«كل شيء في كل مكان في وقت واحد» يفوز بجائزة «نقابة المخرجين الأميركية»

«الشرق الأوسط» في موسم الجوائز: (1)

الممثلة الأميركية ستيفاني هسو مع المخرجين دانيال كوان ودانيال شاينرت (أ.ف.ب)
الممثلة الأميركية ستيفاني هسو مع المخرجين دانيال كوان ودانيال شاينرت (أ.ف.ب)
TT

«كل شيء في كل مكان في وقت واحد» يفوز بجائزة «نقابة المخرجين الأميركية»

الممثلة الأميركية ستيفاني هسو مع المخرجين دانيال كوان ودانيال شاينرت (أ.ف.ب)
الممثلة الأميركية ستيفاني هسو مع المخرجين دانيال كوان ودانيال شاينرت (أ.ف.ب)

فاز المخرجان دانيال شاينرت ودانيال كوان بجائزة «نقابة المخرجين الأميركية» (Directors Guild of Ameria). ولأسباب عدّة لم يأتِ ذلك مفاجأة بين قطاع كبير من السينمائيين والمراقبين. هناك جنوح كبير، ولا يخلو من الغرابة، للفيلم الذي حققه «الدانيالان» كوان وشاينرت بعنوان «كل شيء في كل مكان في وقت واحد» (Everything Everywhere All at Once) نال، بتعداد موقع (Imdb‪.‬pro) المتخصص، 270 جائزة من مؤسسات مختلفة الأهمية والأحجام. هناك المؤسسات العريقة مثل «غولدن غلوبز» والجمعيات النقدية من نيويورك وشيكاغو إلى دالاس ولوس أنجليس، وتلك المناسبات السنوية التي تمنح نفسها حضوراً إعلامياً مرّة واحدة في كل سنة هي المرّة التي تنتخب فيها جوائزها لأفضل فيلم وأفضل أصحاب مهن سينمائية.‬
العنوان، فوضوي وطويل ويشبه نداء الباعة في الأسواق العامّة، يعكس الطريقة التي انتهجها هذا الفيلم في سرد حكايته. هو أقرب إلى أخطبوط له 8 أذرع كل ذراع تحكي شيئاً في أي مكان وفي وقت واحد. المزج فيه ليس فقط بين الحقيقة والخيال، بل لا يوجد فيه حقيقة لكي يواجهها خيال. ولا الخيال يعكس إلا ما جال في البال حين الانكباب على كتابة سيناريو في عهد مضى لم يكن هناك من سيقرأ الصفحة الـ11 منه.

ميشيل يواه في لقطة من «كل شيء في كل مكان في وقت واحد»

علاقة غير مُحكمة

إنه فانتازيا ولا شيء ضد ذلك. هناك فانتازيات صغيرة (The French Dispatch لوس أندرسن)، وأخرى كبيرة (Avatar)، ومن ثَم هناك هذا النوع من الفانتازيا الذي هو مثل صحن «الفتوش» بفارق أن لهذا الصحن اللبناني الشهير فوائد صحية. «كل شيء...» لا فوائد له سوى أنه مدخل مخرجين لا أعتقد أن أحدهما يستطيع أن يكوّن تركيباً جيداً لمشهد بعناصر ومفردات سينمائية حقيقية. يبدو الأمر لعدد محدود من النقاد (بينهم هذا الناقد)، بأنه من أسوأ الأعمال التي أتيح لها أن تأتي رديئة وغير ذات قيمة، فنياً، وناجحة في الوقت نفسه.
لكن الغريب هو جنوح النقاد صوب تقييم الفيلم على أسس هزيلة. بعضهم رأى أن الفيلم أضحكه، وهذا دليل على جودته! آخرون وصفوه بأنه «ناعس». ومنهم من ذهب لوصف ممثلي الفيلم بأنهم «نخبة من أعظم ممثلي العالم»، ربما ينطبق ذلك على الممثلة الصينية - الأميركية المخضرمة ميشيل يواه. ربما. لكن ماذا عن كي هوي كوان، وجيمس هونغ، وستيفن سو؟ جيدون، لكن عظماء؟
لا يفعل الفيلم أي شيء طوال مدّة عرضه، التي تزيد عن ساعتين و10 دقائق للإفصاح عن الشخصية التي يؤديها كل واحد من هؤلاء، الشخصية الوحيدة التي تبدو مكتملة وليست بحاجة لخلفية أو لمتابعة تطوّر هي تلك التي تؤديها جايمي لي كيرتس (في دور موظّفة ضرائب لا تخرج قيد أنملة عن قواعد مرسومة).
لكن الباقين. ما يؤسسه الفيلم على نطاق الحبكة (عائلة من الصينيين الأميركيين تملك محلاً للغسيل وتقع تحت ضغط الضرائب والوضع العائلي المتأزم وسط مشاكل صغيرة - كبيرة (لكنها ليست بالتحديد مهمّة) تشمل علاقة الأم بزوجها وبابنتها. لا شيء جديد في هذا الحقل سوى أن الواقع المذكور يولد فانتازيا من المواقف التي لا يكترث الفيلم بإحكام علاقتها بالوضع، إلا بخيوط يمكن أن تتفتق مع استمرار الأحداث لـ139 دقيقة تعج بالبصريات والمؤثرات، وتخلو من منح الشخصيات والحبكة ما تحتاجه من مبررات.

خرجوا خاسرين

بينما يمكن نقد الفيلم بطبيعة آلية العلاقة بين الناقد وبين المنقود، فلا يمكن ضحد فوز دانيال كوان ودانيال شاينرت قبل يومين بالسهولة نفسها. ففي نهاية الأمر تتكون النقابة من المخرجين العاملين في السينما الأميركية. المفترض أن تكون لدى كل من صوّت لهذا الفيلم تبريراته المدعومة فنياً وتقنياً وتصاميم تنفيذ عامة، لكن ما يمكن فعله هو النظر إلى الأربعة الآخرين الذين تنافسوا عبر أفلامهم على هذه الجائزة وخرجوا خاسرين.
سيتطلب الأمر استعانة الناقد بحيثيات الاقتراع السريّة، وتوظيف كل علمه ومعلوماته لفهم كيف أن مخرجي «كل شيء... إلخ») يستطيعان سحب بساط الفوز من تحت قدمي المخرج الآيرلندي مارتن مكدونا عن فيلمه «جنيات إنيشِرين» أو الطيران فوق قدرات ستيفن سبيلبرغ الفنية في «ذا فابلمنز». حسناً، يمكن القول إن جوزيف كوزينسكي شحن «توب غن: مافيريك» بالعديد من المؤثرات، ولذلك استحق الترشيح، لكن تعدد المؤثرات نوعاً وكماً لم تكن يوماً عائقاً دون الفوز. وفي «كل شيء...» العديد منها، وهي ليست أفضل حالاً وتأثيراً على ما حققه كوزينسكي لفيلمه.
هذا يترك المخرج تود فيلد بين الأربعة الذين خرجوا خاسرين جائزة أفضل مخرج. هذا حقق فيلماً جيداً (وإن كان مبهراً في مشاهد دون أخرى) بعنوان «Tár» رصين. رزين. هادئ ويحمل موضوعاً مهمّاً نفّذ، كما الحال في «جنيات إنيشِرين»، جيداً.
هذا التقرير كُتب مع صدور نتائج «نقابة المخرجين الأميركية» ليل السبت في الولايات المتحدة، وقبل ساعات من إعلان «جوائز بافتا»، التي انطلقت مساء يوم أمس (الأحد)، وربما تتكرر في 12 مارس (آذار) عندما يصل موسم الجوائز إلى محطّته الأخيرة المتمثلة بجوائز الأوسكار.
قد يلتقط «كل شيء...» جوائز رئيسية في الـ«بافتا» وأخرى لاحقاً في «الأوسكار»، وإن فعل يمكن وصف موسم العام الحالي بأنه موسم «كل شيء محتمل».



خروقات أمنية تفجّر المواجهة السياسية والإعلامية بعد محاولة اغتيال ترمب

المتهم بمحاولة اغتيال ترمب كول توماس آلن أمام المحكمة الفيدرالية في واشنطن في 27 أبريل 2026 (أ.ب)
المتهم بمحاولة اغتيال ترمب كول توماس آلن أمام المحكمة الفيدرالية في واشنطن في 27 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

خروقات أمنية تفجّر المواجهة السياسية والإعلامية بعد محاولة اغتيال ترمب

المتهم بمحاولة اغتيال ترمب كول توماس آلن أمام المحكمة الفيدرالية في واشنطن في 27 أبريل 2026 (أ.ب)
المتهم بمحاولة اغتيال ترمب كول توماس آلن أمام المحكمة الفيدرالية في واشنطن في 27 أبريل 2026 (أ.ب)

حادثة إطلاق النار في عشاء مراسلي البيت الأبيض سلّطت الضوء على التجاذبات السياسية العميقة التي أججتها تصريحات المسؤولين من الحزبين وشخصيات بارزة من المؤثرين في عالم وسائل التواصل. فما بدأ على أنه دعوة للوحدة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد الحادثة لرأب الانقسامات ولم الشمل الأميركي، تحول بعد أقل من 24 ساعة إلى هجوم حاد ومكثف على الديمقراطيين، تحديداً «اليسار الراديكالي» مع اتهامات لهم بالتسبب بحوادث من هذا النوع أدت إلى استهداف ترمب 3 مرات.

فبعد أن وقف ترمب، ليل السبت، في قاعة الصحافيين في البيت الأبيض داعياً بلهجة هادئة، على خلاف عادته، الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين إلى «حل خلافاتهم بشكل سلمي»، ومشيراً إلى وجود «كمية هائلة من الحب والاتحاد»، خرج الرئيس الأميركي، مساء الأحد، في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» بتوجه مختلف قائلاً إن «خطاب الكراهية من الديمقراطيين خطير للغاية».

اتهامات للديمقراطيين والإعلام

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت في مؤتمر صحافي في 27 أبريل 2026 (أ.ب)

ولم تتوقف الاتهامات هنا، بل امتدت على مستوى أعضاء الإدارة في ما بدا على أنه حملة ممنهجة للهجوم على حزب الأقلية وعلى الإعلام، فقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «هذا العنف السياسي ينبع من تشويه ممنهج لترمب وأنصاره من قبل المعلّقين ومن قبل أعضاء منتخبين في الحزب الديمقراطي، وحتى من بعض وسائل الإعلام»، وتابعت ليفيت في مؤتمرها الصحافي اليومي: «هذه الخطابات المستمرة المليئة بالكراهية والعنيفة الموجّهة إلى الرئيس ترمب، يوماً بعد يوم ولمدة 11 عاماً، أسهمت في إضفاء شرعية على هذا العنف، وأوصلتنا إلى هذه اللحظة القاتمة».

وزير العدل بالوكالة تود بلانش في مؤتمر صحافي في وزارة العدل في 27 أبريل 2026 (أ.ب)

كلمات قاسية مختلفة أشد الاختلاف عن خطاب الوحدة الذي عادة ما يطغى على الساحة الأميركية في لحظات حساسة من هذا النوع. تردد كذلك على لسان وزير العدل بالوكالة تود بلانش الذي دعا إلى ضرورة وقف العنف السياسي والاحتقان موجهاً اللوم إلى الإعلاميين، فقال وهو يتحدث إلى الصحافيين: «كثيرون في هذه القاعة فعلوا ذلك. وهم مذنبون بقدر كثيرين على منصة (إكس)، عندما يكون هناك صحافيون ووسائل إعلام يفرطون في الانتقاد، ويطلقون على الرئيس أوصافاً سيئة من دون سبب، ومن دون أدلة أو إثباتات».

السيدة الأولى وجهت انتقادات لاذعة لجيمي كيميل (أ.ف.ب)

وفي مفاجأة للكثيرين، دخلت السيدة الأولى ميلانيا ترمب على خط المواجهة، فوجهت انتقادات لاذعة لمقدم البرامج الساخرة جيمي كيميل الذي قال قبل حفل العشاء إن لديها «بريقاً كالأرملة المنتظرة»... فوصفت كلماته بـ«السامة»، واتهمته بتعميق «المرض السياسي» في أميركا، لكن زوجها الرئيس الأميركي لم يتوقف عند هذا الحد، بل طالب شبكة «إيه بي سي» بطرد كيميل فوراً قائلاً: «أُقدّر أن كثيرين غاضبون من دعوة كيميل البغيضة إلى العنف، وعادة أنا لا أرد على أي شيء يقوله، لكن هذا يتجاوز كل الحدود. ينبغي فصل جيمي كيميل فوراً من قبل ديزني و(إيه بي سي)».

الخدمة السرية وغياب التمويل

عناصر الخدمة السرية في فندق هيلتون الذي شهد محاولة الاغتيال في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وقد أظهرت هذه الهجمات المكثفة أجواءً متشنجة للغاية تعيشها البلاد، في ظل انقسامات حزبية أدت إلى شبه شلل تشريعي في إقرار مشاريع حساسة ومهمة للتصدي للتحديات الأمنية، فالكونغرس لم يتمكن حتى الساعة من إقرار تمويل وزارة الأمن القومي التي تشرف على عناصر الخدمة السرية؛ ما أدى إلى عدم تقاضيهم لرواتبهم. وتحدثت السيناتورة الجمهورية كاتي بريك عن أزمة التمويل وتأثيرها في عناصر الخدمة السرية فقالت: «على مدى 72 يوماً، مضى الوقت من دون تمويل مهمتهم. هذه مشكلة حقيقية بالتأكيد».

وحثت بريت زملاءها على تمويل الوزارة بسرعة مشيرة إلى محاولة اغتيال ترمب في فندق هيلتون في واشنطن خلال حفل العشاء: «أقلّ ما يمكننا فعله هو تمويل المهمة المطروحة أمامنا. لقد رأينا أهمية ذلك هذا الأسبوع» في إشارة إلى محاولة الاغتيال في فندق هيلتون خلال حفل العشاء. وانضمت ليفيت إلى هذه الدعوات واصفة التأخير في إقرار التمويل بـ«الفضيحة الوطنية» داعية وسائل الإعلام إلى التركيز على هذه الزاوية.

وكان من اللافت في رسالة مطلق النار كول آلن البالغ من العمر 31 عاماً انتقاده غياب التشديدات الأمنية خلال الحفل، فقال: «لو كنت عميلاً إيرانياً بدلاً من أن أكون مواطناً أميركياً، لكان بإمكاني إدخال (ما ديوس) (رشاش من العيار الثقيل) إلى هنا من دون أن يلاحظ أحد ذلك...».

قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض

بعد الحادثة ازدادت الدعوات لبناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض (رويترز)

وفي ظل هذه التطورات، اعتمدت الإدارة على استراتيجية مختلفة عبر التركيز على أهمية بناء قاعة الحفل في البيت الأبيض لأسباب أمنية. فقال ترمب: «أنا أبني قاعة احتفالات آمنة، وأحد أسباب بنائها هو بالضبط ما حدث الليلة الماضية، فهذه القاعة تُبنى على أكثر قطعة أرض أماناً في هذا البلد».

وبينما تواجه هذه القاعة تحديات قضائية لاستئناف العمل فيها، دفعت الحادثة بعدد من الجمهوريين إلى طرح تشريع يدعم بناءها ويخصص مبلغ 400 مليون دولار لهذا الهدف، على رأسهم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي شدد على أهمية وجود مساحة اجتماعات مؤمَّنة داخل حرم البيت الأبيض بعد حادثة إطلاق النار مضيفاً: «أنا مقتنع بأنه لو كانت هناك قاعة رئاسية ملاصقة للبيت الأبيض، لما تمكّن ذلك الشخص من الدخول أصلاً». وانضم السيناتور الديمقراطي جون فيترمان الذي يتزايد دعمه لترمب في الفترة الأخيرة لهذه الدعوات فقال متوجهاً إلى زملائه الديمقراطيين: «لقد كنا هناك (هيلتون) في الصفوف الأمامية. ذلك المكان لم يُبنَ لاستضافة حدث يضمّ تسلسل الخلافة في الحكومة الأميركية. بعد ما شهدناه، تخلّوا عن هوسكم بترمب، وابنوا قاعة البيت الأبيض لمثل هذه المناسبات تحديداً».


محمد ممدوح يقتحم قضايا حرجة في «مشاكل داخلية 32B»

محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)
محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)
TT

محمد ممدوح يقتحم قضايا حرجة في «مشاكل داخلية 32B»

محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)
محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)

حظي الفيلم الروائي القصير «مشاكل داخلية 32B» باهتمام خلال عرضه في افتتاح الدورة الـ12 لـ«مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير»، الاثنين، لا سيما أنه يقتحم قضايا حرجة تتعلق بمرحلة البلوغ لدى البنات وكيف يمكن أن يتعامل معها الأب.

تدور أحداث الفيلم حول أب أرمل ( يؤدي دوره محمد ممدوح الشهير بـ«تايسون») لديه ابنة مراهقة يعيش لأجلها ويقيم معها علاقة صداقة. تنطلق الأحداث عند متابعته لتمريناتها الرياضية حيث تفاجئه والدة إحدى زميلات ابنته بالسؤال عن أم ابنته فيخبرها أنها توفيت منذ سنوات، ثم تسأله عن خالتها أو عمتها فيجيبها بأنه رجل وحيد وليست لابنته عمات أو خالات، فتنفعل قائلة إن ابنته كبرت ولا بد أن ترتدي «حمالة صدر».

يُصدم الأب في البداية ويفكر طويلاً مع نفسه، كيف ومن أين سيشتري هذه الحمالة، ويجد صعوبة في إفهام البائع، الذي يؤدي دوره أحمد داش، وتحدث مفارقات مضحكة، حتى يخبره أنها لابنته فيختار لها مقاساً تقريبياً «32B».

ينفرد محمد ممدوح بأداء لافت عبر مونولوجات طويلة يتحدث فيها مع نفسه عن طريقة مناسبة لتناول الأمر مع ابنته التي لا يزال يراها طفلة، هل سيبلغها بذلك مبتسماً، هل يحنو عليها ويضمها، أو يحادثها بطريقة عادية؟

الفيلم الذي لم يتجاوز زمن عرضه 15 دقيقة أثار تساؤلات عديدة عن أهمية الأفلام في معالجة قضايا حرجة وحساسة، وقد طرحت حلقة نقاشية حول ذلك بعنوان: «هل يمكن للفيلم أن يُغير طريقة حديث الأسرة عن القضايا الحساسة؟»، أقيمت الثلاثاء داخل بهو المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية بحضور بطل الفيلم محمد ممدوح والممثلة جاسيكا صلاح الدين ومؤلف ومنتج الفيلم هيثم دبور والمخرج محمد طاهر.

جلسة مناقشة لطاقم فيلم «مشاكل داخلية 32B» (إدارة المهرجان)

كما شارك في النقاش ممثلون لمؤسسات دولية والمجتمع المدني، وأدارت الجلسة الفنانة هنا شيحة التي شاركت بمشهد ضمن أحداث الفيلم، وتحدث محمد ممدوح قائلاً إن «الفيلم يتناول موضوعاً شائكاً بالفعل، إذ يجد الأب نفسه في موقف لا يُحسد عليه ويقع في حيرة كيف يتحدث مع ابنته عن البلوغ وهي قضية تمس الكثير من الأسر».

وأضاف أنه عمل خلال التحضير للدور على أن يضع نفسه مكان الأب، لا سيما أنه أب لطفلة «كاميليا» عمرها 7سنوات، الأمر الذي جعله يشعر بقدر كبير من التوتر، مشيراً إلى أن الإحساس بالحياء بين الأب وابنته كان حاضراً بقوة حتى بدا الأمر وكأن ثمة حاجزاً نفسياً يفصل بينهما ويفاقم من تعقيد العلاقة.

وأوضح ممدوح أن اختيار زمن مختلف لأحداث الفيلم كان مقصوداً حتى تتحقق المصداقية، لأنه لو وقعت هذه المشكلة في الوقت الحالي لاعتمد البطل على التكنولوجيا في البحث والوصول لإجابات سهلة. وذكرت جيسكا حسام الدين التي أدت شخصية الابنة أن قضية البلوغ التي طرحها الفيلم رغم حساسيتها تشغل الكثير من الأسر.

فيما أكد المؤلف هيثم دبور أن فيلم «مشاكل داخلية 32B» يتناول جانباً مهماً من العلاقات الإنسانية التي نعيش تفاصيلها يومياً، وأنه أراد أن يُسلط من خلاله الضوء على المسافة العاطفية بين الأب وابنته، وأن جانباَ من المشكلة يكمُن في تضخمها في ذهن الأب حيث تتزايد التساؤلات لديه في ظل إدراكه أن ابنته كبرت مما يُفاقم من المشكلة.

وأشاد المخرج يسري نصر الله بالفيلم مؤكداً أنه «لا يتعالى على عقليات شخصياته»، لافتاً إلى أن من أبرز نقاط قوة العمل أنه يطرح أزمة الرجل وعلاقته بابنته دون تقديم إجابات مباشرة، بل يترك مساحة للتفكير، بينما شددت أروى البغدادي الناشطة بالمجتمع المدني على أهمية إنتاج هذه النوعية من الأفلام التي تُسهم بالفعل في تقريب المسافات بين الآباء وبناتهن، وأعربت عن أملها أن نصل لمرحلة لا تُصنف فيها هذه القضايا موضوعاتٍ حرجة أوحساسة.

وحاز فيلم «مشاكل داخلية 32B» جائزة التانيت الذهبي لأفضل عمل من مهرجان «قرطاج» خلال دورته الماضية، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة لمهرجان «مالمو» في دورته الـ16، وتم اختيار الفيلم للمشاركة في الدورة المقبلة لمهرجان «تريبيكا السينمائي».

وافتتحت الدورة الـ12 لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بحضور وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي، ومحافظ الإسكندرية المهندس أيمن عطية، اللذين أكدا على دعم الدولة لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير لما يحققه من نجاحات، ووجهت الوزيرة الشكر لرئيس المهرجان محمد محمود ومديره محمد سعدون، مؤكدة على إيمانها بقدرات الشباب المصري.

وشهد الحفل تكريم المخرج والمصور الفلسطيني أحمد الدنف الذي لم يتمكن من الحضور، لكنه تحدث عبر شريط مصور عن سعادته بهذا التكريم، فيما تسلم الفنان الفلسطيني كامل الباشا عضو لجنة تحكيم المسابقة الدولية بالمهرجان درع وشهادة تكريم الدنف، ووجه الباشا رسالة للمخرج الشاب قائلاً: «أنتم صوتنا للمستقبل».

فيما قام المخرج خيري بشارة بتكريم المونتيرة منى ربيع، والفنان حسن جاد الذي عمل مع كبار المخرجين وفي مقدمتهم يوسف شاهين.

وقام الفنان باسم سمرة بتكريم الفنان عصام عمر بعد أن شَكلا ثنائياً ناجحاً رمضان الماضي عبر مسلسل «عين سحرية»، ولفت عصام عمر في كلمته إلى أن هذا التكريم من مدينته الإسكندرية له طعم مختلف، مؤكداً أنه لا يزال في بداية مشواره الفني، وأن هناك عدداً من الفنانين يستحقون التكريم أكثر منه.


«ومع ذلك»... لوحات تعبُر فوق الجراح

يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)
يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)
TT

«ومع ذلك»... لوحات تعبُر فوق الجراح

يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)
يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)

في خضمّ التحدّيات التي تُثقل كاهل لبنان، يطلّ معرض «ومع ذلك» (Nevertheless) مثل مساحة ضوء تشقّ العتمة، وتلامس الجراح برهافة. لا يأتي صاخباً ولا يحتفي بنفسه، بل ينساب بهدوء، كأنه فعل نجاة صامت. يجمع المعرض نخبة من الفنانين الذين تنبض أعمالهم بقلق المرحلة وهشاشتها، فتتشكّل لوحاتهم مثل مرآة لواقع متقلّب، ونافذة على مكان آخر للحياة. ومن دون إعلان أو ضجيج، يفتح أبوابه لأعمالٍ تصمد في وجه الانقطاعات والتوترات وزمن مثقل بالظلال. هنا، لا تكون اللوحة مجرّد تعبير بصري، بل تتحوَّل إلى فعل بقاء، وتحيّة خفيّة لكلّ مَن لا يزال، رغم كل شيء، يبحث عن بصيص أمل.

ليلى داغر والطبيعة بذاكرة مجروحة (غاليري «آرت أون 56»)

يضمّ المعرض أعمالاً لكلٍّ من هيبات بلعة بواب، وجورج باسيل، ووسام بيضون، وزهير دباغ، ومنصور الحبري، وليلى داغر، وغيرهم. وتنبض غالبيتها بلبنان بكلّ تناقضاته، فتروي حكايته في أيّامه الحلوة والمرّة، في انكساراته وصموده، في فوضاه وحنينه، وفي ذاكرته المثقلة بما كان وما لا يزال. فلا يُقدَّم الوطن على هيئة صورة واحدة، بل حالة متعدّدة الوجوه، تتنازعها الظلال والضوء، ويُعيد الفنّ صياغتها بلغة أكثر عمقاً وصدقاً.

افتُتح المعرض مع أوائل شهر أبريل (نيسان) الحالي، ولم يُقفل أبوابه خلال الحرب، في غاليري «آرت أون 56» بمنطقة الجمّيزة.

وتقول منظِّمة الحدث وصاحبة المكان، نهى محرّم، لـ«الشرق الأوسط»: «أنا حالمة ومتفائلة بطبعي، وأعتز بكوني أتمسّك دائماً بالرجاء كي أستمر وأبقى. وكانت للغاليري روزنامة معارض كثيفة ننوي إدراجها في الموسم الأخير من السنة وقبل بداية الصيف، فجاءت الحرب لتنسف برنامجنا. لم ندرِ ماذا نفعل، وكيف يجب أن تكون خطوتنا المقبلة بعد إلغاء مواعيد معارضنا». وتتابع: «ألغينا معارض لشهرين مقبلين، لكننا رفضنا أن نقفل أبواب الغاليري. وقررنا أن نفتتح معرضاً يرتبط ارتباطاً مباشراً بالحالة التي نعيشها. ومن دون ضجيج فعلنا ذلك، ولاقينا الحماسة عند عدد لا يُستهان به من الفنانين التشكيليين. فانطلقنا في رحلة مليئة بالأمل، وأطلقنا على المعرض عنوان (مع ذلك)، للإشارة إلى استمرارية نتطلّع إليها».

لوحة غادة جمال التي تُضمّد فيها جراح لبنان (غاليري «آرت أون 56»)

من اللوحات التي تلفتك في المعرض، واحدة لغادة جمال تحكي عن لبنان الجريح والمضمَّد، تستخدم فيها تقنية «الميكسد ميديا» على الخشب. وتوضح نهى محرّم: «هذه اللوحة رسمتها الفنانة قبل سنوات، وأرادتها مثل جسر تمدّه بين لبنان الجريح وذاك الذي على طريق الشفاء. وقد اخترنا عرضها انطلاقاً من ذكرى اندلاع الحرب في لبنان في 13 أبريل 1975. وكانت غادة قد نفّذتها إثر انتهاء الحرب في لبنان».

وتجسّد اللوحة رؤيتها للبنان المتعافي، حيث توظّف مواد متنوّعة تنسج من خلالها طبقات متراكمة، كأنها تختزن مراحل قاسية مرَّ بها البلد. وتدرج ضمادات من الشاشّ الطبي داخل العمل، في إشارة مباشرة إلى جراحه المفتوحة ومحاولات تضميدها. لا تكتفي الفنانة بتوثيق الألم، بل تنخرط في فعل ترميم رمزي، فتُغلّف العواصف والدمار بطبقات من العناية، وتفتح، من قلب المعاناة، أفقاً لبداية مسار جديد نحو الشفاء.

أما لوحة ليلى داغر، التي تُعرض للمرة الأولى، فتأخذنا إلى مراحل من لبنان. تبدو لوهلة مثل مشهد طبيعي مُعاد تركيبه بذاكرة مجروحة. وتتراكم العناصر فيها ضمن تقنية «الكولاج»، فتتداخل القصاصات اللونية كما لو أنها شظايا أرض أُعيد جمعها. تمتدّ طبقات من الأزرق في الأعلى، توحي بسماء مثقلة أو أفق ملبّد، بينما تتدرّج في الوسط ألوان ترابية دافئة من البرتقالي والأحمر. ونلمس الأمل من خلال كثافة الخضرة بأشكال غير منتظمة، فتشكّل إشارات للحياة رغم كلّ شيء، في توازن بين الألوان الباردة والدافئة. هنا تتجاور القسوة مع لمسات من الطمأنينة، ويظلّ الأفق مفتوحاً على احتمال ترميم مقبل.

بدوره، يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة بالأبيض والأسود والأكريليك، للتركيز على ملامحها بعيداً عن الزينة والبهرجة. ونرى مجموعة شبان تتحلَّق حول الحلبة، حيث يتصارع عليها شخصان يضعان قفازات ملاكمة في يديهما. أحدهما يستريح، محاطاً بأجساد تتقاطع حركاتها ونظراتها نحوه، مما يوحي بالحصار أو الاحتدام. الوجوه شبه مطموسة، بلا ملامح دقيقة، ممّا يمنحها طابعاً إنسانياً عاماً. الفرشاة واضحة وخشنة، تضيف الإحساس بالقلق وعدم الاستقرار، فيما تتكسَّر الخطوط وتتشابك الأجساد في تكوين ديناميكي يقترب من الفوضى المنظَّمة.

مع لوحة هيبات بلعة بواب، بتقنيتَي «الميكسد ميديا» و«الكولاج»، ننتقل إلى مشهد لبناني نابض بالحنين، حيث تتجاور اللمّة العائلية مع سحر الطبيعة الخلابة، كأن المكان يحتفظ بذاكرة دفء مهدّد بالزوال. وجوه ساكنة وأجساد تتحرّك تحت ثقل الأيام، وألوان زاهية تمدّ شخصيات اللوحة بالطمأنينة في ظل واقع قاسٍ. فلا تبدو مجرد شخصيات عابرة، بل كائنات تبحث بصمت عن منفذ صغير إلى الخلاص.

في معرض «ومع ذلك»، يحضر لبنان بكلّ تناقضاته: المتألم، والجريح، والصامد في آنٍ واحد. بلد يُعرض لا بكونه صورة مكتملة، بل حالة شعورية مفتوحة على الشوق والخذلان والأمل. الزائر لا يكتفي بالمشاهدة، بل يدخل في رحلة وجدانية نحو لبنان آخر أكثر صدقاً.

وتلفت نهى محرّم إلى أنّ جمهور المعرض جاء من مختلف الأعمار، كأنّ الحاجة إلى الفنّ هنا تتجاوز الذائقة لتصبح ضرورة نفسية. وتقول: «كانوا يقصدون المعرض بدافع الرجاء، وسعداء بوجود هذه المساحة في قلب العاصمة. كثيرون وجدوا فيه متنفساً يبعدهم عن أجواء الحرب، وانسحاباً مؤقتاً من ثقل الواقع. كأن الأعمال الفنية تعيد إليهم شيئاً من القوة التي بدأت تتآكل بفعل الظروف».