جنوب سوريا يقتات على تحويلات مغتربيه

قوافل عاطلين عن العمل... والأزمة الاقتصادية آخذة في الاشتداد

حركة خفيفة في سوق الشهداء بمدينة درعا المحطة (الشرق الأوسط)
حركة خفيفة في سوق الشهداء بمدينة درعا المحطة (الشرق الأوسط)
TT

جنوب سوريا يقتات على تحويلات مغتربيه

حركة خفيفة في سوق الشهداء بمدينة درعا المحطة (الشرق الأوسط)
حركة خفيفة في سوق الشهداء بمدينة درعا المحطة (الشرق الأوسط)

لم يجد الشاب السوري إسماعيل بعد تخرجه في الجامعة قبل سنوات، سوى الانضمام إلى قوافل العاطلين عن العمل في ظل الأزمة الخانقة التي يعانيها جنوب سوريا، كما معظم مناطق البلاد. فإسماعيل، وهو من ريف درعا الغربي، يعيش على مساعدات مالية يرسلها إليه إخوة له يعيشون خارج سوريا. ومعظم سكان الجنوب السوري (مناطق درعا والسويداء) البالغ عددهم نحو 1.5 مليون نسمة يعتمدون في معيشتهم على أحد هذه المصادر: القطاع الزراعي، والمساعدات المقدمة من الجمعيات الخيرية، وتحويلات من المغتربين، وهي الفئة الأكبر.
إسماعيل لم يجد فرصة عمل بينما الأوضاع الاقتصادي تزداد صعوبة، كما أنه لم ينتظر عناء البحث عن وظيفة في إحدى المؤسسات الحكومية، خاصة بعد أن باتت الرواتب الشهرية للموظفين لا تكفي لأيام الشهر الأولى فقط، ولا يمكن الاعتماد عليه كوسيلة للاستمرار بالحياة وتحقيق متطلباتها.
فتكلفة المعيشة للشهر الواحد في سوريا بالحد الأدنى من الخدمات والأساسيات المعيشية تتجاوز المليون ليرة سورية (الدولار الواحد يساوي نحو 6 آلاف ليرة في السوق السوداء)، وراتب الموظف لا يتجاوز 150 ألف ليرة سورية في أحسن الأحوال، كل شيء ارتفع ثمنه وخاصة في الأشهر الأخيرة من عام 2022 حتى اليوم بعد أن شحت المحروقات بالأسواق وباتت بأسعار خالية، حيث وصل سعر الليتر الواحد من مادة البنزين إلى 12 ألف ليرة سورية والديزل (المازوت) وصل سعر الليتر الواحد منه إلى 6 آلاف ليرة سورية في السوق السوداء التي يتوفر فيها المادة؛ ما انعكس على كل جوانب الحياة بالغلاء الفاحش، سواء بالمواد الغذائية والأدوية والزراعة. أما التجارة الخارجية وحركة التصدير عبر معبر نصيب جنوب سوريا مع الأردن، فهي على حالها نسبياً باعتبارها تعتمد على العملات الأجنبية وليس العملة المحلية. وباتت ظواهر جديدة تخترق المجتمع، وأهمها حالات التسرب التعليمي، أعداد كبيرة من الطلاب أُجبروا على ترك مقاعد الدراسة والتوجه إلى سوق العمل لإعالة أسرهم وذويهم وإدخال راتب جديد وإضافي لأهله لمساعدتهم في تأمين مقومات الحياة.
ويقول الصحافي ريان معروف، من السويداء، لـ«الشرق الأوسط»، تكاد تصرفات الناس في الجنوب السوري تعلن عن انهيار اقتصاد الدولة السورية؛ فهذا الركود التام لحركة الشراء والبيع والشكوى المرّة من ضنك الحياة التي تسمع في كل مكان، بين المحال والناس وفي الطرقات تدفعك للتفكير إلى أي حد وصل التردي الاقتصادي والمعيشي في البلاد، مشيراً إلى أن الجنوب في صورته العامة يبدو بأنه وصل إلى درجة الغليان وبدا على شكل الاعتراض والاحتجاج والتظاهر، الذي تجسد على شكل إقفال المحال وعطلات طويلة لموظفين حكوميين وحركة سير معدومة بين المدينة وبلداتها إلى احتجاج صارخ ومظاهرات بمطالب سياسية ومعيشية والإفراج عن المعتقلين، وبالوقت نفسه تتقاسم الجارتان في الجنوب السوري، درعا والسويداء، الخوف نفسه من المستقبل في المنطقة من استمرار هذا الواقع مع تجاهل وانعدام أي تحقيق لمطالبهم من قِبل الدولة السورية، وكأنهم تحت نظرية الدولة القائلة، هذا الحال هو الموجود فافعلوا ما شئتم، خاصة مع تحفظ مناطق سورية أخرى بموقفها الموالي، أو أن ظروفها الأمنية المتشددة تمنعها من التعبير والمطالبة بالحقوق، ومناطق منشغلة بالتجاذبات عند حدودها بين تركيا والنظام السوري، وأخرى تسعى إلى كسب الوجود الأميركي قربها لتنفيذ مشاريعها. ويقول «صديقتا النظام السوري، روسيا وإيران، لا تتدخلان بالوضع الاقتصادي والمعيشي، أضف إليه سوء الإدارة والفساد المستشري في الدولة السورية».
والبيانات والتقارير الصادرة عن الدول والوكالات تنذر بالوضع الاقتصادي والأمني المتردي في سوريا، وكان آخرها ما نسب لصحيفة «وول ستريت جورنال» التي قالت في تقرير لها صدر مؤخراً، إن إيران تحدّ من كميات النفط إلى سوريا وترفع سعره، وإن الإيرانيين طلبوا من سوريا سداد ثمن النفط المطلوب مُقدماً؛ ما يضاعف اضطرابات الاقتصاد السوري الذي يعتمد على إيران في أكثر من نصف احتياجاته النفطية. وتحدثت وكالة «أسوشييتد برس» حول عجز حكومة النظام عن دفع مستحقات الرواتب للموظفين والمتقاعدين خلال أشهر مقبلة، وأن روسيا ردت بالرفض على طلب القرض الذي قدمه المصرف المركزي في سوريا.
ويقول خبير اقتصادي في درعا، رفض الكشف عن اسمه الصريح، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم نفي مصرف سوريا المركزي نفياً قاطعاً حول احتمالية التأخر بتسديد رواتب العاملين في الدولة الأشهر المقبلة، ومع عدم إصدار بيان رسمي ينفي ما تداولته وسائل الإعلام بأن إيران تحدّ من كميات النفط إلى سوريا وترفع سعره مع الدفع مقدماً، يتخوف أبناء الجنوب السوري من الإغلاقات المتكررة لجهات حكومية، ووقف جميع أنشطتها أو تعليقها لعدم توفير المحروقات اللازمة للعمل أو للتنقل، كان آخرها إيقاف الدوام في جميع برامج التعليم المفتوح للجامعات إلى وقت لاحق، وإيقاف التكليف بساعات العمل الإضافي لجميع العاملين في الدولة، وعدم طرح البنك المركزي حلولاً اقتصادية ومعيشية للموظفين في الدولة، مع نفيه العجز عن تسديد رواتب الموظفين والمتقاعدين، بعد أن بات أعلى سقف راتب شهري للموظف في سوريا يساوي 50 دولاراً أميركياً. بالإضافة إلى أن اعتمادات الموازنة العامة للدولة السورية لسنة 2023 بمبلغ إجمالي يعادل 5.4 مليار دولار وفق سعر الصرف الرسمي للبنك المركزي الذي كان يحدد 3015 ليرة سورية للدولار الواحد في وقت إصدار هذه الموازنة، لكن الموازنة بقسمة سعر الصرف في السوق السوداء للدولار والتي هي القيمة الحقيقة للدولار مقابل الليرة السورية التي وصلت إلى 6000 ليرة سورية للدولار الواحد، تعدّ الأدنى منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة للنظام في عام 2011 حتى عام 2022؛ مما يشكل دليلاً ملموساً على أن الاقتصاد السوري منهك وقد يصل في أي لحظة إلى الانهيار.
أضف إليه، أن جميع السوريين يعانون ظروفاً معيشية صعبة وتفشياً للبطالة وانعدام الفرص وانقطاع للمحروقات، مع إصرار أميركي على العقوبات الاقتصادية على الأسد والمتعاونين معه، والتمسك بالحل السياسي في سوريا، بالوقت الذي لا تعطي روسيا اهتماماً لصيحات الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي في سوريا، بقدر سعيه للحفاظ على مصالحه المرتبطة مع نظام دمشق، بينما إيران منشغلة بمشاكلها الداخلية والتضخم الاقتصادي لديها.
ويقول مصدر حكومي في نقابة العمال، إن شح المحروقات في سوريا وغلائها أثّر على معظم القطاعات الحكومية والخاصة وعلى المواطنين، حيث ازدادت ساعات تقنين الكهرباء ووصلت في بعض المناطق إلى 20 ساعة من القطع الكهربائي في اليوم، وارتفعت أجور النقل والمواصلات؛ ما زاد أعباء الموظفين بعد أن تساوى الراتب الشهري مع قيمة المواصلات في الشهر، وتأخير بحصول المواطنين على حصصهم من مادة المازوت للتدفئة من شركة تكامل المقدرة بـ200 ليتر من المازوت توزع على مراحل خلال فصل الشتاء لكل عائلة، مضيفاً، لا يمكن توفير إحصائية رسمية لعدد الموظفين في القطاع العام في جنوب سوريا؛ وذلك نتيجة الاستقالات والتسرب الوظيفي لأعداد كبيرة من الموظفين، نتيجة عوامل عدة، أبرزها المدخول الشهري للموظف الذي لا يتناسب مع تكاليف الحياة، فمنهم من فضّل الحصول على الاستقالة بشكل قانوني؛ للبحث عن سبيل أفضل لتحقيق الدخل، ومعظمهم اختار السفر خارج البلاد، وآخرون من الذين وجدوا صعوبة في الحصول على الاستقالة اختاروا الهروب والتغيب غير القانوني.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

العليمي يعلن نهاية زمن الاعتداءات الحوثية «بلا تكلفة»

العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)
TT

العليمي يعلن نهاية زمن الاعتداءات الحوثية «بلا تكلفة»

العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، إن السلام في بلاده لا يمكن أن يتحقق مع جماعة مسلحة تحتفظ بالصواريخ والطائرات المسيّرة وتتحكم بقرار الحرب والسلم، مؤكداً أن مرحلة الاعتداءات الحوثية «بلا تكلفة» انتهت. وطالب العليمي خلال لقائه، أمس (الاثنين)، سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، بموقف دولي واضح وسريع يدين استهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية والموانئ التجارية، ويحمل الحوثيين مسؤولية التصعيد.

ووضع العليمي الهجوم على ميناء المخا في سياق تصعيد متواصل شمل مأرب وحضرموت والساحل الغربي، مشيراً إلى أن القصف ألحق أضراراً بمنشآت مدنية وخدمية وسفن تجارية، وأوقع ضحايا بينهم نساء وأطفال.

وقال إن الحكومة اليمنية لم تبدأ التصعيد، واختبرت السلام أولاً، والتزمت خلال السنوات الماضية التهدئة وتسهيل حركة الطيران والموانئ وتدفق السلع، لكنها لن تسمح بتحويل التزامها السلام إلى فرصة مفتوحة للحوثيين لشن الهجمات متى وأين شاءوا، مؤكداً أن الدولة لن تسمح للجماعة باحتكار قرار الحرب أو السلام.


العليمي للسفراء: مرحلة الاعتداءات الحوثية بلا كلفة انتهت

العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)
TT

العليمي للسفراء: مرحلة الاعتداءات الحوثية بلا كلفة انتهت

العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إن التصعيد الأخير الذي تنفذه جماعة الحوثي الإرهابية يمثل اختباراً جديداً لجدية المجتمع الدولي في حماية فرص السلام في اليمن، مطالباً الدول الراعية للعملية السياسية بموقف واضح إزاء استهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية والموانئ التجارية.

وأضاف العليمي، خلال لقائه، الاثنين، سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، أن الحكومة اليمنية لم تبدأ التصعيد ولم تبحث عنه، لكنها لن تسمح بأن يتحول التزامها بالسلام إلى «تصريح مفتوح» للحوثيين لاختيار توقيت الهجمات وأماكنها، ثم مطالبة الأطراف الأخرى بضبط النفس عند الرد.

وتطرق رئيس مجلس القيادة إلى الهجوم الحوثي بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على ميناء المخا في الساحل الغربي، وما أسفر عنه من ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، مشيراً إلى أن الهجوم استهدف منشآت مدنية وخدمية وليس موقعاً عسكرياً.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وأوضح أن الهجوم طال الرصيف البحري ومرافق خدمية ورافعات مخصصة لمناولة البضائع والسلع الغذائية، إلى جانب عدد من السفن التجارية الراسية في الميناء، كما ألحق أضراراً بالمستشفى السعودي ومصلحة الهجرة والجوازات ومشاريع للمياه.

تصعيد غير مسبوق

وضع العليمي هجوم المخا في سياق سلسلة من التصعيد الحوثي المستمر منذ أسابيع، مشيراً إلى ما وصفه بمحاولة تسيير رحلات جوية لـ«الحرس الثوري» الإيراني إلى صنعاء، واستهداف السفن التجارية، والهجمات التي طالت أعياناً مدنية في السعودية، وصولاً إلى الهجمات في مأرب وحضرموت والساحل الغربي.

وقال إن تلك الهجمات طالت مواقع للقوات المسلحة ومنشآت سيادية وأعياناً مدنية ومخيمات للنازحين، معتبراً أن الاعتداءات لم تعد مرتبطة بجبهة عسكرية منفردة، وإنما باتت، وفق تعبيره، اعتداءً على الدولة اليمنية بكاملها.

أضرار واسعة تسببت فيها الهجمات الحوثية على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وجدد رئيس مجلس القيادة اليمني تحذيرات الحكومة اليمنية السابقة من صعوبة بناء سلام مستدام مع جماعة مسلحة تحتفظ بقدرات صاروخية باليستية، وتتحكم في قراري الحرب والسلم، بينما تضع قادتها، بحسب قوله، فوق الدولة وسيادة القانون.

وتابع العليمي أن الحكومة «لم تختبر الخيار العسكري أولاً، بل اختبرت السلام أولاً»، مشيراً إلى أنها التزمت خلال السنوات الماضية بالتهدئة وضبط النفس، وسهلت حركة الطيران والموانئ وتدفق السلع، وتجاوبت مع جهود الأمم المتحدة والدول الشقيقة والصديقة، رغم ما ترتب على ذلك من كلفة سياسية واقتصادية.

وأضاف أن الحكومة فعلت ذلك انطلاقاً من قناعة بأن «حياة اليمنيين أغلى من أي شيء آخر»، محملاً ما وصفه بالتساهل الدولي خلال السنوات الماضية جانباً من مسؤولية وصول الوضع إلى المرحلة الحالية.

لا اعتداء بلا كلفة

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني إن المعادلة الميدانية والسياسية تغيرت، وإن جماعة الحوثي «يجب أن تدرك أن مرحلة الاعتداء بلا كلفة انتهت»، مؤكداً أن القوات المسلحة اليمنية أصبحت، وفق تعبيره، أكثر جاهزية.

وأشار إلى أن التطورات الأخيرة أثبتت، بحسب قوله، أن الاعتداءات على مأرب وحضرموت والساحل الغربي لم تمر دون رد، وأن الدولة لن تسمح للحوثيين باحتكار قرار بدء المواجهة وتوقيتها ومكانها وحجمها، ثم احتكار قرار التوقف عنها.

ودعا رئيس مجلس القيادة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في حماية قواعد النظام الدولي، وفي مقدمتها حماية المدنيين والمنشآت والأعيان المدنية والموانئ التجارية، واحترام سيادة الدول، ورفض استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لفرض مكاسب سياسية أو اقتصادية غير مشروعة.

وحذر من أن الصمت أو استخدام لغة ملتبسة تجاه التصعيد قد لا يساعد على التهدئة، بل قد تفسره جماعة الحوثي باعتباره مساحة لمزيد من التصعيد.

وقال العليمي مخاطباً سفراء الدول الراعية للعملية السياسية: «نحن لا نطلب من أصدقائنا بيانات تضامن مع الحكومة بقدر ما نطلب الدفاع عن قواعد يفترض أنها تخص النظام الدولي كله»، داعياً إلى عدم المساواة مجدداً بين الدولة والجماعات المسلحة.

وطالب بموقف سياسي دولي واضح وسريع يدين استهداف الموانئ والمنشآت المدنية والمدنيين، ويحمل الحوثيين مسؤولية التصعيد، مع دعم حق الحكومة اليمنية في حماية مواطنيها ومؤسساتها ومنشآتها الاقتصادية في إطار القانون الدولي.

وفي رسالة مباشرة إلى الدول الراعية للعملية السياسية، قال العليمي إن أصدقاء اليمن طلبوا من الحكومة طوال السنوات الماضية «أن نعطي السلام فرصة»، مؤكداً أنها فعلت ذلك «بكل مسؤولية، وربما أكثر مما كان متوقعاً». وأضاف: «واليوم نطلب من أصدقائنا أن يعطوا الدولة فرصة أيضاً».


هجوم حوثي مُسيَّر يقتل جنديين في مأرب

صورة وزعها الحوثيون لطائرة مُسيَّرة استهدفت ميناء المخا اليمني (إ.ب.أ)
صورة وزعها الحوثيون لطائرة مُسيَّرة استهدفت ميناء المخا اليمني (إ.ب.أ)
TT

هجوم حوثي مُسيَّر يقتل جنديين في مأرب

صورة وزعها الحوثيون لطائرة مُسيَّرة استهدفت ميناء المخا اليمني (إ.ب.أ)
صورة وزعها الحوثيون لطائرة مُسيَّرة استهدفت ميناء المخا اليمني (إ.ب.أ)

غداة اعتداءات حوثية غير مسبوقة بالصواريخ والمُسيَّرات، على مدينة المخا ومينائها ومناطق أخرى في الساحل الغربي اليمني، استهدفت الجماعة المدعومة من إيران، الاثنين، مديرية حريب التابعة لمحافظة مأرب بطائرة مُسيَّرة، في وقت تتجه فيه السلطات والقوات الحكومية اليمنية إلى رفع مستوى الجاهزية الأمنية والعسكرية، وحماية المنشآت الحيوية في المهرة وحضرموت.

وأفادت مصادر عسكرية ميدانية بمقتل جنديين من قوات دفاع شبوة، وإصابة 7، إثر هجوم بطائرة مُسيَّرة شنته الجماعة الحوثية على مواقع القوات في جبهة حريب، في تصعيد يأتي بعد أيام من هجوم آخر استهدف المنطقة نفسها.

ويأتي الهجوم في سياق تصعيد متواصل للحوثيين، بعدما شهدت الأيام الأخيرة هجمات استهدفت مواقع للقوات الحكومية في مأرب وحضرموت والضالع والساحل الغربي.

جاء ذلك في وقت تتجه فيه السلطات المحلية والعسكرية اليمنية في المحافظات الشرقية والجنوبية إلى تعزيز الإجراءات الأمنية، ورفع مستوى الاستعداد، تحسباً لأي تهديدات جديدة.

وفي هذا السياق، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، سلطان العرادة، أهمية رفع مستوى اليقظة والجاهزية في محافظة المهرة، وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية لمواجهة التحديات الأمنية.

وشدد العرادة، خلال لقائه قائد محور الغيضة العسكري، اللواء الركن سالم كدَّه، بحضور رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة، الفريق الركن صغير بن عزيز، على ضرورة مواصلة الجهود لمواجهة أنشطة التهريب التي تديرها الجماعة الحوثية، وإحباط مساعيها لزعزعة الأمن والاستقرار.

وأكد أن المهرة -بوصفها بوابة اليمن الشرقية- تحظى بأهمية استراتيجية خاصة، داعياً إلى الحفاظ على استقرارها وتعزيز حضور مؤسسات الدولة وحماية المنافذ والمصالح الوطنية.

تأمين المنشآت الحيوية

بالتوازي مع رفع الجاهزية في المهرة، تحركت السلطات في حضرموت لتعزيز حماية المنشآت الحيوية والاقتصادية، في ظل تصاعد المخاوف الأمنية التي فرضتها الهجمات الأخيرة.

وتفقد عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، مطار الريان الدولي، وميناء المكلا، وميناء الضبة النفطي، للاطلاع على مستوى الجاهزية، والإجراءات المتخذة لتعزيز أمن وسلامة هذه المنشآت.

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جرَّاء الهجمات الحوثية (إعلام محلي)

وفي مطار الريان، اطَّلع الخنبشي على الإجراءات الاحترازية المتخذة لتأمين المطار والمسافرين والعاملين، وشدد على تطوير خطط الطوارئ والسلامة، وتعزيز التنسيق بين الجهات المدنية والعسكرية والأمنية.

كما ترأَّس اجتماعاً في ميناء المكلا، ناقش مستوى الجاهزية وخطط التعامل مع حالات الطوارئ ومنظومة الأمن والسلامة، بما يضمن استمرار العمل وحماية الأرواح والممتلكات والمنشآت.

وفي ميناء الضبة النفطي، تفقد الخنبشي العوامات البحرية ومنصة الشحن ومنطقة الخزن الاستراتيجي، واطلع على الإجراءات المتخذة لتعزيز الأمن والسلامة وحماية المنشآت، إلى جانب الأضرار التي تعرضت لها بعض مرافق الميناء ومنصات التصدير جراء استهدافات سابقة.

وشدد الخنبشي على ضرورة رفع كفاءة الاستجابة لأي مخاطر محتملة، وتأمين الكوادر العاملة، وتحديث خطط الطوارئ، والاستفادة من الوسائل والتقنيات الحديثة في منظومات الحماية والسلامة.

وتعكس هذه الإجراءات اتجاهاً حكومياً نحو التعامل مع التصعيد الحوثي، بوصفه تهديداً لا يقتصر على خطوط المواجهة العسكرية، وإنما يمكن أن يمتد إلى المنشآت الاقتصادية والمنافذ والمطارات والموانئ، وهي مرافق تمثل أهمية مباشرة لاستقرار المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية في اليمن.