«إدراك» المصريين لوجود «أزمة سكانية» لم يمنع زيادتهم

استطلاع حكومي: 75 % من المواطنين على وعي بـ«المشكلة»

اجتماع للمجلس القومي للسكان برئاسة الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة المصري في ديسمبر الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس على «فيسبوك»)
اجتماع للمجلس القومي للسكان برئاسة الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة المصري في ديسمبر الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس على «فيسبوك»)
TT

«إدراك» المصريين لوجود «أزمة سكانية» لم يمنع زيادتهم

اجتماع للمجلس القومي للسكان برئاسة الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة المصري في ديسمبر الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس على «فيسبوك»)
اجتماع للمجلس القومي للسكان برئاسة الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة المصري في ديسمبر الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس على «فيسبوك»)

على الرغم من تأكيد أحدث استطلاع حكومي أن نحو 75 في المائة من المصريين لديهم وعي بـ«المشكلة السكانية»، فإن هذا «الإدراك» لم يوقف النمو السكاني الذي يشكل إحدى أهم المشكلات التي توليها البلاد اهتماماً خاصاً. وجاء الاستطلاع ليبرز «تبايناً» بين «الإدراك» و«الاستجابة»، ويثير تساؤلات عدة عن أسباب ذلك التناقض.
وأعلن «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» بمجلس الوزراء المصري (الأحد) أن استطلاعاً للرأي حول الزيادة السكانية أظهر أن 75.6 في المائة من المصريين «مدركون أن مصر تواجه مشكلة زيادة سكانية»، وهي نسبة وصفها المركز بـ«المرتفعة»، مقارنة باستطلاعات سابقة، ففي استطلاع سابق أجري في أبريل (نيسان) الماضي، بلغت نسبة من يدركون وجود مشكلة سكانية 70.5 في المائة.
وذكر الاستطلاع الذي أجري في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على عينة من أرباب الأسر المصرية موزعة على جميع المحافظات، أن 91.1 في المائة من الأسر المصرية -وفقاً للعينة- أكدوا «تأييدهم لبرامج تنظيم الأسرة»، كما رأى 52.5 في المائة أنه في ظل الظروف الحالية فإن العدد المناسب للأطفال في كل أسرة يجب ألا يزيد على طفلين، و29.1 في المائة ذكروا أن العدد المناسب برأيهم 3 أطفال.
وبهدف قياس مستويات اهتمام الجمهور بالقضية السكانية، وجَّه الباحثون للمواطنين المشاركين في عينة البحث سؤالاً عن عدد سكان مصر، وهو ما أبرز تبايناً أيضاً؛ إذ ذكرت النسبة الأكبر من العينة (31.8 في المائة) أنه أكثر من 105 ملايين نسمة، كما ذكر 23.3 في المائة من المشاركين أن عدد السكان يتراوح ما بين 100 و105 ملايين نسمة.
وتجاوز عدد سكان مصر حتى نهاية 2022 أكثر من 104 ملايين نسمة، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في حين بلغ حتى مساء اليوم، الأحد، وفق الساعة السكانية التي تحتسب الزيادة لحظة بلحظة: 104 ملايين و519 ألفاً و428 نسمة.
وقيّم الدكتور مجدي خالد، المدير السابق لصندوق الأمم المتحدة للسكان، عضو اللجنة الاستشارية العليا لتنظيم الأسرة بوزارة الصحة المصرية، نتائج الاستطلاع الأخير بأنه «يعني أنه يوجد تطور في وعي المواطن بالقضية السكانية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التباين بين وجود الوعي وعدم الاستجابة سببه ثقافة المجتمع المصري، فالمواطن يعرف أنه توجد مشكلة؛ لكنه لا يتخذ أي موقف لمواجهتها».
وأوضح: «تجد كثيراً من السيدات يقلن إنهن لا يردن أطفالاً آخرين، فتسأل إحداهن: إذن ستستخدمين وسيلة لمنع الحمل؟ فترد: لا!».
وحسب خالد: «مواجهة النمو السكاني تحتاج إلى مزيد من العمل على تغيير الثقافة المجتمعية ووعي المواطن، مع التركيز على الأجيال الجديدة».
وحذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة من خطر الزيادة السكانية، منها قوله خلال المؤتمر الوطني للشباب عام 2017: «الإرهاب والزيادة السكانية، هما أكبر خطرين يواجهان مصر في تاريخها. الزيادة السكانية تقلل فرص مصر في أن تتقدم للأمام».
ومن جانبه قال الدكتور عاطف الشيتاني، عضو اللجنة الاستشارية العليا لتنظيم الأسرة بوزارة الصحة والسكان، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «توجد فجوة كبيرة بين الهدف الديموغرافي الذي تحاول الدولة الوصول إليه، وهو أن يكون متوسط الإنجاب طفلين للأسرة، وبين ما تم رصده من رؤية المواطنين الذين يعتقدون أن العدد الأنسب 3 أطفال».
وحسب الشيتاني: «اعتماد متوسط طفلين لكل أسرة يعني إحصائياً استقراراً في عدد السكان، إذ سيتساوى عدد المواليد مع عدد الوفيات، على عكس الوضع حالياً؛ حيث يبلغ عدد المواليد نحو مليونين سنوياً، بينما لا يتجاوز عدد الوفيات 600 ألف نسمة».
وأشار الشيتاني إلى أن «مصر تجري مسحاً قومياً للسكان منذ عام 1988، وكان من بين نتائج أحدث مسح عام 2022، أن 100 في المائة من المصريين أكدوا معرفتهم بوسائل تنظيم الأسرة، وأكد 80 في المائة من السيدات في سن الإنجاب أنهن لا يردن إنجاب المزيد، غير أن 66 في المائة فقط من المصريين يستخدمون وسائل تنظيم الأسرة، وهو ما يعني ضرورة بذل جهد أكبر لإقناع هذه الفئات باستخدام وسائل منع الحمل».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


مجلس الأمن يبحث «خريطة ليبيا»... نقطة تحول أم فرصة أخرى للأفرقاء؟

تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
TT

مجلس الأمن يبحث «خريطة ليبيا»... نقطة تحول أم فرصة أخرى للأفرقاء؟

تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)

استعرضت مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، في إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن، الأربعاء، مسارات ومآلات «خريطة الطريق» التي أقرها المجلس في أغسطس (آب) الماضي لحل الأزمة الليبية. لكن تيتيه تركت خلفها تساؤلات بين أوساط النخب السياسية حول ما إذا كان ما طرحته في إحاطتها «حلاً جذرياً»، أم مجرد محطة جديدة في سياق الجهود الدبلوماسية المتعثرة.

وسادت في الأوساط الليبية حالة ترقّب واسعة قبيل جلسة مجلس الأمن، في ظل تقديراتٍ لمراقبين رجّحت احتمال طرح خيارات بديلة، وُصفت بـ«الجذرية»، كانت تيتيه قد لمّحت إليها مراراً.

وتشمل هذه الخيارات، وفق تلك التقديرات، مساراتٍ قد تتجاوز دور مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ملفات تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وصياغة القوانين الانتخابية، بهدف الدفع نحو إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية طال انتظارها.

لكن حديث المبعوثة الأممية، خلال جلسة مجلس الأمن عن أن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة «غير قادرين أو غير راغبين في إنجاز أول معلم لخريطة الطريق»، ترافق مع إفصاحها عن عزم البعثة على «تشكيل مجموعة صغيرة مكلفة بحل الخطوتين الأساسيتين من خريطة الطريق»، وقالت إنه «في حال فشلها سيكون من الضروري عقد اجتماع أوسع للمضي قدماً في تنفيذ الخريطة».

تيتيه خلال جلسة مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان المنبثق عن الحوار المهيكل الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

ولم تعرض المبعوثة الأممية تفاصيل وملامح الحل السياسي، الذي اقترحته أمام الدول الأعضاء بالمجلس، غير أن عضو ملتقى الحوار السياسي الليبي السابق في جنيف أبو بكر مصباح أبدى تشاؤمه حيال فرص التوصل إلى حل جذري عبر المسارات الدولية في مجلس الأمن، عاداً أن «جوهر المشكلة في ليبيا يتمثل في صراع سياسي مصطنع، ازداد تعقيداً بفعل تدخلات الأطراف الخارجية».

وقال مصباح لـ«الشرق الأوسط» إن تجربة ملتقى جنيف «وما تلاها من مسارات» تؤكد أن «الحل لن يكون مستداماً؛ إلا إذا كان ليبياً خالصاً»، مشيراً إلى أن الطروحات المتداولة بشأن «خيارات جذرية بديلة تزيح الأجسام السياسية، وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة» تبدو «غير قابلة للتحقق في الظروف الراهنة».

وانتقد مصباح ما وصفه بـ«نزوع لإعادة إنتاج جولات وحلول سابقة تعطلت بفعل التدخلات الدولية»، عاداً أن هذا المسار يعكس «إدارة للأزمة أكثر من كونه حلاً لها»، كما وجّه انتقاداً للبعثة الأممية، قائلاً إن هناك «رغبة في إطالة أمد الأزمة وإدارة الصراع بدلاً من حسمه»، محذراً من أن استمرار حالة الجمود «قد يفاقم الانقسامات ويطيل أمد المرحلة الانتقالية».

وتستند «خريطة الطريق» التي عرضتها المبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن، في أغسطس (آب) الماضي، إلى 3 ركائز أساسية: اعتماد قانون انتخابي سليم للرئاسية والبرلمانية، وتوحيد المؤسسات عبر حكومة موحدة، ومواصلة «الحوار المهيكل» لمعالجة ملفات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة، مع تعزيز قدرة واستقلالية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات كمحور أي استحقاق انتخابي.

ورغم أن المحلل السياسي حسام العبدلي يرى أن تيتيه لم تأتِ بجديد في إحاطتها، بل إنها «منحت فرصة أخرى» للأفرقاء الليبيين، فإنه يلحظ دخولاً أميركياً قوياً مباشراً في تفاعلات العملية السياسية؛ خصوصاً مع حديث مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، في مداخلة أمام مجلس الأمن، الأربعاء، عن الجهود الأميركية لحل الأزمة السياسية.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الطرف الدولي الذي سيتدخل على نحو مباشر في العملية هو الطرف الأميركي بكل تأكيد، مقابل تراجع متوقع لدور البعثة الأممية على مسار الحل السياسي في ليبيا.

وضمن مداخلته أمام مجلس الأمن، قال بولس، الأربعاء، إن بلاده تعمل على جمع كبار المسؤولين بين الشرق والغرب في ليبيا لوضع خطوات ملموسة للاندماج والتكامل الاقتصادي والعسكري، مشيراً إلى أن القوات الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» ستشرف في أبريل (نيسان) على تدريبات سنوية في سرت مع القوات الليبية من الشرق والغرب، جنباً إلى جنب، وهذه خطوة أولى نحو المزيد من التدريب المشترك.

هذا التطور بدا من وجهة نظر الباحث في «المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة» جلال حرشاوي إشارة إلى أن الحديث عن «خيارات بديلة» لم يتعدَّ «نطاق التصريحات»، ما لم يقترن بدعم قوي من دول ذات نفوذ مباشر مثل الولايات المتحدة أو تركيا.

ويشير حرشاوي، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة الأممية تعمل منذ أغسطس الماضي على الدفع نحو انتخابات عبر مسارات سياسية واقتصادية وأمنية، ضمن إطار «حوار مهيكل»، مؤكداً أن هذا النهج الشامل يجعل أي تحول مفاجئ «أمراً غير مرجح».

في المقابل، بدا قطاع من السياسيين الليبيين أقل تشاؤماً، منهم عضو الأمانة العامة لحزب «ليبيا النماء» حسام فنيش، الذي رأى أن إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن «قد تعيد ترتيب أولويات المسارات السياسية». وأوضح أن السيناريو الذي طرحته المبعوثة الأممية يقوم على «تفعيل آلية تشاورية جديدة بين المؤسسات الرئيسية» لإدارة المرحلة الانتقالية زمنياً، مع وضع محددات قابلة للقياس تتعلق بالانتخابات وتوحيد بعض الملفات السيادية.

وقال فنيش إن هذا الخيار «قد يكون الأكثر واقعية في حال استمرار الانسداد السياسي»، محذراً من أن أي تباطؤ سياسي «ينعكس مباشرة على الاستقرار والخدمات العامة». وانتهى إلى القول إن المجتمع الدولي «يبدو أكثر ميلاً لربط التقدم السياسي بتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية»، متوقعاً تكثيف الوساطة والضغط المنسق لتفادي إطالة أمد الجمود المؤسسي.


تيتيه: الوساطة الأممية أخفقت في إحراز «تقدم ملموس» بين «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
TT

تيتيه: الوساطة الأممية أخفقت في إحراز «تقدم ملموس» بين «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

أبلغت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «أنسميل» الممثلة الخاصة للأمين العام أنطونيو غوتيريش، هانا تيتيه، أعضاء مجلس الأمن بأن الوساطة التي تقودها أخفقت في إحراز «أي تقدم ملموس» بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز الخطوتين الأوليين من «خريطة الطريق» الأممية، نحو التسوية في البلاد.

وكانت المبعوثة الأممية تقدم إحاطة أمام أعضاء مجلس الأمن، الأربعاء، حيث ذكّرت أولاً بجهود «أنسميل» في تحريك خريطة الطريق السياسية، بما في ذلك إطلاق الحوار المنظم، عبر مجموعات العمل الخاصة بالاقتصاد والحوكمة والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، مضيفة أن «الشعور بضرورة حل المأزق السياسي وإجراء إصلاحات في الحوكمة والاقتصاد يتجلى بوضوح». لكنها سارعت مع ذلك إلى التعبير عن «الأسف» لأنه «لم يُحرز أي تقدم ملموس بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق، على الرغم من جهود (أنسميل)».

وعلاوة على ذلك، كشفت تيتيه أن «المؤسستين توصلتا إلى اتفاق بشأن وضع آلية لاختيار مجلس إدارة المجلس الأعلى للكفاءة الاقتصادية بحلول 11 ديسمبر (كانون الأول) الماضي». غير أن «هذا الاتفاق لم يُنفذ»، بل «اتُّخذت إجراءات أحادية لاحقة، أولاً من مجلس النواب، ثم من قبل المجلس الأعلى، مما زاد الوضع تعقيداً، ويهدد الآن وحدة اللجنة الوطنية العليا للانتخابات». مبرزة أنه «على الرغم من استمرار تواصل (أنسميل) مع المؤسستين، فإن عجزهما عن استخدام الآلية المتفق عليها والإجراءات الأحادية اللاحقة أدى إلى مزيد من تآكل صدقيتهما»، ومؤكدة أن الهيئتين «غير قادرتين أو غير راغبتين في العمل سوية لإنجاز المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق».

في سياق ذلك، أشارت تيتيه إلى أنها حاولت اعتماد «نهج بديل» من خطوتين: «تشكيل فريق صغير لحل المرحلتين الحاسمتين من خريطة الطريق اللازمتين لإجراء الانتخابات»، وقالت إنه «في حال فشل هذه المجموعة في التوصل إلى اتفاق، فسيكون من الضروري عقد اجتماع أوسع نطاقاً للمضي في تنفيذ خريطة الطريق. ونحن لدينا فرصة لاستخدام الأدوات المتاحة ضمن الاتفاقيات الليبية القائمة لكسر هذا الجمود المطول، ونُقدّر دعم المجلس لتمكيننا من المضي قدماً».

من إحاطة رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه أمام أعضاء مجلس الأمن (المجلس)

وأضافت تيتيه: «يتدهور الوضع في ليبيا على جبهات كثيرة. فالنظام القضائي الليبي - الذي ظل تاريخياً موحداً إلى حد كبير على الرغم من التحديات السياسية المطولة، حيث تُعدّ المحكمة العليا في طرابلس، بما فيها غرفتها الدستورية، أعلى هيئة قضائية دستورية - يشهد الآن انقساماً كبيراً، مما يُنذر بتداعيات خطيرة على وحدة البلاد». وحذّرت من أنه «إذا لم تُتخذ إجراءات للحفاظ على وحدة القضاء وتماسكه واستقلاليته، فإن الأنظمة القانونية المتضاربة التي ستظهر ستؤثر على الاقتصاد والانتخابات والحكم والأمن وحقوق الإنسان». وقالت إنه «خط أحمر، وتجاوزه يُقوّض وحدة الدولة»، داعية القادة الليبيين إلى «الامتناع عن اتخاذ إجراءات تصعيدية، والتعاون مع لجنة الوساطة الليبية المستقلة، المشكّلة من خبراء قضائيين وقانونيين ليبيين ملتزمين بالحفاظ على قضاء موحد».

كما تحدثت المبعوثة الأممية أيضاً عن أوجه القصور المتواصلة في الحوكمة، وتشتت الرقابة، والتسربات المستمرة عبر التهريب، وشبكات المراجحة والإيجارات غير المشروعة في استنزاف الموارد السيادية. ونقلت عن تحقيقات مكتب المدعي العام أن آلية «الوقود مقابل النفط الخام»، التي انتهت في عام 2025، استنزفت ميزانية الدولة بمقدار 1.5 مليار مليار دولار سنوياً، مقارنةً بأسعار السوق العالمية. منبهة أيضاً إلى أن الأوضاع الاقتصادية تتدهور، والفقر والضغط على المجتمع يزداد، وقالت إن هذا الوضع، بالإضافة إلى هشاشة الوضع الأمني «يدعو للقلق، إذ قد تؤدي هذه الظروف إلى تحديات سياسية وأمنية غير متوقعة».


تعديل الدستور المصري... مقترحات مستمرة فهل تجد صدى؟

مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)
مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)
TT

تعديل الدستور المصري... مقترحات مستمرة فهل تجد صدى؟

مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)
مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)

تكررت مقترحات وأحاديث عن تعديل الدستور المصري، بعد ما يقرب من 6 سنوات على آخر تعديلات جرت عليه، وقبل نحو 4 سنوات على نهاية الولاية الأخيرة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ما طرح تساؤلات حول إمكانية أن تلقى تلك المقترحات أصداء تحولها إلى خطوات فعلية خلال الفترة المقبلة، مع بدء فصل تشريعي جديد للبرلمان المصري.

وجاء المقترح الأخير داخل لجنة الإدارة المحلية بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، الثلاثاء، حين طالب المستشار عدلي حسين، محافظ القليوبية الأسبق، بـ«تغيير الدستور الحالي شكلاً وموضوعاً».

وأرجع حسين، الذي كان يحضر مناقشات بالمجلس تتعلق بمشروع «قانون الإدارة المحلية»، بصفته خبيراً قانونياً، مقترحه بتعديل الدستور إلى أن «دستور 2012» القائم حالياً بتعديلاته وضعه «تنظيم الإخوان» أثناء وجوده في السلطة آنذاك، وما حدث عامي 2014 و2019 «ما هو إلا تعديلات»، مضيفاً: «مصر تستحق دستوراً يُلغي بصمات الإخوان وإضافة أمور مختلفة».

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُثار فيها مسألة تعديل الدستور المصري، ففي يونيو (حزيران) العام الماضي، طالب عضو مجلس الشيوخ آنذاك المستشار فرج حافظ الدري بتعديل الدستور «بهدف منح صلاحيات أوسع لمجلس الشيوخ ترسيخاً لمكانته في النظام السياسي».

أعقبه مقترح من الإعلامي محمد الباز في يوليو (تموز) العام الماضي بـ«إعادة النظر في مواد الدستور لتعديل مدة رئيس الجمهورية».

وينص الدستور، وفق التعديل الأخير، على انتخاب رئيس الجمهورية لمدة 6 سنوات، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين.

وسمحت مادة انتقالية بتمديد فترة رئاسة السيسي، التي فاز بها في 2018 ومدتها أربع سنوات إلى 6 سنوات، كما سمحت له بالترشح لفترة ثالثة عام 2024، لتنتهي ولايته الأخيرة عام 2030.

وسبق أن طالب رئيس حزب «الوفد» السابق، عبد السند يمامة، في يوليو الماضي، بإجراء تعديلات دستورية في باب نظام الحكم، مشيراً إلى أن «دستور (الإخوان) وتعديلاته منحت الأولوية للسلطة التشريعية على التنفيذية».

واتفقت النائبة الحالية بمجلس الشيوخ، أمينة النقاش، على ضرورة وضع دستور جديد للبلاد، وقالت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المصريين شاركوا عام 2014 باستفتاء على تعديل الدستور وليس بشأن دستور جديد». وأضافت «الدستور الحالي مليء بالثغرات».

وعدّت أن «معظم أعضاء (لجنة الخمسين) المُشكّلة لتعديل دستور 2012، كانوا سابقاً يعملون في ظل حكم الإخوان، وتأثيرهم (الإخوان) المجتمعي كان لا يزال طاغياً في ذلك الوقت».

وتم طرح دستور 2012 للاستفتاء الشعبي، حيث وافق عليه الناخبون بنسبة 63.8 في المائة، مقابل 36.2 في المائة بالرفض. وفي 3 يوليو 2013 تم تعطيل العمل به، عقب سقوط حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، قبل أن يخضع للتعديل ويُطرح مجدداً على الاستفتاء مطلع عام 2014.

مقترحات تعديل الدستور المصري تثير نقاشات سياسية في مصر (وزارة الشؤون النيابية)

وأوضحت النقاش أن «مصر بحاجة إلى دستور جديد يحمي العدالة الاجتماعية، ويضع قيوداً وشروطاً صريحة لحماية حرية الاعتقاد، ويمنع بشكل نهائي قيام أحزاب على أساس ديني»، متوقعة أن «تأخذ مسارات المطالب الحالية بتعديل الدستور خطوات إجرائية مع طرح المسألة في مجالات عامة».

وفي حال تم أخذ فكرة التعديل بمحمل الجد من جانب القوى السياسية «يمكن أن تنتقل إلى المجالس التشريعية»، حسب النقاش.

في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إكرام بدر الدين، أن «الدساتير يجب أن تحظى بدرجة من الثبات والاستمرارية، ولا يجب أن تخضع لتعديلات كثيرة عبر فترات زمنية قصيرة، ويعد استقرارها أمراً مطلوباً، لكن في الوقت نفسه إذا كانت هناك حاجة ملحة للتعديل، فليس هناك ما يمنع في حدود ما هو مطلوب تغييره».

ولفت بدر الدين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الدستور المصري جرى إدخال أكثر من تعديل عليه في غضون سنوات قليلة، وأن أي تعديلات مستقبلية من المفترض أن تحظى بتوافق المجتمع وتحقق الصالح العام».

وتعجب المحلل السياسي جمال أسعد، من «عمومية مطالب تغيير الدستور»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن معظم تلك المطالب «لم تحدد المواد الخلافية التي تثير أزمات في الوقت الحالي»، وأضاف: «هناك مواد لديها أهمية مجتمعية وسياسية في الدستور الحالي لم يتم تطبيقها أصلا، أبرزها حرية تداول المعلومات، وإنشاء آلية لمكافحة التمييز».