم في ترجيح كفة ميزان القوى مستقبلاً.

مستقبل ميزان القوى

الاستنتاج الأبرز من المشهد الراهن أن الصراع الأميركي – الصيني لم يصل بعد إلى لحظة الحسم، ولا يبدو قريباً منها.

الصين تحقق تقدماً ملموساً في بعض المجالات، وتستفيد أحياناً من تردد أو براغماتية أميركية. لكنها في المقابل تواجه تباطؤاً اقتصادياً داخلياً، وتحديات ديموغرافية، وبيئة دولية أكثر حذراً تجاه صعودها.

ومع أن الصين تحقّق مكاسب تكتيكية في بعض القطاعات وتستفيد من ديناميات الاقتصاد العالمي، يبقى التفوق الأميركي قائماً على منظومة متكاملة من القدرات والموارد والتحالفات. وواشنطن، رغم الاستقطاب الداخلي والضغوط المالية، لا تزال تمتلك مزيجاً نادراً من القوة العسكرية، والعمق الاقتصادي، والتفوّق التكنولوجي، وشبكة التحالفات. وهذا مزيج يجعل الكلام عن «أفول أميركي وشيك» أقرب إلى التبسيط الإعلامي منه إلى التحليل الاستراتيجي الرصين.

وفي المحصلة، قد تكون الصين صاعدة، وقد تكون الولايات المتحدة أقل ثقة مما كانت عليه قبل عقدين، لكن ميزان القوى لا يُقاس بلحظة واحدة. وفي هذا الميزان، لا يزال التفوق الأميركي، حتى إشعار آخر، حقيقة يصعب تجاوزها.

 

الجيش الأميركي يتأهب لـ«حرب مُرعبة» في المحيط الهادئ

> نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية تقريراً عن تحضيرات يجريها الجيش الأميركي لمواجهة الصين، ويشير إلى أنه رغم امتلاك بكين إحدى أكبر ترسانات الصواريخ في العالم وقوة صناعية لا مثيل لها لدعم قواتها في حرب طويلة الأمد، فإن الولايات المتحدة تُجري تحوّلاً جذرياً في عقيدتها التكتيكية لضمان تفوقها في أي صراع محتمل في المحيط الهادئ، وبخاصة، في تايوان. الجيش الأميركي يتأهب، لما سماه التقرير «عصر حرب مُروِّع» يتميز بالاعتماد على التكنولوجيا الرخيصة والمستهلكة، على رأسها «المسيّرات». وهذا التحوّل اضطرت إليه واشنطن لمواكبة الدروس المستفادة من ساحة المعركة في أوكرانيا، حيث تسيطر أنظمة «المسيّرات» على الميدان. وتشمل أشكال التأهب: • تغيير الأدوات والتكتيكات، حيث تبنى الجيش الأميركي بسرعة تكنولوجيا وتكتيكات جديدة، عبر تعويض المعدات القتالية التقليدية والمكلفة بأنظمة رشيقة ورخيصة نسبياً. • «المسيّرات» التي بدأ العسكريون الأميركيون يتدرّبون على أنظمة متعدّدة منها، حيث انتقلت فرق المشاة من نوع واحد إلى 7 أنواع خلال سنة واحدة تقريباً. وكذلك نفَّذ العسكريون أكثر من 600 طلعة جوية بـ«المسيّرات» خلال تدريبات نوفمبر (تشرين الثاني) في جزيرة هاواي وحدها. • القدرة الهجومية؛ إذ يجري التركيز على «المسيّرات الهجومية الانتحارية» التي تُصنَّع هياكلها محلياً بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. كما يجري تطوير أسلحة جديدة للكشف عن «المسيّرات» المعادية وإعاقتها أو تشويشها باستخدام ما تُعرف بـ«السهام الكهرومغناطيسية». • الحرب الإلكترونية، التي أصبح مجالها الذي يتعامل مع الموجات والإشارات الخفية، أكثر أهمية من أي وقت مضى. والهدف هو العثور على مشغّلي «المسيّرات» المعادية وقتلهم عبر الكشف عن الإشارات التي تُصدرها أجهزتهم. مع كل ما سبق، تُعد القدرة الصناعية على الإنتاج الضخم نقطة تفوّق حرجة للصين. إذ بينما تُنتج أوكرانيا وروسيا ملايين «المسيّرات» سنوياً، بإمكان الصين التفوّق على إنتاجهما معاً.