الفلسطينيون ملتزمون بالتفاهمات ما التزمت إسرائيل بها

قناة اتصال سرية بين رام الله وتل أبيب ساعدت في خلق «الوضع الجديد»

يتابع من متجره جنازة الفلسطيني منتصر الشوا البالغ من العمر 16 عاماً في مخيم بلاطة للاجئين قرب نابلس بالضفة (إ.ب.أ)
يتابع من متجره جنازة الفلسطيني منتصر الشوا البالغ من العمر 16 عاماً في مخيم بلاطة للاجئين قرب نابلس بالضفة (إ.ب.أ)
TT

الفلسطينيون ملتزمون بالتفاهمات ما التزمت إسرائيل بها

يتابع من متجره جنازة الفلسطيني منتصر الشوا البالغ من العمر 16 عاماً في مخيم بلاطة للاجئين قرب نابلس بالضفة (إ.ب.أ)
يتابع من متجره جنازة الفلسطيني منتصر الشوا البالغ من العمر 16 عاماً في مخيم بلاطة للاجئين قرب نابلس بالضفة (إ.ب.أ)

أقرت القيادة الفلسطينية التفاهمات التي تم التوصل إليها مع إسرائيل عبر الولايات المتحدة، بوقف «الخطوات الأحادية» لفترة مؤقتة، في محاولة لتجنب تصعيد كبير في شهر رمضان القريب، وخلق أجواء ثقة.
وأكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد ترؤسه لجنة مصغرة منبثقة عن القيادة الفلسطينية تعنى بوضع توصيات واتخاذ القرارات السياسية، ضرورة وقف الإجراءات أحادية الجانب، وفتح أفق سياسي وصولاً إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين على حدود الرابع من يونيو (حزيران) لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وناقشت اللجنة الاتفاق الأخير وطبيعة الاتصالات التي جرت مع الأميركيين والإسرائيليين ودول عربية، وتقرر المضي قدماً في ذلك لكن مع مراقبة التصرفات الإسرائيلية.
وقال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إنه تم التأكيد على أن التزام الطرف الفلسطيني بالتفاهمات منوط بالتزام إسرائيل.
وأضاف: «سنراقب التصرفات الإسرائيلية على الأرض. عليهم الامتناع عن الاستيطان ووقف عمليات الهدم وتقليص اقتحام مناطق السلطة الفلسطينية. ننتظر أيضاً خطوة أميركية جادة لإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس».
ووفق المصدر، فإن تنصل الإسرائيليين من الاتفاق سيعني «تحركاً فلسطينياً فورياً»، وقد تم إبلاغ الأميركيين بذلك سلفاً.
وكانت الإدارة الأميركية قد نجحت، الأحد، في دفع اتفاق فلسطيني إسرائيلي قدماً، تم بموجبه إلغاء التصويت الذي كان مقرراً الاثنين في مجلس الأمن الدولي على مشروع قرار يدين المستوطنات الإسرائيلية، واستبداله ببيان رئاسي غير ملزم، مقابل امتناع إسرائيل لعدة أشهر عن اتخاذ خطوات أحادية، مثل البناء الاستيطاني وهدم منازل الفلسطينيين في القدس لعدة شهور، وتقليص اقتحامات المناطق الفلسطينية وتجميد إخلاء فلسطينيين من مناطق «ج» في الضفة.
الصفقة من جهة إسرائيل شملت أيضاً «تنظيم» الرسوم عند معبر اللنبي الحدودي بين الضفة الغربية والأردن.
مقابل ذلك، تعهدت السلطة بسحب المشروع من مجلس الأمن، ووافقت على إجراء نقاش حول الخطة الأمنية التي بلورها الجنرال الأميركي مايك فنزل من أجل إعادة سيطرة القوات الفلسطينية على مناطق شمال الضفة.
وشملت الصفقة أيضاً موافقة الفلسطينيين على الحديث حول آليات استعادة التنسيق الأمني مع إسرائيل. وجاءت التفاهمات بعد ضغوط وتدخلات أميركية مباشرة، تضمنت أيضاً وعداً بدعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للقاء الرئيس الأميركي جون بايدن في البيت الأبيض خلال العام الحالي، وتقديم طلب لإسرائيل من أجل إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس. وفي الوقت الذي كان فيه الإسرائيليون غاضبون إلى حد ما من البيان الرئاسي لمجلس الأمن وانضمام واشنطن له، رحب أمين سر اللجنة التنفيذية منظمة التحرير، حسين الشيخ، الثلاثاء، بالبيان الذي أدان الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب، وطالبها بالتوقف عنها والالتزام بالاتفاقيات الموقعة بين الطرفين والشرعية الدولية.
وشكر الشيخ الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وخص بذلك المجموعة العربية برئاسة دولة الإمارات.
الشيخ كان واحداً من الذين ساهموا بدفع التفاهمات بحسب موقع «واللا» الإسرائيلي، الذي كشف عن وجود قناة اتصال سرية تعمل منذ أسابيع طويلة بين مكتب الرئيس محمود عباس، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
وقالت 3 مصادر مطلعة على الاتصالات السرية إن الفلسطينيين بادروا إلى الاتصال عبر الشيخ الذي أرسل في الأسابيع التي سبقت أداء حكومة نتنياهو اليمين، رسالة إلى مكتب نتنياهو عبر الإدارة الأميركية، مفادها أن السلطة الفلسطينية مستعدة للعمل مع الحكومة الجديدة على الرغم من التباين العميق في وجهات النظر. ثم أعاد إرسالها مرة أخرى بعد أن أدت الحكومة اليمين، فرد مكتب نتنياهو بالإيجاب، وعيّن مستشار الأمن القومي تساحي هنغبي مسؤولاً عن الاتصالات مع الفلسطينيين، وكلفه بذلك.
وتحدث هنغبي والشيخ عدة مرات عبر الهاتف والتقيا كذلك، وكان اللقاء الأخير في وقت قريب، وركز على توطيد التفاهمات التي توصل إليها الطرفان برعاية أميركية.
وأكد مسؤول سياسي إسرائيلي كبير وجود هذه الاتصالات، لكنه حرص على التوضيح أنها ليست مفاوضات سياسية مع السلطة الفلسطينية، مضيفاً: «من المهم جداً وجود قناة اتصال مباشر، لتبادل الرسائل وحل الخلافات والمشكلات على الأرض بما يضمن منع التصعيد».
وهذه هي المرة الأولى التي يتم الكشف فيها عن وجود اتصالات مباشرة بين مكتب نتنياهو ومكتب عباس، وهي اتصالات تعلم بها الإدارة الأميركية، لكن ليس من الواضح ما إذا كان جميع قادة أحزاب التحالف في الحكومة اليمينية المتشددة على علم بها، أو بمضمون المحادثات التي جرت خلالها.
هنغبي نفسه أشار ضمنا يوم الاثنين، إلى التواصل مع السلطة خلال اجتماع مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، بقوله إنه على هامش المناقشات مع الأميركيين حول كيفية خلق وضع جديد في المنطقة، أبلغ الفلسطينيين بضرورة وقف التحركات القانونية ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية في لاهاي.
كما أوضح لهم أن عليهم العمل ضد المجموعات الفلسطينية المسلحة شمالي الضفة، مقابل تقليص عمليات الجيش الإسرائيلي هناك. وتحدث هنغبي عن طلبات الفلسطينيين المعروفة كذلك.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي «مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

«مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

قتلت إسرائيل 3 فلسطينيين في الضفة الغربية، الخميس، بعد حصار منزل تحصنوا داخله في نابلس شمال الضفة الغربية، قالت إنهم يقفون خلف تنفيذ عملية في منطقة الأغوار بداية الشهر الماضي، قتل فيها 3 إسرائيليات، إضافة لقتل فتاة على حاجز عسكري قرب نابلس زعم أنها طعنت إسرائيلياً في المكان. وهاجم الجيش الإسرائيلي حارة الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس صباحاً، بعد أن تسلل «مستعربون» إلى المكان، تنكروا بزي نساء، وحاصروا منزلاً هناك، قبل أن تندلع اشتباكات عنيفة في المكان انتهت بإطلاق الجنود صواريخ محمولة تجاه المنزل، في تكتيك يُعرف باسم «طنجرة الضغط» لإجبار المتحصنين على الخروج، أو لضمان مقتلهم. وأعلنت وزارة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

في وقت اقتطعت فيه الحكومة الإسرائيلية، أموالاً إضافية من العوائد المالية الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، لصالح عوائل القتلى الإسرائيليين في عمليات فلسطينية، دفع الكنيست نحو مشروع جديد يتيح لهذه العائلات مقاضاة السلطة ورفع دعاوى في المحاكم الإسرائيلية؛ لتعويضهم من هذه الأموال. وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، الخميس، إن الكنيست صادق، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يسمح لعوائل القتلى الإسرائيليين جراء هجمات فلسطينية رفع دعاوى لتعويضهم من أموال «المقاصة» (العوائد الضريبية) الفلسطينية. ودعم أعضاء كنيست من الائتلاف الحكومي ومن المعارضة، كذلك، المشروع الذي يتهم السلطة بأنها تشجع «الإرهاب»؛

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

دخل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب وقصف بدباباته موقعاً في شرق مدينة غزة، أمس الثلاثاء، ردّاً على صواريخ أُطلقت صباحاً من القطاع بعد وفاة القيادي البارز في حركة «الجهاد» بالضفة الغربية، خضر عدنان؛ نتيجة إضرابه عن الطعام داخل سجن إسرائيلي.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

صمد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ، فجر الأربعاء، منهيا بذلك جولة قصف متبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية استمرت ليلة واحدة (أقل من 24 ساعة)، في «مخاطرة محسوبة» بدأتها الفصائل ردا على وفاة القيادي في «الجهاد الإسلامي» خضر عدنان في السجون الإسرائيلية يوم الثلاثاء، بعد إضراب استمر 87 يوما. وقالت مصادر فلسطينية في الفصائل لـ«الشرق الأوسط»، إن وساطة مصرية قطرية وعبر الأمم المتحدة نجحت في وضع حد لجولة القتال الحالية.

كفاح زبون (رام الله)

«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
TT

«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)

يواجه «حزب الله» قرارات الحكومة اللبنانية التي يشارك فيها عبر التصويب على رئيسها نواف سلام، عبر تحركات لمناصريه في محيط السراي الحكومي وعدد من مناطق بيروت، في رسالة رفض واضحة لخطة «بيروت خالية من السلاح»، التي أقرتها الحكومة بهدف حصر السلاح بيد الدولة، كما لقرار التفاوض مع إسرائيل، كما أظهرت هتافات مناصريه، وهو ما قابله فرض إجراءات أمنية مشددة لضبط الوضع ومنع أي انفلات أمني في العاصمة.

ولليوم الثاني على التوالي تجمع مناصرون لـ«حزب الله» أمام السراي الحكومي، رافعين شعارات مندّدة بسياسات رئيس الحكومة نواف سلام، كما شهدت بعض شوارع بيروت تحركات مماثلة، حيث رفعت أعلام لـ«حزب الله» و«حركة أمل».

وتصادم المتظاهرون مع بعض سكان أحياء بيروت، حيث سجلت حوادث نار وتضارب، ما أدى إلى تدخل الجيش والقوى الأمنية لضبط الوضع.

مناصرون لـ«حزب الله» في تحرك في محيط السراي الحكومي في وسط بيروت (رويترز)

في المقابل، نفّذ الجيش اللبناني انتشاراً واسعاً في بيروت، لا سيما في محيط السراي، مع تسيير دوريات لأفواج المغاوير في عدد من الشوارع الرئيسية، في إطار تعزيز الاستقرار واحتواء أي توتر محتمل.

كما أفادت معلومات عن نشر قنّاصين تابعين للجيش على أسطح الأبنية المرتفعة في محيط السراي الحكومي، في خطوة احترازية لمراقبة التحركات على الأرض.

وتأتي هذه التحركات بعد قرار الحكومة حصر السلاح في بيروت، وتمسّك رئيس الحكومة نواف سلام بدور الدولة اللبنانية في تولّي التفاوض لوقف الحرب على لبنان، وذلك بعد ساعات على إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان.

وكان وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار قد دعا خلال معاينته موقع الغارات التي استهدفت بيروت، الأربعاء، إلى الالتفاف حول الدولة في هذه المرحلة الدقيقة، ومعرباً عن الأمل في التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار.

سيدات يشاركن في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)

وحذّر الحجار «من أي فتنة داخلية»، معتبراً أنها لا تخدم سوى إسرائيل وتضر بمصلحة لبنان، ومؤكداً أن «أمن البلاد يجب أن يشمل جميع المناطق دون استثناء، وأن القرارات الحكومية تصب في هذا الاتجاه».

وأضاف: «نعزّز الإجراءات الأمنيّة خصوصاً في بيروت بعد الضغط الكبير نتيجة النزوح»، لافتاً إلى أن «هناك تعويلاً كبيراً على وعي الناس؛ لأن الأزمة كبيرة، والحرب يدفع ثمنها الجميع، والدولة تقوم بكلّ جهودها وفق إمكاناتها لإنقاذ النازحين والتخفيف عن الناس، والإجراءات لا تنجح إلا بتعاون جميع اللبنانيين».


إسرائيل تصعّد في لبنان لفرض وقائع جديدة قبل مفاوضات واشنطن

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تصعّد في لبنان لفرض وقائع جديدة قبل مفاوضات واشنطن

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)

تسابق إسرائيل الوقت قبل موعد المفاوضات المرتقبة بينها وبين لبنان في واشنطن، ساعية إلى تحقيق مكاسب ميدانية تعزز موقعها التفاوضي؛ إذ أشارت المعلومات إلى أن تل أبيب طلبت من الإدارة الأميركية مهلة تتراوح بين يومين وخمسة أيام لتنفيذ سلسلة عمليات عسكرية واسعة تستهدف بنية «حزب الله».

غير أن التطوّر الأبرز تمثّل في استهداف الطيران الحربي الإسرائيلي السراي الحكومي في مدينة النبطية، ما أدى إلى مقتل 13 عنصراً من جهاز أمن الدولة وإصابة ضابط، وهي المرّة الأولى التي تُستهدف فيها مؤسسة حكومية لبنانية في هذه الحرب، كما وضع الإسرائيليون ضمن لائحة استهدافاتهم سيارات الإسعاف التابعة لكشافة «الرسالة الإسلامية»، باتهامها بأنها تُستخدم لأغراض عسكرية تخدم «حزب الله».

نوعية الأهداف

تأتي كثافة الغارات الجويّة ونوعية الأهداف بالتوازي مع التقدّم البري الذي حققه الإسرائيليون على محاور القتال في جنوب الليطاني، لا سيما في مدينة بنت جبيل، التي يصفها «حزب الله» بـ«عاصمة المقاومة»؛ لما تمثّله من رمزية معنوية في الصراع، وهو ما يعكس محاولة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل الدخول في المسار السياسي، بما يمنحها أوراق ضغط إضافية خلال التفاوض، ويؤثر مباشرة في توازنات أي تسوية محتملة.

أخطر عملية

وكثّف الطيران الحربي الإسرائيلي غاراته على الجنوب، حيث تعرضت مدينة النبطية لأكبر استهداف منذ بداية الحرب الحالية؛ إذ شنّ سلسلة غارات عنيفة استهدفت معظم الأحياء والشوارع فيها، وألحقت دماراً هائلاً، لكنّ أخطرها كان في الغارة بمحيط السراي الحكومي، ما أدى إلى تدمير مكتب جهاز أمن الدولة، ومقتل 13 عنصراً، كما أصيب ضابط برتبة ملازم بجروح مختلفة، وهرعت سيارات الإسعاف إلى نقل الضحايا والمصابين إلى المستشفيات.

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)

وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن «جميع عناصر المركز الأمني قضوا في الغارة، ولم ينجُ منها سوى الضابط المسؤول عنهم وهو برتبة ملازم». واعتبر أن العملية «تعدّ الأخطر في هذه الحرب؛ لأن الإسرائيلي تعمّد استهداف مؤسسة حكومية وقتل عناصر أمن من خلال قصف مركزهم بشكل مباشر ومتعمّد»، ويرى أن «غاية هذه العملية هو تفريغ مدينة النبطية كما غيرها من مناطق جنوب الليطاني من أي وجود للدولة اللبنانية ومؤسساتها».

سيارات الإسعاف في مرمى الاستهداف

وتحولت سيارات الإسعاف إلى هدف للجيش الإسرائيلي بعد تحذير وجّهه الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إليها، قائلاً إنها تُستخدم لأغراض عسكرية للحزب، وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن غارة إسرائيلية استهدفت بلدة ديرقانون راس العين، أدت إلى إصابة عدد من سيارات الإسعاف والإنقاذ والإطفاء للهيئة الصحية الإسلامية.

في المقابل، أعلنت وزارة الصحة العامة أنه لم يحصل أي إخلاء في الساعات الأخيرة للمستشفيات المستمرة في عملها في الضاحية الجنوبية لبيروت، مشيرة إلى أنها أجرت الاتصالات اللازمة مع منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي للمطالبة بعدم استهداف المستشفيات والمرافق الطبية، وقد تلقت الوزارة تطمينات دولية في هذا المجال.

واستهدف الطيران الإسرائيلي مغسلاً للسيارات وسط ساحة بلدة جباع في إقليم التفاح، مما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، وأفيد بأن صاحب المغسل وولديه وثلاثة مواطنين قضوا على الفور، كما قُتل شخص آخر في غارة شنتها مسيّرة استهدفته على دراجته في بلدة الشرقية.

ولقي عضو بلدية أرنون، علي عبد اللطيف غيث، حتفه، وجُرح ابنه حسن في غارة لمسيّرة إسرائيلية استهدفت مبنى يسكنه بُعيد منتصف فجر الجمعة في بلدة كفرتبنيت، كما شنت المقاتلات الحربية غارة فجر الجمعة على منزل في بلدة زفتا ودمرته بالكامل.

صورة لمبنى منهار إثر قصف إسرائيلي في النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يردّ

وكانت غارات جوية استهدفت منتصف ليل الخميس ـ الجمعة أوتوستراد النبطية - حبوش - دير الزهراني، وألحقت به دماراً هائلاً، كما أدت الغارات إلى تدمير عشرات المجمعات السكنية والمحال والمؤسسات التجارية على طول 4 كيلومترات، وغيرت معالم الأبنية على جانبَي الأوتوستراد.

وردّ «حزب الله» على التصعيد الإسرائيلي، وأعلن في بيان أنه استهدف تجمعاً لجنود الجيش الإسرائيليّ شرق معتقل الخيام بصاروخ نوعيّ، كما قصف مستوطنات المطلّة، ومرغليوت، ومسكاف عام، ودوفيف، وموقع الغجر، ومستوطنة كريات شمونة، بصليات صاروخية.

رمزية بنت جبيل

ويشي الواقع الميداني إلى تقدّم برّي ملحوظ للقوات الإسرائيلية، التي تخوض قتالاً شرساً مع مقاتلي الحزب داخل مدينة بنت جبيل، حيث أعلن الحزب أنه يخوض التحاماً مع الجيش الإسرائيلي من «نقطة الصفر»، وهو اعتراف واضح من الحزب بدخول إسرائيل إلى عمق هذه المدينة، ما يؤشر إلى أن الأخيرة تسعى سريعاً للسيطرة على المدينة؛ إذ يمهّد ذلك للسيطرة على جنوب الليطاني.

ويوضح الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد حسن جوني، أنّ مدينة بنت جبيل «تُعدّ مركز ثقل في ما يُعرف بالنسق الثاني من القرى؛ أي تلك التي قد تكون ضمن نطاق توسيع ما يُسمّى بالمنطقة العازلة»، مشيراً إلى أنه «لا يُنظر إلى بنت جبيل كموقع عادي، بل كعقدة وصل أساسية ضمن القطاع الأوسط، ما يمنح السيطرة عليها أبعاداً تتجاوز الإطار الجغرافي».

صحافيون في موقع استُهدف بغارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

الحسابات العسكرية

ويكتسب احتلال بنت جبيل أبعاداً مختلفة، ويرى جوني أنّ «البُعد الأول هو البعد المعنوي؛ إذ إن بنت جبيل، التي تُعرف بـ(عاصمة المقاومة)، شكّلت تاريخياً نقطة تحدٍّ بين الحزب والجيش الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، تحظى المدينة بأهمية خاصة في الحسابات العسكرية الإسرائيلية التي تسعى إلى تحقيق مكاسب ذات أثر معنوي على خصمها. وقد ظهر ذلك خلال حرب 2024؛ إذ أصرّ الجيش الإسرائيلي على السيطرة على محاور يعتبر أن سقوطها يحمل دلالات معنوية، مثل عيتا الشعب والخيام؛ لما لذلك من تأثير على صورة (حزب الله) ومكانته».

موقع استراتيجي

ويكتسب البعد الثاني أهدافاً ميدانية، وفق تعبير جوني، الذي قال إن بنت جبيل «تتميّز بموقع استراتيجي يجعلها عقدة وصل بين عدد من القرى والاتجاهات، ما يتيح، في حال السيطرة عليها، الإمساك بهذه العقدة الحيوية والتحكم بها، فضلاً عن التأثير على حركة (حزب الله) في محيطها، سواء عبر تعطيل تنقّلاته أو من خلال فتح المجال لتطوير العمليات العسكرية باتجاهات متعددة انطلاقاً منها».

وفي البعد الثالث يلفت جوني إلى «استخدام بنت جبيل كورقة مهمّة لاستكمال جغرافية المنطقة العازلة، وللضغط على الدولة اللبنانية لاستخدام هذه المدينة ورقة ضغط خلال المفاوضات، بحيث يصبح الانسحاب منها مشروطاً بالحصول على ترتيبات أمنية وسياسية معيّنة».

مدخل بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها وبدء عودة الأهالي إليها عقب انتهاء الحرب في شهر نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

لا ثبات في المعركة

وتشكل معركة بنت جبيل تحولاً مهماً في العملية، ويضيف العميد جوني أنه «لم يسبق للقوات الإسرائيلية أن سيطرت على مدينة بالمعنى الكامل للكلمة ضمن هذا النطاق؛ إذ اقتصرت المعارك والتقدّم على القرى الحدودية أو المواقع المتقدمة، ما يجعل احتلال بنت جبيل، كمدينة كبيرة نسبياً في المنطقة، عاملاً يعزّز من ثقل الوجود العسكري الإسرائيلي، ويمنحه بعداً مختلفاً على مستوى الميدان والسياسة».

وأعطى العميد حسن جوني ملاحظة، مفادها أن الحزب قد لا يخوض معركة مستميتة من أجل الدفاع عن هذه المدينة، مشيراً إلى أن «التكتيك الذي يعتمده الحزب في هذه الحرب، هو أنه لا يضحّي من أجل الثبات، بل يضحّي من أجل إلحاق الخسائر بالقوات المهاجمة».


واشنطن تطلق محادثات لبنانية - إسرائيلية هاتفياً

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)
TT

واشنطن تطلق محادثات لبنانية - إسرائيلية هاتفياً

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)

استضافت الولايات المتحدة محادثات هاتفية تحضيرية، الجمعة، بين لبنان وإسرائيل، تمهيداً لمفاوضات مباشرة ستُعقد، الأسبوع المقبل، برعاية إدارة الرئيس دونالد ترمب في واشنطن العاصمة. بينما حذر مسؤول أميركي رفيع سابق من تحويل لبنان مجدداً كساحة صراع بين القوى الإقليمية، مستفيدة من انقساماته الداخلية بالإضافة الى التدخلات الخارجية.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وثيقة الاطلاع على الجهود التي تبذل حالياً أن الوسطاء يسعون إلى اعتماد «النموذج الباكستاني» لوقف النار لمدة أسبوعين بين لبنان واسرائيل، على غرار ما يحصل بين الولايات المتحدة وإيران، كبديل من اقتراح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إجراء المحادثات في ظل الصدامات العسكرية بين إسرائيل و«حزب الله»، مشددين على أهمية فصل المسار التفاوضي اللبناني - الإسرائيلي عن المسار الأميركي - الإيراني «رغم أهمية التزامن بينهما».

وبينما لم يُتخذ قرار نهائي بعد، لا تزال الاتصالات متواصلة لمعرفة إمكانية خفض التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله» إلى المستويات التي كانت سائدة قبل بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة الأخرى في نهاية فبراير (شباط) الماضي. وكانت هذه الفكرة موضع بحث في اتصال هاتفي بين ترمب ونتنياهو، وسط مخاوف أميركية من أن يؤدي استمرار القتال في لبنان إلى انهيار وقف النار الهش مع إيران.

ووسط مساعٍ لعقد اجتماع بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ورئيس الحكومة اللبناني نواف سلام الذي يزور واشنطن العاصمة، الأسبوع المقبل، سعت دول مؤثرة تتقدمها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا إلى دعم لبنان في العملية التفاوضية الصعبة مع الجانب الإسرائيلي.

وشارك في الاتصال الهاتفي كل من السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى ومستشار وزارة الخارجية الأميركية مايكل نيدهام والسفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر.

ديفيد هيل في بيروت (أرشيفية - رويترز)

وفي جلسة حوارية عُقدت في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، حذر السفير الأميركي السابق في بيروت ديفيد هيل من أن هشاشة لبنان المستمرة كساحة صراع بين القوى الإقليمية تنبع من انقساماته الداخلية بقدر ما تنبع من التدخلات الخارجية.

وأشار هيل إلى نمط تاريخي بارز: وهو أن الولايات المتحدة وإسرائيل، عند مواجهة عنف من وكلاء إيران أو سوريا، كثيراً ما فضّلتا حصر ردّهما داخل لبنان بدلاً من مواجهة مصدر المشكلة مباشرة في دمشق أو طهران. وقال: «تدور هذه المعارك في لبنان، رغم أن مصدر المشكلة كان يكمن في دمشق أو طهران».

وأوضح أن هذا الوضع بدأ يتغير بعد أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وبلغ ذروته في اتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه في نهاية ولاية إدارة الرئيس جو بايدن. وقال إن هذا الاتفاق مثّل لحظة ضغط غير مسبوقة على «حزب الله»، لم يسبق للجماعة أن واجهتها من قبل، حتى خلال حرب 2006. وأضاف: «وجد (حزب الله) وقفاً لإطلاق النار لتجنب الإبادة الكاملة»، مشيراً إلى أن الجماعة «بدأت على الفور في مراجعة» التزامها بنود الاتفاق بمجرد تخفيف الضغط.

وفي هذا السياق، أشار هيل إلى ما وصفه بانفتاح سياسي نادر، ألا وهو انتخاب رئيس لبناني، وتعيين رئيس وزراء، وهما، ولأول مرة منذ زمن طويل، لا يخضعان لسيطرة سوريا أو إيران، وحذر من تحميل القوات المسلحة اللبنانية وحدها مسؤولية حل الأزمة، قائلاً: «في النهاية، ستكون عملية سياسية». وأشار إلى أن الخطط الأمنية الجديدة، بما فيها إعلان توسيع سلطة الدولة على بيروت، تُعد خطوة مهمة، لكنه حذر من أن نطاق سيطرة الدولة على العاصمة لا يزال محدوداً، ولا يشمل الضواحي الجنوبية.

كما حذر من أحد أخطر أساليب «حزب الله التاريخية: الاغتيال السياسي». وذكر أنه «خلال ثورة الأرز، لجأت الجماعة إلى قتل المعارضين، بمن فيهم رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وأكثر من 12 عضواً في البرلمان، لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه سياسياً عبر العنف، وقال: «إننا نتعامل الآن مع أبناء وبنات وإخوة وأخوات من اغتيلوا، والذين يتذكرون ثمن الاستقلال».