لغة الضاد تتقدم في العالم وتتراجع في ديارها

اليوم العالمي للغة الأم (1 من2): مختصون وأكاديميون وباحثون يبدون آراءهم حول حال اللغة العربية

لغة الضاد تتقدم في العالم وتتراجع في ديارها
TT

لغة الضاد تتقدم في العالم وتتراجع في ديارها

لغة الضاد تتقدم في العالم وتتراجع في ديارها

في الواحد والعشرين من فبراير (شباط) من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للغة الأم، وذلك، كما جاء برسالة الأمم المتحدة حين اعتمدت هذا اليوم؛ ‏«لتعزيز الوعي بالتنوع اللغوي والثقافي وتعدد اللغات، والترججة خصوصاً لحماية اللغات المعرضة للاندثار، عبر حماية التجمعات البشرية التي تتحدثها، وحفظ تنوعهم الثقافي... لتعزيز التنمية المستدامة، ينبغي أن يحصل الطلاب على التعليم بلغتهم الأمِّ إضافة إلى اللغات الأخرى؛ فالتمكّن من اللغة الأولى يُسهّل عليهم اكتساب المهارات الأساسية للقراءة والكتابة والحساب. إنّ اللغات المحلية، الأصلي والأقلَّي منها بخاصة، جِسْرٌ تنتقل عبرَه الثقافات والقيم والمعارف التقليدية، وهي بذلك تلعب دوراً مهمّاً في تعزيز المستقبل المستدام». إن اللغات وتعدد اللغات، كما أضاف البيان، يمكنها تعزيز الاندماج، وأن التعليم وبخاصة التعليم القائم على اللغة الأولى أو اللغة الأم، ينبغي أن يبدأ في السنوات الأولى في إطار رعاية الطفولة المبكرة». وركزت رسالة اليونيسكو أيضاً على دور التكنولوجيا، في عالمنا الرقمي، في النهوض بالتعليم متعدد اللغات ودعم تطوير جودة التدريس والتعلم للجميع، وهي يمكن لها أن تلعب دوراً مهماً في تسرع الجهود نحو ضمان فرص تعلم للجميع. ما حال اللغة العربية؟ إنها ليست في أفضل حالاتها على الأقل، فعلى الرغم من أنها تتبوأ الرتبة الرابعة بين لغات العالم من حيث الانتشار، وأنها إحدى اللغات الرسمية للأمم المتحدة، وأن عدد الراغبين في تعلمها يزداد يوماً بعد يوم، فإن مكانتها تتراجع في نفوس أبنائها، وخاصة عند الجيل الجديد، الذين يفضلون «لغة النت»؟ ما السبب في ذلك؟ هل الأمر مرتبط فقط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمر بها البلدان العربية، فاللغة ليست سوى أهلها، أم أن هناك خللاً كبيراً في العملية التعليمية كلها؟ ثم، ما الذي تفعله المؤسسات الثقافية والمجامع اللغوية تجاه ما يجري؟
هنا آراء عدد من المختصين والأكاديميين والتربويين من مختلف البلدان العربية:

كتاب مغاربة: لا خوف على العربية... إنها تحمل بداخلها مقومات ديمومتها

تجمع آراء كتاب ومهتمين باللغة العربية في المغرب على أن «لغة الضاد» تعيش «محنة» في البلاد العربية، مع حديثهم عن مفارقة تطورها وانتشارها في العالم، مقابل تراجع مكانتها في نفوس أبنائها، إلا أنهم عبروا عن قناعاتهم بأن «لغة الضاد» قادرة على مواجهة التحديات.
ننشر هنا آراء كل من فؤاد بوعلي رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بالمغرب، والناقد والمترجم محمد آيت لعميم، والناقد نجيب العوفي، والشاعر المقيم ببلجيكا طه عدنان.

بوعلي: صورة معقدة

يرى فؤاد بوعلي أن من يسعى لتحليل وضعية اللغة العربية في الواقعين العربي والعالمي، يجد نفسه أمام صورة معقدة، إذ تعرف العربية تطوراً وانتشاراً في العالم، يوازيهما نكوص في أوطانها وتعثر في مستويات تعليمها وتعلمها، فهي تحتل، من جهة، الريادة في مصاف اللغات العالمية، وتتراجع مكانتها في نفوس أبنائها، من جهة أخرى.
يرصد بوعلي جملة من المفارقات حول وضعية العربية، مشيراً إلى أنها تتبوأ عالمياً الرتبة الرابعة بين لغات العالم من حيث الانتشار، كما أنها إحدى اللغات الرسمية للأمم المتحدة، فيما يزداد عدد الراغبين في تعلمها يوماً بعد يوم، ويتزايد عدد المعاهد والمراكز المتخصصة في تعليمها خارج الدول الناطقة بها، كما تحتل مكانة متميزة في الوجدان العربي الإسلامي. ويعطي المثال لهذه الوضعية الإيجابية بدراسة أعدها مجلس النواب المغربي (الغرفة الأولى في البرلمان)، أثبتت أن الأغلبية الساحقة من المغاربة (نحو 85 في المائة) تفضل استعمال اللغة العربية على اللغات الأجنبية في علاقتها بالإدارة، كما تحدث عن الاهتمام الدولي المعتبر بالعربية، من خلال الفعاليات التي تشرف عليها بعض المؤسسات العربية والعالمية، مشيراً إلى أن السنة الجارية عرفت تأسيس المجلس الأعلى للغة العربية بأفريقيا، ما يعني، حسب قوله، أن الأفارقة، كباقي شعوب العالم، غدوا يعتبرون العربية لغتهم وليس لغة وافدة. وفي المقابل، يضيف بوعلي، يتضح ارتكاس العربية جلياً في أوطانها، مع ضعف مقلق في نسبة تعلمها، وعزوف غالبية الناس عن التحدث بها، أو صياغة متون المراسلات بحروف هجائها ووفق قواعدها، علاوة على الحروب الهوياتية التي تقام ضدها، تارة باسم التحديث وعدم قدرتها على مواكبة زمن العلم، وتارة باسم الخصوصية القطرية واللغات الأصلية، في وقت يعرف تصاعد دعوة توظيف العامية في وسائل الإعلام والاتصال والترفيه والتدريس، والنتيجة واحدة؛ محاصرة العربية في مجالاتها الطبيعية التداولية.
ويربط بوعلي جهود الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بالمغرب، بمسارات اشتغال متنوعة؛ أكاديمياً من خلال تشجيع البحوث العلمية في العربية وقضاياها المختلفة وعقد ملتقيات بحثية لمناقشتها، وكذا تطوير طرق التدريس ومناهجه، وتشجيع التدريس بالعربية باعتبارها لغة المعرفة والتنمية؛ وإعلامياً من خلال التعريف بقدرات العربية التعبيرية ودورها الحضاري والمعرفي وعمقها الاستراتيجي؛ وقانونياً من خلال تشجيع الحكومة والمسؤولين والفرق البرلمانية على التقدم في مسار تنزيل مقتضيات النص الدستوري والترافع القانوني ضد الإساءة للغة الضاد؛ ومدنياً من خلال الفعاليات التي تنظمها مؤسساته كـ«شباب الائتلاف» و«نساء الائتلاف» و«محامون من أجل الهوية».
يخلص بوعلي إلى أنه رغم الواقع المرير الذي تعيشه العربية، فإن الائتلاف عبر مؤسساته ومبادراته عازم على التمكين للغة الضاد في المؤسسات والدوائر الإدارية وترسيخ وجودها الرسمي، كما هو مرسخ في الوجدان الشعبي.

آيت لعميم: لغة شاعرة

ينطلق محمد آيت لعميم من قناعته بأن «خصوصية اللغة العربية تكمن في أنها حاملة لذاكرة حية تستمر عبر الزمن، وهذا ما يجعلنا نفهم نصاً شعرياً من غابر الأزمنة، ونفهم القرآن، الذي حافظ على صفاء اللغة وقدرتها التواصلية، بخلاف لغات أمم تغيرت منذ النشأة إلى اليوم».
يقارن آيت لعميم بين وضعية العربية وأوضاع غيرها من اللغات، فيقول إن كثيراً من أهل اللغات الغربية لا يستطيعون فهم لغتهم في مرحلة النشأة، كما هو الحال بين الفرنسية القديمة والحديثة. ثم يضيف موضحاً: «نحن نقرأ لغة امرئ القيس ونفهمها، كما نقرأ لغة محمود درويش ونفهمها، هذه الاستمرارية التواصلية سمة مميزة لعبقرية اللغة العربية، التي وسمها العقاد في عنوان كتاب له بعنوان (اللغة الشاعرة) بأنها لغة تحمل بصمات هوية، حيث إن هوية الشعوب تترسب في لغتها، فاللغة من أخطر الهبات، وهي مسكن الوجود، على حد تعبير هايدغر، فكثير من الكتاب عبروا عن هذا الإحساس حين يفقدون أوطانهم، يجدون العزاء في مأوى اللغة. فاللغة مأوى الغريب، وهي الجزء الجوهري في بناء الذات وحضورها، من هنا نفهم حرب اللغات، والقضاء عليها إذا ما أرادت قوة استعمارية أن تفتك بأمة حيث إن أول ما تستهدفه هو محو لغتها، فحين يفقد الإنسان لغته يصير لقمة سائغة ويفقد كل اتجاه. إنه يضيع ويتيه، ويعتريه المسخ».
يتوسع آيت لعميم في استعراض ما تتميز به العربية، وما مكنها من الحضور والانتشار، مشدداً على أن «اللغة تكتسب بالمران والتكرار، وبكثرة النظر في كلام الشعراء والبلغاء والناثرين، وحفظ الكلام الجيد الحامل لمعانٍ دفينة»، بشكل يسمح بـ«التعبير عما يختلج في النفس من معانٍ»، حيث إن «المراس والدربة وتخير النصوص الجميلة تشكل جميعها لدى قارئ اللغة العربية زاداً وفيراً يستعين به على الكتابة وحسن الخطاب».
يشير آيت لعميم إلى أن الكتابة بالعربية عرفت، على مدار عقود من الزمن، نصوصاً إبداعية غاية في الرونق والجمال الأسلوبي، مع عمق في الرؤية والنظرة الثاقبة، فيما أسهمت أقلام كثيرة في نشأة كتابة متنوعة الأجناس ومتعددة المرامي، ما مكنها من أن تحمل بداخلها مقومات تطورها وديمومتها، في وقت أغناها المنتسبون إليها عبر مراحل، وما زالت هناك إشراقات تظهر، هنا وهناك، تبرهن على أن «اللغة العربية لغة إبداع وشعر وتفكير ونقد وترجمة، قابلة لاحتواء ما تريد».
يخلص آيت لعميم إلى أنه إن اعترت أهل العربية لحظات فتور وخمول، فإن «بحر اللغة الذي بلا ضفاف ما زال يحض الغواصين على الغطس فيه بحثاً عن دره ولآلئه».

نجيب العوفي: سهام تستهدف العربية

ينطلق العوفي من معطى أن اللغة «تعزّ بأهلها وتضعف بضعفهم»، ليقول إن «عبقرية اللغة العربية أنها تتجاوز أهلها باستمرار، وتختزن همومهم باستمرار، لأن طاقة روحية هائلة تسكنها وتقوّي جهاز مناعتها».
وعن حال العربية اليوم، يركز العوفي على «حالة المغرب هنا والآن»، فيرى أن الحرب أضحت «معلنة على العربية جهاراً نهاراً، من طرف الدعاة - الغُلاة إلى الفرانكوفونية تارة، وإلى الأمازيغية تارة ثانية، وإلى الدارجة تارة ثالثة». وينتقد العوفي من وصفهم بـ«الدّعاة - الغُلاة»، الذين «يذهبون بالدعوة - النزعة إلى أقصاها ويحرّفونها عن سويّتها ويحمّلونها ما لا تطيق، أي الذين يجعلونها وسواساً في الصدور. لأنه لا أحد عاقلاً في تقديري، يقف ضد التعدد اللساني السلس والسلمي في المغرب، في إطار الثوابت الوطنية والروحية والتاريخية، واللّحمة اللغوية المشتركة المُوحّدة للمغاربة والجامعة إياهم على كلمة سواء، وهي العربية».
يستعيد العوفي محنة العربية في العصر الحديث، مشيراً إلى أن الفرانكوفونية كانت تاريخياً هي رأس الحربة الأولى الموجّهة إلى العربية، قبل أن تتوالى السهام الرديفة بعدئذ، مشيراً، في هذا الصدد، إلى «سهم الأمازيغية الذي استلّه المستعمر ذات يوم من عُقر الدار ليفرق به بين أهل الدار، تحت (يافطة) الظهير البربري». ثم أضاف: «وها نحن الآن لغوياً مع ثالثة الأثافي كما ألمحتُ، وهي الدعوة إلى الدارجة، وتدريج التعليم المغربي». مع إشارته إلى أن في إقحام الأمازيغية والدارجة في المشروع التعليمي - اللغوي - الحضاري المُراهن على المستقبل «إساءة بالغة إلى الأمازيغية والدارجة معاً، بتحميلهما ما لا يحتملانه».
ويرى العوفي أن ثمة أسباباً لهذه الدعوات وظروفاً سياسية - وسياقية ساعدت على ظهورها، وبخاصة الدعوة إلى العامية، مع تشديده على أن «الظرف التاريخي العصيب والكئيب الذي يعيشه العرب وتعيشه العربية» شكّل «مناسبة سانحة للصيد في الماء العكر والتنصّل من العروبة والعربية».
وبصدد حال العربية في المشهد الأدبي والإبداعي، سجّل العوفي ملاحظتين متنافرتين، الأولى أن الإبداع العربي من منظور عام وعلى اختلاف تجلياته وأجناس قوله يشكّل «الرئة التي تتنفّس بها العربية بعضَ هواء وتحافظ على البقية الباقية من رمقها وروحها»، مشدداً على أن الأدباء هم «حرّاس العربية وجنودها الخلفيون»؛ فيما تتمثل الثانية، في أن حال العربية في كثير من الإنتاج الأدبي العربي في الفترات الأخيرة هي حال متردّية وبالغة السوء، معجماً وصرفاً وإعراباً وإملاء وبلاغة. حال هي أشبه ما تكون باليتيم في مآدب اللئام.
ومع ذلك، يستدرك العوفي قائلاً: «إن العربية التي واجهت عبر تاريخها الطويل رياحاً هُوجاء وظلت باستمرار لغة جميلة مبدعة، قادرة على مواجهة التحديات والأفخاخ المنصوبة في طريقها، ذهباً إبريزاً لا تزيده النار إلا مَضاء وبهاء».

طه عدنان: لغة منفتحة

ما تحدث عنه بوعلي وآيت لعميم والعوفي بخصوص عبقرية اللغة العربية، يؤكده طه عدنان انطلاقاً من تجربته الإبداعية وحرصه على الكتابة بها، وهو يعيش في بلاد أخرى. يقول: «أعيش في بروكسل منذ 1996. ولا أشعر بالرغبة في التحوّل عنها إلى لغة أخرى. لأنّني عندما هاجرتُ كان عمري 26 عاماً. بمعنى أنني كنت أحمل ثقافة وفكراً ووجداناً ولغة كتابة أيضاً. ومن الصعب أن تطاوعني لغة كما يمكن للضّاد أن تفعل. لذا فقد اعتمدتُها ناطقاً رسمياً باسم الوجدان».
يبرر عدنان اختياراته بأن «اللغة العربية لغة طيّعة منفتحة ويمكنها التأقلم بسلاسة مع مفردات البيئة المختلفة»، مع إشارته إلى أنه كمواطن بلجيكي يعيش في مدينة متعددة الثقافات مثل بروكسل، يدافع عن كتابته باللغة العربية باعتبارها «لغة بروكسلية، شأنها في ذلك شأن الفرنسية والهولندية والإيطالية والبرتغالية والإسبانية والإنجليزية واليونانية والبولندية والتركية والأمازيغية وغيرها من اللغات التي توشّي فضاء العاصمة اللغوي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
TT

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)

نجحت «البحر الأحمر الدولية»، الشركة المطورة لأكثر الوجهات السياحية المتجددة طموحاً في العالم، في إتمام زراعة أكثر من 5000 شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه»، محققةً بذلك أكبر مشروع لإعادة إحياء هذا النوع النباتي في تاريخ السعودية.

ويكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعدّ الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار في أقصى الحدود الشمالية لانتشارها حول العالم. وتعرف أشجار المانغروف الحمراء محلياً باسم «القندل»، وتُمثل رئة حيوية للبيئة البحرية؛ إذ تلعب دوراً جوهرياً في حماية السواحل، وتوفير بيئة خصبة لتكاثر الأسماك والقشريات، فضلاً عن قدرتها الفائقة على احتجاز الكربون بمعدلات تتجاوز الغابات البرية.

وقال رائد البسيط، رئيس البيئة والاستدامة في «البحر الأحمر الدولية»: «إن نجاحنا في إعادة تأهيل أشجار المانغروف الحمراء بهذا النطاق الواسع ليس مجرد رقم يضاف لسجلاتنا؛ بل هو انتصار علمي يسجل باسم السعودية وشركتنا. نظراً للتحديات البيئية الدقيقة التي يتطلبها هذا النوع للنمو، فإن استعادته تعني استعادة التوازن للنظم البيئية الحساسة. نحن اليوم نضع حجر أساس لمستقبل بيئي أكثر استدامة، سيعود بالنفع المباشر على أهالي مناطق البحر الأحمر، ويعزز إرثنا الطبيعي للأجيال القادمة».

يكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعد الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار (البحر الأحمر)

وتختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية، بكونها أكثر تطلباً وحساسية؛ فهي لا تزدهر إلا في ظروف محددة للغاية من حيث ملوحة المياه، وحركة المد والجزر، واستقرار درجات الحرارة. ورغم هذه التعقيدات، سجل فريق البحر الأحمر الدولية معدل بقاء استثنائي للشتلات بلغ 97 في المائة، وهو رقم قياسي تحقق بفضل تطوير تقنيات مبتكرة محلياً داخل الشركة، شملت أساليب متقدمة لتثبيت الرواسب والتحكم الدقيق في حركة المياه.

من جانبه، أضاف راشد آل هتيلة، رئيس قسم الاستدامة البيئية في «البحر الأحمر الدولية»: «تمثل أشجار القندل كنزاً بيئياً نادراً على سواحلنا، وما حققناه في بحيرة الوجه هو برهان عملي على قدرتنا على تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو والازدهار. هذه الخطوة ليست سوى بداية لمسيرة طموحة تهدف إلى حماية هذه النظم الطبيعية الفريدة وإعادة الزخم للحياة الفطرية في وجهاتنا».

تختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية بكونها أكثر تطلباً وحساسية (البحر الأحمر)

يُذكر أن هذا الإنجاز يأتي جزءاً جوهرياً من التزام «البحر الأحمر الدولية» الراسخ تجاه حماية البيئة، وضمن برنامجها الأوسع الذي نجح حتى الآن، في زراعة أكثر من 3 ملايين شتلة من أشجار المانغروف الرمادية، من أصل هدف طموح لزراعة 6 ملايين شتلة، ليكون بذلك أحد أضخم برامج إعادة التأهيل البيئي في المنطقة.

وتستقبل وجهة البحر الأحمر زوارها حالياً في 9 منتجعات فاخرة، بالإضافة إلى منتجع «ثُوَل الخاص». كما تترقب الأوساط العالمية افتتاح وجهة «أمالا» قريباً، التي ستدشن مرحلتها الأولى في «تربل باي» بـ6 منتجعات راقية، إلى جانب مرافق نوعية تشمل «نادي اليخوت»، و«معهد الحياة البحرية»، و«قرية المارينا»، لتقدم تجربة سياحية متجددة وفريدة من نوعها.


آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
TT

آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي

كشف المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية، الاثنين، عن مفاجآت مرتقبة في إطار التعاون الثقافي بين المملكة ومصر، وذلك عقب اجتماعه مع وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي، على هامش زيارته الحالية للقاهرة، التي تمتد لأيام.
وجاء الاجتماع بالتزامن مع زيارة أخوية أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جدة، حيث استقبله الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، واستعرضا العلاقات الثنائية الوثيقة والتاريخية بين البلدَين، والسبل الكفيلة بتطويرها في مختلف المجالات.
وناقش الجانبان خلال الاجتماع سبل تعزيز التعاون الثقافي بين السعودية ومصر، وبحثا مشاريع في الموسيقى والأوبرا والسينما. كما أكدا عمق علاقات البلدين التاريخية، وأهمية توسيع آفاق الشراكة في المجالات الثقافية والفنية، بما يواكب التوجهات الاستراتيجية لقيادتيهما، ويعزز الحراك الإبداعي المشترك.

جانب من اللقاء بمقر وزارة الثقافة المصرية (حساب تركي آل الشيخ على «إكس»)

وقال المستشار تركي آل الشيخ في تصريحٍ له عقب الاجتماع، إنه اتفق مع الوزيرة جيهان زكي على «أن يكون شعارنا (نزرع الأمل والبهجة)»، مضيفاً: «لدينا مفاجآت كبيرة، ونتشارك ذات الرؤية والتوجه، وهناك مفاجآت تخص دار الأوبرا المصرية، حيث سيتم إعداد برنامج كبير لزيارة فناني الدار إلى المملكة بشكلٍ شهري».

وأعلن رئيس هيئة الترفيه السعودية عن مفاجأة كبيرة جداً يجري الإعداد لها في الساحل الشمالي، وأخرى تتعلق بالسينما والثقافة في جميع محافظات مصر، مؤكداً أن «الصيف سيكون مختلفاً في مصر هذا العام»، والمرحلة المقبلة ستشهد إعلان عدد من المبادرات التي تعكس مستوى التنسيق القائم بين الجانبين.

بدورها، أبدت الوزيرة جيهان زكي، سعادتها بالنقاشات والحوارات بين الجانبين، معربة عن تقديرها لروح التعاون المثمرة. وأكدت أهمية الشراكات السعودية - المصرية، مشيرةً إلى أن الثقافة تمثل ركيزة أساسية في ترسيخ علاقات البلدين الاستراتيجية.

الوزيرة جيهان زكي تستقبل المستشار تركي آل الشيخ (هيئة الترفيه السعودية)

ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة اجتماعات يعقدها المستشار تركي آل الشيخ خلال زيارته الحالية إلى القاهرة، بهدف تعزيز الشراكات الثقافية والفنية، وفتح آفاق جديدة للتكامل بين المؤسسات المعنية في السعودية ومصر، بما يخدم تطلعات الشعبين.

كان المستشار تركي آل الشيخ التقى في وقت سابق، وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان، وبحثا تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الإعلام والثقافة والفنون.

وقال رشوان إن زيارة آل الشيخ، بمضمونها وتوقيتها، تحمل رسالة ذات دلالات واضحة على أن العلاقات بين البلدين، على مختلف المستويات، بما فيها الجوانب الثقافية والإعلامية، أقوى وأكثر استقراراً ورسوخاً من أي محاولات يائسة للنيل منها أو تشويه حقيقتها.

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «فيسبوك» من لقائه مع الوزير ضياء رشوان

ونوَّه رئيس هيئة الترفيه السعودية بأنه سيجتمع مع عدد من المسؤولين عن شؤون الثقافة والإعلام والفنون، وكثير من الرموز المصرية في هذه المجالات، لبحث آفاق أوسع من التعاون، والارتقاء بالعمل المشترك إلى مستوى يتناسب مع ما يجمع البلدين وقيادتيهما من روابط تاريخية عميقة.

وأضاف آل الشيخ أن «هناك ثقافة عربية واحدة، بلغة عربية واحدة، أسهم فيها كل شعب عربي بطرق متنوعة، ولا شك أن التعاون المصري - السعودي اليوم يُمثّل أساساً في قيادة مشروع النهوض الثقافي العربي الشامل الذي نتطلع إليه».


واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

جددت واقعتا الكتابة على حائط بمنطقة آثار سقارة (غرب القاهرة) من قبل أحد المرشدين السياحيين، والتعدي على قلعة الجندي والحفر خلسة وتدمير حمام بخار بالكامل اكتُشف داخلها منذ ما يزيد على 5 سنوات... المطالب بضرورة التصدي لأي عمليات من شأنها تشويه الآثار المصرية، وتعريضها للخطر. وضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمطالب لمتخصصين ومتابعين متنوعين بالحد من هذه السلوكيات.

وقال الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن «المدهش في واقعة الكتابة بالطباشير أنها تأتي من مرشد سياحي، المفترض أنه على درجة كبيرة من الوعي بقيمة الأثر»، وطالب عبد البصير بـ«التصدي بحزم لمثل هذه التصرفات حتى يتم وأد حالات اللامبالاة والإهمال التي يمكن أن تنشأ لدى البعض، قبل أن تستفحل وتتفاقم ونجد صعوبة في السيطرة عليها».

وقال عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إن «تصرف المرشد السياحي وتبريره ما قام به، وعدم شعوره بالضرر الذي وقع على هرم سقارة، مسيء ومشين للآثار المصرية، ويعاقب عليه القانون، فضلاً عن أثره الحضاري السلبي الذي يمكن أن يصل للعالم من جراء تصرف عنصر يُفترض أن يتصدى لأي سلوك يشوّه الآثار لا أن يقوم هو به، كما أنه يجادل، وينفي علاقة الحجر الذي شوّهه بالأثر، والادعاء بأنه من الأحجار المضافة لهرم أوناس بسقارة».

مرشد سياحي يُشوّه هرم سقارة (يوتيوب)

وعدّ أن «التهاون مع مثل هذه التصرفات يعطي مردوداً سلبياً على الآثار المصرية، والتعامل معها، فضلاً عن نظرة العالم لنا حين نطالب باستعادة آثارنا المنهوبة»، وفق عبد البصير الذي دعا لوقفة قوية من نقابة المرشدين السياحيين بعد توقيف صاحب الواقعة.

في المقابل، كان هناك رصد لأعمال تعدٍّ على قلعة الجندي في سيناء، التي تقع على طريق الحج، وقد كشف عن هذه التعديات الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان في صفحته على «فيسبوك»، وقال إن «أعمال حفر نُفّذت خلسة أدت إلى تدمير حمام بخار بالكامل، كان قد اكتُشف في موسم حفائر 2020 - 2021 بواسطة بعثة آثار منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية، على الطريق الحربي لصلاح الدين في سيناء المعروف بطريق صدر».

جانب من أعمال التدمير التي رُصدت في الحمام الأثري (صفحة د.عبد الرحيم ريحان على «فيسبوك»)

ونشر ريحان صورة تظهر أرضية الحمام وقت اكتشافه، وتُوضح أن الأرضية كانت سليمة، وبعدد 6 بلاطات أثرية بحالة كاملة كما هو مثبت فى تقرير الحفائر، الذي يُشير إلى أنه ثالث حمام أيوبي متبقٍّ فى سيناء، وصورة أخرى تظهر أرضية الحمام بعد حدوث تعدٍّ عليه من قبل المحيطين بالمنطقة، و«القيام بأعمال حفائر خلسة داخل القلعة بحثاً عن الآثار، وهو ما أدى إلى تدمير أرضية الحمام، مما يمثل كارثة كبرى. والحمام مكون من 3 حجرات وموقد حجري ضخم أسفل الحمام تحت البلاطات التي دُمِّرت، وبه أحواض علوية وحوض توزيع ومغطس».

ووفق الدكتور فاروق شرف، خبير ترميم الآثار المصرية، فإن «ما جرى من تشويه داخل هرم أوناس بسقارة، وتدمير حمام كامل بقلعة الجندي بسيناء، يرجعان لوجود حالة تراخٍ من الأثريين أنفسهم في حماية الآثار»، وطالب في حديث لـ«الشرق الأوسط» بـ«ضرورة تكثيف المراقبة من جانب وزارة السياحة والآثار، فلا يجوز أن تُترك كنوزنا وهي موجودة في مساحات شاسعة عرضة للانتهاك دون حماية»، وأضاف شرف: «أقترح أن ينظم المجلس الأعلى للآثار محاضرات دورية للعاملين في مجال الآثار، إضافة إلى طلبة المدارس، توضح لهم أهمية الآثار وقضية حمايتها والحفاظ عليها وطرق ترميمها»، مؤكداً أن الاهتمام بالوعي الأثري هو حائط الصد الأول للحماية، وأن «وجود الأثر في منطقة بعيدة مثل قلعة الجندي لا يُبرر انتهاكه، ولا التعدي عليه».